4‏/5‏/2011

خريطة كارتيل النفط في لبنان


11 شركة تسيطر على الاستيراد والتوزيع... والبلد!


5 شركات نفط تسيطر على 60% من سوق البنزين (مروان طحطح)

كثيراً ما يُتحدث عن الكارتيل النفطي في لبنان، والكلام ليس لغواً. فالاطلاع على عالم شركات استيراد النفط يشي بوجود 11 شركة فقط تسيطر على استيراد المحروقات وتوزيعها في لبنان، تنظم نفسها، وتتعاضد بدلاً من المنافسة، ففي وحدة «الكارتيل» قوة... قوة مال تطيح كل شيء، القرار السياسي أو الهم المعيشي!

رشا أبو زكي

تغيّرات كثيرة طرأت على الكارتيل النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن الأكيد أن الكارتيل لا يزال يتفاعل، ينظّم نفسه، يوزّع أرباحه، يوسّع سوقه، ويصبح يوماً بعد يوم أقوى. أقوى لدرجة أنه يستطيع أن يجمع كل القوى السياسية تحت جناح مصالحه. أقوى لدرجة أنه يستطيع التهديد بوقف إمداد السوق اللبنانية بالبنزين.

أقوى لدرجة أنه يمكن أن يطلق عليه اسم «الطائفة التاسعة عشرة في لبنان»، يتحكم فيها إله المال، ويمدد رسل أخطبوطها قلة من الرسل، 11 رسولاً تحديداً، والطائفة هذه تتوازى بالقوة مع كل الطوائف المسيطرة على السلطة. يجلس رسلها على طاولة واحدة مع مستشار رئيس الجمهورية لنقل رسائل واضحة إلى الرئيس بلا مواربات بروتوكولية. من أجلها يخرج رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري عن صمته، ويعلن أنه يريد أن يجد الحلول السريعة لمسألة رسوم البنزين، لا لأن الشعب اللبناني أصبح يئن تحت وطأة ضخامتها وجورها، بل لأن الكارتيل بدأ يشعر بالوهن والخوف من تناقص أرباحه من جراء تثبيت وزير الطاقة جبران باسيل لسعر البنزين منذ 3 أسابيع، لا أكثر!
فقد كان كارتيل النفط قبل عام 2007 بلا إطار، فخلق إطاراً تحت اسم «تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان»، وتبعثرت الشركات ضمن المجموعات، وحصل انتقال لشركات بين مجموعة وأخرى... ففي عام 2007، كان هناك ثلاث مجموعات في الكارتيل: المجموعة ألف كانت تسيطر على 70 في المئة من السوق اللبنانية وتضم 7 شركات: هيبكو، كورال، ميدكو، كوجيكو، يونيترمينال، يونايتد، وشركة IPT. أما المجموعة باء فتضم شركتين: توتال وموبيل. والمجموعة جيم تضم شركتي ليكويغاز والشركة العربية.
أما اليوم، فقد اختلف التوزيع بين الشركات الـ11 نفسها، بحيث بقي هناك 3 مجموعات، ولكن مع تبديل في الأسماء والتحالفات...
■ المجموعة ألف، وهي كبرى المجموعات، وتتألف من 5 شركات، وتسيطر على 60% من سوق البنزين في لبنان، وتضم: هيبكو، التي استأجرت بدورها شركة كوجيكو التي أسسها النائب وليد جنبلاط، إلا أنه أجّرها إلى النائب نعمة طعمة مقابل مليون دولار سنوياً بعد تعسّرها مالياً، ثم تركها طعمة لتستأجرها شركة هيبكو لـ10 سنوات. ويمتلك آل البستاني شركة هيبكو، وهم وكلاء أيضاً لشركة البترول السويسرية «فيتول» المعروفة عالمياً. وتضم هذه المجموعة أيضاً شركة يونيترمينال، وهي شركة لبنانية مساهمة يملك آل عبجي (أصحاب بنك بيمو) وورثة بيار خوري 50%منها، فيما تمتلك شركة IPG الكويتية الـ50%. وتضم المجموعة ألف شركة كورال أويل كذلك، التي يمتلكها رجل الأعمال السعودي محمد العامودي، وهو يمتلك مصافي للنفط في المغرب وفي السويد. وقد كانت هذه الشركة مملوكة من العامودي وإدوارد سعد، وكان اسمها «shell»، وبعد الحرب الأهلية توسط مروان إسكندر لكي يشتري العامودي حصة سعد، ولتصبح ملكه 10%.
وتضم المجموعة ألف شركة يونايتد أيضاً، وهي مملوكة من جوزف طايع، وقد كانت هذه الشركة مندمجة بشركة عيسى بتروليوم (IPT) إلى أن حصل الخلاف بعد حلّ القوات اللبنانية، فانفصلت الشركتان.
■ المجموعة باء تضم شركتين وتسيطر على 15%من السوق اللبنانية. تتألف هذه المجموعة من شركتي موبيل وتوتال، ولم تستطع السنوات الطويلة أن تفرّق بينهما، بحيث بقيت هذه المجموعة من دون تغييرات تذكر. وموبيل هي شركة سعودية 100%، وكانت قد اشترت شركة وردية التي ملكها آل الأحدب، ومن ثم كل من وليد جنبلاط وعلي غندور القيادي في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وجميل سعيد المقرّب من نبيه بري. وبعد أن مُنيت بالخسائر، سيطر عليها بنك بيروت والرياض، وباعها إلى مستثمرين سعوديين من آل بخش، فيما تملك الحكومة الفرنسية شركة توتال بعد أن كان يملكها رجل الأعمال اللبناني خليل غطاس، وقد باع الشركة بعد الحرب الأهلية اللبنانية.
■ المجموعة جيم هي مجموعة ناشئة، وتضم شركتين، وتسيطر على 10% من السوق اللبنانية. تتألف من شركتي ميدكو وIPT اللتين انفصلتا عن المجموعة الأولى في مطلع العام الحالي. وميدكو يملكها آل شماس، ومنهم مارون شماس، وهو رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط حالياً، فيما شركة IPT (عيسى بترول كومباني) يملكها ميشال عيسى، وهو مقرّب جداً من رئيس الجمهورية ميشال سليمان.
وإضافة إلى المجموعات الثلاث، هناك شركتان تعملان منفردتين، وهما شركة ليكويغاز التي يملكها أوسكار يمين المقرّب جداً من رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، فيما تعمل الشركة العربية منفردة أيضاً، ويملكها وليد عبد الرزاق الحجة. وكذلك تتمركز شركة جيفكو في أنفه التي يملكها قبلان يمين المقرّب من فرنجية، إلا أن هذه الشركة لا تستورد إلا الزفت.
وتشير مصادر مطّلعة على قضايا الكارتيل والنفط إلى أن لبنان يستهلك حوالى مليون و700 ألف طن من البنزين سنوياً، أي ما يوازي 110 إلى 115 ألف طن شهرياً، التي تتطلب 5 بواخر من البنزين تتوزع على الكارتيل كل شهر. وتشرح المصادر أن الكارتيل النفطي يجمّع الأرباح «من حيث ندري ولا ندري»، إذ من الصعب بمكان تحديد الحجم الحقيقي لأرباح الكارتيل، ولكن المؤكد أنه يحصل على أرباح «منفوخة» من وزارة الطاقة والمياه تحديداً، إذ تقدم الوزارة إلى كل شركة بين 35 و40 دولاراً عن كل طن بنزين مستورد، تحت اسم «أكلاف الاستيراد»، إضافة إلى 15 ألف ليرة أسبوعياً كـ«حصة شركة التوزيع»، رغم أن الشركات المستوردة هي التي توزّع المحروقات. وفي ما يتعلق بالأكلاف، فهي تتوزع كالآتي: تسعّر البضاعة بحسب مؤشر بلاتس، وبعدها تحتسب الوزارة ما بين 15 إلى 20 دولاراً عن كل طن أجرة نقل، إضافة إلى التأمين (سعر البضاعة زائداً أجور النقل) ثم تضرب بـ0،25%، يزاد عليها غرامة تأخير تفريغ البواخر، وهي بين دولار و2،5 دولار، ومصاريف بنكية 2،5 دولار، ومراقبة ومختبر بين 5 إلى 6 دولارات، إضافة إلى 5 دولارات عبارة عن: معاملات جمركية، مصاريف مرفأ، إجازة استيراد، تلوين بضاعة وتخزين، وكذلك 0.5% من ثمن البضاعة، وهي أكلاف نقص وتبخّر. وتضيف الوزارة إلى هذه «الأكلاف» 5 دولارات كأرباح صافية للشركات. إلا أن المصادر تؤكد أن الشركات «تلغم» قيمة المصاريف هذه، لتزيد إلى أرباحها ما لا يقل عن 7 إلى 8 دولارات عن كل طن!


84%

هي نسبة استيراد البنزين من عيار 95 أوكتان من إجمالي واردات البنزين في لبنان، إذ إن عيار الـ 98 أوكتان يمثّل 16 في المئة من واردات البنزين، وفي عام 2010 استوردت الشركات مليوناً و451 ألف طن من عيار 95 أوكتان، و283 ألف طن من عيار 98 أوكتان.


الاحتكار في كل شيء

ضمن الكارتيل نفسه الذي يضمّ 11 شركة نفطية، هناك 4 شركات تحتكر استيراد الغاز المخصّص للطائرات، وهي: موبيل، توتال، كورال وميدكو، علماً بأن غاز الطيران يمثّل حوالى 3،15 في المئة من واردات المحروقات، وقد استوردت هذه الشركات الأربع 222 ألفاً و131 طناً من غاز الطيران في عام 2010، فيما كان حجم وارداتها من هذا النوع من المحروقات 169 ألفاً و358 طناً في عام 2009، وأن 7 شركات من أصل 11 لا تستورد سوى البنزين والمازوت، أما شركة ميدكو فهي الوحيدة التي تستورد كل أنواع المحروقات (10 أنواع).

العدد ١٣٤٥ الثلاثاء ٢٢ شباط ٢٠١١

أيّها اللبنانيون استعدّوا لموجة الغلاء المقبلة



لائحة الغلاء الفاحش (أ ب _ أرشيف)

سعر البنزين قد لا ينخفض، وسعر المازوت سيرتفع الى 30 ألف ليرة، كما سترتفع أسعار المواد الغذائية بين 5 و20 في المئة، وستصبح تعرفة النقل ما بين 2500 ليرة و3000 ليرة... الأزمة الكبرى تلوح في الأفق!

رشا أبو زكي

المؤشرات سلبية جداً... أسعار المواد الغذائية قد ترتفع ما بين 5 و20 في المئة بدءاً من مطلع آذار المقبل. أسعار المزورعات سترتفع هي الأخرى مع نهاية هذا الشهر. تعرفة السرفيس مرشحة للارتفاع مع بدء تأليف الحكومة الجديدة الى ما بين 2500 و3 آلاف ليرة. سعر صفيحة المازوت بلغ عتبة الـ 27 ألف ليرة. سعر صفيحة البنزين 37 ألف ليرة. إنها الشرارة. ولبنان بلا حكومة حتى الآن. الانقسام المذهبي والسياسي في أوجه.

