30‏/8‏/2009

الفوضى القاتلة في سوق الحيوانات الأليفة


لا رقابة من وزارة الزراعة والمستهلك هدف سهل والأسعار نار

من وراء القضبان (مروان طحطح)من وراء القضبان (مروان طحطح)تُعدّ سوق الحيوانات الأليفة سوقاً فوضوية بامتياز، والإهمال فيها موصوف، ويطال جميع المعنيين بهذا القطاع، من وزارة الزراعة إلى المستوردين أو التجار، ما يجعل حياة الحيوانات مأساة حقيقية، ويحوّل المستهلك اللبناني إلى هدف سهل للغش والتزوير!

رشا أبو زكي
إنها قطة تركية، عيونها شاحبة؟ كلا فهي تريد أن تنام. وبرها وسخ؟ كلا فقد أتيت متأخراً إلى المحل ولم أستطع تنظيفها. ولكن لماذا يوجد كلبان كبيران في القفص الصغير نفسه؟ يسكت صاحب المحل ليفكر بجواب «يفحم» به السائل فيقول «هذين الكلبين لأحد الأشخاص وضعهما عندي إلى حين عودته من السفر»... إنها باختصار آلية الاتجار بالحيوانات في لبنان، حيث يتداخل فيها التزوير والفساد وسوء المعاملة وغياب الرقابة الرسمية من قبل وزارة الزراعة تداخلاً شبه مطلق، لينتج سوقاً فوضوية لا قوانين تحكمها ولا قرارات تلزمها، ما يجعل المستهلك اللبناني لعبة سهلة بأيدي التجار الكبار... والصغار. وتبدأ رحلة العذاب للحيوانات الأليفة في طريقة الاستيراد، حيث لا قانون يفرض عدد الحيوانات المفترض أن توضع في قفص واحد، ما يجعل التجار يفضّلون خفض نفقاتهم على الشحن من خلال «حشر» عدد كبير من الحيوانات في قفص واحد في رحلات سفر طويلة، وتصل إلى تزوير شهادات الولادة للحيوانات واللقاحات التي حصلوا عليها في بلدهم الأم... وتتفجر الفوضى في محال بيع الحيوانات الأليفة، حيث لا مراقبين يعرفون كيفية التعامل مع الحيوانات وأسلوب إطعامها ونوع طعامها، والحفاظ على نظافتها، لتنتهي بتعرّض حوالى 50% من الحيوانات المقتناة حديثاً لأمراض فيروسية بعضها يكون مميتاً!
ويشير الطبيب البيطري ونائب رئيس جمعية الرفق بحيوانات لبنان علي حمادة إلى أن الرقابة غير موجودة أبداً على المحال التجارية التي تبيع الحيوانات، حيث يجب أن تكون هذه المهمة منوطة بمديرية الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة. ويلفت إلى أن 50% من الحيوانات المقتناة حديثاً من المحال تعاني أمراضاً مميتة وخبيثة، بسبب الإهمال وعدم المعرفة والدراية بكيفية التعاطي مع الحيوان الأليف، موضحاً أنه يجب أن تكون هنالك مقاييس مفروضة على أصحاب المحال وعلى المستوردين من حيث مراقبة النظافة وطريقة التعامل والطعام وانتظامه ونوعية الطعام المقدم للحيوانات... وهذه غير موجودة، لافتاً إلى أن الجمعية تعمل على مشاريع قوانين تحصّل حقوق الحيوان من الدولة، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الناس يقولون «فلنحصّل حقوق الإنسان أولاً»، إلا أن هذا العمل لا يتعارض مع إيجاد قوانين تراعي معاملة جيدة للحيوان في لبنان، ويلفت إلى أن مشاريع القوانين هذه تطال كيفية التعاطي مع الحيوانات في المجتمع، وكيفية استيراد الحيوانات بطريقة معترف بها دولياً، إضافة إلى كيفية تنظيم عمل التجار عموماً.

ترتفع أسعار الحيوانات في لبنان بنسب كبيرة بسبب الرسوم الجمركية

ويشير نقيب البيطريين في لبنان فؤاد الحاج إلى أن كل نوع من الحيوانات المستوردة يعاني مشاكل خاصة، لكن في الإجمال هناك أمور مشتركة، تتعلق بتزوير الشهادات الصحية البيطرية التي ترافق الحيوان الأليف من بلد المنشأ، ما يؤثر على نوعية اللقاحات المقدمة، ويلفت إلى أن الإجراءات المتعلقة بالاستيراد لا تُعدّ مستوفية للشروط إلا إذا كانت الحيوانات ملقّحة وفق مواصفات وزارة الزراعة، وملقّحة قبل شهر من الوصول إلى لبنان، وتحمل شهادات بيطرية قانونية.
إلا أن رئيس مصلحة الثروة الحيوانية في وزارة الزراعية نبيه غوش يرى أن الرقابة على المحال موجودة، لكنها ليست دورية، وهي تجري بالحد الأدنى المطلوب، موضحاً أنّ هناك مراقباً واحداً في كل منطقة، ومعتبراً أن هذا العدد غير كاف للقيام بالمهمات المطلوبة، وخصوصاً أن المراقبين مكلّفون بإعطاء النصائح لأصحاب المحال، من دون فرض غرامات على المخالفين. ويشير غوش إلى أن مواصفات وزارة الزراعة حالياً ليست متوافقة كلها مع المواصفات الأوروبية مثلاً، ويشدد على أن الحيوانات المستوردة إلى لبنان تعاني المشكلات، بسبب السفر البعيد في أقفاص صغيرة، ومن ثم نقلها إلى لبنان ووضعها كذلك في أقفاص، إضافة إلى سوء معاملتها، فتصاب بأمراض لكونها صغيرة ولأن لديها نقصاً في جهاز المناعة. ويشير إلى أنه من غير المنطقي أن يضع المستوردون عدداً كبيراً من الحيوانات في قفص واحد، لأن التجار يبحثون عن مصالحهم، لكنهم في الواقع يتحمّلون خسائر كبيرة عندما تكون نسبة الوفاة أكثر من 10 إلى 15%!
ولا تقتصر الفوضى في سوق الحيوانات الأليفة على الجوانب الصحّية، بل إن أسعار هذه الحيوانات في لبنان مرتفعة جداً نسبة إلى أسعارها في بلدها الأم، إذ من الممكن أن يكون سعر القطة مثلاً في السوق الأوروبية 10 دولارات وتصل إلى لبنان بـ100 دولار نتيجة الرسوم الجمركية المرتفعة وغياب التنظيم. ويشير بسام شاتيلا، وهو صاحب محل لبيع الحيوانات في منطقة سليم سلام، إلى أن سوق الحيوانات الأليفة تراجع كثيراً خلال الخمس عشرة سنة الماضية، وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة في لبنان، التي تجعل الأولوية لشراء الحاجات الأساسية للأسر بدلاً من شراء الحيوانات الأليفة. ويلفت إلى أن الرقابة تحصل في مرحلة استيراد الحيوانات لا في مرحلة وضعها في المحال، موضحاً أن أهم بلدان الاستيراد هي سوريا والعراق وإيران والسنغال ودول أفريقية أخرى... وأكثر ما يباع هو السمك بسبب سعره المنخفض، فيما الحيوانات الأغلى هي الأفاعي التي من الممكن أن يصل سعر الواحدة منها إلى 5 آلاف دولار. ويشير إلى وجود الكثير من طرق الغش في القطاع، إلا أن من يقوم بهذه السلوكيات لا يمكن أن يستمر في عمله، لأنه في الأساس يقوم على الهواية في الحفاظ على حياة الحيوانات وطريقة تربيتها والعناية بها.
أما زكريا شاتيلا، وهو صاحب محل «مملكة الطيور» في الحمرا، فيقول إن أكثر الدول التي تصدّر السمك هي ماليزيا وسنغافورة وسوريا، أما طيور الكناري فمن بلجيكا وهولندا وإيطاليا وعدد من الدول الأرووربية، والقطط من إيران وتركيا، ويبلغ سعر القطط الفارسية بين 250 و300 دولار، والتركية حوالى 120 دولاراً، أما القطط المحلية فهي لا تباع إجمالاً، «إذ نضعها للتبنّي على أن يشتري من يريدها حاجاتها من المحل، وإجمالاً هذه القطط غير مرغوبة كثيراً، لأنها «شيطانة» وشكلها عادي». أما حاجات الحيوانات الأليفة الأساسية، كالبحص والرفش لإزالة الأوساخ والجاط، فهي زهيدة الثمن، وكذلك الأطعمة، فيما مساحيق التنظيف والأدوية وغيرها متوسطة السعر، إذ تراوح بين 20 دولاراً و100 دولار.



350 ألفاً

هو عدد طيور الكناري التي يستوردها لبنان سنوياً لتلبية الطلب في السوق المحلية، علماً بأنه ليس هناك سوى 3 مستوردين كبار للطيور في كل لبنان، فيما هناك 4 مستوردين كبار للسمك، وتأتي الحيوانات الأخرى عن طريق المستوردين الصغار



عمليات تزاوج محليّة

يقول خليل صباغ الذي يعمل في مجال بيع الحيوانات منذ 10 سنوات، وخصوصاً السمك والسلاحف والقطط والكلاب، إن الرقابة على القطاع معدومة، وكل شيء يعتمد على أخلاقية صاحب المحل وحبّه للحيوانات وحفاظه على نظافتها. ويشير إلى أن أصحاب المحال الصغيرة يتكلّفون حوالى 400 دولار شهرياً لتوفير الحاجات الأساسية للحيوانات. أما اللافت فهو عمليات التزاوج التي يشرف عليها أصحاب المحال أنفسهم. ويقول زكريا شاتيلا إن غالبية أصحاب المحال يزوّجون القطط مثلاً من أنواع مختلفة، ومن ثم يبيعون القطط الصغيرة، «وهي عملية مربحة جداً».


عدد الاربعاء ٢٦ آب ٢٠٠٩

24‏/8‏/2009

لا مختبر مركزياً في لبنان منذ 2007!


