29‏/7‏/2011

سوليدير «تبلطج» على البحر


رشا أبو زكي
منع مركب محروق من الوصول إلى الميناء بحجّة أنه «وسخ»!
لم تكن صورة سوليدير، أمس، تختلف عن صورة أي «بلطجي» أو «شبّيح» يقف في مواجهة حقوق الناس وتوقهم الى التحرر من القهر والفساد والاستئثار بالسلطة والثروة. لم تكن صورة هذه الشركة تختلف عن قطّاع الطرق والمعتدين على حقوق غيرها، متسلحة بالسلطة المتواطئة، فارضة إرادتها بقوة قانون مفصّل على قياسها ومكتوب بدم ناس وعرقهم وجنى عمرهم، ناس فقدوا كل ما يملكونه... هكذا كانت سوليدير أمس، تمارس القرصنة البحرية، وتمنع مركباً محروقاً تابعاً لفندق السان جورج من الوصول الى ميناء الفندق، والسبب الوحيد للمنع هو أن اليخت «وسخ»، وأن سوليدير تمتلك السيادة على بحر اللبنانيين وشاطئهم وأملاكهم العامّة.
المشهد كان مقيتاً، إذ أمرت إدارة الشركة مجموعة من الفتيان بإقفال مدخل الميناء بالمراكب والحبال لمنع مركب فادي خوري من الوصول الى رصيف فندقه لإفراغه من بعض المحتويات التي سلمت من الحريق، تمهيداً للتخلص منه. كان الهدف واضحاً وهو استدراج مركب خوري لكي يصطدم بمركبين للشركة وقفا في طريقه، ثم الادّعاء عليه بتهمة تخريب أملاك الغير ومحاولة إيذاء العمال.
هذا المشهد الذي يدل على انهيار الدولة وهيبتها يتناقض كلياً مع مشهد عشرات اليخوت الفاخرة التي ترسو على بعد أمتار من مسبح الفندق، قاطعة «النفس» ومخبّئة البحر عن رواد المسبح بشكل شبه مطلق، وعن سابق تصوّر وتصميم.
صوت أحد موظفي سوليدير يرتفع: «هذا اليخت كله جرذان، انظروا شكله البشع وانظروا إلى اليخوت الموجودة في الميناء الذي استثمرته سوليدير من الدولة، كيف يمكن أن نسمح لهذا اليخت البشع بأن يدخل الى هنا؟» سؤال الموظف (وهو ينتمي بطبيعة الحال الى محدودي الدخل) لم يلق اهتماماً حقيقياً، إذ إن صاحب الفندق فادي خوري يكاد «يجن»، ويقول: «في قانون البحار، في جميع دول العالم، لا يمكن أيّ شخص أو شركة أو دولة حتى أن تعترض يختاً يعاني مشاكل تقنية من الوصول الى الشاطئ، إنها حالة طارئة، نريد أن نفرغ اليخت من محتوياته في الفندق لنعود ونغرقه في البحر لأنه لم يعد صالحاً للاستخدام»!
الأخذ والرد استمرا، والمدّ والجزر يأخذان اليخت المحروق يمنةً ويسرةً، وبين المشهدين خوري يروح ويجيء أمام مرأى موظفي سوليدير الساخرين من «عصبيّته»، بيده هاتف، لم يبق مسؤول واحد في الدولة لم يتصل به، من أقصى الموالاة الى أقصى الموالاة، ما من أحد استطاع أن يقف في وجه دولة سوليدير، ما من أحد استطاع أن يناصر خوري إلا بكلمة: «معك حق، سنرى ماذا بمقدورنا أن نفعل».
لكن، ماذا فعلوا؟ لا شيء، فصاحب المركب الصغير الذي استخدمه خوري لقطر مركبه المحترق فضّل أن ينسحب بعدما تلقى تهديدات بملاحقته أمام مرأى عناصر أمنية تابعة لأجهزة الدولة، فبقي المركب المحترق خارج الميناء مربوطاً الى السنسول، الذي استولت عليه سوليدير باسم الإعمار. ومن هناك، بإمكان الناظر أن يرى منتجعاً ضخماً بني على الأملاك العامة البحرية في وجه مسبح السان جورج مباشرة، منتجع يملك وزير المال محمد الصفدي حوالى نصف أسهمه.
سارعت بعض العناصر الأمنية الى توزيع ورقتين على الصحافيين والإعلاميين الذين تهافتوا لمتابعة ما يحصل، ورقة هي عبارة عن قرار صادر عن وزير الأشغال العامّة والنقل في عام 2002 (نجيب ميقاتي) تمنع أياً كان من الوصول الى ميناء الشعب اللبناني إلا بإذن من سوليدير، أمّا الورقة الثانية فكانت بمثابة الفضيحة، إذ تتضمن سؤالاً وجّهته قوى الأمن الداخلي الى رئيس مرفأ بيروت حول حقّ خوري بإدخال مركبه الى ميناء فندقه؟ فجاء جواب رئيس المرفأ بحجب هذا الحق، وكأنه بذلك يجسد سلطة القضاء.
وصلت القضية الى وزير الداخلية مروان شربل، ليس هناك جدال: «يمنع على القوى الأمنية التدخل في القضية، إلا إذا حصل اشتباك بين خوري وموظفي سوليدير»! وحده وزير السياحة، فادي عبود، كان على الخط، وعوده بالقضاء على هيمنة «السين سين سين» أي سوليدير وسوكلين والسوق الحرة لا تزال ترنّ في آذان الصحافيين، إلا أن عبود له يد واحدة في الحكومة، واليد الواحدة لا تصفق. هكذا أصبح مركب محروق بمثابة التحدي أمام جمهورية الموز في حكومة الموز الجديدة... وقد فشلت أمس في قطع حبل صرتها مع ممارسات الحكومات السابقة، فاختارت أن تواصل حماية مخالفات سوليدير وسلطتها المطلقة على مساحة معتبرة من الأرض اللبنانية!
قصة التضييق على فندق ومسبح السان جورج ليست وليدة أمس، فقد سبق لرئيس سوليدير، ناصر الشماع، أن قال لخوري: «سأحوّل السان جورج الى قزم»، وبالفعل استكملت سوليدير تعدياتها على الأملاك البحرية، وردمت آلاف الأمتار من البحر، وبنت عليها فندقاً ضخماً لا يزال قيد التنفيذ. ويشير خوري الى أن الخرائط والكتب والمراسيم تؤكد أن حدود أعمال شركة سوليدير لا تتخطى اليابسة الى البحر، وأن المنطقة البحرية في محيط فندق السان جورج مقسّمة الى 3 أجزاء، واحد لسوليدير الموجودة على شرق السان جورج، وآخر لمستأجر اسمه ميشال نادر، اشترت إدارة السان جورج المساحة التي كان يستأجرها من الدولة، إضافة الى الجزء المخصص للفندق والمسبح، إلا أن المراسيم الصادرة والمفصّلة على قياس سوليدير اعتدت على حقوق السان جورج عنوة، ولم تعترف بحقوقه البحرية، فإذا بالدولة اللبنانية توقّع عقداً مع سوليدير لاستثمار الميناء المواجه للسان جورج كله، وتمنع على صاحب الفندق الوصول الى مينائه إلا بإذن من سوليدير.
ويؤكد خوري أن «سوليدير تريد المنطقة بكاملها، وكانت بالتواطؤ مع الحكومة تتحايل علينا. وزعمت سوليدير أن حصول السان جورج على مساحة لليخوت في البحر سيضرب مصالحها، لكونها أنشأت على المسطح المائي مارينا لليخوت». ويلفت الى أن للسان جورج حقوقاً في الأملاك البحرية، ويشير الى أنه «إذا كان لأي مواطن أملاك على البحر، فله الحق بالطلب من الدولة استثمار مياه الأملاك العمومية البحرية المواجهة لأملاكه بمساحة تكون ضعفي مساحة الأملاك المبنية على الشاطئ، وتستطيع الدولة إعطاء مساحة أكبر. ونحن لدينا حقوق بالاستثمار ومعطاة لنا بعدة طرق، إلا أن الحكومة ألغت كل المراسيم التي تمنح الحقوق للسان جورج والصادرة منذ عام 1932، كرمى لعيون سوليدير».
اقتصاد
العدد ١٤٧٤ الجمعة ٢٩ تموز ٢٠١١