توحّد المواطنين خلف مطالبهم مستبعد الآن. التفات زعماء الأحزاب الطائفية والمذهبية الى هموم «رعيتهم» أصبح خارج الحسابات. والأزمة لن تستهدف سوى المهمّشين!
تضاربت الآراء أمس بشأن خفض الرسوم الجائرة على صفيحة البنزين، بما يوحي أن الأزمة ستستمر. فقد أعلن وزير العمل بطرس حرب أن الاتصالات التي قام بها أدت الى نتيجة أن قرار خفض الرسوم عن صفيحة البنزين بقيمة 5 آلاف ليرة وفق ما اقترحته وزيرة المال ريا الحسن، وقّعه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري كقرار استثنائي «تبرره الظروف الاستثنائية»، وينتظر أن يوقّعه رئيس الجمهورية لكي يصبح قيد التنفيذ. ولفت حرب الى أنه «من الطبيعي أن يتشاور الرئيس مع رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي في هذا الموضوع، لكون رئيس الجمهورية لا يستطيع توقيع مرسوم أو قرار كلفته لن تقل عن 560 مليار ليرة لبنانية سنوياً، دون إطلاع رئيس الحكومة المكلف عليه، هو الذي سيتولى مهماته مستقبلاً، وبحصيلة اتصالاتي تبين لي أنّ المسألة رهن بتأليف الحكومة التي سيبتّ أمرها بسرعة».
إلا أن موقف رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري كان مغايراً تماماً، فقد عقد مساء أمس اجتماعاً مع وفد من تجمع شركات النفط في لبنان برئاسة مارون الشماس، ونقل الأخير عنه، أنه (أي الحريري) على اتصال مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان للبحث في موضوع خفض 5 آلاف ليرة على رسم البنزين، «وقد وعدنا خيراً بتكثيف الجهود خلال الثماني والأربعين ساعة المقبلة لإيجاد حل نهائي لهذا الموضوع».
وطلب شماس خلال اللقاء من الحريري الموافقة على اقتراح الوزيرة الحسن خفض رسم الاستهلاك 5 آلاف ليرة، عبر كتاب خطي يُرفع الى الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي، توصّلاً إلى حل المشكلة. وبين الـ 48 ساعة التي وعد بها الحريري، وانتظار تأليف الحكومة وفق ما أفضت إليه اتصالات حرب، يكمن لغز البنزين، لكن الأكيد أن اللبنانيين لن ينتظروا كثيراً ليعرفوا إن كان الحريري قد فك أسرهم وسيتراجع عن موقفه الرافض خفض الرسوم على البنزين، بعد أن يظهر إن كان سيفي بوعده خلال الـ 48 ساعة المقبلة، أو لن يفي!
وفي ظل هذا التخبط، يستمر سعر صفيحة المازوت في الارتفاع بحيث أصبح سعر صفيحة المازوت الأحمر 26 ألفاً و300 ليرة، والمازوت الأخضر 26 ألفاً و900 ليرة، وسيشهد سعر هذه المادة ارتفاعاً جديداً الأربعاء المقبل بقيمة 400 ليرة، ما سيجعل عدداً كبيراً من العائلات اللبنانية تحت رحمة البرد القارس في المناطق الجبلية، كما سيؤثر هذا الارتفاع تأثيراً مباشراً على أكلاف الإنتاج في لبنان، وخصوصاً الإنتاج الزراعي والصناعي. فأسعار المواد الغذائية المصنّعة سترتفع في بداية الشهر المقبل بين 5 في المئة و20 في المئة، وفق ما يؤكّد رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصرواي لـ«الأخبار»، الذي يشرح أن جميع المواد الأولية الداخلة في التصنيع الغذائي تشهد ارتفاعاً في أسعارها العالمية، وخصوصاً مواد التوضيب، فيما أسعار الحبوب والسكر والزيوت تتجه صعوداً كذلك، ويتزامن كل ذلك مع ارتفاع في أسعار المحروقات. ويشير نصراوي الى أن التنافس الحاصل بين المصانع في لبنان يؤدي الى إبطاء عملية ارتفاع الأسعار إلا أنه لا يلغيها، لكن تطور هذا الارتفاع على الصعيد العالمي بطريقة متسارعة سيجعل الارتفاع في الأسعار المحلية أكيداً، ويلفت الى أن هذا الارتفاع سيظهر جلياً مع بداية شهر آذار المقبل، بحيث سترتفع أسعار الصناعات الغذائية المعتمدة على الحبوب بين الـ 5% والـ 19%، كذلك تلك التي يستخدم فيها السكر، أما الزيوت، فستكون من أكثر المواد التي ستشهد ارتفاعاً كبيراً قد يصل الى 20 في المئة، وهذه الزيادة ستطاول جميع أنواع الزيوت باستثناء زيت الزيتون.
أما رئيس جمعية المزارعين أنطوان حويك، فيلفت الى أن ارتفاع أسعار المازوت يؤثر تأثيراً مباشراً على المزارعين الذين يعيشون بمعظمهم في الأرياف، بحيث لا يمكنهم تأمين مازوت التدفئة من جهة، ومن جهة أخرى هم غير قادرين على تكوين أيّ مخزون للري، ويلفت الى أنّ الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار المحروقات هم المزارعون في سهل البقاع وفي الجبال، حيث تعتمد زراعاتهم على الآلات الزراعية التي تحتاج الى المازوت بطريقة دورية، مشيراً الى أنه إذا استمرت أسعار المحروقات في الارتفاع، فستشهد المزروعات ارتفاعاً كبيراً في نيسان مع بدء موسم الري، بحيث سترتفع أكلاف الإنتاج الزراعي ارتفاعاً كبيراً.
أما تعرفة النقل، فيبدو أنها سترتفع كذلك إذا لم تعمد الحكومة المقبلة إلى خفض سعر البنزين، وشرح رئيس نقابة أصحاب السيارات العمومية عبد الأمير نجدة لـ«الأخبار» أن السائقين ينتظرون تأليف الحكومة الجديدة، وإذا لم تقر خفض رسوم البنزين فستُرفع التعرفة بالتأكيد، لافتاً الى أن التعرفة ستُزاد لتصبح بين 2500 ليرة و3000 ليرة، وخصوصاً أن صفيحة البنزين تتجه لتصل الى الـ 40 ألف ليرة، ويشرح أن النقابة بالتعاون مع وزارة النقل رفعت التعرفة من 1500 ليرة الى 2000 ليرة عام 2007 حين ارتفع سعر صفيحة البنزين من 23 ألفاً الى 27 الف ليرة، فيما ارتفعت التعرفة عام 1995 من 1000 ليرة الى 1500 ليرة بالتزامن مع ارتفاع سعر الصفيحة حينها. وأكد نجدة أنّ السائقين لا يستطيعون تحمل سعر صفيحة البنزين هذه مع ارتفاع تكاليف الحياة، وخصوصاً أن السائقين ينتمون الى الطبقة المسحوقة من اللبنانيين، حيث لا يتمتعون بأيّ ضمانات اجتماعية تحميهم من جور الاستشفاء والطبابة في لبنان.

العدد ١٣٤٣ السبت ١٩ شباط ٢٠١١

قضية سوق الصاغة: «سوليدير» لا تعترف بالقضاء



(هل يعيد القضاء أصحاب محال المجوهرات الى وسط بيروت؟ (أرشيف)

قضية سوق الصاغة لا تزال مستمرة، لا القوى السياسية ولا الرؤوساء يستمعون لمطالب أصحاب الحقوق، اما سوليدير فتتحدى الجميع!

رشا أبو زكي

الكل بات يعلم بالقرصنة التي مارستها «سوليدير» في سوق الذهب في وسط بيروت: رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير العدل إبراهيم نجار، وجميع الكتل النيابية من دون استثناء... كلهم يعلمون أن«سوليدير» تؤجر محالّ السوق بعدما باعتها لمالكيها في عام 1998 وقبضت الدفعة الأولى من بعضهم... وحده رئيس الحكومة السابق سعد الحريري رفض استقبال أصحاب المحالّ المحتلة، ولا يزال حتى اللحظة يمتنع عن استقبالهم

