31‏/10‏/2011

الحركة النقابية تدفن مرسوم الأجور




العمال والأساتذة والمعلمون يتكاتفون لفرض تصحيح عادل

خلال اعتصام ضد الاتحاد العمالي العام (أرشيف ــ بلال جاويش)
عُقد أمس المؤتمر النقابي الوطني الأول. الاتحاد العمالي العام كان خارج المعادلة. المتحدّثون أكدوا أن أحداً لم يلفظ الاتحاد، بل هو من لفظ دوره بعدما تخلّى عن مهمته في الدفاع عن حقوق العمال ومكتسباتهم. والتكتل النقابي الكبير هذا رفع توصيات كثيرة، لا تنحصر بتصحيح الأجور، بل تتعداه إلى صوغ برنامج جديد للمطالب العمالية، يجعل من الأجر «أجراً اجتماعياً» محرراً من كلفة الخدمات الأساسية العامة، وأهمها الضمان الصحّي والتعليم والنقل
رشا أبو زكي, فاتن الحاج
أمس، كانت الحركة النقابية ذات وجه مشرق، بعد كسوف طبع عمل قيادة الاتحاد العمالي العام منذ سنوات طويلة، وتمظهر في أسوأ أوجهه خلال الأسابيع القليلة الماضية. هيئة التنسيق النقابية بكل تكويناتها كانت على المنبر، وبدلاً من المدح ودق أبواب السياسيين، انتقدت، أصرت على مواقفها، ودقت على قبر الحركة النقابية لتعيد استنهاضها. كانت الهيئة مع عدد من الاتحادات العمالية تعلن «مراسم الدفن». الوجوه مبتسمة. الكلمات تهدد بالإضراب والتحركات. يوجد نوع من النصر يتسلل من عبارات التحدي هذه. من الميت؟ ولم هذا الموت تحديداً يغلف قاعة الأونيسكو بالفرح بدل الحزن؟
يصل رئيس رابطة التعليم الثانوي حنا غريب إلى المنبر على وقع التصفيق. يستكمل عبارة قالها في الاعتصام الأخير للأساتذة والمعلمين: «قلنا إن قرار الحكومة بتصحيح الأجور قد ولد ميتاً، وإكرام الميت دفنه». يضيف: «أما اليوم، بعد إتمام مراسم الدفن بشهادة مجلس شورى الدولة، فيسرنا افتتاح مؤتمرنا النقابي بتقبل التهانئ بما أنجزناه حتى الآن، تاركين التعازي بهذا القرار لأصحابه». يرتفع صوت الضحك في القاعة.
أصحاب العزاء طرفان: الأول، الهيئات الاقتصادية؛ لأن قرار مجلس شورى الدولة يقضي برفع الحد الأدنى للأجور وإعطاء زيادة غلاء المعيشة، اي للاثنين معاً خلافاً لما طالبوا به بالاكتفاء فقط برفع الحد الأدنى. أما الثاني، فهو قيادة الاتحاد العمالي العام، التي أخطأت بالموافقة على القرار، وهي مطالبة بالعودة مجدداً إلى الحوار المفترض أن يبدأ مطلع الأسبوع المقبل بتصحيح موقفها والتزام ما اتُّفق عليه مع هيئة التنسيق النقابية، أي تصحيح بنسبة 60% على الشطر الأول، 40% على الشطر الثاني، و20% على الشطر الثالث.
وبعد الإعلان عن عائلة الفقيد «غير الغالي» كما يبدو، توجه غريب إلى الحكومة بأن العدالة في قرار تصحيح الرواتب والأجور تقتضي شيئاً واحداً لا غير، هو الأخذ ممن معه لإعطاء من ليس معه. وبما أن عائلة الفقيد مهمومة الآن، والنكسة التي أصابتها ستترك ندوباً على وجهها طويلاً، اختصر غريب المقال. استقبل المهنئين الكثر في القاعة بقوله: «أهلاً وسهلاً بكم من أجل قيامة حركة نقابية ديموقراطية مستقلة». أسئلة تدور في العقول: هل سيكون هذا الحشد النقابي بديلاً من وهن قيادة الاتحاد العمالي العام في حمل مطالب العمال خلال الفترة المقبلة؟ الجواب ليس واضحاً الآن، ولكن الإصرار على عدم دعوة ممثل عن الاتحاد العمالي العام إلى مؤتمر نقابي بعنوان: «الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، الرواتب والأجور، حق التنظيم النقابي»، يزيد من علامات الاستفهام، ولكن جواباً صارخاً جاء على لسان غريب وزملائه بعد حين: سنكون على طاولة الحوار هذه المرّة، لقد انتزعنا حقنا في أن نمثّل أنفسنا في لجنة المؤشّر.

مرسوم سيعدّل
مرسوم تصحيح الأجور سيُعدَّل، يقول غريب. وإذا سارت الأمور بعكس إرادة العمال والموظفين والأساتذة والمعلمين حيال سياسات تصحيح الأجور وسائر ملحقاتها الاجتماعية، تُستأنَف التحركات والإضراب والاعتصام والتظاهر. أما فترة هذا الحوار، فيجب ألا تتعدى الأسبوعين لتُحسم الأمور كافة في لجنة المؤشر... والمطالب كثيرة، أبرزها: «رفع الحد الأدنى وتصحيح الأجور بصورة سنوية على الأقل، تطبيقاً لنص الاتفاقية العربية الرقم 15 لسنة 1983، لا الانتظار اثني عشر عاماً كما فعلت. أن تُصحَّح الأجور على أساس النسب المئوية على الشطور واعتبار كل زيادة على شكل مبلغ مقطوع زيادة مخالفة للقانون، بما في ذلك زيادة الـ200 ألف ليرة عام 2008. وجوب شمول الزيادة جميع العمال والموظفين والأُجراء والمتقاعدين والمتعاقدين من دون استثناء، خلافاً لما فعلوه؛ إذ بدل تقسيم الأجر إلى شطور، قسّموا الأُجراء إلى قسمين، فأعطوا قسماً وتركوا القسم الآخر. إجراء تعديلات جوهرية على النظام الضريبي عبر فرض ضريبة على الربح العقاري وإقرار التغطية الصحّية الشاملة ودخول هيئة التنسيق النقابية إلى لجنة المؤشر، بعد أن كرست نفسها طرفاً نقابياً فاعلاً في الحوار على الأرض من خارج لجنة المؤشر».
رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر، كان حاضراً ومحاضراً في المؤتمر النقابي أيضاً. وقع حضوره كان لافتاً، وخصوصاً بعد قرار المجلس بعدم الموافقة على مشروع مرسوم تصحيح الأجور. قال إن أحد رؤساء مجلس الشورى قد صرّح بأن المجلس وافق على عدد من مراسيم تصحيح الأجور في السنوات السابقة. وأضاف: «لا نعلم من صاحب الحظ السيئ، ولكننا لم نوافق على المرسوم الأخير». يشرح صادر سبب عدم موافقته بقوله إن الأسباب تعود بالأساس إلى اعتبارات دستورية، بحيث إن مجلس النواب فوّض إلى مجلس الوزراء حق التدخل في تحديد الحدّ الأدنى للأجور، لكي يكون الأجر متوافقاً مع ضرورة الحفاظ على كرامة الإنسان، وفوّض إليه كذلك صلاحية تحديد كيفية تطبيق نسب غلاء المعيشة على الرواتب والأجور في القطاع الخاص، مشيراً إلى أن الحكومة خرجت عن التفويض هذا، فلم تعمل على تأليف لجنة مؤشر سنوية لتصحيح الأجر وفق غلاء المعيشة، وزادت 200 ألف و300 ألف ليرة، مخالفة مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يحفظه الدستور. وقال: «نحن ننحني أمام السلطة التشريعية لا التنفيذية».
نقيب المعلمين نعمة محفوض مد يد هيئة التنسيق النقابية لكل الاتحادات العمالية؛ «فالمعركة ليست بيننا، بل في وجه حكومة وطاقم سياسي آخر همه وجع الناس وصوتهم، بل يمتهن الاستقواء على الحركة النقابية ومعاملتها بالمفرق». لكن الاستقواء لن ينجح، برأي محفوض مع وجود هيئة تنسيق قوية تملك القرار وتواجه حملة تحميل الموظفين والعمال مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. وقدّم محفوض حلين لا ثالث لهما: إما «تعزيز التقديمات الاجتماعية ومراقبة الأسعار أو إعطاؤنا ما تآكل من رواتبنا، أي نحو 70%، وإذا كنا لا نطلب أن نأخذ هذه النسبة كاملة، فلأننا حرصاء على البلد». وطالب بتعديل مرسوم لجنة المؤشر لتكون هيئة التنسيق النقابية الطرف الرابع فيها. أما بالنسبة إلى منع معلمي المدارس الخاصة من المشاركة في التحركات النقابية، فقد كشف محفوض عن الإعداد لمؤتمر صحافي تُعلن فيه أسماء المؤسسات التي تتعرض للمعلمين، بحيث ستُقاضى، لأن حق الإضراب كفله الدستور.

التصحيح بالأرقام
«لا بد من تجديد الدم في الحركة النقابية»، يقول رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان؛ إذ يجب أن يعود الاتحاد العمالي العام إلى دوره لاعباً أساسياً في تحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتطوير مفهوم الأجر إلى «الأجر الاجتماعي». فقد سُهِّل نقل القرار التفاوضي من المستوى النقابي إلى مستوى المحاصصات السياسية كما حصل في مرسوم تصحيح الأجور الأخير، إلا أن هذا النقل لم يكن موفقاً. الجو استثنائي بحسب حمدان لنهضة الحركة النقابية، ولا بد من الانطلاق من مرتكزات تفاوضية صلبة، منها تحديد الإطار الزمني لتحقيق التصحيح، وتحديد الفترة التي وقع فيها الأجر في مستنقع الضرر الحاصل اليوم، وردم الفجوة الحاصلة بين التضخم المتراكم وقيمة الأجر الفعلية، هذه الفجوة التي تراوح بين 60 إلى 65 في المئة.
يشدد حمدان على ضرورة عدم القبول بزيادة مقطوعة على الاجر، والتشبث بالتوزيع العادل على الشطور، وتحديد الحد الأدنى والاعلى للزيادة. ودعا إلى خوض معركة تصحيح الأجور إلى جانب معركة فرض التغطية الصحيّة الشاملة، شارحا انعكاسات ذلك على الاقتصاد والاوضاع الاجتماعية.
وكان للزميل محمد زبيب محاضرة تحت عنوان «انهيار الأجور ومستويات المعيشة: مسؤولية النمط الاقتصادي القائم»، حيث يرتبط ارتفاع أسعار الصرف الحقيقية بتنامي الودائع، لافتاً إلى تراجع تنافسية الإنتاج المحلي مباشرة، وتركز النمو بنحو رئيسي في قطاعات هامشية، ما استدعى تحويل الوظيفة العامّة إلى أداة توزيعية يستخدمها السياسيون لتوظيف من لم يحالفهم الحظ بالهجرة. وأشار إلى تركز العمالة في القطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة، فيما نصف القوة العاملة من العاطلين من العمل أو من العاملين في القطاع غير المنظم. أما حصة الأُجراء من مجمل العمالة فأقل من 30% في لبنان، مقارنة مع أكثر من 70% في الدول الأوروبية المتقدمة، لافتاً إلى أهمية توفير التغطية الصحية الشاملة ممولة من الضريبة على الريوع والأرباح الرأسمالية، لأنها تحدّ من الضغط الحاصل على الأجور وحصّتها من الناتج، فضلاً عن أنها تكفل حق اللبنانيين جميعاً بالصحّة.