كيف يدخل الدواء الى لبنان؟ (بلال جاويش)كيف يدخل الدواء الى لبنان؟ (بلال جاويش)

هدّم لقربه من مقر برّي... وسيُستبدل بآخر كلفته 800 ألف دولار

«لا مختبر مركزياً في لبنان منذ سنتين»، عبارة واحدة تعدّ حدثاً طبياً بامتياز. فالمختبر المركزي الذي أقفل بسبب قربه من مقر إقامة رئيس مجلس النواب نبيه بري «لدواع أمنية»، ترك فراغاً دام فترة طويلة، فيما يطمئن وزير الصحة محمد جواد خليفة إلى أن مشروع إنشاء مختبر جديد ينتظر تأليف الحكومة

رشا أبو زكي
في نهاية عام 2007، أصبح المختبر المركزي في حكم الميت، بعد أن قدم خدماته المخبرية منذ عام 1956 في مركزه الكائن في عين التينة. وقد اختصرت مهمات المختبر المجانية بثلاثة أقسام: الاختبارات على الجراثيم في المواد الغذائية والمياه، والاختبارات الكيميائية التي تُجرى على الأدوية، إضافة إلى فرع الحمّى الذي يتولّى فحوص الأمراض المعدية. وتعتمد وزارات الصحة، الاقتصاد والتجارة، الطاقة والمياه، الزراعة والبيئة على هذا المختبر لإجراء الفحوص على المواد المستوردة وبعض المواد المصدّرة... إلا أنّ واقع وجود المختبر بالقرب من مقر رئيس مجلس النواب نبيه بري عجّل في موت المختبر، إذ جرى التذرّع بالأسباب الأمنية لنقله من مكانه، نظراً إلى وجود موادّ يمكن استخدامها في أعمال إرهابية، فأجريت دراسات عديدة لنقله إلى الكرنتينا، إلا أن مجلس شورى الدولة رفض طلب نقله عام 2006، ومن ثم رفع وزير الصحة العامة طلب النقل وقدّمه أمام مجلس الوزراء في آب من عام 2007، تحت مبرر تداخله مع مقر الرئاسة الثانية وأنه يمثّل تهديداً أمنياً... رفض الطلب. ورأى خليفة حينها أن «الرفض سياسي»، إلا أن موقف الحكومة تبعه مباشرة هدم المختبر ونقل معدّاته إلى مختبر في برج البراجنة، بعد أن كان مقرراً نقلها إلى الكرنتينا، وطُلب من 40 موظفاً إخلاﺀ مكاتبهم... وهذا ما حدث!

ماذا يحدث الآن؟

وأشار خليفة في حديث مع «الأخبار» إلى أن المختبر المركزي كان تنفيعة، إذ كل وزير يأتي، يوظّف عدداً من المحسوبين عليه في المختبر، والدليل أنه ليس هناك أكثر من 4 موظفين في المختبر المركزي متخصصين، والباقون ملحقون بدائرة الصيدلة في الوزارة. وأشار إلى أنه حين بدأت الإجراءات الأمنية في محيط منزل بري، أُغلقت مداخل المختبر، فكان هناك خياران؛ إما أن يُنقل منزل بري، أو يُغلق المختبر... وهكذا، اختفى المختبر المركزي، وحُوّلت، وفق خليفة، الفحوص إلى المختبرات الجامعية، فيما أصدر قرارات بتحويل الفحوص المعقدة إلى المختبرات الخارجية، وذلك وفق القانون الذي يجيز للدولة إرسال الأدوية إلى المختبرات العالمية على نفقة المستورد...
ويقول رئيس نقابة مستوردي الأدوية أرمان فارس لـ«الأخبار» إنه في نيسان من عام 2007 أصدر وزير الصحة قراراً يتعلق بآلية التكيّف مع إغلاق المختبر، ومن ثم ألحقه بقرار توضيحي رقمه 199/1 في 10 آذار 2009 يتعلق بالتحليل المخبري للأدوية. فمراقبة التحليل مطلوبة عند تسجيل الدواء، وأحياناً على عيّنات كل شحنة تدخل إلى لبنان. ويشير القرار إلى أن كل الأدوية الـ«أوريجينال» المبتكرة من الشركات الدولية المصنِّعة لا تحتاج إلى تحليل قبل تسجيلها، لكون مختبراتها هي التي ابتكرت الدواء. أما أدوية الـ«جنريك» التي أصبحت تمثّل ما بين 35 و45 في المئة من الأدوية المطروحة في لبنان، فيفرض القرار أن تقوم الشركة المستوردة قبل تسجيل الدواء بتحليله مخبرياً في مختبر من أحد البلدان المرجعية الدولية. وفي المرحلة الثانية يجري التحليل عند كل شحنة في مختبرات جامعية لبنانية. ويشير فارس إلى أن أكلاف التحاليل ارتفعت على المستوردين، بعد أن كانت شبه رمزية في المختبر المركزي. فهي مكلفة في المختبرات الجامعية، أما التحاليل التي تجري خارج لبنان فهي تصل إلى 5 آلاف دولار على كل صنف، ويتحمّلها المستورد والشركة المصنّعة، موضحاً أن هذه الأكلاف لا تضاف إلى سعر الدواء، «فقد انتقلت كلفة التحليل من الخزينة إلى عاتق المستوردين».

مشروع لمختبر جديد

وأوضح خليفة أن وفداً من الخبراء الفرنسيين ومنظمة الصحة العالمية وضعوا تقريراً مفصلاً انتهى منذ شهرين، عن مواصفات بناء مختبر جديد وآلية عمله وتفعيله، لكون الأدوية الحديثة تحتاج إلى مختبرات متخصصة، وقد حُصرت الاقتراحات إما بإنشاء مبان إضافية في مستشفى بيروت الحكومي للمختبر، أو بنقله إلى الكرنتينا. وتراوح كلفة المشروع بين 600 و800 ألف دولار، والتمويل متوافر عبر هبات من جهات مختلفة، فيما التجهيزات بعضها موجود والبعض الآخر سيقدم هبات أيضاً، وهذا المشروع ينتظر تأليف الحكومة لاتخاذ قرار في مجلس الوزراء والموافقة على المباشرة في تنفيذه.
وأشار إلى أنه في الوقت الحاضر ، تعمل جميع المختبرات في المستشفيات الحكومية لمصلحة الوزارة، وتجرى فيها غالبية الفحوص المطلوبة وبتقنية عالية... إلا أن عمل المختبر المركزي لم يكن محصوراً بالفحوص الدوائية، فهو يطال كذلك السلع الاستهلاكية الأخرى. هنا، يقول خليفة إن المختبر المركزي أصيب بالضعف بعد أن أنشئت المختبرات الصناعية والزراعية المتخصصة (معهدا البحوث الزراعية والصناعية) وبالتالي فإن التركيز سيكون على مختبر للأدوية، فيما تقوم كل وزارة بتفعيل مختبراتها لإجراء الفحوص اللازمة.
هذه الإيجابية تنعكس تشاؤماً مطلقاً لدى النائب السابق (عضو لجنة الصحة النيابية سابقاً) إسماعيل سكّرية، الذي يشير إلى أن القانون يفرض أن يفحص الدواء المستورد، مهما كانت الجهة المصنّعة، في مختبر الرقابة على الدواء، أي في المختبر المركزي، وتطال هذه الفحوص الثبات في تركيبة الدواء، والأمان، والتركيب الكيميائي، والتوافر الحيوي. إلا أن جميع هذه الفحوص، «وعلى مسؤوليتي»، لا تُجرى بذريعة أن «هذه الأدوية مستوردة من مصانع معروفة»، فيما السجائر التي تصدّر إلى العالم الثالث تختلف عن تلك المستهلكة في دول المنشأ، لافتاً إلى أن قرار الوزير بإرسال الأدوية إلى الخارج لفحصها لا يطبّق، وتُسجل الأدوية من دون إجراء الفحوص اللازمة، ولا حتى في المختبرات الجامعية، وإذا أُجريت فإن المختبرات الجامعية لا تمتلك المؤهّلات الكاملة لإجراء فحوص دقيقة للأدوية... أما الأنكى، بحسب سكّرية، فهو أنه كان هناك قانون يلزم المستورد بالحصول على شهادة بلد المنشأ لكل دواء قبل تسجيله، وذلك للتأكد من أن الدواء آمن، إلا أنه في عام 2005 نُسف هذا الموضوع، بحجة أن مصانع الأدوية جيدة... فهل هذه ضمانة؟ معتبراً أن لبنان بلا مختبر، وهو بلا صمام أمان لصحة المستهلك...



6 مختبرات

هو عدد المختبرات الجامعية التي أعلنت وزارة الصحة العامة أنها تعتمدها في ما يتعلق بالتحاليل المخبرية للأدوية، وهي الجامعة العربية، القديس يوسف، الجامعة اللبنانية، الجامعة اللبنانية الأميركية، الجامعة الأميركية للعلوم، والجامعة الأميركية



لبنان ناقص

يقول رئيس نقابة الصيادلة صالح دبيبو إن القانون يلزم بوجود مختبر مركزي، إلا أن هذا المختبر غير موجود، على الرغم من أهميته، لا للدواء فقط، بل لجميع المواد الاستهلاكية في لبنان، فيما يشير رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي إلى أن مستوردي المواد الغذائية يقومون بإجراء الفحوص اللازمة على مستورداتهم في مختبر الفنار ومعهد البحوث الصناعية، لكنّهم يدفعون ثمن إجراء هذه الفحوص، لتحتسب ضمن أسعار السلع على المستهلك. ويقول فارس «نحن نرى أنه من دون مختبر مركزي هناك شيء ناقص في لبنان»


عدد الاثنين ٢٤ آب ٢٠٠٩

مرفأ بيروت نحو العالميّة


سفينة شحن بضائع ترسو في مرفأ بيروت (هيثم الموسوي)سفينة شحن بضائع ترسو في مرفأ بيروت (هيثم الموسوي)
لا يزال مرفأ بيروت يحقق حركة قياسية، ليدخل هذا العام إلى لائحة أفضل 100 مرفأ في العالم. إلا أن الازدحام الذي أحدثته زيادة عدد الحاويات إلى أكثر من مليون حاوية هذا العام لا يزال ينتظر الحل... والحلّ هو توسعة الرصيف الـ16 الذي سينتهي بعد 30 شهراً

رشا أبو زكي
في 26 شباط الماضي، وافق مجلس الوزراء على طلب وزارة الأشغال العامة والنقل توسيع الرصيف الـ16 لمرفأ بيروت، من خلال استئجار مساحة 64 ألف متر مربع من باحة ساحة العبد التابعة لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، وذلك لتخزين الحاويات فيها. وعلى الرغم من استكمال إجراءات التلزيم، لا يزال المشروع من دون تنفيذ. أما الأسباب، فتعود وفق مصادر الوزارة إلى المفاوضات بين إدارة المرفأ ومصلحة سكك الحديد على تحديد قيمة استئجار المساحة ومدة استثمارها، ما يستلزم بعض الوقت. وإلى ذلك الحين، لا يزال مرفأ بيروت، الذي سيدخل هذا العام في لائحة أفضل 100 مرفأ في العالم، مزدحماً بحاويات تتجاوز بعددها قدرته الاستيعابية التي ترتفع بطريقة متسارعة، لتصل هذا العام إلى أكثر من مليون حاوية.