، علماً بأنهم من «أبناء بيروت» الذين يدعي الحريري «محبتهم»! لكنه لا يتوانى عن تغطية من لا يريد حتى الاعتراف بحقهم في طلب «العدالة».
فالشركة العقارية التي استولت على أملاك خاصة وعامة بعد تشريعها في مطلع التسعينيات، لم تكتف بالأرباح الطائلة التي نعم بها أصحابها، بل عمدت أيضاً إلى بيع محالّ سوق الصاغة في أسواق بيروت، وبعد ارتفاع الأسعار أنكرت عقود البيع، ورفضت تسليم المحالّ لمالكيها الحقيقيين. بل إن هؤلاء المالكين لم ينجحوا في إجراء أي تسوية مع إدارة الشركة، ولا سيما أن رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام ناصر الشماع قال للمالكين مرّة: «إذا ما عجبكم روحوا حصلوا حقوقكم في القضاء». طبعاً قالها وهو يدرك أنه أقوى من الدولة وقضائها.
بالفعل، لم يمتلك أصحاب المحالّ سوى اللجوء إلى القضاء، فأقاموا دعوى على الشركة في محكمة بيروت الابتدائية، برئاسة القاضي محمود مكية، الذي تعرّض لإهانات متتالية من وكلاء الشركة وممثليها، فاضطر إلى توجيه كتاب إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في بيروت بتاريخ 31 أيار 2010 طلب فيه تنحيته عن النظر في ملف الدعوى بسبب «التمادي في التجريح والإساءة...».
بعد ذلك تسلّم القاضي جورج حرب النظر في الدعوى، إلا أن ناصر الشمّاع لا يزال يرفض المثول أمام القاضي، فما كان من الأخير إلا أن ألزم محامي الشركة سامي نحاس بتعهّد ضمان حضور الشماع ونائبه ماهر بيضون ورئيس قسم المبيعات منيب حمود لجلسة تُعقد في السابع من شباط. إلا أن المحكمة انتظرت حضورهم من دون جدوى، ما دفع أصحاب المحالّ إلى الاعتصام احتجاجاً على إمعان شركة «سوليدير» بالاستهتار بالقضاء وحكمه، والاستمرار في عملية النهب المنظم لأسواق وسط بيروت من دون أي رادع!
ويقول رئيس لجنة متابعة أصحاب الحقوق في سوق الصاغة في وسط بيروت نعيم رزق، إن إهانة المحكمة أصبحت عادة لدى الشماع ومعاونيه، بعدما أهان المحامي نحاس رئيس محكمة بداية بيروت القاضي محمود مكية... وبعد إثارة هذه الإهانة مع الرؤساء والكتل النيابية، وبعدما بلّغت لجنة الدفاع عن أصحاب الحقوق في سوق الصاغة وزير العدل إبراهيم نجار بما فعله نحاس من إهانة للقضاء، فوجئ أصحاب الحقوق بأن نحاس نفسه جاء إلى جلسة 7 شباط ليدافع عن سوليدير أمام رئيس المحكمة جورج حرب. لا بل إن المسؤولين في مكتب الشماع تعدوا على المباشر القضائي الذي كان يبلغهم بحضور الجلسة الأخيرة. وأكد رئيس المحكمة أن ناصر الشماع تبلغ ونائبه ورئيس قسم المبيعات بالجلسة، ولم يحضروا! علماً بأن نحاس كان قد تعهد في الجلسة السابقة أن الشماع سيحضر جلسات الاستماع، ما دفع القاضي حرب إلى سؤال نحاس عن هذا الموضوع، فأجاب الأخير: «لديه عمل في الخارج»، وحينها أردف القاضي بأن «في المحكمة 100 شخص لهم أيضاً أعمال ومصالح، وهم يحضرون الجلسات»! بالطبع لم يجب نحاس، فكان أن حُدِّدت جلسة أخرى في 7 آذار المقبل، مع تعهد بحضور الشماع.
واللافت في هذا الإطار، بحسب رزق، أن التعدي ومخالفة القانون والتكابر على القضاء مكشوفة، وليس من يحاسب سوليدير على أفعالها، مشيراً إلى أن سوليدير تؤجر محالّ مبيعة أصلاً منذ 11 عاماً، على الرغم من أن هذه المحالّ خاضعة لنزاع قضائي قائم، وبالتالي لا يمكن التصرف بها قانوناً، إن استثماراً أو بيعاً أو إيجاراً. ويستغرب رزق «كيف يمكن السكوت عن هذه المخالفة من الرأي العام والقضاء والرؤساء الثلاثة ووزير العدل».
ويشرح أن أصحاب المحالّ ينظرون إلى محالهم وقد شغلتها شركات أجنبية، وتبيع ذهباً غير مصنّع في لبنان، وتنافس القطاع المحلي، فيما عنوان إعادة إعمار سوق الصاغة كان «إحياء الصناعة المحلية»! ولفت إلى وجود إقرار لدى رئيس المبيعات السابق في سوليدير نعمان عطا الله بأن عملية البيع قد تمت بعدما قبضت سوليدير الدفعة الأولى من أصحاب المحالّ، وأنه كان من المفترض أن يتسلم هؤلاء محالّهم في عام 2000، إلا أنه تبين وجود مخالفة بناء ارتكبتها سوليدير، فبدأت المماطلة إلى أن فوجئ أصحاب المحالّ بتأجير محالهم وإنكار عقود البيع! ويشير رزق إلى أن الوضع لم يعد محمولاً، وأصحاب المحالّ تعبوا وهم غير قادرين على تحمل هذا الضغط، وخصوصاً أن ملفهم أصبح بعهدة جميع القوى السياسية. ويؤكد أن الدعوى ستستمر إلى أن يحصل أصحاب الحقوق على محالهم، إضافة إلى تعويض عن كل الأضرار والخسائر التي لحقت بهم نتيجة المماطلة بتسليم محالهم. وقال: «فليأت الشماع إلى المحكمة وليثبت أننا لسنا مالكي هذه المحالّ، وأن ما يقوم به لا ينطوي على مخالفة قانونية فاضحة». وكشف رزق أن المستأجرين الحاليين في سوق الصاغة لا علاقة لهم بالسوق المحلية ولا يتأقلمون مع تغييراته، ما دفع الشماع إلى تقديم عرض لأصحاب المحالّ بعدم دفع الإيجار لمدة شهرين لكي يستمروا في عملهم! ويلفت رزق إلى أن سوليدير، ومَن خلفها، يحرمون مئات الأسر العمل وتحقيق مدخول يومي، وذلك نتيجة منع أصحاب المحالّ من العمل في السوق، ما يؤثر على معامل الذهب التي من الممكن أن تشغّل عدداً كبيراً من اللبنانيين إذا تطور إنتاجها. وأشار رزق إلى أن الحكومة السابقة أصبحت سابقة، وهناك أمل في أن تعمد الحكومة الجديدة إلى معالجة الأمر، وقال إن الملف سيُقدّم إلى رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي ليُعرَض على مجلس الوزراء فور تأليف الحكومة الجديدة.


600 دولار

قيمة المتر المربع في سوق الصاغة التي دفعتها سوليدير لتبيعه، بحوالي 8500 دولار أميركي.

العدد ١٣٤٠ الثلاثاء ١٥ شباط ٢٠١١

هل ستنتهي لعبة «الغميضة» في البنزين؟


رشا أبو زكي

باسيل: المواطنون يتحمّلون مسؤولية الأزمة المقبلة!
أصبحت لعبة وزير الطاقة والمياه جبران باسيل غير مفهومة إطلاقاً، وتشبه الى حد كبير لعبة «الغميضة»، بحيث يغمض باسيل عينيه ويمتنع عن إصدار جدول تركيب أسعار المحروقات، فـ «تنكزه» الشركات المستوردة للنفط، ليعود ويصدر الجدول! إذ إنه للأسبوع الثاني على التوالي يؤجّل باسيل إصدار جدول تركيب أسعار المحروقات، وفي كل مرة يعود ويصدر الجدول متأخراً يوم أو يومين، مع تغيير أسعار كل المحروقات ما عدا صفيحة البنزين، ما يطرح تساؤلات عن سبب التأخير إن كان باسيل يستطيع إصدار الجدول من دون رفع سعر البنزين! وهذه اللعبة استُكملت أمس، أصدر باسيل الجدول، ورفع أسعار المحروقات، فزاد سعر صفيحة المازوت 400 ليرة، واستثنى باسيل من الزيادة سعر البنزين، الذي كان من المفترض أن يرتفع 100 ليرة، وهذا الجدول كان يجب إصداره يوم الأربعاء، أي قبل يوم واحد، فما جدوى ما يقوم به باسيل؟ ولماذا لا يتابع عملية الضغط التي يقوم بها حتى النهاية؟ وخصوصاً أنه يتضح في كل أسبوع أن خطة باسيل «الضاغطة» ليست بـ«ضاغطة»، لا على الشركات ولا على وزارة المال ولا على أي من الرؤساء، ولا حتى على المواطنين! فقد عقد باسيل اجتماعاً أمس مع وفد تجمّع الشركات المستوردة للنفط برئاسة مارون شماس، وعقب الاجتماع أصدر جدول تركيب أسعار المحروقات «محافظاً على السعر نفسه لمادتي البنزين 95 و98 أوكتان من دون زيادة مبلغ 100 ليرة المفترض إضافتها لو جرى اعتماد الطريقة المحاسبية المعتمدة في الجدول»، وحذر فيه من «أن الجدول المقبل الذي من المفترض أن يلحظ ارتفاعاً جديداً للأسعار، سوف يفرض طريقة تعامل جديدة من جانب الوزارة ومن جانب الشركات والمحطات، مما يؤشّر إلى احتمال حدوث أزمة محروقات يتحمّل مسؤوليتها المسؤولون والمستهلكون معاً، ما لم يضغطوا لخفض الأسعار».
لكن هل ستحدث أزمة محروقات إن أصدر باسيل الجدول الأربعاء المقبل؟ وهل من المحق بمكان أن يلقي باسيل اللوم على المواطنين ويحمّلهم مسؤولية الأزمة «ما لم يضغطوا لخفض الأسعار»؟ فيما كان باسيل وزيراً للطاقة لأكثر من سنة تقريباً، ولم يستعن بأدوات الضغط التي يستخدمها اليوم في سبيل خفض الرسوم الجائرة على البنزين؟
على أيّ حال، سيوزّع البنزين حتى يوم الأربعاء المقبل، وفق ما أكد رئيس تجمّع الشركات المستوردة للنفط مارون شماس لـ«الأخبار»، لافتاً الى أن الحوار مع باسيل كان إيجابياً، وحين سُئل عن إمكان اعتماد باسيل آلية جديدة لتسعير المحروقات بدلاً من الآلية المعتمدة حالياً، صمت شماس وقال: «لا بد من دراسة ما ورد في بيان باسيل بتمعن». وأشار الى أن التجمع سيبقي اجتماعاته مفتوحة لمتابعة التطورات لاتخاذ القرارات المناسبة في حينه.
أما بيان باسيل، فقد ذكّر «الرأي العام والمعنيّين»، بأن المجلس الأعلى للجمارك التابع لوزارة المال وخلافاً للقانون وللمرسوم 12480، لم يلتزم حتى تاريخه خفض رسم الاستهلاك الداخلي، ما يؤدّي إلى خفض أسعار البنزين في ظل استمرار أسعار النفط عالمياً على هذا النحو. وإن وزارة الطاقة والمياه إذ ترى أنّ أياً من المعنيين الرسميين والقضائيين الذين جرت مراجعتهم للمساعدة على تحقيق هذا الأمر، كتابةً وشفاهة، لم يقم حتى تاريخه بأي إجراء فعلي وعملي يؤدي إلى هذا الخفض، فإنها تؤكّد أن همّها الأول والأخير هو خفض الأسعار، إلا أن هذا الأمر لن يجري إن لم يقم المواطنون والمسؤولون بالمساعدة على إنجازه عبر مطالبة ومحاسبة من يُعيق هذا الأمر، فعلياً لا كلامياً، وخصوصاً المجلس الأعلى للجمارك.

العدد ١٣٤٢ الجمعة ١٨ شباط ٢٠١١

باسيل لم يُصدر جدول المحروقات!

أسعار البنزين على حالها... والشركات تهدّد!


البراكس: الحكومة الحالية مسؤولة عن إنهاء مشكلة أسعار البنزين (أرشيف ــ مروان طحطح)

للأسبوع الثالث على التوالي، يتعمّد وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال، جبران باسيل، تأخير إصدار جدول تركيب أسعار المشتقات النفطية الأسبوعي، بهدف الضغط على رئيس الجمهورية ميشال سليمان لاتخاذ موقف محدد من محاولة زجّه في لعبة المزايدة الإعلامية التي اعتمدها رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري عبر وزيرته للمال ريا الحسن.