حق التنظيم النقابي
في ما يتعلق بحق التنظيم النقابي، ناصر القاضي شكري صادر حق المعلمين والموظفين في القطاع العام بالتنظيم النقابي حين قال: «من الضروري أن يتجمع الموظفون والعاملون في القطاع العام، ومنهم أفراد الهيئة التعليمية في لبنان في تجمعات نقابية لتحسين موقعهم تجاه الإدارة ومطالبتهم بحقوقهم الوظيفية والدفاع عنها». واستغرب الرجل كيف تدخل المشترع لتعديل المادة الـ14 من الدستور لجهة السماح لموظف بأن ينتسب إلى حزب سياسي من دون أن يتولى مركزاً قيادياً ولم يسمح له بالتجمع النقابي، سائلاً: «أي الاثنين أخطر؟». وعلّق بالقول: «هذا الخلل على صعيد مخالفة المشترع لأحكام الدستور لا يعدّل لمصلحة شراكة فعلية بين الموظف والدولة التي قبلت بالروابط بدلاً من النقابات، وهذا أمر معيب».
وأكد رئيس مجلس شورى الدولة أن يكون لكل موظف حق في الانتساب إلى النقابة التي يريدها. وفيما ركز على أن تتبع نقابات المعلمين لوزارة التربية لا لوزارة العمل، شدد على حق المنظمات النقابية في المقاضاة والادعاء، سواء كمدعٍ أو مستدعى في وجهها. والأهم، برأي صادر، الاعتراف لهذه المنظمات بالصفة اللازمة التي تؤهلهم على الصعيد الوطني بإجراء المفاوضات المسبقة مع الحكومة في تحديد الأجور والرواتب وتطورها ومناقشتها على مختلف الصعد التي لها علاقة مباشرة بشروط الوظيفة وتنظيمها مع السلطة القيمة على الإدارة.
ورأى رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة محمود حيدر، أن تحويل روابطنا إلى نقابات «يوفّر لنا نحن الموظفين العامين المشاركة والمساهمة في بحث الإدارة وتطويرها وإصلاحها والدفاع في الوقت نفسه عن قضايانا ومصالحنا». واستغرب الكلام الذي يثار بشأن الأعداد الهائلة لموظفي الإدارة العامة، فيما الوظائف بهيكليتها الحالية في الملاكات هي نحو 25 ألف و475 وظيفة، مشغول منها حسب الأصول أقل من سبعة آلاف وظيفة، ما يؤكد شغوراً كبيراً ونقصاً فاضحاً تعانيه الإدارة، وخصوصاً في الفئات الوظيفية العليا».


25%
هي النسبة التي طالبت هيئة التنسيق النقابية بفرضها ضريبةً على الأرباح العقارية، وإخضاع الفوائد لمعدلات اقتطاع ضريبية بنسبة 15 في المئة، بما يكفي لتوفير التغطية الصحية الشاملة لجميع اللبنانيين وبما يحفظ الحقوق المكتسبة للقطاعات الوظيفية كافة.

تثبيت تعليق قرار الحكومة
اجتمعت اللجنة الوزارية المكلفة مناقشة رأي مجلس شورى الدولة بعدم الموافقة على مرسوم تصحيح الأجور يوم السبت الماضي، وقد ثُبِّت تعليق قرار مجلس الوزراء والعودة إلى الحوار على مرحلتين: الأولى تتضمن إجراء مشاورات ثنائية، والثانية هي دعوة الجميع إلى لجنة المؤشر. وقال وزير الاقتصاد نقولا نحاس لـ«الأخبار» إنّ قرار مجلس الشورى سيُستكمَل درسه، وتقويم ما سيأتي به وزير العمل بعد إجراء الحوار في لجنة المؤشّر، حيث يعود له أن يدعوها مجدداً أو يكتفي بالنقاش السابق، ودرس الواقع الحالي مع وزير المال، للخروج بقرار لا يمكن الطعن به، بأسرع وقت.

اقتصاد
العدد ١٥٥١ الاثنين ٣١ تشرين الأول ٢٠١١

26‏/10‏/2011

بنك «الفقراء» في لبنان





يعمل «بنك الفقراء» على تمكين الشباب ومساعدتهم على الانتاج (أرشيف ــ بلال جاويش)
ينطلق بعد 6 أشهر ويستهدف 35 ألف شخص خلال 5 سنوات
من بنغلادش انطلقت الفكرة عام 1974، ووصلت الى لبنان في نهاية عام 2011. إنه «بنك الفقراء». مهمته تمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة لغير الميسورين من اللبنانيين، أو تطوير أعمال بعضهم. يبدأ القرض بـ 500 دولار، وعند سداد القرض يمكن العميل أن يحصل على قرض أكبر، وصولاً الى 100 ألف دولار. الفائدة المفترضة 10%، وارتفاعها يعود إلى سبب: «البنك لا يربح، وبالتالي يموّل نفسه بنفسه». فما قصة «بنك الفقراء»؟
رشا أبو زكي
في عام 1974 نشأ مصرف خاص بالفقراء في بنغلادش بتجربة فريدة في العالم. لم يؤسس هذا البنك شخص له باع طويل في العمل المصرفي، ولا متمول كبير ينطلق من نظرية «الشفقة» أو إعطاء «حسنة» للفقراء، بل أستاذ اقتصاد اسمه محمد يونس. شعاره كان أنّ كل البشر، بمن فيهم الأكثر فقراً، موهوبون بدافعية لا حدود لها، وأن انعدام فرصة إقراض الفقراء تحدّ من هذه المواهب، إذاً لا بد من هذا المنطلق من إنشاء صندوق يقرض الفقراء، ويشجعهم على إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة. ومنذ ذلك الوقت، بدأت تنتشر فكرة بنك الفقراء، وتنسب الى يونس، لتصل أخيراً الى لبنان، بعدما دخلت الى عشرات الدول العربية الأخرى. بنك الفقراء سيتوجه إذاً الى معدمي لبنان. سينطلق خلال ستة أشهر كحد أقصى، ويمتد في مرحلته الأولى فترة 5 سنوات، ليقرض حوالى 35 ألف لبناني فقير. إلا أن اللافت في المشروع أن الفائدة المقدمة على هذا القرض ستكون بنسبة 10 في المئة. يقول أصحاب المشروع إن هذه الفائدة ستسهم في استمرارية البنك، بحيث سيمول الفقراء صندوقهم الخاص، ويوسعون بأنفسهم دائرة المستفيدين من القروض، إلا إذا قررت شخصيات أو منظمات دولية أو عربية أو محلية دعم البنك لخفض نسبة هذه الفائدة...
فقد تناقلت وسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين خبر موافقة «مصرف لبنان» على تأسيس «بنك الفقراء»، ضمن مشروع برنامج الخليج العربي للتنمية «أجفند»، لمكافحة الفقر في العالم العربي. وجاء الإعلان على لسان رئيس «أجفند» طلال بن عبد العزيز، خلال مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور في مقر «أجفند» في الرياض، فما هي تفاصيل هذا المشروع؟
يشرح أبو فاعور لـ «الأخبار» أن هذا المشروع أدخلته «أجفند» الى 11 دولة عربية، وكان البرنامج ينتظر موافقة مصرف لبنان لمباشرة المشروع. بعدما حصل على الترخيص منذ حوالى أسبوع، سيبدأ البرنامج بإجراء معاملاته الإدارية وتأليف مجلس إدارته على نحو رسمي، لتُطلَق أعماله كمؤسسة لا كمصرف تجاري. يشرح أبو فاعور أن مهمة «بنك الفقراء» هي تقديم قروض صغيرة لبناء قدرات الأفراد والعائلات الإنتاجية، بحيث يجري تمكين مشروع إنتاجي صغير، أو خلق مشروع جديد لإدخال الذين لا يمتلكون رأسمال أولياً، ضمن منظومة الإنتاج. كيف سيستطيع هذا البنك تحديد الفقراء؟ يجيب أبو فاعور أن الاتفاق مع برنامج «أجفند» يقضي بالارتكاز على قاعدة المعلومات التي ستنتج عن إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية، المتعلقة ببرنامج «دعم الأسر الأكثر فقراً في لبنان»، «وبالتالي، بعد إنشاء المؤسسة المالية المستقلة هذه، سيبدأ العمل على إيجاد آلية لربطها بوزارة الشؤون الاجتماعية ضمن قاعدة المعلومات المتوافرة لديها». ويلفت أبو فاعور الى أن مجلس ادارة «بنك الفقراء» مؤلف من ستة متمولين أو رجال أعمال، عرب ولبنانيين.
يبلغ رأس مال «بنك الفقراء» 5 ملايين دولار، يقول المدير التنفيذي لبرنامج «أجفند» ناصر قحطاني لـ «الأخبار». يشرح أن هذا المشروع أصبح معتمَداً في عدد كبير من الدول العربية، منها الأردن، اليمن، البحرين، وصولاً الى سوريا، إذ أُعلن بدء المشروع منذ حوالى خمسة أشهر، كما افتتح البنك فرعاً له في سيراليون، كذلك بتمويل عربي. يرى قحطاني أن هذه البنوك تخدم الأجيال القادمة لتوسيع الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويستهدف تطوير الإنتاج وزيادة فرص العمل وخفض معدلات البطالة، وخصوصاً بين الفئات القادرة فعلياً على الإنتاج. يقول إنه أصبح باستطاعة شاب متخرج من الجامعة الحصول على قرض صغير فور انتهاء دراسته، للتأسيس لمشروع إنتاجي ضمن اختصاصه مثلاً، أو أن يقدر شاب آخر يمتلك موهبة أو فكرة انتاجية من دون امتلاك رأس المال، على الدخول الى سوق العمل. يشرح قحطاني أن عدد المستفيدين من قروض بنوك الفقراء وصل الى مليون مستفيد، وحتى الآن لم يُحكم على أي بنك بالفشل، وبالتالي لا يتوقع سوى نجاح هذا المشروع في لبنان.
خطة «أجفند» في لبنان أن يُطلَق «بنك الفقراء» خلال ستة أشهر كحد أقصى، بحسب قحطاني. على أن يصل عدد المستفيدين من البنك الى 3 آلاف عميل في السنة الأولى، و7 آلاف و500 مستفيد في السنة الثانية، ومن ثم 13 ألف مستفيد في السنة الثالثة، و25 ألف مستفيد في السنة الرابعة، وصولاً الى 35 ألف مستفيد في السنة الخامسة. ومن المحتمل أن يرتفع هذا العدد بحسب طلبات القروض، والالتزام بالسداد «فقد وصل عدد المستفيدين في الأردن الى 100 الف عميل من عام 2006 الى الآن، وبالتالي يمكن أن يحقق لبنان هذا المعدل». ويبدأ القرض بـ 500 دولار، ويمكن أن يصل الى 100 الف دولار للعملاء الذين يلتزمون بسداد قروضهم، وبذلك تكبر مشاريع المقترضين شيئاً فشيئاً.
«لبنان يحتاج الى عشرين بنكاً للفقراء» يوضح قحطاني، إذ إن عدد القادرين على الإنتاج ولا يمتلكون المال لتنفيذ مشاريع هو الأكبر في الدول العربية.
ولبنان، كما الدول العربية، يحتاج الى هذه النوعية من القروض للشابات والشباب غير الميسورين. المصارف القائمة حالياً تتوجه بقروضها الى الأثرياء وأصحاب المصانع والمتمولين، و«بنك الفقراء» سيسد هذه الثغرة الموجودة في عمل المصارف التجارية، لا بل إن هذا البنك سيكون الوحيد الذي يستطيع أن يقدم إلى العميل قرضاً أكبر كلما سدد قرضه السابق. وبالتالي يمكن من خلال عمل البنك تثبيت فكرة أن الفقراء لا يريدون صدقات، بل يريدون من يساعدهم على البدء بالإنتاج.
لكن ماذا عن معدل الفائدة المرتفع؟ هل سيستطيع الفقراء دفع 10 في المئة على كل قرض يحصلون عليه؟ يقول قحطاني إن «بنك الفقراء» ليس كسائر البنوك، فهو ليس لديه مودعون ولا أرباح، وبالتالي فائدة الـ 10 في المئة هدفها تمويل البنك نفسه بنفسه، وتغطية تكاليفه. ويشرح أن البنك لن يورط الناس في مشاريع ستتعثر، بل سيقترح مشاريع إنتاجية مربحة، وبذلك يصبح باستطاعة العملاء سداد أقساطهم من فائض أرباحهم. يلفت قحطاني إلى أن الفائدة في بنك الفقراء في الأردن انخفضت من 12 الى 6 في المئة، بسبب حصول البنك على الدعم والتمويل.