التوسيع... أكثر من ضرورة

فقد قرر وزير الأشغال العامة غازي العريضي بعد مطالبات دامت سنوات من العاملين في المرفأ، توسعة الرصيف الـ16 لمرفأ بيروت، وفازت شركة «حورية» الشريكة لمؤسسة دنماركية، بالمناقصة التي شاركت فيها 8 شركات عالمية، لكون عرضها هو الأفضل والأقل كلفة، وتبلغ قيمة المشروع 128 مليوناً و85 ألف دولار. وقال العريضي إن ملف توسعة مرفأ بيروت ينتظره كثيرون منذ سنوات، وقد جرى تلزيم المناقصة بعد إعلانها منذ أشهر في حرم مرفأ بيروت، استناداً إلى القرار الأول الذي اتُّخذ في الوزارة، وأعطيت الموافقة السريعة على مشروع توسعة الرصيف الـ16. ولفت العريضي إلى أنّ هناك تعاقداً مع مؤسستين عالميتين، واحدة ألمانية، وأخرى بريطانية عملها التدقيق في كل هذه المسائل من مكاتب دراسات واستشارات أساسية، وبالتالي جرى الرجوع إلى هاتين المؤسستين للوقوف على رأيهما في كل ملف قبل الوصول إلى النتيجة النهائية في المناقصة.
إلا أن تنفيذ المشروع تأخر منذ إصدار مجلس الوزراء قرار الموافقة نحو 6 أشهر، ما استدعى من الهيئة الإدارية للغرفة الدولية للملاحة في بيروت المطالبة بالتعجيل في تنفيذ قرار مجلس الوزراء، لافتة إلى أن قرار مجلس الوزراء جاء نتيجة للوضع الراهن في مرفأ بيروت، حيث إن القدرة الاستيعابية للمساحة المخصصة لتخزين الحاويات في حرم المرفأ لم تعد كافية لاستيعاب الزيادة المتصاعدة لحركة الحاويات، ما يضطر الشركة المشغّلة لمحطة الحاويات من وقت إلى آخر، إلى إعلان وقف تفريغ السفن إلى حين تحسّن الوضع في باحات التخزين. وهذا الوضع أدى إلى تجدد أزمة ازدحام السفن واضطرارها إلى الانتظار أكثر من 48 ساعة لحلول دورها للتفريغ، إضافة إلى عرقلة العمل في المحطة وتأخير تحميل الشاحنات بالحاويات برسم السوق المحلي.
وأوضحت أن تنفيذ مشروع توسعة المرفأ، كما هو مخطط له، بات أكثر من ضرورة بعدما أصبحت محطة الحاويات عاجزة عن التكيّف مع عدد السفن التي تؤمّها واستيعاب حركة الحاويات التي لا تزال تسجل أرقاماً قياسية، وخصوصاً في ظل ورشة التطوير والتوسيع والتجهيز التي تشهدها المرافئ المجاورة والتي تُعدّ نفسها لتكون المنافسة الرئيسية لمرفأ بيروت في منطقة شرق المتوسط.

إجراءات تحسينية

وقال رئيس الغرفة الدولية للملاحة إيلي زخور لـ«الأخبار» إن إدارة مرفأ بيروت هي في صدد التفاوض حالياً مع مصلحة سكك الحديد في مديرية النقل المشترك للاتفاق على قيمة الإيجار. وأوضح أن المرفأ يشهد حالياً ازدحاماً كبيراً، إذ إن نسبة الاستيراد ارتفعت 20 في المئة، سواء في ما يتعلق بالبضائع العادية أو الحاويات، فيما ارتفعت نسبة استيراد السيارات 70 في المئة، ولذلك لا أماكن كافية في المرفأ لاستقبال هذا الحجم الهائل من الحاويات، لافتاً إلى أن مرفأ بيروت، وفق مساحته الحالية، يجب أن يستقبل 700 حاوية سنوياً، إلا أنه استقبل هذا العام أكثر من مليون حاوية، كاشفاً أنه سيكون المرفأ في لائحة أفضل 100 مرفأ في العالم، وهذا يحدث للمرة الأولى منذ تاريخ افتتاح مرفأ بيروت.
وأوضح زخور أن تطور أعمال المرفأ يعود إلى أسباب عديدة، فإدارة الجمارك تؤدي عملها على أكمل وجه، فيما العريضي «وعد ووفى بوعده»، وحقق الأمنية، إذ من المفترض أن ينتهي مشروع التوسعة بعد 30 شهراً، وتزيد مساحة الرصيف الـ16 من 600 متر إلى 1100 متر، كذلك سيصبح عمق المرفأ 17 متراً، وهو الأعمق على شاطئ المتوسط. لافتاً إلى أنّ من بين الإجراءات الجديدة كذلك، تجهيز الرصيف بـ11 رافعة جسرية، وكل ذلك سيؤدي إلى إيجاد حل نهائي للازدحام ورفع القدرة الاستيعابية للمرفأ إلى أكثر من مليوني حاوية سنوياً. أضاف زخور أنّ ثمّة 3 شركات ملاحة أجنبية تريد استخدام مرفأ للترانزيت البحري، وجنسياتها أوروبية وآسيوية، لكن الازدحام الحاصل في المرفأ يجعل من الصعوبة بمكان استقبال هاتين الشركتين، وأضاف أن كلفة انتظار البواخر في عرض البحر مرتفعةجداً، وهي تصل إلى 30 و40 ألف دولار يومياً، وإن طُبّقت سترفع مباشرة أسعار السلع المستوردة على المستهلك اللبناني.
من جهتها، أكدت مصادر وزارة الأشغال العامة والنقل أن العمل على إعداد عقود الاستثمار بين مصلحة سكك الحديد وإدارة مرفأ بيروت أصبحت في مرحلة متقدمة، لافتة إلى أن صدور مرسوم من مجلس الوزراء لا يلزم مصلحة سكك الحديد، لكونها مصلحة مستقلة، وليست إدارة عامة، وأن المصلحة ملزمة بالتقيّد بقانون الأملاك العامة بشأن استئجار أملاك سكك الحديد، مشيرة إلى أن عقود الاستئجار لها أصولها القانونية وتحتاج إلى وقت لكي تنفذ، وخصوصاً أنها محكومة بدراسة حجم المساحة المستأجرة ومدة استثمار هذه المساحة، لتُحَدَّد قيمة الإيجار.
ولفتت المصادر إلى أن الجيش اللبناني يشغل حالياً مؤقتاً مساحة في أملاك سكك الحديد قرب المرفأ، ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة أصدر مرسوماً خلال فترة خلافه مع رئيس الجمهورية إميل لحود، قضى بإنشاء ملاعب رياضية على مساحة 6 آلاف كيلومتر في أملاك سكك الحديد لمصلحة بلدية بيروت، وبالتالي فإن مصلحة سكك الحديد لن تتوانى في التعجيل بتوسعة المرفأ، لما لذلك من مصلحة وطنية.


عدد السبت ٢٢ آب ٢٠٠٩

20‏/8‏/2009

«الإنترنت غير الشرعي» هو الأقوى



(مروان بو حيدر)(مروان بو حيدر)
قطاع ضخم يدرّ ملايين الدولارات... ويسهّل التجسس على لبنان!
كشفت محطة الإنترنت في الباروك المتصلة بإسرائيل النقاب عن قطاع ضخم جداً في لبنان يُعرف «بالإنترنت غير الشرعي»، وهو يسيطر على أكثر من 50% من سوق الإنترنت، وينتشر في جميع المناطق اللبنانية «على عينك يا تاجر»، فلا الأجهزة الأمنية تردع المخالفين، ولا وزارة الاتصالات قادرة على ضبطهم من دون تحرّك القضاء... فما هو هذا القطاع الذي يحظى بحصانة حديدية كهذه؟

رشا أبو زكي
المافيات تتحكّم في قطاع الإنترنت في لبنان، وهذه المافيات لا تنحصر في أشخاص يريدون الحصول على أرباح بطريقة غير قانونية، بل يمتد الأخطبوط إلى الإدارات الرسمية المعنية وبعض الجهات الأمنية، ليصبح الجميع متواطئاً في سلب المال العام... وفي جعل لبنان هدفاً سهلاً للتنصت من جانب إسرائيل وسوريا وقبرص! فزوبعة محطة الإنترنت التي اكتُشفت في أعالي جبل الباروك واتُّهمت بالتعامل مع إسرائيل، لم تنته بعد، إذ تؤكد المعلومات أن الشركة، صاحبة المحطّة، لا تزال تعمل ولكن من منطقة أخرى من لبنان، كما تؤكد أن عدداً من شركات الإنترنت غير الشرعي تثار حولها شبهة التعامل نفسها، فيما البعض الآخر متصل كذلك بسوريا... كل هذه المعطيات تجعل سوق الإنترنت غير الشرعي في لبنان محط أنظار ومتابعة، وتطرح تساؤلات عن آلية عمل هذا القطاع والمحميات التي يدخل في كنفها لتجعله بعيداً عن أعين الجهات الأمنية وعصيّاً على التنظيم أو الملاحقة... فقطاع الإنترنت غير الشرعي، وفق المعنيين، يسيطر على حوالى 50% من سوق الإنترنت في لبنان، فيما هناك 15 شركة فقط مرخّصة وهي تتوزع بين شركات نقل للمعلومات وشركات توزيع لخدمة الإنترنت، وسطوة القطاع غير الشرعي لها أسبابها، إذ تبدأ الرواية بشركات صغيرة موجودة في جميع المناطق اللبنانية، غالباً ما يكون أصحابها محميّين من القوى السياسية المسيطرة على المنطقة، وغالباً ما تكون تحت أعين القوى الأمنية ولا تتعرض لأي مساءلة... وتكتب كلمات الرواية بآليات عمل تجعل من إمكان الحصول على السعات الدولية للإنترنت بطرق غير شرعية سهلة وبسيطة مقارنةً بالطرق الشرعية، لتنتهي الرواية بقطاع ضخم جداً يسلب من الدولة ملايين الدولارات شهرياً، ويلجأ إلى شتى الوسائل حتى لو أتاحت للدول المجاورة من إسرائيل وسوريا وقبرص التنصت على كل المعلومات الواردة والخارجة من لبنان!
إذ من المعروف أن السعات الدولية للإنترنت غير موجودة بوفرة في لبنان، وقد أُوجد حل تمثّل في توسعة الكابل البحري الذي يصل لبنان بالخارج للحصول على السعات، إلا أن المشروع لن ينتهي قبل مطلع عام 2011، وسعى وزير الاتصالات إلى زيادة عدد الخطوط المتاحة إلا أن أجهزة الوزارة وأوجيرو تعرقل توزيعها... وفي المقابل، يتنافس على سوق نقل وتوزيع الإنترنت الشرعي في لبنان أوجيرو من جهة، وعدد قليل من شركات القطاع الخاص التي تحصل على السعات الدولية من أوجيرو حصراً من جهة أخرى... وأوجيرو، التي يديرها عبد المنعم يوسف الذي يشغل في الوقت نفسه منصب إدارة مصلحة الاستثمار والتجهيز في وزارة الاتصالات، تستحوذ على السعات الدولية لتكبير سوقها، عبر حرمان القطاع الخاص هذه السعات، ما يجعل تأمين خدمة الإنترنت محدوداً، ويقوّي من جهة أخرى القطاع غير الشرعي الذي يحصل على السعات الدولية من خارج لبنان بأسعار أقل من مصادرها الشرعية وبوسائل سهلة جداً.
وينقسم القطاع غير الشرعي إلى جزءين، الأول هو الشركات غير المرخصة التي تحصل على سعات دولية بطريقة غير قانونية، وتعمل من دون الإفصاح عن أرباحها ولا تدفع أي مترتبات للدولة. أما الثاني، فهو شركات مرخصة، تعمل على زيادة زبائنها عبر استخدام الأساليب غير الشرعية في الحصول على السعات الدولية، وفي هذا الإطار يقول رئيس الهيئة الناظمة للاتصالات كمال شحادة لـ «الأخبار»، إنه «منذ حوالى شهرين قطع الكابل البحري الموصول إلى لبنان، إلا أن عدداً قليلاً جداً من المشتركين لاحظ هذا الانقطاع»، وهذا ما يشير إلى أنه حتى الشركات المرخصة العاملة في لبنان تستفيد من الفوضى القائمة، وتعمل بأساليب غير شرعية لزيادة قاعدة مشتركيها!