رشا أبو زكي

بات واضحاً أن عدم إصدار جدول تركيب الأسعار في موعده، يوم الأربعاء من كل أسبوع، يسهم في زيادة البلبلة في السوق المحلية، ويضع «كارتيل» استيراد المحروقات وتوزيعها في موقع الضغط على حماته السياسيين من أجل التحرّك، خوفاً من أن يستمر تثبيت السعر الحالي لصفيحة البنزين إلى حين تأليف الحكومة الجديدة، وهذا الأمر قد يفضح حجم الأرباح الفاحشة التي يجنيها هذا «الكارتيل» إذا استمر بتسليم المحطات بما تحتاج إليه من محروقات، أو قد يضع «الكارتيل» في دائرة المتهم إذا لجأ إلى خلق أزمة إمداد في السوق المحلية، وبالتالي سيشجّع ذلك أي حكومة مقبلة على تبنّي آليات مختلفة لتحديد الأسعار قد لا تصبّ في مصلحة «الكارتيل» نفسه، ولا سيما أنه يعرقل منذ مدّة طويلة خيارات كثيرة في هذا الاتجاه، وفي مقدّمها توفير مخزون بإدارة الدولة للتأثير في الأسعار، واعتماد السعر الثابت على مدى أطول، كل فصل على سبيل المثال، وهو ما يفرض على الشركات توظيف استثمارات للتخزين ومراقبة الأسواق وتحمّل المخاطر وتعزيز المنافسة، بحيث يمثّل السعر الرسمي المعلن الحدّ الأعلى لا السعر الموحّد...
وكان الوزير باسيل قد بدأ بسياسة تأخير إصدار الجدول وفرض ثبات السعر المحلي في ظل ارتفاعه عالمياً، بعد أن أجهض الرئيس الحريري قراره خفض الرسم المفروض على صفيحة البنزين من 9550 ليرة تقريباً إلى 6250 ليرة، أي بقيمة 3300 ليرة، إذ عمدت الوزيرة الحسن إلى منع المجلس الأعلى للجمارك، الخاضع لوصايتها، من تنفيذ هذا القرار، بحجّة أن الوزير باسيل لم يشاركها في صوغه وتبليغه للمجلس، فضلاً عن أن القرار يستند إلى مرسوم سابق أُلغيت مفاعيله بالقرارات اللاحقة الصادرة عن مجلس الوزراء، والقاضية بتثبيت قيمة الرسم المفروض... وعمدت الحسن إلى المزايدة على باسيل، فقدّمت اقتراحاً بخفض الرسم بقيمة 5000 ليرة، ليصبح 4550 ليرة تقريباً، إلا أنها اشترطت أن يصدر هذا الاقتراح بمرسوم جوّال يوقّعه كلّ من الرئيس سليمان والرئيس الحريري، إضافة إليها طبعاً، ولم توضح، ولا مرّة، السند القانوني لمثل هذا الاقتراح الموضوع في مواجهة قرار باسيل «غير القانوني» برأيها.
طبعاً لا يستطيع الرئيس سليمان توقيع مثل هذا المرسوم، إلا أنه لم يعلن ذلك، تاركاً المزايدات الإعلامية تتواصل، وهو ما دفع باسيل إلى انتهاج التأخير في إصدار الجدول للضغط وإلزام الشركات بالتوزيع على أساس الأسعار القديمة... كذلك دفعه إلى مراجعة القضاء لإجبار المجلس الأعلى للجمارك على تنفيذ قراره السابق خفض الرسم.
إذاً، المشهد نفسه يتكرر منذ 3 أسابيع، لا جدول لتركيب الأسعار، والشركات المستوردة للنفط اجتمعت بعد ظهر أمس وكررت تهديدها بوقف تسليم البنزين للمحطات يوم الجمعة المقبل إذا لم يصدر الجدول. أمّا أصحاب المحطات، فعبّروا عن امتعاضهم، وأعلنوا خوفهم من تحميلهم الخسائر وتشجيع السوق السوداء! أمام هذا المشهد المتكرر، يصحّ التساؤل عن سبب هذه التهديدات، ولا سيما أن المعنيين لا يشترطون زيادة سعر البنزين، بل إصدار الجدول المشؤوم، وقد يكمن السبب في أنواع المحروقات الأخرى، إذ إن سعر المازوت والديزل كان ليرتفع 300 ليرة هذا الأسبوع لو صدر الجدول!

الشركات: الجمعة نقرّر

الوزيرة الحسن تلتزم بالصمت، ورئيس الجمهورية لا يزال يتصرّف كما لو أنه غير معني بزجّه في أتون سعر المحروقات... الأكيد أن المشهد يتغيّر، ولكن أبطاله يلعبون لعبة الصنم، يأخذ كلّ منهم زاوية ويعلن الصمت موقفاً! أمّا باسيل، فقد اكتفى أمس بالقول «إن عدم إصدار الجدول هدفه خفض سعر البنزين»، فيما رأى «أن الشركات ملزمة بتسليم الكميات الموجودة لديها إلى المحطّات، وهي محكومة بالقوانين ولا تستطيع ألا تسلّم الكميات المطلوبة»، وأوضح «أن عدم إصدار الجدول يبقي على سعر الصفيحة ثابتاً إلى حين اتخاذ قرار بشأن خفض الرسوم».
من جهته، قال رئيس تجمّع شركات النفط في لبنان مارون شماس، لـ«الأخبار»، إن الشركات ستلتزم بتسليم البنزين إلى المحطات حتى يوم الجمعة، وبعده ستقرر موقفها من التسليم أو عدمه إذا لم يصدر الجدول. وقال إنها المرة الأخيرة التي ستسلّم فيها الشركات من دون جدول. وأوضح أن باسيل لديه وجهة نظر، وسأل «ولكن هل المطلوب أن تسلم الشركات البنزين والمازوت والغاز بأسعار قديمة وتتحمل هي الخسائر؟»، معتبراً أن هناك قاعدة واضحة في التعامل ما بين الوزارة والشركات، وهي جدول تركيب الأسعار، وبالتالي لا يمكن مطالبة الشركات بالاستمرار بتسليم المحروقات من دون تحديد السعر من قبل الوزارة وفقاً لتطور الأسعار العالمية. ورأى أن الموضوع يجب ألا يستمر إلى حين تأليف الحكومة المقبلة، إذ إن المسؤولية تقع على الحكومة الحالية مجتمعة، وهي التي تستطيع إنهاء المشكلة القائمة.
ولفت إلى أن الشركات لديها مخزون (وفق ما يشير باسيل)، إلا أن المشكلة ليست هنا، بل في عدم تسعير المحروقات من قبل الوزارة، ما يؤدي إلى بلبلة في سوق المحروقات في لبنان.

كميات بلا فواتير

إلا أن رئيس نقابة أصحاب المحطات سامي البراكس كشف عن أن عدداً من الشركات يسلّم المحروقات للمحطات بالسعر القديم ولكن من دون فواتير، ما يعطيها الحق في رفع السعر على المحطات إذا صدر الجدول، في الوقت الذي تكون فيه المحطات قد صرفت المحروقات بأسعار قديمة.
وأشار إلى أن هذا الواقع يدفع صوب خلق سوق سوداء في بيع المحروقات وشرائها، مطالباً باسيل بإصدار الجدول، «وليضع الأسعار التي يريدها»... لكنّ شماس استغرب الحديث عن تسليم المحروقات من دون فاتورة، لافتاً إلى أن هذه الحالة لم تحدث حتى الآن، ودعا المحطات التي تتعرض لهذه الممارسات إلى مراجعة إدارات الشركات المعنية.


5.7 ملايين طن

هو حجم استهلاك لبنان السنوي من المحروقات الذي يتوزّع كالآتي: 29% بنزيناً بنوعيه (98 أوكتان، و95 أوكتان)، و28% مازوتاً بنوعيه (الأخضر والأحمر)، و17.8% فيول أويل، و2.3% غازاً، و2.6% وقوداً للطائرات، و1.3% إسفلتاً


أحداث الشرق الأوسط

نتيجة لتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، سجّل سعر برميل النفط عالمياً ارتفاعاً ملحوظاً. فقد ارتفع سعر مزيج «Brent» في لندن إلى حدود 103 دولارات، فيما قفز سعر برميل الخام الأميركي فوق 85 دولاراً. فالخوف ينتشر بين المستثمرين من إمكان امتداد تأثيرات ثورتي تونس ومصر إلى ليبيا، وحتّى البحرين، وهما بلدان مصدّران للنفط. وأسهمت في ارتفاع الأسعار في الولايات المتّحدة البيانات الخاصّة بالمخزون الأميركي من الوقود الأحفوري التي أظهرت تراجعاً بواقع 354 ألف برميل، بحسب معهد البترول الأميركي.

العدد ١٣٤١ الخميس ١٧ شباط ٢٠١١

«كيبكو» خارج معامل الكهرباء!


الشركة الماليزيّة تفوز بفارق 47 مليون دولار عدّاً ونقداً


الكهرباء لن تنقطع (أرشيف ــ هيثم الموسوي)

بعد 5 سنوات من تشغيل معملَي دير عمار والزهراني وصيانتهما، وبعد محاولتها تعطيل نتائج المناقصة، خسرت شركة «كيبكو»، ووكيلها في لبنان، المسؤول في تيار المستقبل، سمير ضومط، معركة إبطال نتائج مناقصة فازت بها شركة ماليزيّة بفارق 47 مليون دولار!

رشا أبو زكي

وأخيراً، وافقت وزيرة المال ريا الحسن على طلب وزارة الطاقة والمياه التوقيع على عقد صفقة تلزيم عقد صيانة وتشغيل معملَي دير عمار والزهراني، الذي فازت به شركة YTL الماليزيّة على شركة كيبكو، فالحسن استمرت بالمماطلة حتى أيام قليلة بسبب ضغوط مورست عليها لتعطيل إرساء العقد الجديد وإعطاء الشركة الماليزية الإذن بمباشرة العمل، وذلك بهدف الوصول الى منتصف شباط، وهو تاريخ انتهاء العقد السابق، وبالتالي جعل تمديد عقد كيبكو بحكم الأمر الواقع.