27 فرعاً
هو عدد فروع بنوك الفقراء في 5 دول عربية، أنشأها برنامج «أجفند»، بينها 13 فرعاً في اليمن، 10 في الأردن، 2 في البحرين، فرع في مصر وآخر في سوريا، على أن يحمل لبنان الرقم 28.

نحو مصرف تنموي
يقول المدير التنفيذي لبرنامج «أجفند» ناصر قحطاني إنه بعد انتهاء المرحلة الأولى، من الممكن أن يتحول «بنك الفقراء» الى مصرف تنموي من دون توزيع أرباح على المساهمين في البنك، بحيث يستقبل إيداعات ويدعم استثمارات، لكن ضمن الهدف المرسوم للبنك، فيجري الاستثمار في المشاريع التي أُطلقت من خلال عملاء البنك، واستقبال ودائعهم، وبذلك يُخلَق نظام تشاركي وتضامني يوسع قاعدة المستفيدين. ويلفت قحطاني الى أنه تلقى وعوداً بتحويل بنك الفقراء من مؤسسة الى مصرف في المستقبل، ويجري البناء على هذه الوعود.

اقتصاد
العدد ١٥٤٧ الاربعاء ٢٦ تشرين الأول ٢٠١١

21‏/10‏/2011

عودة ملف «سيليس» و«ليبانسيل»!





الخلاف حول الضرائب والرسوم على عقود المصالحة (مروان بو حيدر)
الحكومة تكلّفهما بـ73 مليار ليرة والشركتان تهدّدان بالتحكيم
هل سيعود ملف شركتي الخلوي السابقتين «ليبانسيل» و«سيليس» الى الواجهة مجدداً؟ السؤال أصبح مطروحاً بعد قرار مجلس الوزراء تكليف الشركتين دفع مبلغ 73 مليار ليرة ضرائب ورسوماً عن عقود المصالحة التي تمت بين الطرفين، في سابقة تنطوي على الغاء قرار صادر عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لشبهة مالية، والذي استتبعه اعلان شركة ليبانسيل عبر «الأخبار» أنها ستلجأ الى التحكيم الدولي مجدداً
رشا أبو زكي
أعلن المالك الاساسي لأكثرية اسهم شركة «ليبانسيل» نزار دلول لـ«الأخبار» أن شركته ستلجأ الى الهيئة التحكيمية في جنيف «لا لنطالب بأن تدفع الدولة الضرائب والرسوم، بل لكي تدفع كل مستحقاتها للشركتين، بعدما قمنا من خلال عقود المصالحة بخفض التعويضات التي نطالب بها الى النصف». في المقابل، أعلن رئيس مجلس ادارة شركة «سيليس» صلاح ابو رعد أن هذا الملف أصبح بيد الشركة الفرنسية فرانس تيليكوم، ولم يعد له علاقة به، وبالتالي سيكون للشركة الفرنسية موقفها من التطورات في هذا الموضوع. مواقف الشركتين جاءت على اثر صدور قرار عن مجلس الوزراء في جلسته الطويلة أول من امس، والذي قضى بابطال قرار صادر في عام 2006 عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة يحمّل وزارة الاتصالات نحو 73 مليار ليرة ضرائب ورسوماً ترتّبت على تسديد الدولة نحو 300 مليون دولار من التعويضات لقاء فسخ عقدي الـ BOT مع الشركتين المذكورتين.
والتطورات لا تتوقف عند قرار مجلس الوزراء ومواقف الشركتين، فقد أكد وزير الطاقة والمياه (وزير الاتصالات السابق) جبران باسيل، أن هذا الملف لم ينته عند حدود تكليف الشركتين بدفع الضرائب المستحقة عليهما، بل سيصار إلى الضغط على القضاء لمتابعة القضية المحالة اليه «في ضوء الملف الضخم الذي رفعته الى القضاء، وفيه قضية هدر مليار دولار من المال العام، ولن يقفل الملف قبل استدعاء جميع المتورطين أمام القضاء لاستجوابهم ومحاسبتهم».

القرار... وتبعاته
فقد قرر مجلس الوزراء في جلسته أول من أمس الطلب من وزارة المال «اصدار تكليف بالضرائب والرسوم المتوجبة على شركتي ليبانسيل و FTML»، وذلك بناءً على طلب وزير المال محمد الصفدي من مجلس الوزراء لبت هذا الملف واتخاذ القرار المناسب. ويعود سبب هذا الطلب الى أن «الضرائب والرسوم المترتبة لصالح الخزينة تعود الى سنة 2006. وفي نهاية هذا العام يسقط حق الادارة الضريبية تدارك حقوق الخزينة العائدة لسنة 2006».
ونتيجة هذا الطلب، أعلن عدد من الوزراء رفضهم أن تتكفل الدولة دفع ضرائب ورسوم عن شركتي الخلوي، اذ إن محاضر مجلس الوزراء تشير الى المعطيات التالية:
- في 15 تشرين الثاني من هذا العام، طلب وزير الاتصالات السابق مروان حمادة من مجلس الوزراء الموافقة على مشروع الاتفاق الرضائي الذي توصلت اليه الوزارة مع الشركتين بعد صدور قرار عن الهيئة التحكيمية في جنيف يقضي بأن تدفع الدولة تعويضات الى الشركتين جراء فسخ العقود معهما. وقد خلص هذا الاتفاق الى أن تدفع الدولة جزءاً من التعويضات لإنهاء هذا النزاع. وأرفق حمادة حينها نص الاتفاق الرضائي بالملف من دون أن يتضمن اي اشارة الى تكفّل الدولة بدفع الضرائب والرسوم المتوجبة جراء عقود المصالحة. بعد يومين، اي في 17 من الشهر نفسه، وافق مجلس الوزراء على طلب حمادة.
- في 5 كانون الثاني 2006، فوّض حمادة المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات عبد المنعم يوسف التوقيع على الاتفاق الرضائي النهائي مع الشركتين خلال اجتماع سيعقد بين طرفي النزاع في باريس بتاريخ 12 كانون الثاني 2006، وقد وافق مجلس الوزراء على هذا التفويض. لكن يوسف عاد من العاصمة الفرنسية وبيده اتفاق رضائي مضافاً اليه بند في المادة الثامنة من الاتفاق الاصلي (لم يكن موجوداً في مسودة الاتفاق التي وافقت عليها الحكومة)، وينص البند المضاف على أن «الجمهورية اللبنانية تلتزم بأن تتحمل اي متوجبات من رسوم او ضرائب في ما يتعلق بالمبالغ المشار اليها في اتفاق المصالحة».
- دفعت الدولة اللبنانية التعويضات للشركتين، وبقي موضوع الضرائب والرسوم عالقاً بسبب رفض وزارة الاتصالات في عهد باسيل والوزيرين شربل نحّاس ونقولا صحناوي تسديدها. وانتقل طلب بت هذا الموضوع من حكومة الى أخرى. الى أن أعلنت الحكومة الحالية أن الدولة اللبنانية لن تدفع هذه المبالغ لأن البند الذي اضيف الى المادة الثامنة من الاتفاق لم يحظ بموافقة مجلس الوزراء في العام 2006، وبالتالي ينطوي على مخالفة واضحة.