28‏/7‏/2011

95% من التعاونيّات الزراعيّة وهميّة

غائبة عن هدفها التنموي... وموزّعة طائفيّاً وسياسيّاً

المزارعون بحاجة للتعاونيات لتصريف الإنتاج وخفض الأكلاف (أرشيف ــ مروان بو حيدر)
الزراعة في لبنان تحتاج الى تطوير متكامل، إلا أن أساسيات القطاع «مضروبة»، ففي هذا البلد الصغير أكثر من 1000 جمعية تعاونية، نصفها تقريباً جمعيات تعاونية زراعية، إلا أنه ليس بين هذا العدد الكبير سوى 20 جمعية زراعية فاعلة... أما ما بقي فوهمي!
رشا أبو زكي
عادة، تسعى الدول الى تطوير الزراعة عبر تمكين المزارعين من تصريف إنتاجهم محلياً أو في الخارج. وفي معظم دول العالم، هناك تعاونيات زراعية ينشئها مزارعون وتتلقى دعماً من وزارات الزراعة للاهتمام بقضايا الزراعة، وخصوصاً في ما يتعلق باستعمال التكنولوجيا والآلات ووسائل الري وتصريف الإنتاج، وتعدّ التعاونيات أطراً مؤسسيّة تسهم في تطوير المنتج الزراعي وإرشاد المزارعين وتوجيههم نحو الزراعات المطلوبة في السوق المحلية والعالمية، إضافة الى تحسين جودة الإنتاج وفق المواصفات المطلوبة في الأسواق...
هذا عادة، أما في لبنان فتقوم تعاونيات زراعية هشة بمعظمها، بعيدة عن الهموم الزراعية، مقسّمة طائفياً ومذهبياً وحتى سياسياً، تتكاثر كما تتكاثر سائر الجمعيات في لبنان، لتستفيد من تمويل من هنا ودعم من هناك على حساب قطاع ينهار بمن فيه من مزارعين وعمال زراعيين وقيم إنتاجية!
سجلات التعاونيات الزراعية في وزارة الزراعة مبعثرة فعلياً، يدوية، تنتج أرقاماً تقريبية وتوصف المشكلات من دون تحديدها، لحل هذه المشكلات على الأقل... إلا أن السجلات المبعثرة تظهر أن عدد الجمعيات التعاونية المسجلة في المديرية العامة للتعاونيات في وزارة الزراعة وصل الى حوالى 1200 جمعية تعاونية، وبين هذه التعاونيات، يقول وزير الزراعة حسين الحاج حسن، إن «هناك 400 تعاونية متخصصة في الزراعة حصراً، إلا أن 20 تعاونية فقط تعدّ حقيقية أو عاملة»، ما يعني أن حوالى 95 في المئة من التعاونيات الزراعية وهميّة!
إذ إنّ معظم التعاونيات الزراعية قد فرّخت تفريخاً، وتوزّعت على الأحزاب السياسية المسيطرة في المناطق، هدفها الوحيد الحصول على تمويل (من وزارة الزراعة أو تمويل خارجي)، وليس المنتفعون وحدهم هم من يلهثون خلف خلق الجمعيات التعاونية الزراعية، إذ إن لبنان شهد حالة ظهرت الى العلن، بحيث إن أحد وزراء الزراعة السابقين عمد الى إنشاء جمعيات وهمية للإفادة من تمويل إحدى المنظمات الدولية، إلا أن عمليته باءت بالفشل!
وتشير سجلات الوزارة نفسها الى أنه بين عامي 2009 و2010 حلّت حوالى 200 جمعية تعاونية زراعية نفسها، أما الأسباب فأهمها انتفاء الحاجة الى وجودها بعد الحصول على التمويل الذي كانت تسعى إليه! ويشير رئيس جمعية المزارعين أنطوان حويك في هذا الإطار الى أن مديرية التعاونيات في الوزارة بلا مدير منذ سنوات، بحيث أقيل المدير العام السابق بسبب تهم تتعلق بالفساد، وتسلّم وزير الزراعة هذه المديرية شخصياً. ويلفت الى أن التعاونيات الناجحة قليلة، وأكثريتها أسست سياسياً، إذ تشهد التعاونيات ازدياداً لافتاً، أما عملها فيرتكز على الحصول على تمويل لا يصرف عادة لتنمية القطاع الزراعي في المناطق. ويرى حويك أن معظم التعاونيات الزراعية في البقاع هي هيئات وهمية أسست وفق خلفيات سياسية ومناطقية للحصول على مساعدات ومنافع، فيما التعاونيات الفاعلة قليلة وهي عائلية بمعظمها.
ويشرح حويك أنه حين جاء الاتحاد الأوروبي لمساعدة التعاونيات الزراعية في لبنان، ذهبت مساعداته الى أشخاص وهميين وإلى جمعيات بمعظمها غير موجودة، فيما يشير أحد المزارعين في البقاع لـ«الأخبار» إلى أن أحد التجار الزراعيين أنشأ جمعية تعاونية زراعية فور إعلان الاتحاد الأوروبي عن مساعداته، وقد حصل على تمويل لإنشاء براد للمزروعات، إلا أن هذا البراد استخدمه التاجر وحده الذي يعدّ «مليونيراً» وذلك بدلاً من أن يفيد منه أكبر عدد من المزارعين في المنطقة!
وإذا كان الربح والخسارة يرتبطان بالعمل التجاري عادةً، إلا أن معظم التعاونيات الزراعية في لبنان ميزانياتها خاسرة، والخسارة المدموغة هنا على سجلات التعاونيات تطال فقط تلك التي تتقدم بميزانياتها الى مديرية التعاونيات في الوزارة، بحيث إن أكثر من 90 في المئة من هذه التعاونيات لم تقدم ميزانياتها للمديرية منذ عام 2006 حتى اليوم، وذلك على الرغم من صدور قرار من مجلس الوزراء في عام 2006 يشير الى عدم الاعتداد بأي ميزانية لا تحمل توقيع محاسب مجاز. وهذا الموضوع يتناقض بالمطلق مع المادة 25 من النظام الأساسي للجمعيات التعاونية التي تشير الى أن «على مجلس إدارة التعاونية أن يعدّ حساباتها للعام المنصرم ويعرضها على الجمعية العامة للتعاونية موقّعاً عليها منه ومن مراجع الحسابات، في مهلة أقصاها ثلاثة أشهر من انقضاء السنة المالية، ويجوز تمديد هذه المهلة شهراً في الحالات الاضطرارية بعد موافقة مديرية التعاونيات» ...
ويشير رئيس اللقاء الدوري الزراعي جهاد بلوق الى أن واقع التعاونيات الزراعية متشابه في جميع المناطق اللبنانية، لافتاً الى أنه في السابق كان هناك أعداد ضخمة من التعاونيات الزراعية، فيما معظمها كان وهمياً بحيث يتم إنشاؤها للحصول على المساعدات التي تقدمها وزارة الزراعة والتي كانت تصل الى 50 مليون ليرة في بعض الحالات. وأوضح أنه تم إنشاء مئات التعاونيات الزراعية في الجنوب لا للعمل على التنمية الزراعية وتطوير الإنتاج والقطاع الزراعي، بل لتحقيق إفادات شخصية حصراً، شارحاً أنه قبل طفرة التعاونيات الزراعية كان مبدأ التعاونية يقوم على تحسين أوضاع المزارعين، لا بل كانت التعاونيات تقوم بالأعمال التي تنفذها البلديات حالياً، وكانت تنشأ على قاعدة التعاون ذي الطابع الزراعي، بحيث يتكتل عدد من المزارعين وينشئون جمعيات تعاونية لشراء شاحنة زراعية للقرية، أو لتطوير زراعات معينة، أو للقيام بحملات إرشادية زراعية، وكذلك للعمل على تسويق المنتجات الزراعية للقرى، إلا أن هذا المفهوم ضرب كلياً مع هجوم الدول المانحة على لبنان، وغلبة التفكير التجاري من حيث إنشاء التعاونيات لتحقيق الأرباح على حساب الزراعة. ويلفت الى أن الواقع الحالي تغيّر نسبياً، إذ إن هناك إجراءات عملية قام بها وزير الزراعة حسين الحاج حسن لضبط نمو التعاونيات الزراعية غير المجدي، بحيث أوقف المساعدات المالية المباشرة التي كانت توزع كل عام عند تحديد موازنات التعاونيات، وأصبحت معظم المساعدات المقدمة من الوزارة عينية، كما أنه جرى التشديد في ما يتعلق بالشروط المفروض توافرها لدى الجمعيات التعاونية للحصول على المساعدات.


5 اتحادات تعاونية
هو عدد الاتحادات التعاونية في لبنان، فيما يوجد 6 جمعيات تعاونية متحدة، وتوجد التعاونيات الزراعية في جميع المحافظات، حتى إن بيروت تضم 3 جمعيات تعاونية زراعية، في حين يتواجد في محافظة الجنوب والنبطية العدد الاكبر من الجمعيات التعاونية الزراعية

هدف التعاونيات ليس الربح
يعرّف القانون الجمعية التعاونية بأنها كل جمعية تتألف من أشخاص ولها رأسمال غير محدود، ولا يكون هدفها الربح وتؤسس وفقاً لأحكام هذا القانون، وتكون غايتها تحسين حالة أعضائها اقتصادياً واجتماعياً وذلك بتضامن جهودهم وفقاً لمبادئ التعاون العامة. كما تتمتع الجمعية التعاونية بالشخصية المعنوية، ما يعطيها الحق بتملك الأموال المنقولة ومنها المؤسسات التجارية ولها الحق بتملك الأموال غير المنقولة تحقيقاً لأهدافها. وتستطيع الجمعية التعاونية الاندماج بجمعية تعاونية أخرى، ويخضع ذلك لنظام اندماج الشركات في لبنان.
اقتصاد
العدد ١٤٧٣ الخميس ٢٨ تموز ٢٠١١