والمعروف أن هذه الضغوط سببها أن وكيل كيبكو في لبنان هو عضو المكتب السياسي ورئيس قطاع المهن الحرة في تيار المستقبل سمير ضومط! ولا غرابة في بذل جهود كبيرة لتعطيل إرساء العقد الجديد، إذ إن مجريات المناقصة كشفت عن مبالغ طائلة كانت تذهب الى الشركة المذكورة بسبب نفخ الأسعار، تقدّر قيمتها بنحو 100 مليون دولار.
الآن انتهت العاصفة، وأعلن الوزير جبران باسيل في مؤتمر صحافي أمس البدء في العمل وفق العقد الجديد لتأهيل وصيانة وتطوير معملي دير عمار والزهراني بعد إتمام كل الإجراءات الإدارية المطلوبة، ورأى باسيل أن أهمية هذا المشروع تكمن في كونه جزءاً أساسياً من خطة الكهرباء المؤلفة من 42 بنداً تنفيذياً، وهو من ضمن البند الأول فيها، لافتاً الى أن المباشرة به تحقق وفراً كبيراً يصل الى 100 مليون دولار، وزيادة 55 ميغاوات في إنتاج الكهرباء، ما يزيد من إنتاج المعامل ويخفّف من كلفتها... أما عن الفساد، فطال شرح باسيل، إلا أن الأكيد أن لبنان لن يشهد العتمة القسرية التي سبق أن حذّر منها في حال استمرار الحسن بالمماطلة.
ففي 13 أيار 2010، طرحت مؤسسة كهرباء لبنان مناقصة لصيانة معملي دير عمار والزهراني وتشغيلهما، إذ إن العقد مع شركة كيبكو التي كانت تشغّل المعملين منذ 5 سنوات، ينتهي في 15 شباط المقبل. وبعد شهرين أي حتى 17 تموز من العام الماضي، لم تتقدم أي شركة الى المناقصة، لذلك جرى تمديد الفترة الى أواخر آب، وخلال فترة التمديد قدمت 3 شركات ملفاتها الى مؤسسة الكهرباء: كيبكو، إضافة الى شركتين إيرانية وروسيّة، إلا أنه تبيّن من خلال دراسة الملفات أن الشركتين الأخيرتين ليستا مؤهّلتين للتقدم الى المناقصة، فحصل تمديد للمرة الثانية، حيث تقدمت شركة «YTL Power Services» الماليزيّة، فاستقرّت المنافسة بين الشركة الماليزيّة وكيبكو، وقد وضعت اللجنة الفنية ملاحظات على ملف كيبكو، إلا أنه جرى السير في عملية إدخالها الى المناقصة، كما حازت نقاطاً تفوق تلك التي حصلت عليها «YTL» في ما يتعلق بالتقويم الفني. وخلال عملية تقديم العروض، دخلت الشركتان في منافسة شديدة أدّت الى خفوضات ملموسة في أسعارهما، الى أن حصلت عملية فض العروض في كانون الأول الماضي، حيث كانت النتيجة أن خفضت كيبكو أسعارها بقيمة 50 مليون دولار، لكن الفارق بينها وبين YTL بلغ 47 مليون دولار لمصلحة الأخيرة، ما يعني أن أسعار كيبكو كانت تزيد على أسعار YTL بنحو 97 مليون دولار قبل الخفض. إذ تقدمت الشركة الماليزية بعرض لتشغيل المعملين وصيانتهما بقيمة 192 مليوناً و622 ألف يورو، على أن تكون مدة العقد حتى 15 شباط من عام 2016... وهنا بدأت الاعتراضات، حيث رفضت كيبكو نتائج المناقصة، وطالبت بإلغاء نتائجها، أما المبررات فكانت شكلية، إن كان من ناحية عدم ترجمة دفتر الشروط أو لناحية عدم توقيع بعض الأوراق، وذلك على الرغم من أن فضّ العروض حصل أمام المشاركين واعترف الجميع بالنتائج... أما الهدف فقد كان إعادة التمديد لشركة كيبكو ولو على حساب التوفير الممكن تحقيقه من خلال تلزيم تشغيل المعامل وصيانتها للشركة الماليزيّة!
وهكذا، وبعد طول مناقشات، وافق مجلس إدارة مؤسّسة الكهرباء على نتائج المناقصة، ورفع الملف من المؤسسة الى وزارة الطاقة والمياه في 7 كانون الثاني الماضي. وفي 18 كانون الثاني رفع وزير الطاقة والمياه جبران باسيل الملف الى وزارة المال لطلب الموافقة... فطال الانتظار، الى أن كشفت كيبكو عن هدفها من المطالبة بإبطال نتائج المناقصة، بحيث أرسلت الى الوزير باسيل كتاباً تدعوه فيه الى التمديد لعقدها... كما جاء وسطاء ليعرضوا على الوزير المعني استعداد كيبكو لإجراء خفض إضافي على أسعارها بقيمة 50 مليون دولار لتصبح أدنى من أسعار الشركة الماليزية... وطبعاً لم يوافق على الطلب، لأن المناقصة انتهت ولم يعد ممكناً إعادة التفاوض.
وقد أوضح باسيل ما حصل بشأن عملية التلزيم، مشيراً الى أن مناقصة قد حصلت حسب الأصول، ورست على إحدى الشركات، فيما شركة أخرى أصرّت على: إما التمديد لنفسها وتشغيل المعامل وإما ربح العقد ضمن فرق بلغ 50 مليون دولار، ما يعني أن مؤسسة كهرباء لبنان قد وفّرت نتيجة المناقصة من أساس الأسعار حوالى 100 مليون دولار.
ورداً على سؤال عن التدخلات بشأن المناقصة، أعلن باسيل أنه «تدخل سافر، ليربح الخاسر بفرق 47 مليون دولار»، مشيراً الى «أن ما حصل في هذا الصدد هو مثال عن الواقع، فكما كان الوهم سائداً بأن «تيار المستقبل» لن يخرج من الحكومة، كذلك الأمر بالنسبة إلى هذه الشركة وهذا العقد، وللأسف، إنها المعادلة نفسها الموضوعة في السياسة مركّزة في كل مكامن الفساد».
وقد شرح المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك ما يوفره هذا المشروع على الخزينة، مشيراً الى أنه يأتي في إطار الالتزام بخطة وزير الطاقة والمياه التي أقرّها مجلس الوزراء بتاريخ 21/6/2010 في ما يتعلق بقطاع الإنتاج. وتكمن أهمية هذا العقد في أن معملي دير عمار والزهراني هما أساسيان ويمثّلان حالياً 60 في المئة من إنتاج الطاقة الكهربائية في لبنان، وبالتالي فإن أي إشكال يطرأ على المعملين يؤثر سلباً على التغذية بالتيار الكهربائي في جميع المناطق اللبنانية» وأعلن أن العقد الجديد يتضمّن إطالة عمر مجموعات الإنتاج، وتطوير المعملين (Upgrade) لجهة زيادة قدرتهما الإنتاجية 55 ميغاوات وتوفير في استهلاك مادة الغاز أويل بنسبة 1.4% لكل مجموعة غازية، ما يؤدي إلى وفر مالي يبلغ حوالى 10 ملايين دولار سنوياً، إضافة الى إطالة أمد القيام بالصيانات العامة، التي تتطلب توقيف المجموعات عن العمل خلال فترة الصيانة، بحيث تصبح بعد كل 41 ألف ساعة تشغيل أي كل أربع سنوات، بدلاً من 25 ألف ساعة تشغيل أي كل سنتين ونصف.


%60

هو حجم الكهرباء الذي ينتجه معملا دير عمار والزهراني، أي ما يعادل 900 ميغاواط من أصل 1500 ميغاواط، فيما السير بنتائج المناقصة سيؤدي إلى تطوير المعملين بكلفة 20 مليون يورو لزيادة 55 ميغاواط في إنتاج الكهرباء.


أجبرت... أم اقتنعت؟

هل أجبرت وزيرة المال ريا الحسن على توقيع صفقة انتقال عقد صيانة وتشغيل معملي دير عمار والزهراني إلى الشركة الماليزية، أم اقتنعت بوجوب عدم الإصغاء إلى ممثّلي شركة كيبكو في لبنان الرافضين لنتائج المناقصة لكونها لم تكن لمصلحتهم؟ سؤال لا بد من طرحه، وخصوصاً أن وزير الطاقة والمياه جبران باسيل (الصورة) كان قد لفت في تصريح سابق إلى أنه يمتلك «تسجيلات صوتية وخطيّة» تجعل ريا الحسن مضطرّة إلى اتخاذ قرار في أسرع وقت، والتسجيلات بالطبع تتعلق بممثّلي شركة كيبكو.

العدد ١٣٢٩ الثلاثاء ١ شباط ٢٠١١

البنزين لن ينقطع الآن!


المزايدات متواصلة وسليمان «ساكت عن الحق»


ازمه بنزين في المحطات أمس (مروان طحطح)

البنزين لن ينقطع، وسعره لم يتغيّر. فقد قررت الشركات معاودة تسليم البنزين إلى المحطات بانتظار حسم المزايدات القائمة بين وزيري الطاقة والمياه والمال، في الأسبوع المقبل. فإمّا أن يخرج رئيس الجمهورية من المنطقة الرمادية ويتخّذ القرار في شأن خفض الرسوم، وإمّا أن ترضخ ريا الحسن للآلية التي يريد تطبيقها جبران باسيل، وإمّا أن يواصل باسيل مخططه الرامي إلى الضغط على الاثنين بافتعال أزمة تدفع باتجاه خفض الرسوم

رشا أبو زكي

سحبت الشركات المستوردة للنفط البساط من تحت أقدام كلّ من وزير الطاقة والمياه جبران باسيل ووزيرة المال ريا الحسن، بعد أن أعلنت أنها ستستمر بتوزيع المحروقات على المحطات من دون الدخول في الصراع السياسي القائم بين الوزارتين. وهكذا لم يفلح باسيل في افتعال أزمة انقطاع بنزين، ولم يستطع نقل عدوى التمرد إلى الشارع لكي يضغط في سبيل خفض رسوم البنزين.

أما الحسن، فلم تستطع إكمال مسرحيتها ووضع اللوم على باسيل في عدم خفض الرسوم على البنزين، بعد أن رأت أن عدم إصدار باسيل جدول تركيب الأسعار يمنع رئيس الجمهورية من اتخاذ قرار استثنائي في خفض الرسوم بقيمة 5 آلاف ليرة وفق اقتراحها! فباسيل الذي يسعى إلى الانتصار في معركته، أصدر جدول تركيب الأسعار أمس، بتأخير يومين، ومن دون رفع سعر الصفيحة 100 ليرة وفق الزيادة الطارئة عالمياً، إلى حين السير بالمرسوم الرقم 12480 الذي يمتنع المجلس الأعلى للجمارك عن السير به وخفض رسوم البنزين 3300 ليرة، والوزيرة ريا الحسن مستمرة في زوبعة المزايدات الفارغة، مدّعية أن باسيل يريد الضغط على رئيس الجمهورية، وهي نفسها طلبت من الرئيس نفسه خفض الرسوم 5 آلاف ليرة، وهي التي اقترحت السير بما يعرف بالمرسوم الجوال في ظل حكومة تصريف أعمال لا يحق لها إصدار أي مرسوم... وكل هذه الجلبة تحدث فيما القرار واضح ومحسوم، لا الحسن (ومن تمثّل) ولا رئيس الجمهورية ميشال سليمان يريدان خفض الرسوم الجائرة عن البنزين، أما عن جدية باسيل في طروحاته، فيمكن قراءتها من عدم اعتداده بالمرسوم 12480 الذي يتيح له خفض رسم البنزين... حين كان هنالك حكومة ترفض الاستجابة لطلباته بالخفض!

تأجيل الأزمة...