بين الحكومة والشركات
«الرسوم والضرائب تفرض بقانون لا بقرار من مجلس الوزراء» يعلّق باسيل. ويشرح أن محاضر مجلس الوزراء تحمل «تزويراً وهدراً للمال العام». يقول إن الوثائق تشير الى أن قرار مجلس الوزراء اختلف مرتين والمحاضر تغيرت، ويوجد مدير عام ووزير خالفا قرار مجلس الوزراء وكلفا الدولة مبالغ كبيرة «وزادا السرقة الموجودة بمليار دولار في هذا القطاع حينها، عبر زيادة بند اعفاء الشركات من الضرائب والرسوم تهريباً، لا بل الزام الدولة اللبنانية دفع هذه الضرائب عن الشركتين».
ويرى باسيل أن «القرار التحكيمي في جنيف جاء سلبياً تجاه الدولة لأنه يوجد في الدولة من تواطأ مع الشركتين لكي تخسر الدولة اللبنانية الدعاوى، اذ لم يرسلوا محامي دفاع عن الدولة خلال المحاكمات». ويضيف ان على الشركتين ألّا تنتفضا «ففي هذه الحكومة لن يمر هذا الملف، وعليهما أن تطلبا السترة، فالشركتان، كما مدير الاستثمار والصيانة في الوزارة ووزير الاتصالات الاسبق ان يخافوا، فهذا الملف يجب أن يصل الى خاتمته بادخال العديد من المتواطئين الى السجن». ويضيف «من ينسى الـ500 دولار التي سلبت من جيب كل لبناني كتأمين عن خطوط الخلوي والتي كان يجب ان يستردها المواطنون، إلا أنها اختفت؟». الا أن دلول له رأي آخر. «لا علاقة لنا بقرار مجلس الوزراء» يقول مسارعاً. ويضيف «إن الدولة وقعت على اتفاق المخالصة وقرارات مجلس الوزراء واضحة في هذا الشأن. على الدولة أن تدفع الضرائب». ويهدد دلول بأنه «اذا ارادت الدولة اللبنانية اعادة فتح الملف، فسنقوم بدورنا بفتحه، ولكن من دون مسامحة الدولة بأي مبلغ». ويضيف «ملفّنا أبيض، ملفهم أسود، لم يربحوا امام القضاء الدولي، ولن يربحوا». ويشدد على أن الشركة ستعود الى التحكيم الدولي من جديد، «واذا أرادت الدولة الزعرنة فسنواجهها، وإن كانت تريد التراجع عن اتفاقاتها فسنتراجع، ولن ندخل في اي مفاوضات، فليس لنا جلادة. اما اذا كان هدفهم التسلية، فليتسلوا بعيداً عن هذه القضية». وبعدما وصف دلول الدولة اللبنانية بأنها «جمهورية موز»، يضيف في موقف متناقض «بعكس ما يسوّقون، لقد أصبحنا ضمن مهلة مرور الزمن»، وبالتالي لن يستطيعوا إلزامنا بأي مبلغ، لأن حق استحصالهم على المبالغ التي تعود الى العام 2006 قد سقط في مطلع العام 2010».


274.5 مليون دولار
هي قيمة التعويضات التي تلقتها شركتا ليبانسيل وسيليس، اذ حصلت الاولى على 150 مليون دولار ترتّبت عليها ضرائب بقيمة 46.5 مليار ليرة، فيما حصلت الثانية على 124.5 مليون دولار ترتّبت عليها ضرائب بقيمة 26.1 مليار ليرة.

الملف لدى القضاء
يقول الوزير جبران باسيل إنه رفع ملف الى القضاء يظهر اختلاس مليار دولار من المال العام، وهذا الملف يتعلق بالحقبة السابقة التي كانت تتولى فيها شركات خاصة استثمار شبكتي الخلوي. ويكشف باسيل وجود فاجعة فعلية في ما يتعلق بشركتي ليبانسيل وسيليس. الا أن القضاء لم يتحرك حتى الآن ولو لتوجيه سؤال الى الاشخاص المذكورين في الملف. ويضيف «سنبقى ضمن آلية الضغط نفسها على القضاء ليستدعي رئيس الحكومة الأسبق ووزير الاتصالات والمدير العام للاستثمار والصيانة وأكثر من مدير عام معروفة اسماؤهم لاستجوابهم حول التزوير والفساد والهدر والسرقات التي قاموا بها».
اقتصاد
العدد ١٥٤٣ الجمعة ٢١ تشرين الأول ٢٠١١

20‏/10‏/2011

جمهورية الفاتورة الثانية.. والثالثة




أكلاف باهظة على الأسر بسبب غياب الخدمات الأساسية

من الاعتصامات (تصوير مروان طحطح)
كثر الحديث عن قرار الحكومة زيادة الأجور بنسب هزيلة وبآلية ظالمة، الا أن هذا القرار فتح الباب للسؤال عن دور الدولة في توفير الحاجات الاساسية للبنانيين، وأعاد طرح مفهوم «الأجر الاجتماعي» الى الواجهة. فكيف يمكن الدفاع عن أجر هزيل في مقابل السكوت عن سياسة الفاتورتين المتبعة منذ سنين؟ وأين الحكومات المتعاقبة ومن ضمنها هذه الحكومة من توفير الخدمات العامة التي تستطيع رفع دخل المواطنين؟
رشا أبو زكي
تسكن سعاد مع زوجها وولديها في الضاحية الجنوبية من بيروت. حين سمعت بقصة زيادة الأجور «ضربت بيدي على رأسي»، تقول. الأسعار كلها سترتفع، ايجار المنزل، فاتورة تعبئة المياه، اشتراك الكهرباء، وفاتورة الاستشفاء والطبابة والدواء واقساط المدارس، وربما ضريبة الـ TVA ورسوم البنزين... كل شيء. في اليوم نفسه، حين عاد زوجها وابنتها العاملان الى المنزل، رأت سعادتهما بـ«الزودة» الجديدة لأن اجر كل منهما اقل من مليون و800 الف ليرة، لكن سعاد عادت الى دفتر حساباتها، جمعت وطرحت وضربت الارقام التي تدفعها شهرياً، فكانت النتيجة سلبية. في مقابل الزيادة الهزيلة التي وعدت بها عائلة سعاد، والاسعار التي انفلتت من عقالها فور شيوع خبر تصحيح الأجور، تدفع سعاد فواتير في مقابل الخدمات التي تسمى خدمات عامة. «لا يوجد دولة» تقول سعاد باستهزاء. كيف يشعر المواطن بوجود دولة إذا كانت الكهرباء مقطوعة دائماً ولا وجود للمياه، والبنزين أسعاره تزيد اسبوعياً، ولا وجود للضمان الصحي ولا لأي خدمة اساسية نحتاج إليها كعائلة للاستمرار؟ «طبعاً» تجيب سعاد، اذا أمنت لنا الحكومة حاجياتنا «بلا دفع فاتورتين فستكون زيادة الأجور مصدر تحسين لمعيشتنا، لكن مع غياب الدولة، كل ما يعدّونه تحسيناً ليس سوى زيادة في المشكلات التي نعانيها». تشرح رانيا ابنة سعاد التي دخلت سوق العمل منذ نحو 3 سنوات ولا تزال تتقاضى مليون ليرة راتباً شهرياً، «مع أن اختصاصي كلفني أكثر من 15 ألف دولار لإتمامه»، قتلوا التعليم الرسمي لحساب جامعات خاصة يملكها المتمولون الذين يسيطرون على السلطة. بدل الضمان الصحي نشأت الجمعيات الطائفية والمذهبية الممولة هي الأخرى من أموال عموم الناس. وبدل النقل العام تم اعلاء شأن شركات النقل الخاص وتجارة البنزين والسيارات. وبرواية لا يمكن أن يقتنع بها أي عقل بشري، لا تزال مؤسسة الكهرباء تحت عجز متواصل وتقنين متزايد منذ أكثر من 21 عاماً. اما المياه فشبكاتها المهترئة وانقطاعها الدائم وعدم القدرة على استخدامها كمياه للشرب جعلت من مياه المعبأة وشركات توصيل المياه الى المنازل هي البديل الشرعي. وبالتالي لا وجود لدولة في لبنان.
ترى رانيا أن التفكير قليلاً بـ«الزودة» الهزيلة التي أقرتها الحكومة، «يجعلني أتمنى لو يسحبونها، وبدلاً منها فليقدموا لنا الكهرباء والنقل العام والضمان الصحي على الأقل». عائلة سعاد ليست فقيرة (بالمعنى الضيق للكلمة)، انما يمكن عدّهها من العائلات التي تستطيع ان تؤمن مصاريفها «حتى 25 الشهر، وبعدها نبدأ بالاستدانة من الدكان وموزع المياه وغيرهما» تقول سعاد...
لنحتسب الأكلاف الاضافية التي تدفعها سعاد شهرياً بسبب غياب الخدمات العامة الاساسية او ضعفها، لنعرف حجم المدفوعات الاضافية المترتبة على أسرة متوسطة الحال، وتأثير غياب الأجر الاجتماعي على معيشة هذه الأسرة.
تدفع سعاد شهرياً بين 60 و105 آلاف ليرة فاتورة الكهرباء، يضاف اليها 120 دولار أميركي فاتورة مولد الكهرباء. للمياه ثلاث فواتير، فاتورة سنوية بقيمة 236 ألف ليرة (نحو 20 ألف ليرة شهرياً)، الا أن المياه غالباً ما تنقطع، وإن جاءت فتكون خفيفة أو «لونها مصدّي»، وبالتالي تستخدم سعاد مياه الدولة لتنظيف المنزل فقط، أما للاستحمام والاستعمالات الشخصية فتشتري سعاد نحو 10 براميل مياه كل اسبوع بقيمة 50 ألف ليرة أي ما يعادل 200 ألف ليرة شهرياً. فاتورة المياه الثالثة هي لمياه الشرب. إذ تدفع سعاد كل يوم ونصف اليوم ثمن غالون مياه معبّأ بقيمة 5 آلاف ليرة، أي نحو 100 ألف ليرة شهرياً. وبالتالي تكون فاتورة المياه الشهرية 320 ألف ليرة.
تنتقل سعاد الى احتساب قيمة البنزين التي يدفعها زوجها وابنتها (لكل منهما سيارته الخاصة) وهي تصل الى نحو 35 الف ليرة يومياً. وبالتالي تدفع العائلة نحو مليون و15 الف ليرة ثمناً للبنزين. الى الخلوي تنتقل الحسابات، 3 هواتف للأب والولدين يستخدمون فيها بطاقات مسبقة الدفع، ثمن كل بطاقة نحو 22 دولاراً، أي ما يوازي 66 دولاراً شهرياً. إذن تدفع سعاد نحو مليون و675 ألف ليرة شهرياً لتأمين الكهرباء والمياه والتنقل والهاتف، من دون التطرق أبداً الى كلفة الطبابة والادوية واقساط الجامعات، ولا ايجار المنزل، ولا مشتريات الطعام، ولا الألبسة، ولا أي تكاليف هي الاخرى أساسية. اذ إن البحث ينحصر في ما يجب على الدولة تأمينه للمواطن من دون ان يضطر الأخير الى دفع فاتورتين واكثر عن كل خدمة. ماذا لو كان في لبنان دولة؟ كيف ستنخفض كلفة تأمين الحاجات الاساسية لعائلة سعاد؟
طبعاً كانت سعاد ستؤمن الكهرباء والمياه بكلفة 125 ألف ليرة شهرياً بدلاً من 560 ألف ليرة، موفرة من خلال قيام الدولة بواجباتها في تأمين هاتين الخدمتين 435 ألف ليرة. اما اذا طبقت الحكومة خطة انشاء نظام نقل عام فلكان باستطاعة كل من زوج سعاد وابنتها التنقل عبر وسائط النقل العام بقيمة لن تزيد يومياً على 5 آلاف ليرة لكل منهما، أي ما يعادل نحو 300 ألف ليرة شهرياً، وبالتالي توفر هذه العائلة 715 ألف ليرة للنقل.
أما الهاتف الخلوي، ففاتورته ملغومة بـ65 في المئة من الضرائب المنظورة وغير المنظورة، وبالتالي لو طبقت العدالة الضريبية وانتزعت الضرائب غير المشروعة لكانت كلفة خطوط الهواتف الثلاثة لا تتعدى الـ23 دولاراً أميركياً بحيث توفر العائلة شهرياً 43 دولاراً أميركياً.
وبالتالي لو كانت لدينا دولة لبنانية، وسلطة مسؤولة عن توفير الخدمات الاساسية للمواطنين، لكانت فاتورة سعاد الشهرية في بنود الكهرباء والمياه والبنزين والهاتف الخلوي لا تتعدى 459 ألفاً و500 ليرة فقط لا غير، بدلاً من مليون و675 ألف ليرة شهرياً تدفعها حالياً، أي تكون قد وفرت مليوناً و215 ألف ليرة لبنانية، اي اكثر من متوسط الاجور في لبنان.
ووفق المعادلة الثانية (أي وجود دولة فعلية)، كان يمكن جميع اللبنانيين ان ينعموا بنظام تغطية صحّية شاملة يوفّر على اغلبيتهم نحو 20% من ميزانيات الاسر غير المضمونة التي تُستنزف في هذا المجال، وكان يمكنهم ان ينعموا بتعليم مجاني حديث وتنافسي، وبالتالي كانوا سيوفّرون كثيراً من دخلهم المستنزف في التعليم... لكن الدولة ليست موجودة حتى الآن، وبالتالي فإن زيادة الاجور على النحو الذي صدرت فيه لن يرضي احداً مهما بلغت ومهما اصابت من اجراء وموظّفين.