26‏/7‏/2011

صور بين سارق ومسروق





الربح السريع هو أصل الحكاية (أرشيف ــ مروان طحطح)
6 محتالين استولوا على 51 مليون دولار في أقل من سنة
خلال عام واحد، استطاع ستة أشخاص القيام بعمليات احتيال مالية بقيمة تقديرية وصلت إلى 51 مليون دولار. عمليات كانت حدودها منطقة صور، وضحايا هذه العمليات أيضاً من هذه المنطقة... وخلف هذه العمليات مآسٍ عديدة تضاف إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها قضية صلاح عز الدين التي انفجرت في نهاية عام 2009، وقضية شركة نور القابضة التي أعلنت إفلاسها منذ نحو أسبوع!
رشا أبو زكي
ماذا يحدث في صور؟ عمليات احتيالية مالية تودي بمدّخرات الناس، أبطالها من المنطقة، وضحاياها كذلك في معظمهم! فبعدما أصبحت قضية إفلاس صلاح عز الدين نكبة على أبناء الجنوب، وبعدما تبين امتداد الضحايا إلى عدد كبير من المناطق الأخرى، ظهرت منذ فترة قضية شركة «نور الدوليّة» لصاحبها محمد صالح، الذي أعلن منذ نحو أسبوع إفلاس الشركة، تاركاً أصحاب الحقوق يواجهون المصير القاتم.
أما الآن، فقد ظهرت إلى الواجهة أيضاً ستّ قضايا مشابهة في فترة لا تتعدى سنة، وقد وصل مجموع الأموال التي استحوذ عليها «المحتالون» من جيوب الجنوبيين، وفروا بها إلى جهات غير معلومة، نحو 51 مليون دولار أميركي.
قضية رقم 1: 5 ملايين دولار
فقد اختفى أحد العاملين في القطاع الصيرفي، واسمه م. ش. عن الأنظار في نهاية حزيران الماضي، ومعه اختفى نحو 5 ملايين دولار، هي ودائع لعدد من المواطنين. ويقول محمود حلاوي، رئيس نقابة الصرافين السابق، إن المتهم كان يعمل منذ 10 سنوات في مجال الصيرفة على نحو طبيعي، وذلك من خلال مؤسستين: «شور للصيرفة» و«موركس للصيرفة». إلا أن عملية الاحتيال التي قام بها كانت من خارج عمل شركتيه؛ فهي ليست موجودة في سجلاتها، وبالتالي يشير حلاوي إلى أن هذا الموضوع هو فردي نتيجة أعمال غير منظمة مع الناس، وليست لها علاقة بموضوع الشركة؛ لأن الدفاتر والميزانيات مقدمة إلى مصرف لبنان.
والمتهم هو من بلدة طورا في قضاء صور، وقد كان يقدم لزبائنه فوائد مرتفعة جداً لـ«توظيف» أموالهم لديه، وصلت إلى 30 في المئة، وأقنع عدداً من زبائنه بتشغيل أموالهم في البورصة مقابل مردود وصل إلى 15 في المئة. إلا أنه وقع في حفرة الأعمال غير المنظمة، آخذاً معه العشرات من أبناء صور الذين تركوا بعهدته ما يزيد على 5 ملايين دولار.
ورأى حلاوي أنه حين تصبح أرباح الزبائن أكثر من طبيعية، من المفترض أن تدور حول هذه الأعمال شكوك عديدة، ولا بد من التفكير في أن أرباحاً كهذه هي تغطية لأعمال أخرى، ولتمويل إشكالات مالية عبر اجتذاب سيولة سريعة من أشخاص يبغون الربح السريع.

قضية رقم 2: 10 ملايين دولار
القضية الأكثر استفزازاً، تلك التي تتعلق بمدير فرع أحد المصارف في صور، واسمه ي. د. الذي استغل موقعه من اجل إغراء زبائن المصرف استثمار أموالهم عبره بفوائد راوحت بين 40 إلى 50 في المئة، وامتد عمله لأكثر من 3 سنوات، إلى أن وقع في عجز يزيد على 10 ملايين دولار، راح ضحيتها عشرات المودعين. وكذلك، اختلس 350 ألف دولار من المصرف الذي يعمل فيه.
ويشرح الخبير الاقتصادي غازي وزني، قائلاً إن انتشار هذه الظاهرة من الاحتيال في منطقة الجنوب يعود إلى أسباب عديدة: الأول هو رغبة الأشخاص في تحقيق الربحية المرتفعة. والسبب الثاني أن الجهة التي يودعون الأموال لديها تكتم وضعيتها الحقيقية ومدى سلامتها المالية. وبما أن فوائد التوظيفات في القطاع المصرفي عبر الودائع والأسهم تُعَدّ متواضعة مقارنةً بما يقدمه المحتالون، مما يؤدي الى توجّه الناس نحو هذه التوظيفات الخطرة. ويلفت وزني إلى أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة، دخل إلى لبنان ـــــ وخصوصاً منطقة الجنوب ـــــ أموال كثيرة، جزء منها وُظِّف في العقارات، وآخر توجه نحو التوظيفات الخطرة ذات المردودية المرتفعة. وإضافة إلى هذه الأسباب، يعاني لبنان ضعفاً رقابياً، سواء من مؤسسات الدولة، أو من السلطات النقدية والمالية، ومن المفترض الانتباه إلى وجود ظاهرة احتيال حقيقية، وأن تصدر تعاميم تنظيمية وتوجيهية عن كل من مجلس الوزراء ووزارة المال ومصرف لبنان.

قضية رقم 3: 18 مليون دولار
اللافت في قضايا الاحتيال دخول النساء على «الخط»؛ فقد استطاعت ف. ل. من جويا ـــــ قضاء صور، من اقتناص 18 مليون دولار من أبناء منطقتها، تحت شعار تحقيق الربح السريع كذلك. وفي التفاصيل، أن المتهمة ادعت أنها صاحبة شركة كاكاو في أبيدجان، وقد أقنعت عشرات الزبائن من جويا ومحيطها بتوظيف أموالهم في تجارة الكاكاو مقابل فائدة راوحت بين 40 إلى 50 في المئة. وتبين بعد شهرين تقريباً، أن الشركات التي تدعي امتلاكها ليست سوى شركات وهمية، وأنها استطاعت تجميع ما لا يقل عن 18 مليون دولار والفرار بها إلى جهة مجهولة.
ويشير حلاوي في هذا الإطار إلى أن أزمة الاحتيال المنتشرة بقوة في منطقة صور تحتاج إلى وعي من المواطنين لعدم الوثوق بأي شخص مهما كان قريباً منهم لإيداع أموالهم لديه، والتوجه فقط نحو المؤسسات المالية والمصارف، بحيث إن هاتين الجهتين مراقبتان من مصرف لبنان، وهو الجهة الوحيدة التي تمتلك صلاحية الاستثمار في الأموال وتوظيفها. ولفت حلاوي إلى أن تكرار هذه الأمور في الجنوب لا يعني أن الاحتيال محصور في هذه المنطقة. والمشترك في جميع قضايا الاحتيال، سواء في الجنوب أو غيره من المحافظات، قلة خبرة المواطنين، واعتقاد سائد بأن إيداع الأموال لدى بعض «المستثمرين» يعطي نتائج مالية ومردوداً ضخماً، وهم لا يفهمون أن الاقتصاد يحول دون وصول الشركات إلى أرباح ما بين 50 و100 في المئة. والمسؤولية هنا تقع على القطاعات المالية والوزارات التي يجب أن تنشر الوعي لدى المواطنين لتحصينهم من الاحتيال. وأوضح حلاوي أن مشكلة الاحتيال هذه تكررت مع العديد من الأشخاص في الجنوب، والعديد من الحالات لم تنته إلى خواتيم تنصف المودعين، بل ذهبت مع الأموال المنهوبة أدراج الرياح؛ إذ لا ملاحقة ولا متابعة، وخصوصاً أن من يقومون بهذه العمليات لا يتركون أي موجودات عينية للحجز عليها ولتعويض المتضررين؛ إذ تذهب الخسائر في البورصة أو أعمال أخرى، وبالتالي تضيع حقوق الناس، ليصبح المبدأ السائد: «ذهب المحتال وذهبت معه الأموال»!

بين الليمون ورجال الدين: 19 مليون دولار
قضايا الاحتيال ليست كلها ضخمة من حيث قيمة الأموال الضائعة؛ فمثلاً، يشير حلاوي إلى تاجر ليمون، هو ع. ي. وهو من صور أيضاً، تعثرت أعماله ولم يستطع الإيفاء بديونه للناس وللتجار فوقع في مشكلة مالية واختفى منذ أشهر وفي جعبته ديون بنحو مليونين و600 ألف دولار. ويلفت أحد المتابعين لهذه القضية إلى أن المسؤولية تقع في هذا الموضوع على عدد من الصرافين الذين لم يتوانوا عن صرف شيكات تعود إلى المتهم بمئات آلاف الدولارات من دون طرح سؤال واحد عن صاحب هذه الشيكات وقدراته المالية. وامتدت عمليات الاحتيال إلى رجال الدين أيضاً؛ فإذ بالشيخ ق. غ. يحتال على عشرات من تجار السيارات في منطقة صور، وبلغت قيمة عملياته الاحتيالية 7 ملايين دولار. وقد فر إلى جهة مجهولة كذلك. والحال نفسها تنطبق على الشيخ م. ف. الذي فر إلى خارج لبنان أيضاً، بعدما أقنع العشرات من أبناء صور بإيداع أموالهم لديه، فجمّع زهاء 8 ملايين دولار من جيوبهم ووضعها في جيبه واختفى.
وفي هذا الإطار، يستغرب الباحث الاقتصادي، جاد شعبان، أن يتوجه الناس بأموالهم إلى جهات غير موثوقة للقيام باستثمارات خطرة. ولفت إلى أن التداعيات الاجتماعية لظاهرة الاحتيال في المناطق التي تُعَدّ فقيرة نسبياً يمكن أن تؤدي إلى كوارث؛ إذ إن معظم المودعين الذين خسروا أموالهم من طريق الاحتيال، هم إما يدخرون أموالهم للمستقبل، وإما يوظفون أموال التقاعد أو يستثمرون بأموال أرسلها أبناؤهم من الخارج. وهؤلاء ينتمون في معظمهم إلى الطبقة المتوسطة أو الطبقة الفقيرة التي تعتمد في كل تفاصيل حياتها على تحويلات المغتربين. وبالتالي إن توسع ظاهرة الاحتيال المالي يضرب مباشرة هذه الفئات ويضعهم في أزمة مالية آنية ومستقبلية، وخصوصاً أن بعض المودعين الذين تعرضوا للاحتيال استدانوا الأموال ليوظفوها في مقابل فوائد مرتفعة، وبالتالي إن وقوعهم في الفخ يؤدي إلى زيادة نسبة الديون عليهم أيضاً، مما يوسّع حلقة المتضررين. ويشرح شعبان قائلاً إن انحصار هذه الظاهرة في مناطق محددة يؤدي إلى أزمة جماعية ضمن نطاق جغرافي ضيق، ويمكن من خلال مشهد كهذا معرفة التأثير الاقتصادي والاجتماعي الجماعي على سكان قرية صغيرة. ويشدد شعبان على أن مشاكل الاستثمارات المالية لا تنحصر بالاحتيال الفردي، بل تمتد إلى المصارف التجارية، حيث إن معظم العملاء لا يعلمون ماهية الفوائد التراكمية ونتائج العروض التي تقدمها المصارف على عدد من منتجاتها. ومن هنا لا بد من إجراء عمليات توعية شاملة للمواطنين على الاستثمار المالي؛ كي لا يقعوا في أزمات مماثلة.