أوجيرو تقوم بالاستحواذ على السعات الدولية لتكبير سوقها، عبر حرمان القطاع الخاص

حتى الشركات المرخصة العاملة في لبنان تستفيد من الفوضى القائمة

أما الشركات غير المرخصة، فتتميّز بوجهين في آلية العمل غير الشرعي، الأول هو الحصول على السعات الدولية بطريقة غير شرعية: وذلك عبر شراء سعات من شركات خارجية والحصول عليها عبر الصحن اللاقط من خلال الأقمار الاصطناعية (وهذا الإجراء مكلف نسبياً)، أو من خلال شراء السعات من الشركات المرخصة العاملة في لبنان، التي تشكو هي نفسها من الشركات غير الشرعية!
أما المحور الثاني للعمل غير الشرعي، فيقوم على الحصول على سعات دولية غير شرعية، وهذه الطريقة سهلة جداً، إذ يجري تصويب الـ «مايكروويف» في لبنان نحو المراكز الوطنية للإنترنت الموجودة في الدول المحيطة بلبنان، أي إسرائيل وسوريا وقبرص، بحيث يجري التقاط السعات، وهكذا يحصل المشترك اللبناني على الإنترنت الذي يكون موصولاً مباشرة بمراكز الإنترنت (NODE) في الدول المجاورة، وهذه الدول قادرة على التجسس على كل ما يمر (TRAFIC) من لبنان إلى مركزها. وهنا تصبح الشركة غير شرعية لكونها غير مرخصة، وتحصل على سعات غير شرعية في الوقت ذاته، وتمنح الدول المحيطة سهولة التجسس على لبنان... وهذا ما قامت به محطة الإنترنت في الباروك. وتشرح المصادر، أن الحصول على السعات الدولية من إسرائيل هو الطريقة الأسهل، فيما تشوب هذه العملية مع سوريا بعض المشكلات المتعلقة بواقع البلد الأمني، أما قبرص، فهي تعدّ الأبعد جغرافياً، إلا أن الإمكانات التقنية المتطورة تسمح بالتقاط السعات.
وتلفت المصادر إلى أن هذه الشركات تحتاج إلى أماكن مرتفعة لتسهيل عملية التقاط السعات وتوزيعها، وتؤكد أن محطة الباروك لا تستطيع التقاط أكثر من 40 ميغا بيت، وفي الحالة القصوى 100 ميغا بيت (وهذا مستبعد)، وبالتالي فإن عدد مشتركيها هو حوالى 20 ألف مشترك يتوزّعون على عدد من المناطق. وتشدد المصادر على أن المتورطين في هذه المحطة محميون من أطراف في الموالاة وفي المعارضة، ومن أطراف تعتبر نفسها «وسطية»...
أما اللافت في هذا الملف، فهو ما ذكرته المصادر، ومن ثم أشارت إليه الأوساط العاملة في قطاع الإنترنت، في ما يتعلق بأن الشركة صاحبة المحطة المتصلة بإسرائيل لا تزال تعمل، وأن لديها ركناً آخر تحصل عبره على السعات وتوزعّها على المشتركين، إذ قال رئيس تجمع شركات نقل المعلومات وموزعي خدمة الإنترنت في لبنان ورئيس مجلس إدارة شركة «جي.دي.إس» حبيب طربيه، إنه في نيسان الماضي حين أُقفلت محطة الباروك، حدثت بلبلة كبيرة، وارتفع الطلب على الإنترنت بطريقة متسارعة، وذلك بسبب انقطاع الإنترنت عن المشتركين في محطة الباروك، إلا أن أياماً معدودة كانت فاصلة عن اختفاء هذه الظاهرة.
ويلفت حبيب طربيه، إلى أن حجم القطاع غير الشرعي في سوق الإنترنت وصل إلى ما بين 40 و50 في المئة، وهذا حجم هائل ما يستوجب تنظيم هذه السوق، وهذا لا يعني وضع المخالفين في السجون، ولكن هذه المطالب لم تلقَ أي تجاوب، وقد أحالت وزارة الاتصالات ملفات عديدة على القضاء إلا أنها لم تعالَج، لافتاً إلى أن الضجة التي أثيرت حول محطة الباروك سببها وجود العنصر الإسرائيلي لا أكثر، وعلى الهيئة الناظمة للاتصالات والوزارة إيجاد حل لهذه الفوضى. وكذلك يلفت رئيس شركة «سوديتل» باتريك فاراجيان إلى أن السوق غير الشرعية في الإنترنت تؤثر سلباً في عدد الزبائن. وبدوره يلفت فرحات إلى أن حوالى 40% من سوق الإنترنت في لبنان يعمل بطريقة غير شرعية. وهذا ما يؤثّر سلباً في سمعة خدمة الإنترنت لكون الشركات غير الشرعية تقدم خدمة رديئة، كما تخلق هذه الشركات منافسة غير مشروعة وغير متكافئة، لافتاً إلى أن كلفة السعات الدولية تمثّل حوالى 40% من مصاريف الشركات الخاصة، فيما الشركات غير الشرعية تحصل على هذه السعات بأسعار زهيدة، وتقدّم الخدمات بأسعار تنافسية، وهذا ما يشدّد عليه عماد طربيه، الذي يقدّر حصّة القطاع غير الشرعي بـ50 و60 % من السوق.
وتتوجّه أصابع الاتهام فوراً إلى وزارة الاتصالات والهيئة الناظمة للاتصالات والقضاء حين يطرح سؤال عمن هم المسؤولون عن الفوضى القائمة في القطاع، إلا أن وزير الاتصالات جبران باسيل، يشير إلى أنه أرسل عدداً من الملفات إلى القضاء ولم تتابَع، فيما تواجهه عراقيل داخل الوزارة بدعم من جهة سياسية نافذة تمنع توزيع خطوط التأجير الدولية (E1)... مشيراً إلى أنه تسلّم الوزارة ولم يكن هناك إلا 160 خطّاً، فقرر إضافة 1120 خطّاً جديداً، ولم ينجح حتى الآن بتوزيع أكثر من 380 خطّاً بسبب سلوك إداري متواطئ مع الشركات التي تقوم بأعمال غير شرعية بذريعة عدم وجود خطوط كافية لتأمين خدمات الإنترنت في لبنان... وفي هذا الصدد، تشير المعلومات، إلى أن رئيس هيئة «أوجيرو» ومديرها العام بالوكالة ومدير الصيانة والاستثمار في وزارة الاتصالات عبد المنعم يوسف، يتلقى طلبات التوسيع، إلا أنه لا يحوّلها إلى الوزير ولا يلبّي الطلبات، ويتصرف بالسعات وفق مصلحة أوجيرو حصراً، التي أصبحت تسيطر على أكثر من 73 في المئة من القطاع، رغم أن أوجيرو تعهدت في العقود المبرمة مع الشركات توزيع السعات بطريقة متساوية، ويلفت المصدر إلى أن أهداف يوسف أصبحت معروفة جداً، فهو يد رئيس حكومة تصريف الاعمال فؤاد السنيورة في قطاع الاتصالات، وهذا الأخير يسعى إلى تعيين يوسف في مجلس إدارة ليبان تيليكوم، وتوضح المصادر أن اسم يوسف تصدّر لائحة المطلوب تعيينهم في جلسة لمجلس الوزراء عقدت في آب عام 2007، التي تضمنت إضافةً إلى اسمه كلاً من ناجي أندراوس، وجيلبير نجار أو جان كلود جحا، وزياد شيا... إلا أن المفاجئ أن تعيين يوسف رفضته غالبية وزراء الأكثرية، فيما أصر السنيورة على تعيينه، وهكذا انتهت الجلسة من دون توافق، وبقي إنشاء ليبان تيليكوم معطلاً إلى يومنا هذا!
ومن جهة أخرى، تبرز قضية الهيئة الناظمة للاتصالات، إلا أن شحادة يقول «إن الهيئة لديها أولويات وإمكانات محدودة، فلتعطِ الدولة ووزارة الاتصالات الهيئة كل ما فرضه القانون في الموازنة من عام 2007 حتى عام 2009، ومن ثم فليحاسبونا إن لم نحلّ هذه المشكلة المزمنة»، لافتاً إلى أن «دور الهيئة هو وقف عمل الشركات التي تقدم خدمات غير مرخص لها والعمل مع الأجهزة كلها لتطبيق القانون، والهيئة تتابع جميع الأخبار الواردة عن هذه الشركات، وهناك ضباط جرى تكليفهم التواصل مع الهيئة في موضوع المداهمات، لكن المشكلة تحتاح إلى تنسيق على صعيد جميع أجهزة الدولة وإداراتها».



27 في المئة

هي نسبة مستخدمي الإنترنت في لبنان وفق تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات، وقد جاء ترتيبه بعد إسرائيل والكويت. ويبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في لبنان 950 ألفاً، أي 16,77% من عدد مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.