50 في المئة
مشمولون بتغطية صحية إما عبر الصناديق الرسمية الضامنة أو شركات التأمين، أما النصف الباقي فتدفع الأسر بنفسها كلفة استشفائها، ويقدر إنفاق الأسر على صحة الفرد بنحو 4 أضعاف ما تنفقه تونس والأردن، ومن شأن الضمان الصحي الشامل أن يحل أزمة حقيقية تتعلق بأكلاف الاستشفاء في لبنان

لا دولة بل دولتان
في لبنان لا وجود لمعادلة تقول إنه في مقابل الضرائب المفروضة على المواطن تتوافر الخدمات الاجتماعية الاساسية. فالدولة هي نفسها خرجت عن الانتظام العام. خرجت عن كل ما يتعلق بالعقد الاجتماعي الذي يضع على كل من السلطات الناظمة للمجتمع والمواطنين حقوقاً وواجبات. من ينظر الى هذه اللوحة المتكاملة يستنتج أن لبنان ليس دولة بل هو دولتان. دولة لها اسم مركّب «موتير، سيتيرن، ضرائب خلوي وبنزين» تتغذى من وهن الثانية التي يُطلق عليها اسم «لبنان». وهذه الدولة الثانية لا تريد أن تستعيد الادوار التي وهبتها للأولى!

اقتصاد
العدد ١٥٤٢ الخميس ٢٠ تشرين الأول ٢٠١١

19‏/10‏/2011

طابق لروبير غانم فوق طابق ميشال المر



رشا أبو زكي
وزارة الداخلية: اقتراح القانون يشجع على المخالفة والزبائنية الانتخابية
يناقش مجلس الوزراء اليوم اقتراح قانون قدّمه رئيس لجنة الإدارة والعدل روبير غانم، المتعلق بإضافة طابق فوق البناء الموجود من دون احترام الشروط القانونية للبناء. ويتألف الاقتراح من مادتين: الأولى تتعلق بالسماح ببناء طابق واحد فوق بناء موجود مرخص أو مسوى وضعه من دون التقيّد بالتراجعات ضمن شرط أن يكون الطابق الجديد متساوياً مع الطابق الموجود، وأن يستحصل الراغب في البناء على رخصة من البلدية المعنية بناءً على طلب وخريطة موقّعة من مهندس مسجل في نقابة المهندسين. أما المادة الثانية، فتتعلق بالسماح بالبناء في العقارات التي لا تتوافر فيها الشروط القانونية للبناء من حيث المساحة والقياسات، والتي تقوم عليها أبنية غير صالحة للسكن أو آيلة إلى السقوط، وذلك فقط داخل الأحياء القديمة، وبمساحة لا تزيد على مساحة البناء القديم المنجز قبل عام 1964، على أن يعطى الترخيص وفقاً لأحكام قانون البناء باستثناء شرطي التراجع والاستثمار.
هذا الاقتراح كان بمثابة صدمة لنقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس، ومحط رفض مطلق أعلنته وزارة الداخلية والبلديات، وكذلك مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون الفنية، ويرفضه عدد من الوزراء، وذلك لأسباب أهمها أنّه يشجع على مخالفة القوانين، ولا سيما أحكام قانون البناء، إضافة إلى تشويه المناطق، وطبعاً السبب الأساسي للرفض هو تمتع رئيس السلطة التنفيذية في البلديات بصلاحيات مطلقة في إصدار التراخيص، «ما يدعو إلى القلق في ظل الحالة الانتخابية التي لا تخلو من الزبائنية»، وفق ما تشير إليه مطالعة وزارة الداخلية حرفياً.
في المقابل، وافق المجلس الأعلى للتنظيم المدني في وزارة الأشغال العامة على المادة الأولى من اقتراح القانون، على أن يحصر الاستثناء بالتراجعات والاستثمار السطحي من دون الاستثمار العام. وكذلك أعلنت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل موافقتها «إلا أنه لم يتبين لها المغزى أو الحكمة من حصر السماح بالبناء فوق بناء موجود بطابق واحد». إلا أن وزير العدل بصفته الشخصية رأى أن ما ورد في رأي وزارة الداخلية والبلديات المعارض لاقتراح القانون أمر جدير بالاهتمام «لكونه يشجع على المخالفة والزبائنية الانتخابية».
يعيد عدد من المتابعين لملف البناء اقتراح قانون غانم إلى تجربة سابقة قام بها وزير الإسكان الأسبق ميشال المر في السبعينيات، عبر تشريعه ما يعرف بـ«طابق المر». حينها، رد المتابعون هذا الموضوع إلى مصالح خاصة للمر، إضافة إلى مصالح انتخابية، وحينها كان لطابق المر انعكاسات سلبية من ناحية تشويه التجمعات السكانية والخطر على السلامة العامة، وخصوصاً أن «طابق المر» لم يكن نتيجة دراسات ولا عصارة آراء فنية تسمح بزيادة طابق على البناء القائم. ويشرح رئيس نقابة المهندسين في طرابلس بشير الزوق، أن طابق المر لم يكن له أي وقع إيجابي على الوضع السكني أو الاجتماعي في لبنان، وبالتالي إن اقتراح «طابق غانم» لن يكون حلاً، بل هو هروب من المشكلة السكنية عبر الطريق الأسهل بتشريع المخالفات.
يستغرب الزوق كيف يمكن التقدم باقتراحات مماثلة إلى مجلس الوزراء من دون إجراء دراسات وافية للآثار السلبية التي من الممكن أن تنتجها هذه الخطوة، وخصوصاً من ناحية السلامة العامة. وكيف يمكن أن تصاغ اقتراحات من دون الأخذ بالرأي الفني الذي تمنحه نقابتا المهندسين، لافتاً إلى أنه في الآونة الأخيرة لم تعد صلاحية إعطاء أذونات بناء طوابق إضافية محصورة بالبلديات، بل تمددت الصلاحية إلى مخاتير عدد من المناطق.
ويشرح الزوق أنه تحت غطاء الأراضي القليلة، وزيادة الفرص السكنية يجري التقدم باقتراحات كهذه، فيما هناك مليون آلية يمكن اتباعها لحل الأزمة السكنية في لبنان. إلا أن المشرعين يبحثون دوماً عن الحل الأسهل لمشكلة ضخمة.
يستدرك الزوق قائلاً: «كيف يمكن مجلس النواب أو الحكومة تخطي قانون البناء الذي تعبنا للوصول إلى إقراره؟ وكيف يمكن تشريع مخالفة، فيما يجب ضبط المخالفات ووقفها؟ إذ يحضر ممثلو النقابة اجتماعات عدد من اللجان النيابية، الدعوة يكون أساسها إبداء الرأي الفني، إلا أن اللجان بغالبيتها لا تأخذ بهذا الرأي؛ «إذ غالباً ما تتجاوز أولويات المسؤولين الأولويات الفنية».
وفيما يعلن رئيس نقابة المهندسين في بيروت إيلي بصيبص رفضه لاقتراح القانون كذلك، تسهب وزارة الداخلية والبلديات في عرض الأسباب التي تدفعها إلى رفض الاقتراح؛ إذ تلفت إلى أن المادة 11 من المرسوم التطبيقي لقانون البناء الصادر في عام 2005 كافية لتحديد كل ما يمكن أن يطلب بخصوص البناء فوق بناء موجود، وأن المادة الأولى من اقتراح القانون تشجع من دون أي مبرر على مخالفة القوانين السارية المفعول، وذلك بالسماح بزيادة طابق فوق أي بناء، حتى البناء الذي استنفد كل عوامل الاستثمار والارتفاع القانونية.
وتلفت ملاحظات الوزارة إلى أن المادة الثانية من الاقتراح لا تتفق مع المرسوم الاشتراعي رقم 83/70 لجهة إجراء تقسيم جديد للأحياء القديمة بغية تجميلها وتوفير الأسباب الصحية فيها. وكذلك فإن هذا الأمر سيؤدي إلى المزيد من المشاكل والخلافات في القرى، ولا سيما أن الأبنية القديمة بمعظمها متلاصقة.
ورأت الوزارة أن اقتراح القانون يؤدي إلى مخاطر، أهمها أنه سيسمح لرئيس السلطة التنفيذية في البلديات بالترخيص من دون الرجوع إلى موافقة الدوائر الفنية، وهو أمر يدعو إلى القلق في ظل الحالة الانتخابية التي لا تخلو أحياناً من الزبائنية. وكذلك فإن اقتراح القانون يساهم في زيادة التشويه في المناطق اللبنانية الآهلة، وسيصبح عائقاً أمام تحسين الوضع المعماري والبيئي في المناطق.
اقتصاد
العدد ١٥٤١ الاربعاء ١٩ تشرين الأول ٢٠١١