فقد أجّلت شركات استيراد النفط أزمة البنزين، وأعلن رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان مارون شماس أن الشركات ستعاود تسليم المحروقات غداً» (اليوم) كالمعتاد، ورأى أن البلبلة في سوق المحروقات ناتجة من سببين: عدم صدور جدول تركيب الأسعار الأسبوعي من جهة، وعدم بتّ موضوع خفض الرسوم الضريبيّة المطروحة في التداول منذ أكثر من ثلاثة اسابيع، «سلباً أو إيجاباً». وقال إن تجمّع الشركات لن يقع في المشادّات السياسيّة، إذ «علينا أن نؤمّن السوق بالمشتقات النفطية ونتمسّك بجدول تركيب الأسعار الأسبوعي الذي ينظّم السوق، كذلك فإننا نستمر بإعطاء مجال للوزارات المعنية للاتفاق في ما بينها. لذلك سنسلّم المشتقات النفطية كالمعتاد». وتمنى على وزير الطاقة والمياه ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إيجاد الحل المناسب قبل يوم الأربعاء المقبل، لأن الشركات لن تتمكن من الاستمرار بالأسلوب الحالي نفسه.
وقبل إعلان هذا الموقف، امتدت طوابير السيارات أمس أمام محطات البنزين، نتيجة المخاوف من انقطاع البنزين عن السوق انقطاعاً كاملاً، وتغاضى ذوو الدخل المحدود وسائقو التاكسي عن التقنين في شراء هذه المادة إلى حين خفض سعرها، بعد أن اتّضح أن الأسعار لن تنخفض، وأن السير بمرسوم باسيل ممنوع، وأن بدعة الحسن في اقتراح المرسوم الجوال هرطقة إعلامية، وأن رئيس الجمهورية لا همّ له سوى ادّعاء الحياد السلبي... أما المواطنون الرازحون تحت حكم الرسم الجائر الذي يتعدّى 12 ألفاً و480 ليرة على كل صفيحة بنزين، فكانوا يردّدون بصوت خافت خلال انتظارهم في طوابير المحطات، التي يزيّنها عمال الثورة المصرية، أغنية تمثّلهم، وفيها عبارة: «رح ينقطع البنزين بهاليومين... مش رح ينقطعوا الإجرين»!

المبارزة مستمرة

أما مبارزة المزايدات والضغط بين باسيل والحسن فاستمرت أمس، إذ توجه باسيل إلى «المسؤولين المعنيين» للقيام بما يلزم، حفاظاً على المصلحة العامة، وتحسّساً مع ظلم اللبنانيين، وتفادياً لأزمة محروقات كبرى، وذلك بعد أن وقّع جدول تركيب الأسعار الأسبوعي، وقد أبقى فيه على سعر البنزين 95 و98 أوكتان العائد للأسبوع الماضي من دون إضافة مبلغ 100 ليرة لبنانية على صفيحة الـ98 أوكتان و200 ليرة لبنانية على صفيحة الـ95 أوكتان كما هو مفترض باتّباع القواعد المعمول بها في وضع الأسعار.
وأوضح بيان لوزارة الطاقة أن الوزير قد قام بهذا الإجراء كتدبير موقت بانتظار تقيّد المجلس الأعلى للجمارك بالقرار الصادر عن وزارة الطاقة والمياه بحسب المرسوم 12480 القاضي بخفض رسم الاستهلاك الداخلي على البنزين 95 و98، وهو الأمر الذي لم يعمل به حتى تاريخه المجلس الأعلى للجمارك، التابع لوزارة المال، «وهو ما يعدّ مخالفة إدارية تستوجب ملاحقة قضائية وتدابير مانعة لها». وأشار باسيل إلى أن «الهدف الوحيد هو خفض أسعار المحروقات التي لم يعد باستطاعة المواطنين تحمّلها، وأن السبيل الوحيد المتاح في الظرف الراهن لخفض أسعار المحروقات هي هذه الآلية القانونية المرتكزة على المرسوم 12480».
أما الحسن، فلا تزال تسوّق أن مرسوم باسيل غير قانوني، ولفتت إلى أنها أرسلت كتاباً إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء طلبت فيه موافقة استثنائية من رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال للمضي في خطوة خفض خمسة آلاف ليرة على الصفيحة. وقالت إنه «في ظل عدم وجود مجلس للوزراء، لا طريق آخر يمكن أن نمضي به إلا إذا أردنا انتظار تأليف الحكومة الجديدة وصدور البيان الوزاري واجتماع مجلس الوزراء لاتخاذ هذه الخطوة، بمعنى أن علينا أن ننتظر ربما نحو شهر أو شهرين. لذلك نعتقد أن الموافقة الاستثنائية هي الحل السريع اليوم».
وبالطبع حاولت الحسن الاستمرار بمسرحية المزايدات المتبادلة، فرأت أن باسيل «يضغط على رئيس الجمهورية، ويدخلنا في أزمة بنزين طويلة عريضة واستراتيجية، وهو يقطع البنزين عن الناس ولا يصل إلى نتيجة». وتوجهت إلى باسيل قائلة: «أَصدِر الجدول حتى نتمكن من الحصول على الموافقة الاستثنائية، إنها الطريقة التي تخدم الناس. أما طريقة الضغط التي لا توصل إلى مكان، فلا أعرف ما هو هدفها».


147 دولاراً

كان سعر برميل النفط منذ سنتين، وبقي ثمن صفيحة البنزين حينها نحو 27 ألف ليرة لبنانية، بينما تعدى سعر برميل النفط اليوم الـ87 دولاراً وسعر صفيحة البنزين وصل إلى 38 ألف ليرة


السائقون يريدون خفض السعر

سأل رئيس اتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية للنقل البري في لبنان عبد الأمير نجدة (الصورة) عن وعود وزير الطاقة ومزايدة وزيرة المال عليه بأنها ستخفض سعر البنزين 5000 آلاف ليرة نكايةً، ورأى أن هذا التراشق الكلامي لا يطعم ولا يغني من جوع، لا للسائقين ولا للمواطنين، وطالب بخفض أسعار البنزين وأن يعاد هذا القطاع إلى كنف الدولة كما كان قبل 1976 بالاستيراد وتشغيل مصافي التكرير بعد إجراء الإصلاحات اللازمة عليها، وتخليص المواطنين والسائقين من هذه المافيات التي لا تشبع.

العدد ١٣٣٨ السبت ١٢ شباط ٢٠١١

لا بنزين ولا غاز ولا مازوت أخضر بدءاً من اليوم


رشا أبو زكي

الشركات تنتظر جدول تركيب الأسعار... وباسيل يصرّ على خفض الرسوم أولاً
حذّر رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط مارون شماس من أنّ الشركات لن تسلّم المحروقات بدءاً من اليوم، إذا لم يصدر جدول تركيب الأسعار الأسبوعي الجديد، فيما رفض وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل التعليق، واكتفى بالقول إنه سيراقب تطوّر الأمور اليوم ليحدد الإجراء الذي ينبغي القيام به. وأشارت مصادر في الوزارة الى أن باسيل لا يزال يراهن على تنفيذ قراره بخفض الرسوم على البنزين، الذي أبلغه الى المجلس الأعلى للجمارك، بالاستناد الى المرسوم رقم 12480 النافذ، وبالتالي يرى أن الحل المنصف هو بخفض الرسوم قبل إصدار الجدول الجديد، لكي لا يظن أحد أن الأمر انتهى، وأن الأسعار يمكن أن ترفع من دون أن يتحمّل أحد مسؤولية ذلك.
والمعروف أن وزيرة المال ريا الحسن أوعزت إلى المجلس الأعلى للجمارك لرفض تنفيذ قرار باسيل، ورمت الكرة في وجه رئيس الجمهورية لكي يوقّع مرسوماً بخفض الرسوم مع رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، من دون توضيح الأساس القانوني لمثل هذا الإجراء... وهو ما ردّ عليه الرئيس سليمان عبر إبلاغ الأطراف المعنية بأنه لا يمتلك أيّ موقف في هذا الشأن حتى الآن.
وفي ظل هذه الملابسات كلّها، يبقى المستهلك اللبناني رهينة خيارين لا ثالث لهما: إمّا استمرار ارتفاع أسعار البنزين من دون أيّ سقف، وإمّا الامتناع عن توزيع البنزين على المحطات، وبالتالي افتعال أزمة كبيرة في السوق! إلا أنّ باسيل يحمل رأياً آخر، إذ يرى أن الامتناع عن تسليم المحروقات سيدفع الجميع الى قبول خفض الرسوم عبر الآليّة التي اعتمدها.
فقد أعلن شماس إثر اجتماع استثنائي للتجمع عقد أمس في حضور ممثلي الشركات، أن السوق النفطية تشهد تخبّطاً منذ ثلاثة أسابيع، نتيجة عدم صدور جدول تركيب الأسعار الأسبوعي، بالتزامن مع إعلان خفض الرسوم، الذي طرحه باسيل، بقيمة 3300 ليرة، وردّت عليه الوزيرة الحسن بأنه إجراء غير قانوني، واقترحت خفضاً بقيمة 5000 ليرة، لكن بآلية أخرى لم تتحقّق حتى الآن.
ولفت شماس إلى أنّ ثمة اتفاقاً بين الوزارة والشركات على أن يصدر جدول تركيب أسعار كل يوم أربعاء، وهو يستند الى معدّل الأسعار في الأسابيع الأربعة الأخيرة، إلا أن الجدول لم يصدر هذا الأسبوع، ما أدّى الى بلبلة في السوق، إذ إنّ الجدول يفترض أن يرفع سعر الصفيحة 200 ليرة بسبب ارتفاع الأسعار العالمية.
وشرح أنّ الجدول يؤمّن الاستمرارية لأنه يسمح للشركات بوضع برنامج للاستيراد، وبالتالي، فإن أيّ خلل يمكن أن يؤثر في وضع السوق.
وأعلن أنّ الشركات ستمتنع بدءاً من اليوم عن تسليم مادتي البنزين والمازوت الأخضر والغاز إذا لم يصدر الجدول المذكور، على أن تُحصر التسليمات بكاز الطيران والمازوت الأحمر من منشآت النفط.
وأشار إلى أنّ الجدول كما يلحظ ارتفاعات يمكن أن يلحظ انخفاضات والشركات ملتزمة بهذا الجدول.
وقال شمّاس إنّ النزاع في شأن آلية خفض الرسوم على البنزين خلق بلبلة في السوق منذ ثلاثة أسابيع، ولا سيّما أنّ المحطات عمدت إلى بيع مخزونها، كما أنّ المواطنين خفضوا حجم شراء المحروقات بانتظار بتّ خفض الرسوم، وبات المخزون لدى الشركات أكبر من العادة فيما مستودعات المحطات باتت شبه فارغة. وهذا أمر غير صحّي، لأنه يعرّض البلاد للخطر من جرّاء أيّ ظروف أمنية تمنع وصول البضائع إلى المحطات، ويلحق الضرر بالجميع وبالشركات خاصة، لكونها معرّضة لأيّ تقلبات في الأسعار عالمياً.
وطالب شماس المسؤولين كافةً بالسعي الى بتّ موضوع الرسوم بالسرعة اللازمة، لأنّ لدى الشركات برنامجاً للاستيراد، وبسبب البلبلة التي حصلت أوقف هذا البرنامج مما حمّل الشركات خسائر كبيرة وقاسية، وفي حال إقرار خفض الضريبة يقترح مهلة عشرة أيام للبدء بتطبيق قرار الخفض إفساحاً في المجال أمام أصحاب المحطات لبيع ما لديهم.
من جهة أخرى، أعلن رئيس نقابة أصحاب الصهاريج ومتعهدي نقل المحروقات في لبنان إبراهيم السرعيني أنّ عدم صدور جدول تركيب الأسعار، وطرح خفض الرسم الضريبي، دفع بالمحطات الى بيع البضاعة التي كانت لديها، وبالتالي تأمين حاجاتها الأسبوعية من تاريخ صدور جدول تركيب الأسعار حتى صدور الجدول الجديد، مع العلم أنّ هذه المحطات نفدت لديها البضاعة، وعدم صدور الجدول سيؤدي الى أزمة محروقات لدى المحطات المتخوفة من خفض الرسم الضريبي. وطالب السرعيني المسؤولين بـ«الإسراع في إصدار جدول تركيب الأسعار الأسبوعي لاستقرار السوق النفطية»، داعياً جميع المعنيين الى «بتّ موضوع الرسم الضريبي بالسرعة اللازمة منعاً لأزمة قد تطاول القطاع برمته».