منافسة غير عادلة... وفوضى

يشرح كل من عماد وحبيب طربيه وخلدون فرحات أن الشركات المرخّصة تدفع الضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي للموظفين وأكلاف الترخيص وغيرها من المصاريف، إضافة إلى أسعار باهظة هي ثمن السعات الدولية التي تباع بأسعار تقل بأضعاف في الدول المجاورة... وكل هذه الأكلاف لا تشغل بال الشركات غير المرخصة. ويدعو عماد طربيه إلى إعطاء تراخيص للشركات، تسمح لها بتمديد كابلات مع الخارج، ما يسمح لها بالحصول على سعات بأسعار منخفضة، فتخفض أسعارها للمشتركين، ما يقضي على العمل غير الشرعي


عدد الخميس ٢٠ آب ٢٠٠٩

19‏/8‏/2009

الحركة النقابية تصاب بعدوى «التوافق»



العمال رهن التوافق السياسي! (مروان طحطح )العمال رهن التوافق السياسي! (مروان طحطح )
مفاوضات بين الاتحاد العمالي وجبهة الإنقاذ... ومؤتمر موسع قبل أيار
خلط الأوراق السياسية انعكس على الحركة النقابية، هذا ما تؤكده جميع الأطراف النقابية المتصارعة التي بدأت مفاوضات هدفها إعادة تقسيم الحصص بين «المعارضة» و«الموالاة» داخل هيئة مكتب الاتحاد العمالي العام وفي المؤسسات التي تحتاج إلى التمثيل الثلاثي

رشا أبو زكي
العصا السحرية نفسها التي حرّكت عدداً من السياسيين ليبدأوا حفلات التقبيل وإعادة التموضع السياسي، ضربت الحركة النقابية على رأسها، فإذا بجبهتي الصراع النقابي وهما الاتحاد العمالي العام وجبهة الإنقاذ النقابية المنقادتين سياسياً من فريقي 14 و8 آذار، أدركتا فجأة أن «العمال أصبحوا بلا غطاء نقابي»، فانطلقت المفاوضات الثنائية والثلاثية بين اتحادات نقابية تصارعت منذ أكثر من 10 سنوات على قيادة الاتحاد العمالي العام، ما أدى إلى اعتكاف عدد منها بعد الانفجار الذي أحدثه تنسيب 6 اتحادات نقابية قبيل انتخابات هيئة مكتب الاتحاد الأخيرة ... وهكذا أصبح السبب الظاهري للانقسام «أمراً واقعاً سنتقبله»، وذابت الاتهامات المتبادلة بين الاتحاد العمالي العام وأعضاء جبهة الإنقاذ النقابية، في حفلة «إعادة التوازن السياسي إلى قيادة الاتحاد العمالي العام»، إضافة طبعاً إلى إعادة توزيع الحصص «بتوازن» في المؤسسات التي تحتاج إلى التمثيل الثلاثي وفق ما تطرحه الاتحادات النقابية التابعة لـ14 آذار ، أما الاتحاد العمالي العام فيعتبر أن هذه المفاوضات ستثمر مؤتمراً موسعاً قبل انتخابات الاتحاد في أيار 2010... فكيف ستكون صورة الاتحاد العمالي العام خلال الأشهر المقبلة؟ وهل أصبح القرار السياسي ناضجاً لتوحيد الاتحاد العمالي؟ ووفق أية صيغة؟

التحضير لمؤتمر موسع

يقول عضو هيئة مكتب الاتحاد العمالي العام بطرس سعادة (الحزب السوري القومي الاجتماعي)، إن هناك قراراً لدى كل الأطراف النقابية لإجراء حوار بشأن المشكلة النقابية، موضحاً أنه عُقدت حوالى 4 لقاءات رسمية بين الأطراف المتنازعة، كان أولها بين نقابات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي منذ حوالى ثلاثة أسابيع، فيما كان أكبرها في جريدة البناء منذ حوالى عشرة أيام، واتُّفق على متابعة الاتصالات. وأشار إلى أن الهدوء السياسي والتطورات الحاصلة على هذا الصعيد أرخيا بظلالهما على الحركة النقابية، لافتاً إلى أن هناك قراراً في الاتحاد العمالي العام لإعادة الاتحادات المعارضة إلى جسم الاتحاد العمالي، متوقعاً تنظيم مؤتمر موسع يجمع جميع الأطراف قبل انتخابات الاتحاد العمالي المزمع عقدها في أيار المقبل.

المتابعون لا يعولون على المفاوضات لأن دخول أطراف جديدة إلى الاتحاد سيفرض استبعاد أطراف قديمة

فيما يشير رئيس اتحاد النقابات المتحدة (حزب الكتائب) وعضو هيئة الإنقاذ النقابية موسى فغالي، إلى أن الهيئة مع التوافق وضد شرذمة العمل النقابي، لافتاً إلى «أنهم كانوا يطرحون أفكاراً أنهم مع وحدة الاتحاد العمالي العام، وخاصة رئيس مجلس النواب نبيه بري وأكثرية النواب في حركة أمل، ولكن هذا الموضوع لم يقترن بالفعل». ويشير إلى أن «الحل الوحيد لإنهاء التشرذم في الحركة النقابية هو ألا يبقى أي فريق خارج تركيبة الاتحاد، فكل السياسيين يقولون إن البلد لا يمشي إلا بالتوافق، ونحن نطلب أن تنفيذ ما يحصل في السياسة داخل النقابات، والتجاوب كلامياً ممتاز وننتظر التطبيق».

بين الاشتراكي وحزب الله

وبعد زيارة وفد من وحدة النقابات والعمال في حزب الله «جبهة التحرر العمالي» منذ أيام، يوضح رئيس جبهة التحرر العمالي (الحزب التقدمي الاشتراكي) عصمت عبد الصمد، أنه «يجري اليوم تأليف حكومة جديدة وستُطرح مشاريع إصلاحية وباريس 3 والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ما يفرض على الحركة النقابية المواجهة». لافتاً إلى أن المفاوضات تدور حول تأليف لجنة مصغرة للتحضير لمؤتمر موسع، موضحاً أن انفتاح الأفرقاء السياسيين ينسحب على كل النقابات، وهذا يأتي من سياق لقاء الجبهة مع حزب الله. «فالبلد كله مسيس ولو لم يكن هذا الجو قائماً، لكان من الممكن ألا يحصل لقاء بين الجبهة وحزب الله والقوى المعارضة الأخرى»! ويلفت عبد الصمد إلى أن الاتحادات التي دخلت قبيل انتخابات الاتحاد العمالي الأخيرة أصبحت أمراً واقعاً، ولا يمكن سحب التراخيص منها، والجبهة الآن في صدد إعداد ورقة مطلبية ستطرح على جميع الاتحادات وهذا سيحصل بالتوازي مع بحث تركيبة الاتحاد العمالي العام.
أما أسامة الخنسا عن اتحاد الوفاء لنقابات العمال والمستخدمين (حزب الله)، فيلفت إلى أن الاساس لدى اتحاد الوفاء هو تحسين الوضع المعيشي «وللبحث صلة»، ويضيف «نحن لسنا مستعجلين على توحيد الاتحاد العمالي، فالتصدي للقضايا المعيشية أمر ممكن من خارج هيئة مكتب الاتحاد العمالي». ويلفت إلى أن الجلسة مع جبهة التحرر العمالي أوليّة، ولم تتطرق إلى التفاصيل، و«أهلاً وسهلاً بالجميع ولاحقين نوحد الحركة النقابية مش مستعجلين». معتبراً أنه لا يعلم شيئاً عن طرح إقامة مؤتمر موسع لأعضاء الحركة النقابية، مضيفاً «نحن لا نرفض هذا الطرح، وكلما زاد عدد المدافعين عن العمال كلما كان الوضع أفضل».

اجتماعات «بحص»

إلا أن مصادر نقابية معنية تشير إلى أن المفاوضات الحقيقية التي انطلقت بين الاتحادات النقابية المتصارعة، بدأت بعد خلط الأوراق السياسية على مستوى الأحزاب، فجميع جلسات التفاوض لم تتطرق إلى أي عمليات إصلاحية داخل جسد الحركة النقابية، ولم يُبحث موضوع الهيكلية النقابية داخل الاتحاد العمالي العام، ولم تطرح أية وجهة نقدية لعمل الحركة النقابية أو الاتحاد العمالي، وتلفت إلى أن البحث تركز على تعديل النظام الداخلي ليشمل عدداً من الاتحادات المعارضة لقيادة الاتحاد العمالي الحالية. إلا أن المصادر تؤكد أن ما يحصل ليس سوى «طبخة بحص»، إذ إن ضم الاتحادات التابعة لـ14 آذار والأخرى التابعة للشيوعيين في هيئة مكتب الاتحاد العمالي، يستلزم تنازل إحدى القوى المسيطرة على الاتحاد العمالي عن موقعها في الهيئة، وهذا يعتبر مستحيلاً، أما الطرح الثاني فهو زيادة عدد أعضاء هيئة المكتب من 12 الـ18 عضواً وهذا الحل غير مطروح. مؤكدة أن المفاوضات ليست سوى لعب في الوقت الضائع، إذ إن انتخابات الاتحاد العمالي لن تجري قبل أيار 2010 وإلى ذلك الحين لا أحد يعلم ماهية التركيبة السياسية التي ستكون قائمة، وبالتالي لن يُخاطر بأية التزامات من كلا الطرفين.



51 اتحاداً

هو عدد الاتحادات النقابية حالياً بعدما كان منذ 10 سنوات 18 اتحاداً، وقد تضخم عدد الاتحادات بسبب سياسة التفريخ النقابية، التي خلقت اتحادات ونقابات وهمية بهدف زيادة عدد النقابات التابعة لجهات سياسية مختلفة تحاول أن تضع يدها على الاتحاد العام



توازن سياسي

يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي (14 آذار) إن الإشكالية في الحركة النقابية سياسية ونقابية، وبالتالي فإن المعالجة يجب أن تتطرق إلى كلا المحورين، فالاتحاد العمالي يخضع لقرار سياسي بكل هيئاته، كما هناك هيئة إنقاذ نقابية وقرارها لم يتغير في الاتحادات الستة لكونها تخلق خللاً في التوازن السياسي، لافتاً إلى أن الموافقة عليها يجب أن تحصل ضمن سلة متكاملة، بحيث تعاد صياغة النظام الداخلي بما يضمن تمثيل كل الفرقاء السياسيين في الاتحاد وبتوازن، معتبراً أن هذا الإجراء يحقق استقلالية داخل الاتحاد بحيث لا تصبح قراراته مائلة إلى طرف دون غيره


عدد السبت ١٥ آب ٢٠٠٩

أيّ ضمان صحّي للبنانيين؟

اقتصاديو الأحزاب متردّدون في حسم خياراتهم الاجتماعية

الضمان الاجتماعي بين أيدي الأحزاب... أي تجربة؟الضمان الاجتماعي بين أيدي الأحزاب... أي تجربة؟

السياسات الاجتماعية ستبقى كما هي، أو هذا ما يمكن استنتاجه من استطلاع آراء اقتصاديي الأحزاب، وحده التيار الوطني الحر يشذّ عن القاعدة، فيرفض مشروع البطاقة الصحية، ويطالب بالتغطية الصحيّة الشاملة، أمّا حزب الله، فيقبل البطاقة ممراً انتقالياً إلى النظام الصحي الجديد