18‏/10‏/2011

اليوم بدء تشريح موازنة 2012: بند المحكمة ليس أولوية



تجتمع الحكومة اليوم لبدء مناقشة مشروع موازنة 2012. وزراء «التغيير والإصلاح» و8 آذار سيكونون في مواجهة بند تمويل المحكمة الدولية. إلا أن معارضة البند الأخير لن تأخذ المنحى المباشر، وسط إشارات تدل على أن الحكومة عازمة على المماطلة
رشا أبو زكي
الحكومة التي سمّيت حكومة «اللون الواحد» على موعد مع «مشكل ألوان» ينطلق اليوم. مناسبة «المشكل» البدء بمناقشة مشروع موازنة عام 2012. الذخائر كلها جاهزة. وزراء حزب الله والتيار الوطني الحر سيعترضون. غلاف معركتهم الضرائب وفلسفة الموازنة من ناحية الإيرادات والنفقات وعدم التزام وزير المال محمد الصفدي بالمنهجية القانونية والدستورية في عملية إعداد الموازنة، أما فحوى المعركة فهو بند تمويل المحكمة الدولية. وزراء حركة أمل سيكونون أقلّ حدة، ولكنهم سيتقاطعون مع زملاء «الجبهة السياسية الواحدة» في عناوين الرفض. أما وزراء رئيسي الجمهورية والحكومة فهم في موقف الدفاع. سيحاورون، يطرحون الحجج، ويدعون إلى استكمال الحوار. الجميع في انتظار موقف وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي. ففيما يؤكد هؤلاء أنهم سيرفضون أي زيادة ضريبية باستثناء تلك المرتبطة بالريوع العقارية، يقول أحد الوزراء ممازحاً: «وزراء جنبلاط سيعترضون ومن ثم يدعمون ما اعترضوا عليه».
المعلوم أن نقاشات اليوم لن تكون سوى ترجمة للمواقف الإعلامية المعروفة. الهدف: تأجيل الوصول إلى بند المحكمة. الآلية: المماطلة. مصير الموازنة: مجهول إلى حين تبلور الأوضاع العربية، وخصوصاً الأوضاع في سوريا، وبناءً عليه يجري التعاطي مع ملف المحكمة.
ومن هذا المنطلق، اليوم سيكون مجرد «تحماية»، يقول أحد الوزراء. وزير المال سيعرض مشروع الموازنة. لن يكون هناك الكثير من الوقت للنقاش، ستُطرح أسئلة عامة كأساس لبدء المعركة. والأكيد أن بند المحكمة الدولية سيكون في آخر القائمة. قبله بنود كثيرة تستطيع خلق الالتباس المطلوب حول بنية الموازنة شكلاً ومضموناً. كل كتلة سياسية سيكون لها مدخلها لنسف الموازنة من أساسها.
وزراء حزب الله سيتعاطون مع مشروع الموازنة ببرودتهم المعهودة. فذلكة الموازنة ستكون محور أسئلتهم. سيناقشون الجوانب الاجتماعية والمالية والاقتصادية للموازنة. سيسألون عن النفقات غير الموجهة بطريقة اجتماعية والإيرادات الضريبية، وخصوصاً الـ TVA التي سيعلنون رفض زيادتها. الوزير محمد فنيش يصرّ على عدم الدخول في التفاصيل. «لن أعطي رأياً قبل جلسة مجلس الوزراء، فهذا ليس لائقاً» يقول. سيستمع فنيش وزملاؤه «إلى عرض الوزير الصفدي لمشروع الموازنة. تأخير عرض الموازنة على مجلس الوزراء سيؤدي إلى تأخير بتّ بنودها». ماذا عن تمويل المحكمة؟ يصمت فنيش برهة ثم يقول: «فلنستمع إلى الوزير الصفدي ومن ثم نبحث هذه التفاصيل».
العبارة نفسها يكررها الوزير علي حسن خليل: «سنستمع». يقول إن مناقشات اليوم ستكون أسئلة أكثر منها إبداء رأي. محور الأسئلة سيدور حول البنود الآتية: طبيعة الواردات والضرائب الجديدة «إذ لدينا تحفّظ على كثير من البنود الضريبية، وخصوصاً الـTVA. كذلك فإن موضوع الضرائب يحتاج إلى دراسة معمّقة». سؤال آخر سيطرحه عن موضوع النفقات الاستثمارية «التي يجب أن تأخذ حيّزاً أكبر في الموازنة لتصبح أسلوباً لمعالجة الخلل القائم في الاقتصاد والوضع الاجتماعي». يؤكد خليل أن الأسئلة لن تكون محصورة بالمحكمة، سيكون النقاش أكثر عمومية.
أما القنبلة الناسفة فسيشعل فتيلها التيار الوطني الحر. الأسئلة لن تطال المحكمة الدولية. الاعتراض سيكون على شكل الموازنة ومضمونها «المخالف للدستور». السؤال الأول سيكون: «كان من المفترض أن ترسل الحكومة الموازنة اليوم إلى مجلس النواب. لماذا تأخرت وزارة المال في إعداد الموازنة ورفعها إلى مجلس الوزراء؟». السؤال الثاني: «إقرار موازنة 2012 مرتبط بقطع حساب الموازنة السابقة. وحسابات عام 2010 مرتبطة بالحسابات السابقة بدءاً من عام 1993. والمعلوم أن الحكومة مسؤولة عن موجب تقديم الحسابات إلى مجلس النواب. فمتى ستنجز وزارة المال الحسابات المالية للدولة؟ وكيف سيقرّ مجلس النواب موازنة 2012 بلا حسابات السنوات السابقة؟».
أسئلة في مضمون الموازنة: «الموازنة دستورياً يجب أن تكون شاملة جميع الإيرادات والنفقات. والموازنة لا يجب أن تتضمن سوى الأحكام المتعلقة مباشرة بالموازنة وتنفيذها. فأين احترام الدستور؟».
سيدخل وزراء التيار في التفاصيل: «الفصل الأول من الموازنة هو الفصل القانوني الوحيد، ووزارة المال تقرّ بذلك، فقد أطلقت عليه اسم «مواد الموازنة»، ويتضمن هذا الفصل 12 مادة. أما ما تبقى من مواد في الفصول الأخرى فلا علاقة له بالموازنة بتاتاً».
سيدخلون أكثر في التفاصيل: الفصل الثاني من الموازنة تحت عنوان «قوانين البرامج وتعديلاتها»، يتضمن 20 مادة. هذا الفصل مخالف، وهو يتخطّى مبدأ سنوية الموازنة. الفصل الثالث عنوانه «التعديلات الضريبية والإعفاءات»، وبحسب المادة 83 من الدستور، لا علاقة لهذا الفصل بالموازنة. فالمشاريع الضريبية ترسل إلى مجلس النواب وفق قانون خاص، علماً بأن هذا الفصل يتضمن 61 مادة». الفصل الرابع عنوانه «مواد متفرقة»، يتضمن 16 مادة، منها تعديل قانون البناء وتعديل نظام الجامعة اللبنانية وبنود أخرى لا علاقة لها أبداً بفلسفة الموازنة.
كذلك سيطرح وزراء التيار أسئلة عن الأسباب التي منعت وزير المال من تضمين الموازنة ضرائب على الريوع، وعدم فرض ضرائب على المخالفات البحرية، وسبب وجود بند يتعلق بإعادة تقويم الأصول قبل فرض ضريبة التحسين العقاري.