التلطي بالأحزاب
يتحدث الخبير الاقتصادي كمال حمدان عن وجود مشكلة في الوعي لدى المواطنين، تتلازم مع قدرة كبيرة نسبياً للوسطاء المغامرين أو المقامرين في التحايل على الناس، نتيجة سهولة إيهام هؤلاء الناس بأن الوسطاء قريبون من مركز القرار السياسي، بحيث يستخدمون «تلطيهم» بالأحزاب والفاعليات السياسية المسيطرة واجهةً لعمليات الاحتيال. ويشير حمدان إلى أن المشكلة تقع أيضاً على الأحزاب والفاعليات السياسية التي لا تبذل جهداً كافياً لتمييز نفسها عن هذا النوع من اللاعبين، وطبعاً لا إحصاءات لتوزُّع ادخارات الناس الذين وقعوا في حبائل هؤلاء المقامرين. لكن الأرجح أن معظم هذه الويلات يصيب الفئات ما دون المتوسطة، بحيث إن ادخاراتها قليلة إلى معتدلة نسبياً، وهي غير كافية لتأهليها، أمام عدم استقرار العملات، للجوء إلى الاستثمار الأنجع المتمثل بالاستثمار العقاري؛ لأنه الملجأ في ظل أزمة العملات في العالم. وهؤلاء أموالهم قليلة، ما لا يسمح لهم بشراء العقارات، وبالتالي حين تعرض عليهم فوائد مرتفعة يتوهمون وينجرّون، وتتفجر الأمور على حسابهم.
ويلفت حمدان إلى عدم وجود حلول تنظيمية لعمليات الاحتيال؛ إذ لا آمال للمتضررين إلا إذا كان المقامرون قد خلفوا أصولاً سائلة أو غير سائلة، ما يؤهل المتضررين لاسترداد خسائرهم عبر الدعاوى القضائية. لكن من يمارس هذه الضروب من المقامرة، عادة لا يترك خلفه أية أصول، وإذا كانت لديه أصول، يكتبها بأسماء أسرته أو أشخاص قريبين منه، وذلك لتهريب موجوداته من العقاب.


500 مليون دولار
هو المبلغ الذي خسره مئات اللبنانيين من خلال توظيف أموالهم مع صلاح عز الدين، ويرتفع هذا المبلغ الى مليار و200 ألف دولار بحسب تقديرات أخرى، إذ إنه حتى الآن لم يصدر أي تقرير رسمي يحدد حجم الخسائر التي مني بها المواطنون في هذه القضية

هشاشة الاستثمار في مناطق الأطراف
يقول الخبير الاقتصادي كمال حمدان إن هناك هشاشة في مناخ الاستثمار في مناطق الأطراف، ومنها الجنوب الذي لا يعدّ الأفقر بين المناطق الطرفية، لكنه يستفيد من التحويلات الوافدة من المغتربين، وهذا يخلق حجماً من الادخارات المتوسطة القيمة بمعظمها، وهذا العامل يدفع المواطنين الى التوجه نحو الاستثمار المربح الخطر، بدلاً من إنشاء مشاريع إنتاجية، وهذا التوجه يعود بطبيعة الحال الى النموذج اللبناني الفريد الذي يختصر النشاط الاقتصادي والمردود الإنتاجي ببيروت وحدها.
اقتصاد
العدد ١٤٧١ الثلاثاء ٢٦ تموز ٢٠١١