رشا أبو زكي
يمثّل الإنفاق الوطني على الخدمات الاجتماعية الرئيسة أكثر من 21 % من الناتج المحلي، فيما نوعية الخدمات المقدمة لا ترتقي إلى مستوى الإنفاق المرتفع هذا، الأسباب عديدة، وأهمها يعود إلى غياب السياسة الاجتماعية الشاملة والمتكاملة، وغياب السياسات القطاعية وذلك رغم أنه تعاقب على حقائب الوزارات الاجتماعية معظم الأحزاب المسيطرة على السلطة منذ ما بعد الطائف، إضافةً إلى الأحزاب المستجدة... فهل ستقوم الأحزاب بنقد ذاتي لتنسجم مع خطابها العام الداعي إلى تأمين الحقوق الطبيعية للمواطنين؟ الواضح أن لا حلول في الأفق، فالأحزاب التي ستدخل الحكومة المقبلة التزمت كلها ومن دون استثناء خلال جلسة للمفوضية الأوروبية عقدت في لبنان في نيسان 2008، بـ «تأمين تغطية صحية شاملة لجميع اللبنانيين، بتمويل من الضرائب لا الاشتراكات، وإيجاد نظام ترسملي ـــــ تكافلي لضمان الشيخوخة يضم كذلك جميع اللبنانيين»... لم يفِ أيّ من الأحزاب بوعده، لا بل إن وزير الصحة محمد جواد خليفة، سارع إلى طرح مشروع البطاقة الصحية المتناقض مع التزامات كتلته في جلسة المفوضية الأوروبية... وجاراه بذلك معظم الأحزاب، باستثناء التيار الوطني الحر، إذ يقول رئيس اللجنة الاقتصادية في التيار نقولا الصحناوي «دفعوا 600 مليون دولار فوائد وامتيازات لجهات خاصة قريبة من زعماء الحرب بدلاً من دفع 600 مليون دولار لكي يصبح لكل اللبنانيين حق الضمان الشامل، فإذا أمّنا الطبابة نكون على طريق خفض الهجرة»... لافتاً إلى أن التيار سيدافع عمّا التزم به في المفوضية الأوروبية، ولن يسير في مشروع البطاقة الصحية بديلاً عن نظام التغطية الصحيّة الشاملة، كما أنّه سيصرّ على إقرار اقتراح القانون الذي قدّمه إلى المجلس النيابي لنظام ضمان الشيخوخة.
أمّا حزب الله، فلديه وجهة نظر مختلفة، إذ لا يمانع الاقتصادي في الحزب عبد الحليم فضل الله، في أن يكون مشروع البطاقة الصحية بمثابة مرحلة انتقالية، لأنه، في رأيه، لا يتناقض مع ما جرى الالتزام به في جلسات المفوضية الأوروبية، فالبطاقة يمكن أن تكون الحل المؤقت للوصول إلى الضمان الشامل! لافتاً إلى أن الحزب سيدرس مشروع الضمان الشامل ليكون بديلاً عن البطاقة أو مكمّلاً لها. والحزب يضع المسألة الاجتماعية أولوية، ومنها إصلاح النظام التربوي والقضاء على الاحتكارات ومكافحة الفقر.

تشابه لا يطمئن!

نحاس: القضايا الاجتماعية لا تضغط على الأحزاب وإلّا لكانوا «شغّلو راسن شوي»

ويشير الاقتصادي في تيار المستقبل مازن حنا إلى أن الإنفاق على القطاع الاجتماعي كبير إلا أن عائداته ليست بالمستوى نفسه، لذلك يجب تحسين نتائج الإنفاق، ويوضح أن الأحزاب السياسية تتشابه بنسبة 95% في نظرتها إلى السياسة الاجتماعية، لكن ثمّة خلل في التطبيق يستلزم الإصلاح. ويشير حنا إلى أن تيار المستقبل لا يزال ملتزماً بما اتُّفق عليه في جلسات المفوضية الأوروبية، إلا أنه يستدرك: «سنمشي وفق ما تقرره الأكثرية في مجلسي الوزراء والنواب»!
أما الاقتصادي في حزب الكتائب ملحم سعد، فيرى أن الأزمة الكبرى هي في القطاع الصحي، إذ ليس هناك سياسات واضحة، لافتاً إلى أن الحزب ملتزم بمشروع خليفة المتعلق بالبطاقة الصحية، معتبراً أنها تؤمن الاستشفاء لجميع اللبنانيين، فيما مشروع الضمان الشامل يحتاج إلى تمويل.

اقتراحات قديمة ــ جديدة

ويقول رئيس مكتب المهن الحرة في الحزب التقدمي الاشتراكي أنيس أبو دياب، إنه لا بد من إصلاح نظام التقديمات الاجتماعية، وذلك لترشيد الإنفاق ووقف الهدر الحاصل وتحسين نوعية الخدمات وشروط الاستفادة منها، وخصوصاً من جانب الفئات الفقيرة من دون أي نوع من أنواع الاستغلال السياسي والمذهبي. وهذا يتطلب، وفق أبو دياب، رسم سياسة اجتماعية تقوم على المبادئ الآتية: مرجعية الدولة في الدور الاجتماعي، تحقيق مبدأ التكامل والتضامن بين أرباب العمل والعمّال والدولة، وتنظيم اليد العاملة الأجنبية، واعتماد سلم متحرك للأجور يربط بين التقديمات الاجتماعية والتضخم، وإعداد برامج لمكافحة الفقر، مشدّداً على رفض خصخصة الضمان «بالمطلق»... إلا أن هذه الإيجابية تنتهي بإعلان أبو دياب موافقة الحزب على مشروع البطاقة الصحية، وتوحيد الصناديق الضامنة، فيما مشروع الضمان الشامل سيبقى رهن الدراسة!
أما رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل، محمد نصر الله، فيختصر مشروع الحركة بالعبارة التالية «حركة أمل ترى أن المرض المزمن في لبنان هو النظام الطائفي، وعليه فإن الحركة ترى أن يكون هناك حقوق للفرد قبل أن تكون هناك حقوق للطائفة. إن الإصلاح الاجتماعي يبدأ من عملية الولاء للوطن المتساوي الحقوق لجميع أفراده».

أحزاب مأساوية

ويقول خبير اقتصادي فضّل عدم ذكر اسمه، إن ممثلي الأحزاب في جلسات المفوضية الأوروبية التزموا بمشاريع تتناقض مع قناعاتهم التدميرية بالاقتصاد والوضع الاجتماعي... ويشير إلى أنه داخل هذه الأحزاب ليس هناك مراكز على قدر من الوعي لتعرف بالمندرجات التفصيلية للمشاريع التي يوقّعونها، وهذه مأساة تنتهي بتوقيع الأحزاب مواثيق، ومن ثم انسحابهم منها، لكونها لا تتوافق مع مصالحهم الخاصة.
أما الخبير الاقتصادي شربل نحاس، فليفت إلى أن الأحزاب تكون غالباً في وضعية ردّ الفعل، وأن ما يقولونه يشير إلى أنهم لا يرون أن القضايا الاجتماعية تعدّ من المسائل الضاغطة أو الملحة، وإلّا لكانوا «شغّلو راسن شوي». ويضيف «قصة البطاقة الصحية لا تختلف في منطقها عن الضمان الاختياري الذي هو في حالة إفلاس كامل، والدولة لا تبدي أي نية في تغطية العجز القائم... فلماذا هي مستعدة لدعم البطاقة الصحية؟»، مشدداً على ضرورة السير بمشروع الضمان الشامل وضمان الشيخوخة لكي يحفظ للبنانيين حقهم في الاستشفاء وضمان شيخوختهم كغالبية شعوب العالم.



4.4 مليارات دولار

هو إجمالي الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة بالمخرجات الاجتماعية بين 1995 و2005، ولم يتناسب مع توزّع الفقر في 1995، فقد حظيت بيروت بـ16% من إجمالي الإنفاق الاستثماري، ولم يكن فيها إلا 8% من الأسر المشبعة بالحاجات الأساسية



«من شو مبسوطين؟»

يشرح الخبير الاقتصادي جورج قرم أنّ هناك أكثر من نصف اللبنانين على خط الفقر، «وهم فرحون بفكرة أن متوسط الدخل السنويّ للفرد بحدود 5000 دولار و6000، بينما يصل متوسط الدخل السنوي في قبرص إلى 25 ألف دولار، وفي مالطا الصحراوية إلى 16000 دولار». ويتابع «من شو مبسوطين؟ من أرباح مصرفية وقطاع سياحي ضعيف وبنايات فخمة؟ ليس هناك بلد يقوم على اقتصاد كهذا»... ويقول: نحن نحوّل الأموال إلى العمال الأجانب في لبنان في مقابل تحويلات المغتربين إلى لبنان، ولكن الفارق مصلحة العمال الأجانب يصل إلى مليار دولار


عدد الاربعاء ١٢ آب ٢٠٠٩

اقتصاديو الأحزاب مع «الاقتصاد المنتج»

الإجماع على العناوين والخلاف على تحديد الأولويات والآليات


طلاب المعهد الفني الصناعي... أي مستقبل في لبنان (بلال جاويش)طلاب المعهد الفني الصناعي... أي مستقبل في لبنان (بلال جاويش)


الأحزاب التي ستشارك في الحكومة المقبلة تريد التركيز على تطوير القطاعات الإنتاجية، هكذا يقول اقتصاديوها، ولكن هل لديهم آلية عمل لتطبيق أفكارهم، التي تغمر لبنان منذ سنوات طويلة... ليس جميعهم، فحزب الله يريد تطبيقاً فورياً لخطط موجودة، وتيار المستقبل يريد اختبار الشعارات التي طرحها في الانتخابات، والتيار الوطني الحر يريد فلسفة جديدة!

رشا أبو زكي
الأحزاب التي توالت على الحكومات المتعاقبة، والتي تحاصصت الحقائب على مدى أكثر من 19 عاماً، وستستمر في الحكومة المقبلة، مع إضافة حزب الله والتيار الوطني الحر وحزب الكتائب، تدّعي أن لديها خططاً لتطوير القطاعات الإنتاجية، لا بل تستنكر وتشجب هي نفسها الأسس الاقتصادية القائمة على الريع وتمركز النشاط الاقتصادي في المصارف والسياحة والعقارات... فتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي يريدان التركيز على القطاعات التكنولوجية، وتنمية الزارعة، وحزب الكتائب وحزب الله يريدان تطبيق برنامج الشهيد بيار الجميل الصناعي، والتيار الوطني الحر يريد تحقيق «فلسفة اقتصادية مغايرة تقوم على الاقتصاد المنتج»، وحركة أمل التي توالت على حقيبتي الزراعة والصناعة في الحكومتين الماضيتين تريد «استكمال النهج نفسه في حماية القطاعات»!... وعلى الرغم من الأفكار التي تقدمها هذه الأحزاب، وتدعي العمل على تحقيقها خلال ولاية الحكومة المقبلة، فإنّ أياً منها لم يقدّم آلية عمل أو خطة عملية لتطبيق هذه الأفكار... ما يعني أن هذه الأحزاب لا تزال «مسترخية»، لا بل إن التقاءها على العناوين العامة وعدم دخولها في تفاصيل تنمية القطاعات لا يعنيان سوى فكرة واحدة: القطاعات الإنتاجية ليست من الأولويات.