مسار تاريخي
ستبقى الحكومة الحالية ضمن المسار التاريخي للحكومات السابقة في ما يتعلق بتخطي المهل الدستورية في إحالة الموازنة إلى مجلس النواب. كذلك أُعلن موعد مناقشة الموازنة سابقاً في 18 و19 و20 من الشهر الجاري، لكن النقاش حُصر بـ18 تشرين الأول 2011. والمتوقع أن يجري تأخير تحديد الجلسة اللاحقة، تحت عنوان «المزيد من التدقيق في بنود الموازنة».
سياسة
العدد ١٥٤٠ الثلاثاء ١٨ تشرين الأول ٢٠١١

17‏/10‏/2011

مقابلة/فريج صابونجيان




رشا أبو زكي
خفض الضرائب على الصادرات الصناعية بين 50% و100%

(مروان طحطح)
بين وزير وآخر، تختلف اللهجة التي تطال العمل في وزارة الصناعة. الوعود والأفكار تتراكم. النظريات تختلف بين حكومة وأخرى. وزير الصناعة الحالي فريج صابونجيان لديه أفكار كثيرة، متزامنة، غير مترابطة، ولا تدخل ضمن استراتيجية متكاملة يمكن أن يحاسب عليها الوزير إن أخفق
1) بعد إطلاق المسح الصناعي، هل ستستندون إلى معطياته لإجراء تغييرات في بنية القطاع؟
إجمالاً يمكن اعتبار المسح أداة لإعادة تكوين قاعدة معلومات علمية عن القطاع الصناعي، بحيث تصبح المعلومات متوافرة بطريقة دقيقة وواضحة. وبالتالي، ما يهمنا من إطلاق المسح الصناعي، أن يعلم الصناعيون ماذا يحوي قطاعهم، ما يضيء على التطور الكمي والنوعي في بنية القطاع، وبالتالي فإن هذا المسح لا يُعَدّ لإطلاق مشاريع عادة، بل للتعريف بماهية المشاريع القائمة، وعلى أساس هذا التعريف يستطيع الصناعي معرفة نقاط القوة والضعف في قطاعه لإنشاء مشاريع صناعية جديدة، وفي الوقت نفسه، نعمل من خلال الملاحظات الموجودة على تحسين بعض الإشكالات التي تشوب القطاع.
2) ما هي أبرز المشاريع التي تعملون عليها حالياً في الوزارة؟ وهل من تنسيق مع أطراف الإنتاج؟
التنسيق مع أطراف الإنتاج الصناعي دائم ومتواصل. أما المشاريع فهي عديدة، وهي تنقسم إلى مشاريع تقنية داخل الوزارة ومشاريع على صعيد القطاع بأكمله. فقد بدأنا العمل في الترخيص الصناعي للتشدد في شروط السلامة العامة والحفاظ على سلامة العمّال في الوقت نفسه. وقد أنهينا مشروعاً يسمح بتنقل الآليات الصناعية بين المحافظات من دون رخصة من وزارة الداخلية وغرفة بيروت، ما يفيد في زيادة التسويق بين المناطق. وأصبح باستطاعة أي مصنع الحصول على الشهادة الصناعية من الوزارة، وإن لم يمتلك ترخيصاً صناعياً، بحيث يستطيع التمتع بفوائد تسجيل آلياته الصناعية التي ينقل عبرها بضائعه بين المحافظات. ونعمل أيضاً على إعطاء المصانع الصغيرة إمكان نقل عمالها وموظفيها؛ فقد كان شرط الحصول على هذه الرخصة أن يمتلك المصنع 50 عاملاً وما فوق، وسنخفض العدد إلى 10 عمال. وكذلك أجرينا اتفاقات مع السودان وأرمينيا، وقريباً مع مسقط وسلطة عمان والمغرب للتعاون الصناعي، من حيث تبادل الخبرات وتبادل الوفود وتسهيل دخول المنتجات والاعتراف بشهادات المطابقة بين البلدين، إضافة إلى التعاون العلمي والفني في مجالات المواصفات والمقاييس ومراقبة الجودة. ونبحث حالياً مع المصارف للمباشرة ببرنامج تسليف جديد للمشاريع الصناعية، ونحن الآن ننتظر المصارف لكي تقدم لنا اقتراحات بشأن المنتجات التي يمكن أن تفعلها أو تطلقها في هذا الإطار.
3) يقاس النمو الصناعي بحجم صادراته، فهل من رؤية جديدة في هذا الإطار؟
إن الصادرات الصناعية تكتسب أهمية مركزية في عملنا الوزاري، وبالتالي نعمل على مشروع قانون لخفض الضرائب على الصادرات المنتجة في لبنان، ونحن نبحث مع وزير المال في موضوع النسب المئوية للخفض، بحيث تراوح بين 50 و 100 في المئة، ما يشجع الاستثمار والبحث عن أسواق جديدة. صحيح أن الدولة ستخسر من ناحية إيراداتها الضريبية، إلا أن هذه الخسارة ستكون على المدى القريب، فيما سيكون هذا المشروع ذا أهمية كبيرة في المستقبل المتوسط والبعيد؛ إذ إن تنمية الصادرات سيزيد من الإنتاجية الصناعية، ما سيدفع المصانع إلى التكاثر، واستيعاب عدد أكبر من اليد العاملة، إضافة إلى ضخ سيولة في الدورة الاقتصادية العامة، وما يتبعه من تحسن على مستوى النمو... ومن جهة أخرى، نعمل على مشروع قانون لإعفاء الشركات المتخصصة في تصدير الصناعات اللبنانية بنسبة 5 في المئة. ومن شأن إعفاء كهذا، زيادة حجم الصادرات، وخلق سوق متخصصة في التصدير تكون مهمة الشركات فيها البحث عن أسواق لا يستطيع الصناعيون الصغار إيجادها أو ولوجها.
4) ألم تصطدم بعد بعقلية راسخة في الحكومات المتعاقبة تعمل عن قصد ومن دون قصد على تهميش القطاع الصناعي؟
كلا، وخصوصاً أنه يوجد تطور منظور في القطاع الصناعي، فنحن نوقّع شهرياً عشرات التراخيص الصناعية، ما يدل على دينامية دائمة في القطاع. ومن جهة أخرى، أعتقد أنه أصبح هنالك اقتناعاً بأن لبنان هو بلد منتج، وليس فقط بلد خدمات وسياحة.
وطموحنا تعدى فكرة إقناع أطراف داخليين بأهمية القطاع؛ إذ نعمل على مشروع الصناعات التكاملية، ونطرح أن يكون لبنان مركز استقطاب لصناعات تكاملية عالمية، بحيث نشجع الصناعات المتخصصة والتقنية الصغيرة والمتوسطة، وصولاً إلى دورة صناعية متكاملة لخلق منتج صناعي جديد. فمثلاً، سنشجع على قيام صناعة الإطارات للسيارات، وصناعة أضواء السيارات، والقطع الصغيرة الأخرى، وبالتالي يستطيع لبنان أن يكون مركزاً إقليمياً لتصنيع السيارات عبر شركات عالمية استناداً إلى صناعاتنا المتوسطة والصغيرة، ومن لبنان يصبح باستطاعة هذه الشركات العالمية إعادة تصدير السيارات إلى البلدان العربية.

5) كيف سيستطيع لبنان استقطاب شركات كهذه، في ظل أزمة كهربائية وأكلاف صناعية ضخمة، مقارنةً بدول الجوار؟
نحن في بلد مركزه الجغرافي ممتاز؛ فلدينا أحلى مرفأ وأحلى مطار، ومساحة لبنان صغيرة تساعد في الوصول السريع إلى هذين المرفقين. وهذه المميزات الجغرافية لا تتمتع بها أي دولة مجاورة، وفي ما يتعلق بالصناعات التي تعتمد على الطاقة المكثفة فهي قليلة؛ إذ ثمة مئات الصناعات التي لا تتكل على الطاقة، لا بل إن لبنان يشتهر بصناعات لا تحتاج إلى طاقة مكثفة كالنبيذ وصناعة المجوهرات وغيرها. من هنا، يجب عدم الحديث الدائم عن الدعم واعتبار هذه النقطة أساس العمل الجيد في القطاع، بل إن تنمية القطاع وتطوير نقاطه التفاضلية التي تجعل من منتجاته تنافسية هما الأساس.
كذلك إن سياسة الدعم تتناقض مع شروط الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. إذا أصبح لبنان بلداً نفطياً، يمكن الحكومة أن تخفض الكلفة وتدعم الطاقة حينها.

6) سمعنا عن حملة تسويقية ستطلقها الوزارة قريباً؟ ما هي؟ ومتى إعلانها؟
إنها حملة «لبنان المنتج». التسمية لا تزال مبدئية، وهي تعكس إيماننا بلبنان المنتج. لا تزال الحملة في إطار البحث، بحيث ستُطلَق تلفزيونياً ومن خلال وسائل الإعلام الأخرى لتعريف اللبنانيين بصناعتهم وتشجيعهم على شراء المصنوعات اللبنانية.
إلى جانب هذه الحملة، نعمل على تفعيل عمل الملحقين التجاريين في السفارات اللبنانية، لحثهم على تعريف الصناعيين بأسواق جديدة وإبرام اتفاقات لتشجيع الصناعات اللبنانية وتفسير الجودة والاختصاصات الصناعية في لبنان في كل دول العالم. ونساعد أيضاً المنتجين في المعارض الدولية ونموّل مشاركتهم من خلال الوزارة. وكذلك نبحث مع جمعية الصناعيين المباشرة بالعمل على إنشاء المناطق الصناعية وتطويرها، وسنعيّن مجلس إدارة إنشاء وإدارة مراكز التجمع الصناعي، الذي سيضع الخطط والآليات اللازمة لتحقيق هذا الموضوع.

7) تحدث البعض عن إفلاسات في القطاع الصناعي. ما حجمها، وماذا تشمل؟
لم أسمع بأي إفلاس في القطاع، وهذا موضوع مبالغ فيه. لقد حصل انخفاض في حجم الصادرات وتأثر بالأوضاع العالمية والعربية، إلا أن عوامل كهذه يمكن أن تسهم في دفع الصناعيين نحو أسواق جديدة وعدم تركيز صادراتهم على أسواق محددة.

جلسات عامرة
جلسات مجلس الوزراء عامرة فعلاً. لقد أنجزنا حتى الآن 1299 بنداً، تتضمن بنوداً صناعية، وبالتالي يمكن اعتبار هذه الحكومة ناشطة. ونعمل في الحكومة على تغيير النظرة إلى القطاع الصناعي من قطاع مهمش إلى قطاع فاعل في بنية الاقتصاد الوطني. وإن كان في مجلس الوزراء من ينظر إلى هذا القطاع على أنه غير مهم، فنجاحنا في الوزارة سيغيّر من نظرته.
اقتصاد
العدد ١٥٣٩ الاثنين ١٧ تشرين الأول ٢٠١١

15‏/10‏/2011

اعرفوا الأزمة المائية من خطتها!