19‏/7‏/2011

بيت الوسط : «قصر أيّاس» السليب




يطلب النصولي التقاط صورة له تظهر بيته الذي منع من الاقتراب منه (بلال جاويش)
الاسم الحقيقي للمنزل الذي سكنه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري هو «قصر أياس». وللقصر مالك لا يزال حياً، لكن يمنع عليه الاقتراب منه؛ فقد استولت عليه «سوليدير» من دون علمه، وأدخلته إلى «إمارة الحريري». لا الدعاوى نفعت ولا الشكاوى وصلت!
رشا أبو زكي
«بيت الوسط»، تسمية اعتاد اللبنانيون تردادها منذ انتقل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى منزله في وسط بيروت. البيت شكله مربّع، بناؤه قديم جداً، لونه أصفر، على سقفه قرميد، يشبه أحد القصور القديمة من عهد العثمانيين. السؤال الذي يتبادر إلى ذهن زائر المنزل: هل يُصَنَّف «بيت الوسط» من البيوت والعقارات التي صادرتها «سوليدير»؟ لا صعوبة إطلاقاً في الإجابة عن هذا السؤال؛ فـ«بيت الوسط» لم يرثه الحريري عن أجداده، ولا أجداد أجداده، وطبعاً لا تملكه «سوليدير» بصورة قانونية ناصعة. إنه «قصر أياس»، وهو أصل الحكاية.
ما علاقة عائلة «أياس» (البيروتية) بعائلة «الحريري» (الصيداوية)؟ أيضاً، لا حاجة إلى التفكير طويلاً؛ فالجواب هو: «لا علاقة». فقد تملّك الرئيس الراحل الحريري القصر من شركة «سوليدير»، التي هجّرت منه مالكيه الحقيقيين، حتى من دون تعويض، وقد سكنه الحريري من دون علم أصحابه! وفي «بيت الوسط»، استقبل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ضيوفاً عالميين ومحليين، وأبناء بيروت أيضاً، ودعا إلى مائدته سفراء ووزراء وملوكاً ورؤساء، ويرى مالكو «البيت» أنه لو علم هؤلاء «قصة البيت» لما دخلوه، أو لربما دخلوه على رؤوس أصابعهم، لئلا يتعثروا بقصص أصحابه الذين لا يزالون أحياء وذكرياتهم ومأساتهم ويمنع عليهم حتى الاقتراب من باحة منزلهم!
تبدأ الحكاية بذكريات تتقلّب مع دولاب كرسيّه، وكلما دفع نفسه خطوة إلى الأمام تتسابق إلى عقله الأفكار. يرتبك قليلاً ليعيد تنظيم عباراته. فالقصص كثيرة. والوقائع غريبة. وقلة الراغبين بسماع حقائق عن معاناة أهل بيروت مع آل الحريري تستلزم منه القليل من الجهد لاستحضار المعطيات بدقة. ورقة على الطاولة، عليها شجرة عائلة آل أياس، «ستساعدك لتعرفي كيف ورثنا القصر، ومن هم المالكون الحقيقيون لما يسمونه جوراً وظلماً بيت الوسط»، يقول قبل أن يركن كرسيّه المدولب بالقرب من الطاولة. فقد أصيبت قدمه بكسر خطير، كسر لم يلتئم منذ أكثر من شهرين بسبب الوهن الذي أصاب عظامه. فالسنوات الإحدى والسبعون لم تمر بسهولة على محمد أنيس النصولي، وخصوصاً السنوات الست الأخيرة، أي منذ عام 2005 حين قرر العودة من الكويت إلى لبنان، ليكتشف فعلة سوليدير ومالكها!
إنه العقار 105، الموجود في ميناء الحصن. اسم الشارع قديماً هو «شارع فرنسا»، والعقار عبارة عن «قصر أياس». بناه محمد عثمان أياس، ولقبه «بيلار بك». لقب منحه إياه العثمانيون، ومعناه «رئيس البكوات في الشرق الأوسط»، وهو باني سوق أياس القديم في وسط بيروت كذلك. أما موقع القصر، فيعود إلى رغبة «محمد بك» في أن يكون منزله بالقرب من قصر الوالي العثماني (القصر الحكومي حالياً).
وكان لـ«محمد بك» ثلاثة أولاد: محمد علي أياس، محمد خير أياس، ومحمد سعيد أياس، عاشوا كلهم في القصر حتى وفاتهم. بما أن محمد علي لم يكن لديه أولاد، انتقل إرثه إلى حنيفة أياس (ابنة محمد خير) وحصتها 75%؛ لأنها اشترت حصص أخوتها من الإرث، ومريم أياس (ابنة محمد سعيد) وحصتها 25% من الإرث. تزوجت حنيفة بأنيس النصولي، وتزوجت مريم بيوسف الداعوق، فورث محمد النصولي حصة والدته، فيما ورث خالد الداعوق حصة
والدته.
تزوجت حنيفة أياس (والدة محمد النصولي) وأقامت في البيت وبقيت فيه حتى الحرب الأهلية في عام 1975، إلا أن أخاها بقي في القصر في عز الحرب الأهلية، وتوفي هناك وحيداً؛ إذ اقتحمت قوة من الميليشيات القصر ورمته من الشرفة، وسرقت محتويات القصر التي تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات. لم يصب القصر بأضرار خلال الحرب، ومع بدء «أوجيه لبنان» المملوكة لآل الحريري ورشة الإعمار، ومن ثم إنشاء «سوليدير»، لم يدخل القصر ضمن مخطط الأخيرة، فما الذي حدث إذاً؟
ابتسامة هازئة تغيّر ملامح محمد النصولي. يشرح أنه في التسعينيات هدم «أحدهم» سقف القصر، وجزءاً من سوق أياس، وعملوا على إصدار قانون جديد ضموا فيه القصر إلى مخطط المنطقة «التي استولت عليها شركة سوليدير عام 1995». لم يكن النصولي يعلم شيئاً عن هذه الأحداث، فقد كان في الخليج منذ عام 1964، وكل ما كان يعرفه أن القصر نُهب وأن خاله رُمي من الشرفة. لم يخطر بباله أن أحداً سيصادر قصر العائلة. هدم السقف وضم القصر وترميمه وامتلاك الحريري له وتحويله إلى منزل، كل هذه التطورات كانت تحدث من دون علم أيّ من مالكي قصر أياس!
في عام 2003 كتب النصولي في إحدى الجرائد موضوعاً عن جرف الرئيس رفيق الحريري مقبرة «السنطية»، وهي مقبرة مخصصة للعائلات البيروتية منذ آلاف السنين، وتضمن الموضوع الذي حمل عنوان «اطردوا سارقي الهيكل» انتقادات للحريري ولشركة «سوليدير» تتعلق بالسيطرة على بيروت القديمة. الموضوع الذي أزعج رئيس الحكومة الراحل تحوّل إلى مادة لإقلاق النصولي؛ إذ يؤكد أن «الحريري طلب من بعض مصارف الخليج والمصارف اللبنانية التي يمون عليها الامتناع عن إعطائي بطاقات ائتمان». أدى ذلك إلى خروج النصولي من العمل التجاري، وسلّم أولاده الشركات... هذه «الحرب التجارية» دفعته إلى المجيء إلى لبنان في عام 2005، وحين حاول الاقتراب من قصره، منع من الوصول إليه. «قالوا لي: هذا منزل الرئيس! أي رئيس؟ أنا المالك! أنا صاحب القصر!». ينفعل النصولي بيأس. حينها رفع دعوى قضائية على «سوليدير»، وعيّن عدداً من المحامين لمساعدته في استرجاع قصر أجداده، إلا أن أيّ حكم لم يصدر حتى الآن! «لا يملكون ورقة واحدة تعطيهم حق الاستحواذ على المنزل» يقول النصولي. يؤكد: «ولا ورقة! يستقبل ويودع في منزلي!».
يظهر الإرهاق جلياً على وجه النصولي، الذي انتقل، منذ أن كسرت قدمه، إلى منزل ابنه الذي يطلّ على «قصر أياس» أو ما يعرف حالياً بـ«بيت الوسط». من الشرفة تستطيع أن ترى القصر القديم، الطبقتين العلويتين، القرميد، والمباني التي تحيطه من كل الجهات. ينظر النصولي إلى بيته القديم بحسرة، يراقبه يومياً، تعود إليه ذكريات كثيرة، الغرفة التي مكث فيها لسنوات، النوافذ التي كانت تطل على حرش كبير، إخوته، والدته. «أنزعج كثيراً حين أراه يستقبل الرؤساء وجميع الناس في منزلي ويودعهم. أنزعج وأشعر بالظلم الكبير. كيف يمكن أحداً أن يتحمل فكرة أنه لا يستطيع أن يرى منزله، حيث عاش مع أهله وحيث تركة الأجداد، سوى عبر التلفاز؟ لا بل إن أحداً آخر يسكن منزله ويستخدمه كأنه مالك له!».
تذوب عينا النصولي في وجهه، كف يده ترجع من الأمام إلى الوراء، كمن يحاول الانتقال من الحاضر إلى الماضي. تتوقف يده في الهواء ويستسلم قائلاً: «مرّت فترة طويلة، تخونني ذاكرتي، هذا بيتي، بيت أمي وجدي ووالد جدي، نسيت الكثير من التفاصيل، فقد كبرت». يخرج صوراً عن «القصر المخطوف»، ويشرح: «يتألف من أربع طبقات، كل طبقة فيها 10 غرف نوم و4 صالونات، وتصل مساحة الطابق إلى نحو 1700 متر. أما تحت القصر فيمتد سرداب موصول إلى البحر، وكانت السلطة العثمانية تستخدم هذا السرداب بعد إفراغ البواخر لإدخال الذهب والبضائع الغالية الثمن إلى بيروت، وذلك خوفاً من عمليات السرقة».
لا تستمر الرحلة إلى الماضي طويلاً. النصولي متعب. يرهقه «لبنانهم». يهرب من جور القضاء وقوى «الأمر الواقع» إلى صفحات الجرائد. يكتب بعضاً من قلقه، بعضاً من غضبه، غضب ليس فقط على من استحوذ على ماض وإرث يفخر به، بل «على حاضر ومستقبل ناس لا يزالون يؤمنون بأن الحريري يمثلهم». يأخذ النصولي من مقالة كتبها في 23/7/2009 عبارة يقول إنها تعبّر عن كل ما يجول في خاطره: «مما لا يحيّر نظراً لتدني مستوى الأخلاق أمام سطوة المال وسلطانه أن يقوم الإعلام الموبوء المأجور والمشترى، وهو المصرّ على التراث والمحافظة عليه، بالتطبيل والتزمير «لبيت الوسط» وهو يعلم أنه قصر أياس وأنه أخذ ظلماً وعدواناً»، ولكن «دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة». يسكت نصولي، يجرّ نفسه إلى مكان يطل مباشرة على «قصر أياس»، يطلب أن نأخذ له صورة مع قصر أجداده. يقول إن هذا حقه، ولن يضيع. واثق هو، مبتسم، وقصره يمتد خلفه. ساكن القصر الآن، ينتظر ضجيج الكون، وبين جدرانه تعجّ ذكريات أصحابه، سكانه الأصليين الذين شردوا بعدما اكتشف «البيض» مستعمرة جديدة، مستعمرة كان اسمها وسط بيروت فأصبح «منطقة سوليدير».
طبعاً، لا تتوقف عمليات الاستيلاء على بيت الوسط؛ فإذا أراد المتابع العودة إلى الحقوق، وجد أن أهالي بيروت هجروا تهجيراً من وسط بيروت، أو ما أصبح يطلق عليه اسم «منطقة سوليدير». لكن ثمة بعض الممتلكات أو الرموز البيروتية التي دخلت ضمن «جمهورية سوليدير» أو استولى عليها المنتفعون (وهم كثر)، ومن هذه المعالم أو الرموز ما يعرف بمقبرة السنطية. فهذه المقبرة هي للعائلات البيروتية، كانت قائمة منذ عام 1453، وكانت فيها آلاف المقابر العائدة لعشرات العائلات البيروتية من آل الداعوق وقرنفل ونصولي والشيخ وفتح الله وأياس. ويقول محمد النصولي إنه في عام 1982 «حين دخل الحريري الأب إلى بيروت لتنظيفها بعد الاجتياح، جرف مقبرة «السنطية»، علماً بأنها لم تكن ضمن مخطط «سوليدير»، ووضع الردم، أي جثث أهالي بيروت في البيال». ويشير النصولي إلى أن «مؤسسة المقاصد الإسلامية باعت المقبرة، وهي العقار 128 ميناء الحصن لشركة سوليدير عام 1994 بما يوازي 869 ألف سهم، رغم أنها مال موقوف. في حين أن بعض موظفي المقاصد باعوا رخام القبور، وكل ذلك بعلم المفتي محمد رشيد قباني، الذي أصبح مفتياً بعد أن قبل بهذا الموضوع. وبعد أن بدأت شركة «ميد غلف» بتشييد مبنى لها على جزء من المقبرة، ذهب وفد من العائلات البيروتية الى المفتي واستنكروا ما يحدث، وتحت الضغط، أوقفت عمليات التشييد على ما بقي من المقبرة، وأصبحت المقبرة تحت سلطة بلدية بيروت (رغم المطالب التي رفضت هذه الوصاية، مشيرة إلى أن المقبرة هي ملك لأهل بيروت، وليس للبلدية أي مصلحة فيها). والآن من يمر من قرب المقبرة، سيجد سوراً كبيراً يلفها، ولافتة كتب عليها: «هنا كانت مقبرة السنطية!».
بالطبع، قضية بيت الوسط أو قصر أياس لا تزال قائمة، وكذلك قضايا أكثر من 1600 عقار استولت عليها شركة سوليدير في منطقة وسط بيروت. يضحك أحد المتابعين للقضية بخبث ويسأل: «لكي يحل ملوك الميليشيات قضية المهجرين، أنشأوا صندوقاً وأداروه بأنفسهم، فأهدروا آلاف مليارات الليرات ولم يعد المهجرون. فما بالكم بمن هجروا من وسط بيروت؟ لا صندوق سيعيد إليهم حقوقهم، ولا مسؤول سيرفع قضيتهم... ففي السرقات الكبرى يسكت الجميع، لأن الجميع مشتركون بالجريمة».


قصص تخبو بين جدران «البيت»
أُنشئت شركة «سوليدير» وفق القانون رقم117/91 الصادر في عام 1991. وعقدت الجمعية التأسيسية للشركة في أيار من عام 1994، ومنذ ذلك الحين عملت «سوليدير» على «تملك» أملاك المواطنين في وسط بيروت، من خلال إجبارهم على بيع أملاكهم وفق لجان للتخمين، والتخمينات قدرت سعر المتر المربع من الأرض بنحو 1500 دولار، فيما سعره في ذلك الحين كان يصل إلى 3500 دولار ويزيد، بحسب المنطقة العقارية، فيما حددت اللجان سعر المتر المبني بنحو 100 دولار، على الرغم من أن السعر كان يتعدى 400 دولار، وعلى هذه الأسس عُوِّض على أصحاب العقارات، فيما التجار وأصحاب المحال حصلوا على نصيبهم من هذه العملية. فإذا بهم يبيعون محالهم لـ«سوليدير»، ومن ثم يدفعون نسبة من السعر الجديد للمحال الذي فرضته «سوليدير»، وبدلاً من أن يعودوا إلى ما أصبح ملكهم، أجرت «سوليدير» هذه المحال من دون الأخذ بالاعتبار أنها أعطت وعوداً بالبيع لأشخاص ينتظرون الانتهاء من ترميم محالهم لإعادة افتتاحها.