العدد ١٣٣٧ الجمعة ١١ شباط ٢٠١١

تجار كورنيش المزرعة «غاضبون»


لم يعد تجار كورنيش المزرعة يأملون خيراً، و«غضبهم» من تهديد استمرارية أعمالهم الموجودة منذ سنوات، حقيقي، ويطغى على أسباب اختراع يوم أطلق عليه اسم «يوم غضب الأهالي»

رشا أبو زكي

إنه خط تماس دائم، على اليمين يرابط أنصار 8 آذار في بربور، وعلى الشمال يرابط أنصار 14 آذار في الطريق الجديدة، وما بينهما يمتد كورنيش المزرعة، وعلى أطرافه تمتد مئات المحال والمؤسسات التجارية... شارع «منحوس»، يقول أبو مصطفى؛ فمنذ سنوات لم ينعم أهالي هذه المنطقة وتجارها بالأمن. خلافات دائمة، إطلاق نار، تكسير للمحال، حجارة، ذعر، إغلاق للمؤسسات. أما يوم «غضب الأهالي» فـ«لا علاقة لأهالي المنطقة به». ويسأل أبو مصطفى: «غضب؟ وهل من يغضب على نفسه؟ وهل من يُقلق أبناءه؟ وهل من يغلق باب رزقه في بلد يضيق على كل ما هو منتج؟».
الحديث عن الأضرار في هذه المنطقة ليس نمطياً، فهنا كل يوم تغلق فيه المؤسسات هو مشكلة، أما الأزمة ففي الأيام التي تلي الإضرابات، إذ تبقى التداعيات على الحركة التجارية أياماً. والمنطقة تصبح فجأة منطقة حياد سلبي، لا يقصدها المواطنون إلا في حالات الضرورة. فاليوم الذي أطلقت عليه قوى 14 آذار اسم يوم «الغضب الشعبي»، بدأ منذ التاسعة صباحاً. معظم أصحاب المحال الواقعة عند كورنيش المزرعة بين جسر الكولا وجسر البربير لم يأتوا إلى عملهم أصلاً؛ «فقد أصبح لدينا خبرة أمنية» يقول أبو محمد، منطقة بربور ـــــ الطريق الجديدة عبارة عن بؤر توتر دائمة، والمشاكل تبدأ من هنا وتمتد إلى أحياء بيروت.
«جبهة الطريق الجديدة»
بعض أصحاب المؤسسات في «جبهة الطريق الجديدة» المطلة على كورنيش المزرعة «جربوا حظهم»، قدموا إلى محالهم، حاولوا إقناع أنفسهم بأن «يوم الغضب» سيكون هادئاً، فباغتهم شباب يستعدون لإشهار «غضبهم» عند التاسعة صباحاً، وطلبوا من جميع المؤسسات إغلاق أبوابها. «الجمود يمتد عادة حتى نهاية الشهر، إذ لا يتوجه المواطنون لشراء السلع الإلكترونية خلال الأزمات»، وصاحب إحدى المؤسسات، خالد قباني، سيغلق محله إذا استمر الوضع الأمني على هذا السوء، لا بل لن يفتح محلاً مماثلاً في منطقة أخرى، بل «سأغيّر المصلحة أو أهاجر إلى بلد آخر». فقد أقفل خلال السنتين الماضيتين ستة محال في كورنيش المزرعة، وتحديداً بين جسر الكولا وجسر البربير. أما السبب فهو التوترات الأمنية المتواصلة، وما يُخيف قباني هو أن هذه المحال هي مؤسسات إلكترونيات، «إذ يفضل المواطنون الذهاب إلى مناطق أكثر أمناً لشراء سلع إلكترونية؛ إذ لا أحد مستعد للمخاطرة بحياته من أجل«كومبيوتر»! إضافة إلى المحال الستة، أقفل محل للعصير بعد ثمانية أشهر من افتتاحه فقط، وأغلق مطعم بعد 9 أشهر من افتتاحه، فيما ستُغلَق ثلاثة محال قبل الصيف المقبل، على الرغم من ضخامة حجم استثماراتها، «فالتجارة لا تتآلف مع الصراعات». في«جبهة الطريق الجديدة» على كورنيش المزرعة كذلك، افتتح «غلاييني للمعجنات» محله منذ 9 سنوات، يهمس خالد غلاييني: «رح يخلونا نشحد»، إذ إن الخسائر اليومية لإغلاق المحل هي 300 ألف ليرة، من دون ذكر الأرباح الناتجة من المبيع. يمتد تأثير التوتر في المنطقة إلى ما يقل عن 10 أيام بعد انتهاء«المعارك». ويوضح غلاييني أن حركة العمل لديه تتأثر حتى بالمناوشات السياسية على التلفاز، إذ غالباً ما يتخوف الناس في المنطقة من التحركات المفاجئة. «اللبناني اعتاد التكيّف مع الواقع»، يقول إياد ناطور صاحب مطعم «عالفخار»، والمطعم الذي اختير موقعه على الكورنيش «بسبب الكثافة السكانية» تعثّر بالتوتر على جبهة الطريق الجديدة ـــــ بربور. ويلفت ناطور إلى أن خيار الإغلاق ليس وارداً، فـ«نحن نعوّل على هدوء الأوضاع».
خسائر شركة نعمان لقطع السيارات يومياً هي ما بين 500 وألف دولار، وبلال عبود الموظف في الشركة يؤكد أن بطء حركة المبيع بدأ منذ أن نزلت قوى الحريري إلى الشارع الخميس الماضي، وتطورت مع «يوم الغضب» أول من أمس، لتصبح الحركة شبه معدومة حالياً. «فالناس خائفون» يقول نعمان، ويستمر الخوف عادة أسبوعاً إلى أسبوعين «بحسب خطورة الإشكال». ويشير إلى أنه مع كل إشكال يحصل في المنطقة «أفكر في الانتقال إلى منطقة أخرى، أو الهجرة نهائياً من لبنان».
شارع واحد يفصل بين ضفتي الكورنيش، وإن كان الصراع السياسي ـــــ المذهبي يجعل كل ضفة جزيرة، إلا أن الوضع التجاري يوحّد التجار والأهالي، «لا أدعو إلا إلى إحلال الأمن»، يقول صاحب محل للأدوات المنزلية، خليل الغول. فكل يوم توتر يؤثر سلباً على دوامة العمل، وإن كان المحل موجوداً منذ 50 عاماً، إلا أن الإشكالات تجعله متراساً على خط التماس! وقبل أن يتحدث صاحب مطعم أبو أحمد عن مخاوفه، يقول بغضب: «عن الأضرار لا تسألي»، فمنذ انتهاء الحرب الأهلية لم يشهد المطعم جموداً كالذي يشهده خلال السنوات القليلة الماضية. ويلفت أبو أحمد إلى أن وضع المبيعات غير طبيعي، وسيستمر كما العادة إلى أسبوع أو أسبوعين.
6 آلاف دولار، هو حجم الخسارة التي منيت بها مؤسسة عبد طحان بعد إغلاق فرعها في كورنيش المزرعة أول من أمس. ويقول المسؤول عن الفرع محمد محمد إن أمنيته الوحيدة في ظروف كهذه أن تتوقف المناكفات، «فالناس خائفون جداً، والحركة بطيئة جداً، وإن حل الهدوء، فلا يمكن أحداً أن يضمن استمراره». أما مصطفى عيتاني صاحب محال العيتاني للأدوات الكهربائية فلا يمكنه حصر الخسائر «فهي تتراكم مع كل الأشكال، إلا أننا نستطيع القول إن عملنا سيتوقف حتى نهاية الأسبوع المقبل»... وفي ظروف كهذه، تصدير الشباب تكون المهنة الأكثر رواجاً، إذ يشير عبد الرحمن سلام صاحب شركة سلامكو للسفريات إلى أنه حين تتزايد الإشكالات في المنطقة، ترتفع نسبة الحجوزات، وخصوصاً من فئة الشباب.


تعطيل المدارس... «سياسي»

عادت، أمس، الحياة التربوية بحذر إلى بعض مدارس العاصمة والمناطق. لا تعطيل ولا دراسة عادية. المدارس الرسمية فتحت أبوابها، لكن «التلامذة فلوا بكير»، فيما حسمت بعض إدارات المدارس الخاصة سلفاً الإقفال يوم أمس، تحسباً لأي مفاجآت في الشارع، ومن هذه المدارس مدارس البعثة العلمانية الفرنسية ومدارس مؤسسة الحريري.
وفيما ينتظر أن تستأنف الدراسة اليوم في المدارس والجامعات اللبنانية، اتخذ التعطيل في مدارس صيدا، أمس، أبعاداً سياسية. فقد أعلن تجمع مديري المؤسسات التربوية في صيدا إقفال المدارس في المدينة، أمس، احتجاجاً على ما وصفه «بالحالة الغريبة التي تخيم على البلاد وما لها من تأثيرات سلبية على عقول أولادنا وأفكارهم». ثم أصدر التجمع بياناً أمس دعا فيه الطلاب إلى «العودة إلى مدارسهم، اليوم، وبدء يومهم برفع العلم اللبناني والنشيد الوطني».
الطرف الآخر، أي التنظيم الشعبي الناصري، وضع القرار في خانة «استغلال القطاع التربوي لغايات سياسية». وعقدت اللجنة التربوية في اللقاء الوطني الديموقراطي اجتماعاً تربوياً توقف عند «النتائج السلبية للإقفال». ورأى النقابي عصمت قواص في بيان تلاه عقب الاجتماع أنّ إقدام جمعية المقاصد وعدد من مديري المدارس الرسمية على إقفال أبوابها في وجه التلامذة، يوم الثلاثاء، أتى بتغطية من وزارة التربية.