تكنولوجيا... واستثمار

حزب الله والكتائب مع خطّة بيار... والتيار الحر مع فلسفة اقتصادية مغايرة

يقول الاقتصادي في تيار المستقبل مازن حنا إن للتيار خطة زراعية وأخرى صناعية، تركّز خصوصاً على تحسين نوعية الصادرات، لافتاً إلى أن وزراء المستقبل سيعملون على طرح هذه الخطط وتنفيذها في الحكومة بهدف إيجاد فرص عمل إضافية، وتكبير حجم الاقتصاد، لافتاً إلى أن لبنان عليه التركيز على صناعات واعدة وتنافسية، منها قطاعات تكنولوجيا المعلومات، معتبراً أن المشكلة الحادة التي تعانيها القطاعات الإنتاجية تعود أصلاً إلى الأزمة السياسية التي بدأت عام 2005، والتي أدت إلى تقليص الفرص الاستثمارية في لبنان.
ويرى الحزب التقدمي الاشتراكي أن اعتماد لبنان على الاقتصاد الريعي فقط يَضرّ المجتمع والاقتصاد، ويدعو رئيس مكتب المهن الحرة في الحزب أنيس أبو دياب، إلى التوقف عن اعتبار أن الميزة الاقتصادية الوحيدة في لبنان هي السياحة، لذلك لا بد من توسيع حجم الاقتصاد الوطني، وبالتالي يجب التركيز على القطاعات التكنولوجية، وإبراز الحجم الطبيعي للصناعة والزراعة، وأيضاً بناء بيئة استثمارية في المناطق، والتركيز على تحفيز المستثمرين نحو القطاعات الإنتاجية، ويلفت إلى أن العمل سيتركّز في الحكومة على تطبيق المرسوم الصادر في أوائل التسعينات عن الزراعات البديلة...
أما حزب الله والكتائب اللبنانية، فكلاهما يريد تطبيق خطة الشهيد بيار الجميل الصناعية، إذ يرى الاقتصادي في حزب الكتائب ملحم سعد أن القطاعات الإنتاجية تتعرض لإهمال مزمن وهذا لم يعد مقبولاً، لافتاً إلى ضرورة دعم القطاع الزراعي، وتطبيق برنامج بيار الجميل الصناعي، الذي يقدم الحلول للعديد من المشكلات الصناعية، ويطوّر الاقتصاد الحقيقي، مشدداً على أن العمل في الحكومة المقبلة سيتركّز على وضع البرنامج حيّز التنفيذ. وهذا ما يشدد عليه الاقتصادي في حزب الله عبد الحليم فضل الله، الذي يشير إلى وجود الخطة الزراعية التي أُعلنت عام 2005، والتي يجب أن تطبّق، إضافةً إلى خطة شباب 2010 للشهيد بيار الجميل وخطة السدود وغيرها... وقال «نحن لا نميل إلى مناقشة هذه الخطط بل إلى وضعها موضع التنفيذ فورياً». وأشار إلى أن هدف الحزب الأساسي، الذي يعلنه في الحكومة وخارجها هو الانتقال بالاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد منتج، وقال «علينا إيجاد السبل المناسبة لدعم القطاعات، وهناك طروحات تستحق النقاش، منها كيف يمكن الإفادة من ودائع وموجودات القطاع المصرفي لتمويل القطاعات بقروض ميسّرة».
«فلسفة اقتصادية مغايرة»... هذا ما يعد به رئيس اللجنة الاقتصادية في التيار الوطني الحر نيكولا صحناوي، الذي رأى أنْ لا قرار في الدولة بدعم القطاعات الإنتاجية، فلكل قطاع لائحة كاملة بالمطالب، ومعظمها محقة، والأهم من دعم القطاعات هو اتّباع فلسفة اقتصادية مغايرة لتلك السائدة، إلا أن البعض معجب بالنموذج الخاطئ في الاتّكال على أموال المغتربين والاقتصاد الريعي والبهلوانات المالية و«لبنان بلد الاصطياف»، لافتاً إلى أنّ لدى التيار أفكاراً في تطوير القطاعات الإنتاجية، إلا أن المطلوب قبل ذلك وجود الإرادة، وهي ليست موجودة في فريق الأكثرية.
أما رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل محمد نصر الله، فهو معجب بتجربة وزراء حركة أمل خلال تسلّمهم وزارتي الزراعة والصناعة، فيما يقول إن هناك تقصيراً واضحاً من جانب السلطات الرسمية في تعزيز الصناعة والتجارة والزراعة! موضحاً أن وزراء حركة أمل الذين تسلّموا خلال الحكومات السابقة وزارتي الزراعة والصناعة بذلوا جهوداً كبيرة من أجل تحسين هذا الوضع، وأنه يمكن مراجعة جميع المحاضر لدى مجلس الوزراء للدلالة على ذلك، وأن الحركة ستعمل من خلال وزرائها على استكمال هذا النهج في الحكومة المقبلة.
وفيما يشدد الخبير الاقتصادي جورج قرم على أنه يجب الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي لأنّ لدى لبنان قدرات من التربة الخصبة والطبيعة المناخية التي تقدم زراعات عضوية مطلوبة في جميع الأسواق، ويمكن القيام بصناعات تعتمد مثلاً على الأعشاب، وخصوصاً أن العالم يطلب الكثير من هذه الصناعات، داعياً إلى الذهاب نحو الخدمات ذات القيمة المضافة العالية في القطاعين الصناعي والزراعي، فإنه يرى أنّ هناك كسلاً، لأنّ ثمّة أرباحاً سهلة في القطاع السياحي والمصارف والعقارات، وما دام التوازن مفقوداً في الأرباح بين هذه القطاعات والقطاعات الإنتاجية فطبعاً سيتوجّه المستثمرون إلى القطاعات السهلة، معتبراً أن الأحزاب المشاركة في الحكومة لا تضع هذه الاستراتيجية الاقتصادية من ضمن أولويات عملها، على الرغم من أن هذه الاستراتيجية توفّر فرص العمل والتنمية المتوازنة، لكون القطاع الزراعي كما الصناعي موجوداً في معظم المناطق اللبنانية، لا بل إنّه يشير إلى أن حتى السياحة الداخلية ضعيفة جداً.



950 مليون دولار

هي قيمة التعويضات المالية والقروض التي أعلنتها الحكومة في ورقة باريس 3 على أن تقدم خصوصاً إلى الصناعة والزراعة والسياحة، إضافةً إلى المساعدة على تفادي حالات الإفلاس الواسعة النطاق ... إلّا أن الحكومة لم تضع أية آلية لتوزيع التعويضات أو تقديم القروض.



لا يشعرون بحاجة إلى التغيير

يقول الخبير الاقتصادي شربل نحاس إن غالبية الأحزاب مجمعة على العناوين، أما الخلاف، فهو على تحديد الأولويات، وعلى عملية التفضيل بينها، لافتاً إلى أنه لا يتوافر لدى الأحزاب المشاركة تحديد للوسائل التي ستُعتمد لتطوير القطاعات الإنتاجية، ما يؤكد فكرة أن هذه الأحزاب لا ترى أنّ هناك حاجة ملحة إلى تغيير النهج الاقتصادي المتّبع، معتبراً أن الأحزاب لا تشعر بأن تطوير القطاعات الزراعية والصناعية مسألة داهمة، وإلا لكانت قد تحركت. ويسأل: الجميع يتحدث عن أهمية القطاعات الإنتاجية، ولكن من يملك آلية عمل واضحة لتطوير هذه القطاعات؟


عدد الثلاثاء ١١ آب ٢٠٠٩

اقتصاديّو الأحزاب ليسوا مختلفين كثيراً

مواقف المشاركين في الحكومة من الخصخصة والـTVA والبنزين؟


خلال احتجاج على انقطاع الكهرباء في منطقة الضنّاوي العام الماضي (بلال جاويش)خلال احتجاج على انقطاع الكهرباء في منطقة الضنّاوي العام الماضي (بلال جاويش)«لا وعد ولا كمّون»، فالأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة المقبلة، ما عدا القلّة القليلة، لا تمتلك رؤية اقتصادية واجتماعية مختلفة كثيراً عمّا هو متّبع منذ سنوات طويلة، إذ يبدو أن هناك توافقاً ضمنياً على عدم اعتراض مسار الخصخصة، حتّى من الذين أعلنوا مواقف اعتراضية على هذا المسار. أما الـTVA، فليس هناك رفض صريح لزيادتها إلى 12%، فيما يبقى مطلب خفض رسم البنزين لغزاً مرتبطاً بفعل «سنسعى»!

رشا أبو زكي
الأحزاب والقوى السياسية التي تعاقبت على تولّي حقائب وزارية مهمّة في خلال السنوات الماضية، ستحافظ على حصصها في الحكومة الجديدة، وهي باتت تعرف «طنجرة» الأزمة الاقتصادية البنيوية و«غطاها»، اكثر من نظيراتها التي ستشارك في الحكومة العتيدة، من دون أن يكون لها باع طويل في كيفية اتخاذ القرارات وإبرام الصفقات وآليات تنفيذ المشاريع من دون الحاجة إلى ادنى تخطيط او تحديد للاهداف.
لكن اللافت في حكومة الألوان السياسية المتخاصمة جداً، أن نظرة الأحزاب «العتيقة» للقضايا النقدية والمالية والاقتصادية والاجتماعية ذات ألوان متقاربة جداً، لا بل تكاد ان تنصهر في اللون الأبيض المحايد جداً عن هموم المواطنين ومصالحهم وتوقهم إلى جهد تصحيحي مطلوب يحدّ من الأثمان الباهظة المترتبة عليهم. أمّا «الجدد»، فهم حذرين جداً من طرح التغييرات الجذرية التي يطالبون بها، وهم متمسكون باستكمال تجربة محدودة جداً خاضوها في ظل حكومة «اتفاق الدوحة» القصيرة العمر.
في هذا الاستطلاع لمواقف وآراء بعض المسؤولين عن الملفات الاقتصادية في الاحزاب والقوى المرشّحة لنيل حصص كبيرة في الحكومة العتيدة، وهي: تيار المستقبل، التيار الوطني الحر، حركة أمل، الحزب التقدمي الاشتراكي، حزب الله، حزب الكتائب. يظهر سريعاً أن الاولويات غير محدّدة في مواجهة الوضع المتدهور، بل هناك شعور مريب بالراحة، وهناك شبه تسليم بالوصفات السابقة نفسها التي تضع مسألة الدين العام في مقدّمة الاهتمامات.
فالجميع يكرر عبارة واحدة في وصف الوضع المالي «إن الوضع سيّئ»، إلا أن وصف السوء لا يعني أن هذه الأحزاب، أو غالبيتها، تمتلك نيّات لفرض سياسات اقتصادية مختلفة عن تلك التي اتبعت خلال السنوات الطويلة الماضية. وبالطبع، فإن هذا الوصف لا يضع معظم هذه الأحزاب أمام تحدّ، ولو فكري، لمناقشة كيفية تطور هذا الدين وأسباب ارتفاع كلفة خدمته! ما عدا طبعاً موقف التيار الوطني الحر الذي يحمّل الفريق الحاكم سابقاً المسؤولية، ويحاول ان يظهر في مظهر الداعي إلى فرض شروط على خيارات هذا الفريق في الخصخصة والسياسات الضريبية المقترحة.
لقد نجح تيار المستقبل في إقناع قوى سياسية عريضة بأن الخصخصة هي الخيار «المنقذ»، الا ان البعض يتحايل على الوصف ليتبنّى الخيار بالمواربة، والبعض الآخر لا يزال غير حاسم في إعلان تبنّيه لهذا الخيار، فيغلّفه بشروط لا تبدو كافية لتغيير المسار. أمّا في مجال طرح زيادة الـTVA إلى 12%، فمعظم الأحزاب تبدو حذرة من القبول، نظراً إلى عدم شعبية مثل هذا الطرح، وتذهب بأسلوب خطابي إلى الدعوة لخفض رسم البنزين. والمؤكد أن أي تغيير لن يحصل في النمط المتّبع في إدارة البلاد اقتصادياً... فعلى الدرب نفسه سائرون!