استيلاء وإفقار
كتب محمد أنيس النصولي نهاية العام الماضي مقالاً جاء فيه: «قصرهم الذي يقيمون فيه أخذ عنوة، كما الأسواق والتجارة، من العائلات البيروتية الأصيلة التي بنت بيروت بالعمل الجاد والحرص ومخافة الله. كل هذا عن طريق قضاة وسلطة تشريعية طغت عليها الرشاوى وقوانين جائرة. فاستولوا على قلب بيروت التجاري وأفقروا أصحابه الأصليين وهم يبيعونه بأغلى الأثمان. فكان ذلك أكبر ضرب استيلاء على الأملاك الخاصة عرفه تاريخ الشرق الأوسط. لم يكتفوا بـ«سوليدير»، بل زادوا عليها عقود سوكلين لتكبّل بلديات لبنان بأغلى الأسعار لمساعدتهم على التخلص من نفاياتهم على أن يعود كلّ ما يتعلق بسوكلين وتوابعها إلى جيوبهم الخاصة، وإذا رفض أن تجدد العقود هددونا بالنفايات، التي ستطمرنا».

مجتمع
http://al-akhbar.com/node/16936
العدد ١٤٦٥ الثلاثاء ١٩ تموز ٢٠١١

18‏/7‏/2011

نصري خوري: إحباط ضغوط على الليرة السورية عبر صيارفة لبنانيين





(أرشيف ــ مروان بو حيدر)
رشا أبو زكي
يكشف الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري في مقابلة مع «الأخبار» عن وجود تعاون وثيق بين المصرفين المركزيين في لبنان وسوريا، أدّى إلى إحباط محاولة للضغط على الليرة السورية من مؤسسات للصيرفة في لبنان، ونفى أن تكون نسبة التحويلات من سوريا الى لبنان مرتفعة جداً كما يشاع... في ما يلي نص المقابلة:
1) ما مصير الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين لبنان وسوريا؟
إن اتفاق التعاون الاقتصادي والاجتماعي، الذي وقع في عام 1993، هو الاساس لكل الاتفاقيات الاقتصادية التي وقعت لاحقاً في مختلف المجالات. وقد كان الهدف الاساس من هذا الاتفاق هو اقامة سوق اقتصادية مشتركة ومتكاملة بين البلدين، وذلك تدريجاً، مع الأخذ في الحسبان الظروف الاقتصادية لكل دولة، والتغييرات التي يمكن كل اقتصاد أن يتحملها من اجل تحقيق هذه الغاية. وانطلاقاً من هذا الاتفاق تم التوقيع على مجموعة من الاتفاقات، وتألّفت لجان وهيئات مشتركة لترجمة هذه الاتفاقيات، ووضعت برامج تنفيذية لها. وفي كل اتفاق يوجد لجنة وزارية مشتركة تنبثق عنها لجان فنية... وقد وصلنا الى اقامة منطقة تجارة حرة وإلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات المتبادلة، ونتج من ذلك ارتفاع نسبة التبادل التجاري بنسبة 100 في المئة منذ عام 1994 حتى الآن، ففي 1994 كان مجموع الصادرات قليلاً، أما في عام 2010 فأصبح نحو نصف مليار دولار، والأهم أنه يوجد توازن في حركة التبادل.
وفي اوائل عام 2005، خلال اجتماع هيئة المتابعة والتنسيق، اتخذ قرار بوضع خطة تدريجية للوصول الى ازالة كل العوائق للوصول الى السوق المشتركة، لكن الأسباب المعروفة، التي سادت العلاقات اللبنانية ـــــ السورية منذ ذلك الحين وتباطؤ العمل المشترك، لم تساعد على أن تبصر هذه القرارات النور. وفي بداية 2005 عقد اتفاق في دمشق واتفق على مراجعة عدد من الاتفاقيات وتعديلها أو إلغاء بعضها أو تطويرها، وبين عامي 2009 و2010 تم تشكيل لجنة مشتركة بين البلدين لمراجعة كل الاتفاقيات، ولم يتبين خلال مراجعة الاتفاقيات انه يوجد غبن لاحق بلبنان، وبالتالي جرى تعديل النصوص ويطويرها او وضع ملاحق للاتفاقيات، ووضعت اتفاقيات جديدة ووُقّعت في تموز 2010 عندما زار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري دمشق، وقد أبرم الجانب السوري معظم الاتفاقيات، لكن معظم هذه الاتفاقيات لم يبرمه مجلس النواب اللبناني، والاتفاقات الوحيدة التي ابرمها لبنان هي المتعلقة بالتعاون السياحي والبيئي.

2) إن كان الجانب اللبناني لم يبرم الاتفاقيات في مجلس النواب، فكيف إذاً تدار العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟ وفق الاتفاقيات القديمة أم المعدّلة؟
فعلياً لم يتوقف تطبيق الاتفاقيات السابقة، وذلك الى حين ابرام الجديدة، ونحن بانتظار اقرار الاتفاقيات في مجلس النواب اللبناني، وكذلك ننتظر الحكومة اللبنانية الجديدة لإطلاق عملية التواصل من جديد، ونأمل ان تساعد الظروف على متابعة جميع القرارات والاتفاقيات المتخذة.
3) ما هو حجم الاستثمارات اللبنانية في سوريا؟ وهل تأثرت بما يحدث في سوريا؟ وما هو حجم الاستثمارات السورية في لبنان؟
حجم الاستثمارات السورية في لبنان كبير، لكن معظمها استثمارات افراد لا استثمارات مؤسسات وشركات، وكذلك هناك استثمارات لبنانية كبيرة في سوريا، وهي بمعظمها استثمارات مؤسسات، وتركز على القطاع المصرفي والتأمين والسياحة والصناعة، وقد تأثرت الاستثمارات اللبنانية نتيجة الظروف في سوريا، وكذلك تأثرت الاستثمارات السورية بأوضاع لبنان، وبالتالي يوجد تراجع بالصادرات اللبنانية الى سوريا في الاشهر الثلاثة الاولى من هذا العام بنسبة 17 في المئة، وبالطبع لا تدخل في هذه النسبة حركة التبادل غير الرسمي أو التجارة غير الشرعية بين البلدين، إذ ان حجم الميزان التجاري الفعلي بين البلدين هو اكثر من ملياري دولار، أما حركة الترانزيت من لبنان عبر الاراضي السورية فهي لافتة أيضاً، إذ إن نحو 30 في المئة من صادرات لبنان عبر سوريا، اي بحدود مليار دولار، ويستورد لبنان 10 في المئة براً، وبالتالي، في موضوع الحركة الاقتصادية وانتقال الافراد لا يوجد ارقام دقيقة ومباشرة، علماً أنه يوجد تراجع في كل شيء ان كان في حركة الانتقال أو في عدد العاملين، ويمكن القول إنه يوجد جمود في الاستثمارات اللبنانية في سوريا وليس تراجعاً.
4) ما هو وضع المصارف اللبنانية في سوريا؟ وكيف برأيك سيتعاطى لبنان إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات واسعة النطاق على المؤسسات المالية السورية والودائع السورية في لبنان؟
يوجد تعاون بين المصرف المركزي في لبنان والمصرف المركزي في سوريا، وكانت هناك محاولة للضغط على العملة في السورية من مؤسسات للصيرفة في لبنان وقد عولج الموضوع، أما نسبة التحويلات من سوريا الى لبنان فهي ليست مرتفعة جداً كما يشاع، وفي الاسبوعين الماضيين عادت حركة الودائع إلى الارتفاع في مصارف سوريا بعد اتخاذ مجموعة من القرارات المصرفية المحلية، ولا شك في أن القطاع المصرفي السوري تأثر بالاحداث، الا أنه يوجد حالة تكيّف. ومن ناحية المصارف اللبنانية، فهي تتواصل مع المصرف المركزي في سوريا، ولا اعتقد أن حجم التأثير عليها كبير جداً، وقد علمت أخيراً أنه يوجد مصارف لبنانية تفتح فروعاً جديدة لها في سورية. أما من ناحية العقوبات، فلا يمكنني اطلاق احكام وفرضيات قبل وقوعها.
5) ألا يوجد انعدام توازن في حجم العمالة المتبادلة بين البلدين؟ وكيف يؤثر تراجع العمالة السورية على الاقتصاد اللبناني بحسب متابعتك؟
هناك تضخيم لحجم العمالة السورية في لبنان، إذ يُعتقد أن العمالة السورية كلها دائمة، الا أن ذلك غير صحيح، اذ توجد عمالة بمعظمها موسمية ومؤقتة، واليد العاملة السورية أجرها زهيد في حين انها منتجة وتوفر كثيراً على المنتج اللبناني، وبالتالي فإن تراجع عددها بسبب ما يحدث في سوريا يرتب أعباء اضافية على الاقتصاد اللبناني. وفي المقابل، أصبحت السوق السورية تستقطب العمال اللبنانيين وخصوصاً في القطاعات التكنولوجية والاتصالات والمصارف والتأمين والسياحة والنفط وغيرها، والعمل في هذه القطاعات يعد ذا مردود مرتفع، وبالتالي، ما يدخله العمال اللبنانيون من اموال الى لبنان من خلال عملهم في سوريا يوازي ما يدخله العمال السوريون الى بلدهم من خلال عملهم في لبنان، كما أنه يوجد عدد كبير من اللبنانيين الذي يعيشون منذ فترة طويلة في سوريا ولا احد يتكلم عنهم، ونحن نعد في هذا الاطار دراسة شاملة عن العمالة المتبادلة.
6) الى أي مدى تتشابه المشاكل الاقتصادية بين كل من لبنان وسوريا؟
يوجد مشاكل اقتصادية متشابهة، وكان يوجد فكرة لوضع خطة مشتركة تنموية بين البلدين، خاصة في المناطق الحدودية التي تعاني الفقر، وثمة اتفاق على إقامة مشاريع تنموية مشتركة على الحدود الشمالية وفي البقاع، من خلال انشاء مصنع للتبغ وتشجيع زراعة القطن وانشاء سدود مائية للري وغيره، الا أن الجانب اللبناني أوقف هذه المشاريع.
7) كيف يمكن تنظيم العلاقة بين لبنان وسوريا بطريقة متوازية؟
اذا إردنا تقويم العلاقات بين البلدين وتطويرها فإن الاسس موجودة والعلاقة موجودة والتكامل الطبيعي موجود بين البلدين، وأعتقد ان الناس في لبنان وسوريا سبقوا الحكومات في عمليات التعاون، وعلينا تطوير العلاقات وتسريع عملية تنفيذ الاتفاقيات بطريقة تلحق تطور العلاقات على الصعيد الشعبي وتسبقها وتشكل اطار لتسهيل شيء قائم. ومن دون شك يجب تسليط الاضواء على الصعوبات والعراقيل، لكن الأفضل ان نرى الايجابي والسلبي برؤية اوسع ومن دون تضخيم.