العدد ١٣٢٥ الخميس ٢٧ كانون الثاني ٢٠١١

«لقد قتلوا أهل بيروت»


قلب «العم عمر» توقف مرتين من قهر «سوليدير»


طمأنه فؤاد السنيورة في عام 2004 وأعطاه رقماً خاطئاً! (بلال جاويش)
ليس العم عمر لبابيدي الضحية الوحيدة لشركة سوليدير، ولن يكون الأخير طبعاً. هو نموذج من الآلاف من سكان بيروت الذين استولت الشركة على أملاكهم. اشترتها ببضعة آلاف من الدولارات، لتبيعها الآن لأثرياء العرب والأجانب واللبنانيين بملايين الدولارات... قلب العم عمر توقف مرتين، ليحوّل محله البديل في الحمراء إلى مركز اعتصام دائم
رشا أبو زكي
محل صغير في زقاق ضيق متفرّع من شارع الحمراء لا يختلف عن غيره كثيراً. ثياب رجالية معروضة على الواجهة، ووجه بائع شاحب من «قلة البيع»، حركة زبائن قليلة، قطة شقراء تجول بحرّية على الرصيف، ولافتات «تدرز» الواجهة الزجاجية... مشهد أصبح لفرط انتشاره مملاً؟
مهلاً، اللافتات التي لا تلفت العابرين لأول وهلة تحمل قصّة تشبه قصص الكثيرين في هذا البلد: «تصفية عامّة بسبب كبر السن»، عبارة تحمل دلالات كثيرة. لكن قبل أن تمضي في سبيلك، تنتبه إلى عبارة أخرى بالقرب منها: «أعيدوا لنا أملاكنا المغتصبة في وسط بيروت». لا شك في أن حاجبك سيرتفع استغراباً، تقول في سرّك: «ما بالها سوليدير تلاحقني حتى إلى محل الثياب؟». وكلبنانية «حشرية» نقلت سؤالي إلى أذن البائع العجوز الشاحب مباشرة، فجاء الجواب صارخاً: «لقد سرقوني يا ابنتي، وعلى عينك يا تاجر». ينقلب المشهد بسرعة. لقد أصبحت في حضرة أحد ضحايا «سوليدير» المكتومين، يقيم في مركز اعتصامه الدائم: محلّه الذي لم يبق له غيره! «هل تعلمين أن ضريح الرئيس رفيق الحريري قائم على عقار فقدت حقوقي عنوة به؟»، ستضطرب طبعاً أمام سؤال العم عمر لبابيدي؛ فأنا حقاً لا أعلم. أجلس على كرسي بجانبه، فيمسك العم رأسه بكلتا يديه، يطرق في الأرض لثوانٍ، يناولني الوثائق، فتظهر الأسماء نفسها التي لا تخرج عن دائرة التوقعات. أسماء اشتركت في الجريمة أو علمت بها: رفيق الحريري، وليد عيدو، سعيد ميرزا، وسام الحسن، فؤاد السنيورة... إنهم أبطال فصول الحكاية كلها.
كان العم لبابيدي أحد أصحاب الأملاك في وسط بيروت؛ فقد كان يمتلك محلاً اسمه «ميندور» للثياب في العقار الرقم 851 قرب ساحة الشهداء. بدأت الحرب الأهلية، فسافر لبابيدي إلى الخليج ليعود في عام 1992، وكان الجيش السوري لا يزال يسيطر على المنطقة حينها. وجد العم محله في مكانه، فاشترى محلاً آخر في العقار الرقم 846 بسعر 100 ألف دولار، وقام بترتيب المحلين بعدما تأكد أن كليهما لا يدخلان ضمن «خطة إعمار وسط بيروت» لشركة سوليدير. أجرى كل ما يلزم من إصلاحات، وغادر إلى الخليج مجدداً لتصفية أعماله المتعلقة بتجارة الثياب... بعد 6 أشهر، عاد العم عمر إلى لبنان، فعلم أن الفندق الذي يملكه في سوق سرسق قد دخل ضمن مشروع سوليدير، لا بل خمّنه القاضي (النائب الراحل) وليد عيدو بـ80 ألف دولار، ونقل ملكيته إلى سوليدير بالتعاون مع القاضي سعيد ميرزا، على الرغم من أن مساحة الفندق 900 متر... فإذا به يسارع في النزول إلى ساحة الشهداء. وقف أمام المحال التي من المفترض أنه يملكها، توقف قلبه بعدما وجدها قد سوّيت أرضاً! «من اتخذ قرار هدمها؟ لم تكن ضمن مخطط إعادة الإعمار! هي أصلاً لم تتأثر بالحرب ولا تحتاج إلا إلى ترميم! كيف دمّروها بعدما أكدوا لي أنها ليست للهدم؟ ماذا سأفعل بعدما صفّيت أعمالي خارج لبنان؟». العبارات تتسابق على لسان العم عمر، يتعب من الغضب، يُشعرك كأنك معه الآن، في عام 1992 أمام سراب كان في الأصل باب رزق.
بعدما سأل واستفهم، علم العم أن شركة «أوجيه» التابعة للرئيس الحريري هي من أصدر قرار الهدم. ذهب إلى المحامي (النائب الأسبق) أوغست باخوس، فنصحه برفع دعوى على سوليدير، إلا أن العم لم يفعل، بل ذهب مباشرة إلى الحريري «لأنه كان يستقبل أبناء بيروت»، فوعده الأخير بالآتي: «إما أن يأخذ محلاً من المبنى الجديد الذي سيُشيَّد مكان المبنى الذي هدّم، وإما أن يأخذ تعويضاً بقيمة المحل»، وكان ثمن المحل حينها أكثر من مليون دولار؛ لأنه من طبقتين... وسأله الحريري خلال اللقاء: «كيف وضعك بطريق الجديدة؟»، فكان أن فتح العم عمر منزله في الطريق الجديدة مركزاً انتخابياً، «وصوّرت على نفقتي 5 آلاف تيشرت لدعم الحريري بأكثر من 20 ألف دولار»... وبطيبة قلب، وولاء للرئيس الحريري، وبطلب من الأخير، تنازل العم عمر عن حقوقه في العقار الرقم 298 لمصلحة سوليدير، وأوكل إلى هشام جارودي أن ينوب عنه لإتمام معاملات التنازل عن الحقوق في العقار المذكور، حاصلاً في المقابل على أسهم في شركة سوليدير (وهذا العقار، هو الذي وضع فيه جثمان الرئيس الحريري في عام 2005).
وهكذا انتهت الانتخابات، واتصل نائب رئيس مجلس إدارة سوليدير حينها ماهر بيضون بالعم عمر، وبعدها ذهب معه إلى منطقة وسط بيروت، وعرض عليه أكثر من محل، وكان الاختيار، وطلب بيضون من العم أن يصبر قليلاً لأنه يريد قوننة ملكيته للمحل، وخلال فترة الانتظار، ذهب العم عمر إلى النائب ميشال فرعون، وسأله عن حقيقة الوعد الذي قطعه بيضون، فأجرى فرعون اتصالاً ببيضون، فجاء الرد إيجاباً بأن الحريري قدم للبابيدي محلاً في وسط بيروت... إلا أن الوعود كلها ذهبت هدراً «وكنت دائماً أتصل بالحريري فيقول لي: بكرا وبعده».
«آآآه»، يتنهد العم عمر، تثقل التجاعيد وجهه، يحمل رأسه بكلتا يديه مجدداً، ويعود إلى صمته. فقد طال الوعد كثيراً. وفي عام 2004، دُعي الحريري إلى غداء أقامته جمعية «أسر بيروت» برئاسة يحيى الهبري. حينها، جاء الرئيس السابق فؤاد السنيورة ممثلاً عن الحريري. طبعاً لمعت عينا العم عمر، فتقدم من السنيورة ببطء كمن يتأبط الأمل، وشرح له القصة، فجاوبه السنيورة: «معك حق، وهيدا رقمي حكيني لنحل القصة»، يخرج العم من دفتر قديم قصاصة ورق وعليها اسم السنيورة بخط يده ورقم هاتف هو: 01642720. اتصل العم بالرقم، فكانت الصدمة: الرقم غلط! بعد شهرين، استطاع الوصول إلى أحد الموظفين في مكتب السنيورة، اتصل به، شرح قضيته، وتحدث له عن قصاصة الورق، فما كان جواب الموظف سوى «انقع الورقة واشرب ميتها»!
العذاب استمر، فنزل العم عمر إلى وسط بيروت ليرى ماذا حل بالمساحة التي كان يجب أن يكون ضمنها محله، وجد أبنية، محال، موظفين، عمالاً، ولم يكن هو هناك، قلبه توقف، أصيب بذبحة خطرة «من القهر يا عمو». نقل إلى المستشفى، وبعدما ذهب إلى المنزل، جاءه عدد من الأشخاص من الحريري، جددوا وعودهم... واختفوا. وفي عام 2006، وهن قلبه مجدداً، توجه إلى مستشفى الجامعة الأميركية فرفضوا إدخاله من دون دفع مبلغ مسبق، فاتصل بالنائب أمين شري الذي وجهه إلى مستشفى الرسول الأعظم. للمرة الثالثة لا تخرج الكلمات من فم العم عمر، يصمت، ويشدد على كتابة العبارة الآتية في التقرير: «لقد قتلوا أهل بيروت».

100 ألف
هو عدد أصحاب الحقوق في وسط بيروت التجاري، الذين سُلبت أملاكهم وأُجبروا على حمل أسهم في شركة سوليدير لم تدرّ عليهم ولو جزءاً صغيراً مما خسروه من عقارات وأبنية ومحال، علماً بأن التنازل عن العقارت كان جبرياً لا طوعياً.

عجقة وثائق
وثائق كثيرة في جعبة عمر لبابيدي تظهر حقه المغتصب. رسالة من النائب ميشال فرعون إلى ماهر بيضون، جاء فيها: «عطفاً على مكالمتنا الهاتفية، وكما وعدتم بالاهتمام بموضوعه لإيجاد محل تجاري له في وسط بيروت، أتمنى الاهتمام مجدداً بملف عمر لبابيدي حسب الاتفاق»، موقعة في 19 أيار 2005. وبرقية أقدم موقّعة من «المديرية العامة للمراسم والعلاقات العامة في مجلس الوزراء: وسام الحسن» فيها رسالة من الرئيس رفيق الحريري إلى لبابيدي تتضمن شكراً على تهنئة الأخير للحريري بمنحه وسام شرف من الرئيس الفرنسي جاك شيراك... ووثائق تظهر ملكية لبابيدي لعقاراته وتنازله عن أخرى.
العدد ١٣١٧ الثلاثاء ١٨ كانون الثاني ٢٠١١
http://www.al-akhbar.com/node/2016