البائعون ... كثر!

يقول الاقتصادي في تيار المستقبل مازن حنا، إن هناك مشكلة في تراكم الدين العام، والطريقة الوحيدة لمعالجة هذه المشكلة هي الخصخصة، ويرى أن أصول القطاعات المنوي خصخصتها، وخصوصاً الاتصالات، انخفضت مع بدء الأزمة المالية العالمية، لكن من المحتمل أن ترتفع لأن المستثمرين يبحثون عن فرص جديدة، إضافة إلى أن سوق الاتصالات دائم التطور ويتخطّى الأزمات الظرفية.
أما في قطاع الكهرباء، فيشير حنا إلى أن حل مشاكله تبدأ بإدخال القطاع الخاص في عملية إنتاج الكهرباء وتوزيعها، معتبراً أنه لا أحد يطرح خصخصة القطاع كلياً، لأنه «لا أحد سيشتريه»! ويوافقه في ذلك الاقتصادي في حزب الكتائب ملحم سعد، إذ يرى أن الوضع المالي ليس صحياً، ولذلك «علينا الإسراع في عملية الخصخصة، وخصوصاً في الكهرباء، ما يخفف الهدر ويخفض العبء عن الميزانية»، وهو يرى أن الخصخصة ليست خياراً سيّئاً حتى في ظل الأزمة العالمية.

حزب الله لا يتخذ موقفاً واحداً من الخصخصة، فالأمر يختلف بين مجال اقتصادي وآخر

ما تطرحه الأحزاب يُبقي لبنان في الحلقة المفرغة نفسها والاقتصاد مقيّداً

وعلى الرغم من أن مسؤول مكتب المهن الحرة في الحزب التقدمي الاشتراكي، أنيس أبو دياب، يرى أن حل مشكلة الدين العام تنطلق من الاصلاح المالي الذي يرتكز على الإصلاح الضريبي، إلّا أنه يعيد تصويب الموقف الذي أعلنه زعيم حزبه وليد جنبلاط الذي قال إنه لن يشارك في اي وزارة فيها كلمة خصخصة، فيوضح أبو دياب أن الحزب لا يضع «فيتو» بالمطلق على الخصخصة، ولكنه يطرح أسئلة للدرس، ومنها: إذا التُزم بالإصلاح الإداري فهل يصبح هناك حاجة إلى الخصخصة؟ هل نتخلى عن موجودات الدولة، أم نخصّص الادارة؟ أم نبيع الأسهم للشعب؟».
من جهته، يرفض رئيس اللجنة الاقتصادية في التيار الوطني الحر نقولا صحناوي طرح الخصخصة بديلاً عن الاصلاح، فهو يرى أن الدين العام هو مسؤولية الفريق الحاكم الذي أنتج نموذجاً اقتصادياً ريعياً مجبولاً بالفساد، «وعلى هذا الفريق ان يتحمل المسؤولية، لا ان يرميها على المواطنين». ويلفت إلى أن فلسفة التيار تقوم على اعادة تطوير المؤسسات العامة واصلاحها، فيما فلسفة الفريق الحاكم قائمة على الخصخصة».
ويوضح صحناوي أن التيار مع الخصخصة وفق شرطين، الأول ان يكون هناك من يسهر على مصلحة الناس وعدم نقل احتكار من يد القطاع العام إلى الخاص. وثانياً ان يكون هناك من يحتسب تقنياً ومالياً جدوى الخصخصة ومقاربة هذا الموضوع وفق مصلحة المواطنين أولاً... هذا في الاتصالات. اما في الكهرباء، فيرى صحناوي أن التشركة تحسّن من أداء المؤسسة من دون الحاجة إلى الخصخصة. وفي كل الاحوال، يشترط ان تُستخدم العائدات في توليد أصول جديدة، لا هدرها.
ويشخّص الاقتصادي في حزب الله عبد الحليم فضل الله الوضع المالي في لبنان بأنه سيّئ، وما يزيد من سوئه هو عدم شفافية المؤشرات، معتبراً انه يمكن الوصول إلى حل جذري بعد قيام توافق مالي بين الأطراف الاساسية المعنية للتوافق على اجراءات عديدة اهمها خفض معدلات الفائدة. ويوضح ان حزب الله لا يتخذ موقفاً واحداً من الخصخصة، فالأمر يختلف بين مجال اقتصادي وآخر، وبين مؤسسة وأخرى. ولفت إلى أن حزب الله يميل إلى ان تكون الدولة قادرة عل اتخاذ القرارات في القطاعات الحيوية، ولكن في الاتصالات، فإن الوقت غير مناسب للخصخصة، وفي حال حصولها يجب أن تكون حصيلتها مجدية، بهدف اطفاء ما يمكن اطفاؤه من الدين العام.
ويقول رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل محمد نصر الله أن التضخم الكبير الذي يشهده الدين العام ما هو الا «مرض يجب التخفيف من قساوته» عبر تحسين الجباية الضريبية، واستعادة الاملاك البحرية، وزيادة الضرائب على الارباح المصرفية بطريقة تصاعدية، وعودة المال المغترب للاستثمار في لبنان، والغاء البيروقراطية في الوزارات عند طلب الاستثمار. ويلفت إلى ان حركة أمل لا ترى اي فائدة من الخصخصة سوى بيع القطاعات بمبالغ زهيدة، ولكن يمكن تفعيل القطاعات عبر مشاركة القطاع الخاص بنسبة لا تقل عن 40%، وان تبقى للدولة «حصة الإدارة والإشراف»!

خفض رسم البنزين... والـTVA؟

في موضوع الضرائب، يشير حنا إلى أن تيار المستقبل يعمل على دراسة شاملة تتعلق بوقع الضرائب على المكلفين، وإذا وجد خللاً فـ«سنصحّحه». وقال «لسنا ملتزمين برفع الـTVA أو خفضها»، فكل ذلك يحتاج إلى دراسة. أما عن رسم البنزين فقال «سنسعى إلى خفضه». ويقول فضل الله إنه لا ينبغي الموافقة على اي أعباء ضريبية ما لم يكن هناك مفاعيل اجتماعية في المقابل، على أن تكون كذلك تصاعدية. ولا يعلن فضل الله صراحة رفض زيادة الـTVA، قائلاً «لا نستطيع اعلان موافقة او عدمها، ولكن اي زيادة او تعديل ضريبي يجب أن يحصل ضمن سياسة ضريبية متكاملة».
ويؤيّده صحناوي، إذ يلفت إلى وجود خيارين اقتصاديين في لبنان: إما تكييف السياسات الاقتصادية والاجتماعية بهدف إطفاء الدين العام، وحينها يجري طرح رفع الضريبة على القيمة المضافة واتباع التقشف وزيادة الرسوم والضرائب... وإما اعتماد نهج آخر يقول بأنه يجب النظر إلى مصالح الناس في هذا البلد وتحسين نوعية الخدمات العامة وزيادتها وخفض كلفتها ورفع القدرة الشرائية. وهذا خيار التيار الوطني الحر الأساسي، لافتاً إلى أن التيار يرفض رسم البنزين المرتفع، وقد قدّم مشروع قانون في هذا الصدد في مجلس النواب».
ويقول سعد إن حزب الكتائب، في إطار دراسة موضوع زيادة الـTVA، لا يرفضها بالمطلق، أما في ما يتعلق برسم البنزين «نحن نرفض زيادة الاعباء على المواطنين، ولكن الرسم يدخل في ايرادات الدولة، لذلك سندرس هذا الموضوع». فيما يرى نصر الله ألا مبرر لزيادة الـTVA قبل ان تقدم الدولة للناس خدمات مقنعة، أما أبو دياب فرأى أن السياسة الضريبية المتبعة مجحفة، واشار إلى أن وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي سيعملون على إعادة النظر في الرسوم المفروضة على البنزين، وتحقيق التوازن بين الضريبة المباشرة وغير المباشرة، تمهيداً لاعتماد الضريبة التصاعدية.
كيف يرى الخبراء الاقتصاديون المستقلون مواقف هذه الأحزاب من مسألتي الخصخصة وزيادة الضريبة على القيمة المضافة؟ يقول الخبير الاقتصادي شربل نحاس، إن المواقف الاقتصادية للأحزاب المشاركة في الحكومة المقبلة تنطلق من مبدأ «تماشي الخطابات مع الجو العام»، فإذا كان هناك كلام كثير عن رسم البنزين، يصبح معظمهم مع خفضه. ويشرح نحاس أن هذه مشكلة توحي أنهم لا يرون أن هناك ضرورة لمواجهة خيارات جدّية، وخاصة أنهم بدّلوا آراءهم في العديد من القضايا المطروحة من دون أن نسمع نقاشاً اقتصادياً فيها... معتبراً أن هذا دليل على ان هناك شبه إجماع على اعتبار الا ضرورة للخيارات أصلاً، وأن القضايا المهمة هي في مكان آخر، لافتاً إلى أن ربط الخصخصة بالدين العام لا ينطوي على مغالطة فقط، بل على خطورة.
أما وزير المال السابق جورج قرم، فيرى أن ما تطرحه الأحزاب يُبقي لبنان في الحلقة المفرغة نفسها، ويُبقي الاقتصاد مقيّداً يعتمد حصراً على تحويلات المغتربين والسياحة والنشاط العقاري، ويهدر كل الطاقات والميزات الحقيقية الموجودة في الاقتصاد التي نصدّرها من دون استثمارها، معتبراً أن هذه العقلية ستبقي على النموذج الريعي غير المنتج الذي أدى إلى هذه المديونية المجنونة، ومشدداً على أن الخروج من حلقة المديونية لا يحصل بالخصخصة. فحتى لو درّت 10 مليارات دولار، فلن تحلّ مشكلة الدين العام، إذ يجب الكف عن حصر السياسة الاقتصادية في هذا الموضوع، معتبراً أنّ وصفات باريس 2 و3 لا تزال هي السائدة لدى المعارضة وما بقي من 14 آذار.



9748 في المئة

هي نسبة الزيادة في الرسوم المفروضة على البنزين في النصف الأول من هذا العام مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، إذ بلغت قيمتها حوالى 492.4 مليار ليرة، مقارنة مع 5 مليارات في 2008، وقد انعكس ذلك زيادة في قيمة الرسوم الجمركية بنسبة 101%



الانضمام إلى برنامج IMF؟

يقول نقولا صحناوي «نحن سياديون، وفلسفتنا ضد تسليم القرار الاقتصادي للخارج»، فيما يرى مازن حنا أن لبنان يستطيع الإفادة من برنامج صندوق النقد لتطوير أدائه الاقتصادي... ويشجع ملحم سعد على الدخول إلى البرنامج شرط ألا يوضع لبنان تحت سلطة الصندوق في كل قراراته الاقتصادية. ويشدد عبد الحليم فضل الله على رفض الدخول في برامج طويلة الأمد مع الصندوق، ويقول أنيس أبو دياب إنه يجب مراجعة البرنامج قبل الانضمام إليه.


عدد الاثنين ١٠ آب ٢٠٠٩