أزمة الشاحنات
وُضع رسم على عبور الشاحنات في سوريا بسبب سعر المازوت هناك. وهو فعلياً يوازي الفرق بين سعر المازوت السوري والسعر العالمي. خفض الفرق بعد مراجعة الجانب اللبناني، فيما تعيد سوريا النظر في الموضوع، وخصوصاً أنها تواجه مشكلة تهريب منظمة للمازوت من سوريا الى الدول المجاورة
اقتصاد
العدد ١٤٦٤ الاثنين ١٨ تموز ٢٠١١

16‏/7‏/2011

بورصة بيروت: جسد ضعيف بلا روح





بورصة بيروت هي من البورصات القليلة المملوكة من الدولة (أرشيف ــ مروان طحطح)
بورصة بيروت بلا لجنة منذ عام 2004، وقد استقال رئيسها فادي خلف في عام 2009، ولم يجر تعيين بديل منه، وتخلو البيانات الوزارية في العقد الأخير من أي التزام تجاه تطوير البورصة وتفعيلها، فيما مشروع قانون تنظيم السوق المالية نائم في المجلس النيابي منذ سنوات... هذا هو واقع البورصة: لا اهتمام ولا من يحزنون
رشا أبو زكي
لا نسمع ببورصة بيروت عادةً إلا في بيانات تشير الى ارتفاع سعر سهم سوليدير أو انخفاضه، وخلال الأزمات المحلية أو الإقليمية أو الدولية تعود التصريحات لتتناول بورصة بيروت، تصفها بالهادئة أو الجامدة أو المأزومة، إلا أن معظم المواطنين لا يعرفون أي شيء عن واقع هذه البورصة، عملها، سبب بقائها في العتمة، الهدف من وجودها... لعل قلة المعرفة هذه هي من أكثر مظاهر التهميش الذي تتعرض له بورصة بيروت، ولعل عدم انتشار صيتها له أسباب حقيقية تتعلق بعدم توجه المواطنين للاستثمار في أسهم البورصة كما يحدث في معظم الدول، عربية كانت أو غير عربية. هذا من الخارج، أما صورة البورصة من الداخل فهي لا تقل سوءاً، فمن يصدق مثلاً أن لجنة رئاسة بورصة بيروت قد انتهت ولايتها منذ عام 2004 وحتى الآن لم تعيّن لجنة جديدة، أعضاء توفوا، أعضاء تركوا مناصبهم، والبورصة لا تزال من دون عيون وصيّة، وفي حين أن الكيان الاقتصادي انتفض كله للضغط في اتجاه التجديد لحاكم مصرف لبنان مثلاً، إلا أن أحداً لم يتحرك ليسأل ولو سؤالاً: لماذا لا يزال منصب رئيس بورصة بيروت شاغراً منذ عام 2009 بعد استقالة الرئيس السابق فادي خلف!
يقول نائب رئيس بورصة بيروت (الرئيس بالإنابة) غالب محمصاني إنه يمارس صلاحيات الرئيس منذ عام 2009، أي بعد استقالة الرئيس السابق فادي خلف مباشرة، مشيراً الى أن الخلافات المعتادة على التعيينات أدت الى عدم تعيين رئيس جديد، والسبب نفسه أدى الى عدم تعيين لجنة جديدة للبورصة منذ أن انتهت ولاية الحالية منذ عام 2004، لافتاً الى أن هناك اتجاهاً لدى الحكومة الجديدة لتعيين لجنة جديدة، علماً بأن لجنة البورصة مؤلفة من رئيس ونائب رئيس وثمانية أعضاء يتم تعيينهم بقرار من مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير المال. ويؤكد محمصاني أن عمل البورصة التقني لم يتأثر بعدم التعيينات هذه، وخصوصاً أنه لا ينقص البورصة لجنة أو رئيس فقط، وإنما تفاصيل أخرى لا بد من تحقيقها.
إذ تدرج 10 شركات فقط أسهمها في بورصة بيروت، إضافة الى منتجات مالية أخرى، فيما يوجد 16 وسيطاً مالياً وبنوك استثمار تمر عبرهم أوامر البيع والشراء. ولضعف عمل بورصة بيروت أسباب موضوعية وتشريعية وعملية، ومن الأسباب الموضوعية المتعلقة بطبيعة السوق اللبنانية فإن الشركات اللبنانية تكتسي بمعظمها طابعاً عائلياً، وهذا النوع من الشركات يتجنب عادة الإدراج في البورصة، وخصوصاً أن الدخول الى البورصة يتطلب المزيد من الشفافية، ودخول المستثمرين الأجانب الى عالم هذه الشركات يوسّع دائرة المطالبة بهذه الشفافية، وبالتالي تفضل هذه الشركات اللجوء الى الاقتراض من المصارف عوضاً عن الدخول الى البورصة، حتى لو كان التعامل مع المصارف يرتب فوائد مرتفعة وشروط تسليف معقدة. ويشير محمصاني الى أن هذه الثقافة في الإدارة والاستثمار في لبنان لم تتغير، كما أن المجتمع اللبناني ليس لديه ثقافة الاستثمار في البورصة. وإن كانت الخصخصة مادة تجاذب بسبب الاتجاهات الاقتصادية المتنافرة، إلا أن البورصات العالمية والعربية تقوم على إدراج عدد من القطاعات الحيوية في بورصتها، وهنا، يقول محمصاني إنه لا يحبذ نقل عدد من القطاعات التابعة للدولة الى احتكار خاص، وإنما إدراج أسهم هذه القطاعات في البورصة وطرح أسهمها على الجمهور كما يحدث في عدد كبير من الدول، ومن هذه القطاعات: الكهرباء والاتصالات والطيران والكازينو... ويعوّل محمصاني على عمليات التنقيب عن الغاز والنفط في لبنان، مشدداً على أنه إذا تمت إدارة عملية التنقيب بطريقة جيدة فمن المفترض أن تحرص الدولة على إلزام الشركات بعرض أسهمها للعموم في بورصة بيروت.
والغريب في إطار موقع بورصة بيروت في الاقتصاد اللبناني والمشكلات التي تعانيها، أن أياً من البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة لم يأت على ذكرها، فالحكام كما المواطنون يبحثون عن الاستثمار السهل والمضمون بعيداً عن الأدوات المالية القادرة على تحريك الاقتصاد اللبناني، فالثقافة الاقتصادية في لبنان، بحسب محمصاني، تشير دائماً الى أن هذا البلد هو بلد خدمات وسياحة ومصارف وعقارات، على الرغم من أن ثقافة التعامل بالبورصة أصبحت عالمية، وعلى الرغم من أن المناخات الاستثمارية والمالية في الدول تقاس بقوة بورصتها أو ضعفها.
ويلفت محمصاني الى أن الفرنسيين، ضمن إطار المساعدات للحكومة اللبنانية، كلفوا شركة فرنسية لدراسة السوق المالية وخاصة البورصة، وركزت الدراسة على غياب قانون تنظيم الأسواق المالية في لبنان، إذ يجب، وفق محمصاني، أن يكون هناك هيئة أسواق مالية وهي لجنة مستقلة يرأسها أناس متفرغون وخبراء ويكون لها اليد العليا في كل ما يتعلق بالأسواق المالية، ولها صلاحيات تشريعية وتنظيمية لكل المنتجات المالية التي يجري التداول بها في البورصة، على أن يكون هناك محاكم خاصة للأسواق المالية، ولكن هناك عدم اهتمام بإنشاء اللجنة، وذلك في ظل قيام المصرف المركزي بهذا الدور جزئياً.
ويشرح محمصاني أنه منذ عام 1996 يجري تشكيل لجان لدراسة كيفية تنظيم الأسواق المالية من دون جدوى، ولكن بعد عام 2007 أصبح هنالك شعور بضرورة إقرار قانون تنظيمي للأسواق المالية بالتزامن مع تقدم البورصات العربية، وبالتالي وضع مشروع قانون (لا يبعد مصرف لبنان عن الأسواق ولا يسلمه كل شيء) وقد بحث في لجنة المال والموازنة برئاسة النائب ياسين جابر وصادقت اللجنة على المشروع، وبقي المشروع في المجلس النيابي الى أن صادقت اللجان المشتركة عليه منذ شهر ونصف تقريباً، وهو لا يحتاج إلا الى جلسة الهيئة العامة لإقراره. ولفت محمصاني الى أن إقرار مشروع القانون هو رسالة الى المستثمرين للاستثمار في الأسواق المالية اللبنانية واللجوء إليها بدلاً من المصارف، «إذ لا يجب أن تقوم المصارف بكل شيء».
ويشرح محمصاني أن بورصة بيروت هي من البورصات القليلة المملوكة من الدولة، لافتاً الى ضرورة أن تكون مملوكة من القطاع الخاص لأنها تقوم بدور الوسيط وليس لها أي صلاحيات تنظيمية.
اقتصاد
العدد ١٤٦٣ السبت ١٦ تموز ٢٠١١

11‏/7‏/2011

جورج جبور: سوق الإعلانات تتراجع 8 ملايين دولار هذا العام



رشا أبو زكي
سوق الإعلانات في لبنان مجهولة للكثيرين، نظراً إلى التداخل في عملها بين العوامل التجارية والإبداعية والثقافية والسياسية. ورغم ذلك، تحظى الشركات اللبنانية بلقب «الأفضل» في المنطقة. فما هي ميزاتها؟ ولماذا تنمو ببطء؟ أسئلة يجيب عنها رئيس نقابة أصحاب وكالات الدعاية والإعلان جورج جبور في هذه المقابلة
1) ما هو واقع قطاع الإعلانات في ظل المشاكل المحلية والثورات العربية؟
الملاحظ أن الاقتصاد اللبناني نفسه ليس منعزلاً ومستقلاً عن محيطه، بل ملتصق التصاقاً وثيقاً به. وللأسف، إن قطاع الإعلانات هو أول المتضررين من التطورات الحاصلة في الاقتصاديات، وهو آخر من يستعيد انطلاقته بعد هدوء الأوضاع؛ فقد شهد القطاع تذبذباً في حركته، متأثراً بأحداث المنطقة؛ إذ إن شركات الإعلان العاملة في السوق المحلية هي على علاقة مباشرة بالسوقين الإقليمية والعالمية، من ناحية ملكية الشركات أو من ناحية تحركها داخل الأسواق. فغالبية الشركات الإعلانية في لبنان موجودة في المغرب العربي والخليج ودول الشرق الأدنى، أي لبنان وسوريا والأردن، ونحن نعرف ما تمر به المنطقة من تأثيرات سياسية، ويمكن بالتالي قراءة ما يمر به القطاع وفق الجو العام المحيط بنا.
وإذا أردنا الغوص أكثر في التحليل، يمكننا الاستنتاج أن العوامل المحلية هي الأكثر تأثيراً على القطاع من العوامل الخارجية؛ ففيما كان العالم العربي في أوج فورته الاقتصادية بين عامي 2007 و2008، كان قطاع الإعلانات في لبنان يشهد جموداً عاماً، ولم يستفد من هذه الفورة، والسبب هو الأزمات المحلية التي كانت تضرب لبنان. أما اليوم، فصحيح أن العالم العربي يمر بثورات، وهذا يؤثر على القطاع، إلا أن التأثير على السوق المحلية لا يُعَدّ ضخماً، في حين أن ما تأثر فعلياً هو سوق الإعلانات في الدول العربية التي تعمل فيها شركات إعلانية لبنانية. أما نسب التراجع فهي 30 في المئة في مصر، 50 في المئة في تونس، وفي سوريا تراجع بنسبة 15 في المئة، وليس لدينا وجود كبير في اليمن، وكذلك في ليبيا.

2) تحدثت عن تراجع في السوق المحلية، ما هي نسبته مقارنةً بالأعوام السابقة؟ ولماذا لم يصل إلى التأزم؟
إن شركة الإعلانات هي كشركة الخدمات، تحصل على بدل أتعاب مقابل الخدمات التي تقدّمها، ما يغطي قيمة العمل الذي يقوم به الفريق المنضوي فيها، بالإضافة إلى قيمة الوقت الذي يصرفه لتقديم هذه الخدمة، وأيضاً قيمة الإبداع الذي يميز كل شركة عن الأخرى. من هنا، لا يمكننا القول إن قطاع الإعلانات في أزمة. فبين عامي 2005 و2007 حدثت مشكلات سياسية وأمنية معروفة، من اغتيالات وتفجيرات وغيرها، وقد عانى القطاع خلال هذه الفترة، كما جميع القطاعات الاقتصادية في لبنان، إلا أنه من منتصف عام 2008 حتى نهاية عام 2010 يمكن القول إنها كانت فترة عظيمة بالنسبة إلى القطاع؛ ففي الأشهر الستة الأخيرة من عام 2008 حتى نهاية العام، ارتفعت الحركة الإعلانية في لبنان بين 20 إلى 25 في المئة. واستمر هذا الارتفاع مع تذبذبات بين انخفاض وارتفاع حتى عام 2010. أما في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، فقد تراجع عملنا بتفاوت بحسب الشركات، مقارنةً بالأرقام المحققة في عام 2010.
3) ما هو حجم أعمال شركات الإعلانات سنوياً؟ وكم تستفيد الشركات من الصراعات السياسية من ناحية زيادة الطلب على الإعلانات السياسية؟
صراحة، لا يمكن القول إننا نستفيد من الصراعات السياسية؛ إذ حصلت بعد الإفادات خلال السنوات الماضية في الحرب الإعلانية بين الموالاة والمعارضة، إلا أنها انطفأت ولم يكن حجمها كبيراً. لكن من ناحية أخرى، رفعت الانتخابات النيابية مثلاً في عام 2009 حركة السوق الإعلانية 15 في المئة، وقد حُقِّق ما بين 10 إلى 15 مليون دولار إضافية. ولكننا لا نستطيع القول إن هذا رقم نهائي؛ إذ يمكن أن تقدم شركات الإعلانات خفوضات معينة، أو خدمات مجانية... أما من ناحية حجم الأعمال، فقطاع الإعلانات ينتج 130 مليون دولار سنوياً، وخلال عامي 2008 و2009 ارتفع إلى 132 مليون دولار. وفي عام 2010، حقق القطاع 128 مليون دولار. أما في عام 2011 فمن المتوقع أن ينخفض إلى 120 مليون دولار. وحين يتحقق الهبوط تنخفض الأرباح أو يُخفَض عدد الموظفين.
4) ماذا عن الانحياز السياسي لعدد من الشركات الإعلانية وحرمان عدد من وسائل الإعلام مثلاً نصيبها الإعلاني كـ«قصاص» سياسي؟
إن القطاع الإعلاني متماسك، ولا تدخل عليه السياسة؛ إذ ثمة تمسك بالمصالح، ولا علاقة لذلك بالسياسة. فالتوجهات السياسية موجودة في شركات الإعلانات، وأصحابها لبنانيون ولا يمكن أن ننكر هذا الموضوع، ومن الأكيد أن هذا الموضوع يؤثر على بعض وسائل الإعلام. إلا أن أي شركة إعلانية، مهما كان توجه صاحبها السياسي، لا يمكن أن تتغاضى عن النتائج التي تحققها وسائل الإعلام من ناحية استقطاب القراء أو المشاهدين. لذلك، إن الشركات مضطرة إلى التعامل مع وسائل إعلامية معينة لاستهداف شرائح اجتماعية محددة. كذلك، الشركة الإعلانية لن تفضل السياسة على عملها المهني؛ فإذا كانت إحدى وسائل الإعلام تحظى بأكبر عدد من المشاهدين أو القراء، فلا يمكن إلا أن تحظى باهتمام إعلاني مميز، وبالتالي يصبح التأثير السياسي على وسائل الإعلام محدوداً ومرتبطاً بتطور عمل وسائل الإعلام ونتائجها أولاً وآخراً.
5) ما هو عدد الشركات العاملة في لبنان حالياً؟ وكيف يتمظهر شكل الكارتيلات الكبرى في عمل هذه الشركات؟
في لبنان 10 إلى 15 شركة إعلانات دولية، و 10 إلى 15 شركة محلية كبرى. ويضاف إلى هذا العدد ما بين 50 و 60 شركة إعلانية صغيرة. والأكيد أنه لا كارتيلات في قطاع الإعلانات، ولا أي نوع من أنواع الاحتكار. فلدى الشركات العاملة في السوق المحلية زبونات عالميون ومحليون، وما يظهر للعلن بأنه احتكار ليس سوى ترجمة لعقود توقع على صعيد عالمي بين زبائن عالميين هم أصحاب الشركات التي تصنف كماركات عالمية من جهة، وشركات الإعلانات العاملة في لبنان التي تُعَدّ شركات الماركات العالمية ممثلة في مجالس إدارتها. وبالتالي إن واقع هذه العقود يفرض على عدد من الشركات المحلية توزيعاً حصرياً لإعلانات محددة، إلا أن ذلك ليس من ضمن لعبة سوقية احتكارية. ومن ناحية أخرى، إن سوق الإعلانات في لبنان هي سوق حرة، وتشهد مضاربة كبيرة بين الشركات.
6) هل أسعار الإعلانات في لبنان مرتفعة؟ وهل هناك توجه لخفضها مستقبلاً؟
نحن في لبنان وصلنا إلى مرحلة متقدمة جداً في عالم الإعلانات، وخاصة من ناحية الجودة والإبداع. فنحن الأفضل في المنطقة، وللأسف لبنان لا يأخذ حقه من نمو القطاع؛ لأن الوضع السياسي في لبنان وعدم الاستقرار يؤديان إلى عدم تطوير القطاع تماماً كغالبية القطاعات الأخرى. أما أسعار شركات الإعلانات، فهي منخفضة مقارنةً بالأسواق الأخرى، وخصوصاً إذا نظرنا إلى واقع السوق اللبنانية الناشطة وعوامل الاستهدافات الإعلانية وتطورها.
7) ما هي مطالب قطاع الإعلانات اليوم؟
في لبنان مطلوب شيء واحد، هو الاستقرار السياسي والضرائبي والقانوني؛ إذ لا قطاع اقتصادياً يعمل في بلد كل شيء فيه مهدَّد في أي لحظة؛ فالاستقرار هو الأساس على جميع المستويات. وأبرز المطالب القطاعية تنظيم عمل اللوحات الإعلانية وحسم موضوع المرجعية بين وزارة الداخلية والبلديات من جهة، والبلديات من جهة أخرى،
وكذلك تحرير إعلان الأدوية التي تصرف من دون وصفة طبية. فنحن البلد الوحيد الممنوع فيه وضع إعلانات لهذه الأدوية.


خريطة جديدة
منذ عام 2005 لم تحصل تغييرات كثيرة في عالم الإعلانات، إلا أن هذه التغييرات حدثت قبل عام 2005، حيث كان عدد الشركات أكبر، فانخفض بعدما حصل عدد من الاندماجات، فيما أغلق عدد من الشركات أبوابه. ومع بداية عام 2005 كان لبنان يشهد خريطة جديدة لشركات الإعلانات.

اقتصاد
العدد ١٤٥٨ الاثنين ١١ تموز ٢٠١١