مشكلات تصيب مفاصل القطاع... والحلول حتى 2020

حصة الفرد من المصادر المائية المتجددة أدنى من المتوسط المعترف به عالمياً (أرشيف)
الاستراتيجية الوطنية للمياه على طاولة مجلس الوزراء، وتنتظر الملاحظات، على أن تناقش بتفاصيلها في مطلع الشهر المقبل. بنود الخطة تُظهر مشكلة فعلية يعانيها قطاع المياه في لبنان. مشكلة غير منظورة للرأي العام، غير أنها تظهر عبر المؤشرات المائية المنحدرة في جميع المناطق، إن كان على مستوى الري أو مياه الشفة أو التخزين
رشا أبو زكي
«حق لكل مواطن وثروة على مستوى الوطن»، هو عنوان الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه التي أعدها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل. وقد قرر مجلس الوزراء في الجلسة التي عقدت بتاريخ 11 تشرين الأول 2011 متابعة البحث بعد ثلاثة أسابيع في الاستراتيجية الوطنية لقطـاع المياه، وذلك في ضوء ملاحظات الوزراء عليها... تنشر «الأخبار» مقتطفات من الخطة هذه، بالصيغة الأولية التي وصلت إلى مجلس الوزراء، وذلك للإضاءة على بعض جوانب هذه الخطة التي تطاول قطاعاً أصبح من الضروري عدّه من ضمن الأولويات الوطنية، إن كان على الصعيد الوزراي، أو على الصعيد الشعبي...
تشير خطة المياه في مقدمتها إلى جملة من المعطيات الدالة على معاناة القطاع الحالية؛ إذ يواجه قطاع المياه عدداً من المعوّقات على مستوى البنى التحتية وعلى مستوى إدارة القطاع. ففي الإنتاج، ثمة محدودية على مستوى المصادر والفاعلية المتدنية في وسائل الاستثمار الحالية، إضافة إلى نمو كبير على مستوى الطلب. في النقل والتوزيع، هنالك قلة فاعلية للمنظومات والشبكات والصيانة الضئيلة وغير المنتظمة، ما يؤدي إلى نسبة عالية من الهدر والتقنين في التغذية، إضافة إلى التركيز المحدود على إدارة الطلب على المياه. أما في ما يتعلق بالصرف الصحي، فنسبة تغطية الشبكات منخفضة وفاعلية المعالجة محدودة، فيما هناك العديد من المشكلات المرتبطة بإدارة قطاع المياه...
تلفت الخطة إلى أن حصة الفرد من المصادر المائية المتجددة، هي حالياً أدنى من المتوسط المعترف به عالمياً، وستتعرض هذه الحصة لتناقص متفاقم في السنوات المقبلة، لا بل سيتدنى مستوى لبنان عن عتبة الندرة في المياه؛ إذ إن متوسط المنطقة يشير إلى حصول كل فرد على 1000 متر مربع من المياه سنوياً، في حين أن الفرد في لبنان حصل في عام 2009 على 926 متراً مربعاً سنوياً، وسينخفض هذا المعدل إلى 886 متراً مربعاً في عام 2015.
من جهة أخرى، رغم أن نسبة تغطية شبكات النقل والتوزيع في القطاع تفوق متوسط المنطقة، إلا أن أكثر من 50 في المئة من هذه الشبكات قد تخطت عمرها الافتراضي. في المقابل، إن نسبة المياه غير المحتسبة تتخطى المستوى العالمي بقيمة 13 في المئة. وتتدنى نسبة الجباية في عدد من المناطق، فيما معظم استخدام مياه الشفة يذهب إلى الاستهلاك المنزلي. أما القطاع الزراعي، فهو المستخدم الأكبر للمياه مع نسب كفاءة متدنية، إذ إن القنوات الترابية والخرسانية لا تزال تمثّل القسم الأكبر من شبكات الري. من جهة أخرى، تبلغ نسبة تغطية شبكات الصرف الصحي 60 في المئة، وهي تتعدى متوسط المنطقة، فيما نسبة المعالجة منخفضة جداً، ولا تتعدى 8 في المئة.
تضع الخطة جملة من الاهداف لتوفير خدمات مياه الشفة والري والصرف الصحي على كافة الأراضي اللبنانية بنحو متواصل وبخدمة ذات مستويات مرتفعة، مع التزام الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية. ففي الإنتاج، تسعى الخطة إلى التوصل إلى الحد الأقصى من استغلال مصادر المياه السطحية وتحسين نوعيتها، وإلى تحسين إدارة مصادر المياه الجوفية وحمايتها، واستغلال هذه المصادر بطريقة معتدلة، والتشجيع على إعادة التغذية الاصطناعية، والنظر إلى هذا المورد كمورد استراتيجي، إضافة إلى تغطية العجز من خلال استعمال المياه الجوفية أو تخرين المياه السطحية وفقاً للقدرات والكميات المتوافرة في كل منطقة، على أن تُعطى الأولوية لتخزين المياه السطحية في حال توافر كلا الخيارين.
في النقل والتوزيع، توفير خدمة مياه الشفة بنحو متواصل وبنوعية عالية من خلال زيادة نسبة تغطية الخدمة والحد من المياه غير المحتسبة وإدارة مثلى للشبكات، إضافة إلى توفير كميات مياه كافية بنوعية مقبولة وصحية، والتشجيع على اعتماد طرق ري جديدة تضمن الحفاظ على المياه.
في الصرف الصحي، زيادة نسبة تغطية شبكات تجميع مياه الصرف الصحي وقدرة المعالجة. واعتماد تقنيات مثلى لمعالجة الصرف الصحي وإدارة الوحول الناتجة منها والتأكد من إعادة استعمال المياه بعد المعالجة حيث يمكن ذلك.
وتشير الخطة كذلك إلى استراتيجية جديدة لإدارة القطاع، على المستوى المؤسساتي والإداري، المالي والتجاري، القانوني والتنظيمي، وفي الشؤون البيئية والتوعية والترشيد.
أما في ما يتعلق بما ستحققه الخطة حتى عام 2035، فهي تتوزع على محاور عدة. فمن المتوقع أن يرتفع النمو الزراعي من 90 ألف هكتار إلى 150 ألف هكتار في عام 2035. وسيُستعاض عن التعرفات الحالية في مياه الشفة والري بتعرفات مبنية على الاستهلاك الفعلي للمياه، فيما ستُطبَّق تعرفة جديدة على الصرف الصحي تكون نسبة مئوية من فاتورة مياه الشفة، ما سيؤثر على كافة أنواع استهلاك المياه وأنماط الطلب عليه.
تلفت الدراسة إلى أنه سيجري تحسين الاستفادة من المياه السطحية المتجددة المتاحة بنسبة 1 في المئة سنوياً حتى عام 2020، وذلك بكلفة تراوح بين 10 و10.7 ملايين دولار سنوياً، إضافة إلى زيادة التغذية الاصطناعية للطبقات الجوفية حتى عام 2035 بكلفة تراوح بين 27 و128 مليون دولار بحسب المحافظة. وكذلك القيام باستثمارات لزيادة التخزين السطحي (سدود وبحيرات) بكلفة تصل إلى مليارين و654 مليون دولار. أما في الأكلاف المتوقعة لشبكات نقل مياه الشفة وتوزيعها، فهي تتوزع بين الكلفة الاستثمارية للنقل، وتبلغ 814 مليون دولار حتى عام 2015، و580 مليون دولار ككلفة استثمارية للتوزيع، إضافة إلى كلفة تشغيلية للنقل والتوزيع بقيمة 249 مليون دولار.
أما المتطلبات المالية لشبكات الري فهي تصل إلى نحو 64 مليوناً و260 ألف دولار على 12 مشروعاً، ينتهي نصفها قبل عام 2020 والنصف الآخر بعد عام 2020. وكذلك، تطلب الخطة نحو 500 مليون دولار لاستكمال أو إنشاء مشاريع للصرف الصحي بين عامي 2013 و2020. وتتطلب عمليات التشغيل والصيانة لقطاع المياه حتى عام 2020 نحو 2.1 مليار دولار مجزأة على ثلاث مراحل. وتتوقع الخطة التوصل إلى استرداد الكلفة التشغيلية في عام 2014، أما استرداد كامل الكلفة فسيكون في عام 2021.


2.72 مليار دولار
هي العائدات المتوقعة من قطاع المياه بين عامي 2011 و2020 (حُدد عام 2011 على أساس إطلاق الخطة في عام 2010)، وتمثّل مياه الشفة نحو 1.9 مليار دولار من إجمالي
العائدات.


أكبر مشروع مياه في لبنان
أقرت الحكومة اللبنانية في جلستها ما قبل الأخيرة مشروع الأولي، وهو مشروع بقيمة 370 مليون دولار تمت الموافقة عليه بعد توقيع أولي جرى مع البنك الدولي، وقال باسيل في مؤتمر صحافي أمس إن سد بسري هو مشروع متلازم ويتكامل مع مشروع الأولي. ولفت إلى «أهمية التكامل بين بسري والأولي وخط الـ800 لتكون لدينا منظومة مياه متكاملة كي لا تقطع المياه عن أهل الجنوب أو أهل البقاع أو بيروت»، وقال: «أي عنصر ينقص سيكلفنا مليار دولار إضافة إلى انقطاع المياه عن منطقة من هذه المناطق».
اقتصاد
العدد ١٥٣٨ السبت ١٥ تشرين الأول ٢٠١١

14‏/10‏/2011

الصفدي يتآمر مع تجار العقارات!




وزير المال ينصح المضاربين بتقويم أصولهم قبل فرض ضريبة التحسين

الوزير محمد الصفدي (أرشيف ــ مروان طحطح)
عادة، يؤدي وزير المال دوراً غير محبب تجاه الناس، يكون مضطراً إلى اقتراح ضرائب ورسوم تمس بمصالح المواطنين، لكن حين تتوافر موارد ضريبية أخرى، يحاول وزراء المال اللجوء اليها، إحلالاً للعدالة الضريبية، لكن أن يقترح وزير المال قانوناً يسمح لتجار العقارات، وهو واحد منهم، بالهروب من دفع الضرائب للخزينة. ومن ثم يطلعهم على آلية التهرب في جلسة بعيدة عن الأضواء؟ فهذا سلوك عجيب، لكنه يحصل في لبنان وعلى عينك يا تاجر!
رشا أبو زكي
لو أن الخبر صدر عن شخص لم يحضر الاجتماع لكان أقرب الى الهلوسة. لو أن الخبر صدر عن شخص لديه حقد على وزير المال محمد الصفدي لكان أقرب الى الشائعة، لكن أن يصدر الخبر عن رئيس نقابة منشئي وتجّار الأبنية إيلي صوما، المعني مباشرة بالموضوع، فهو ما لا يمكن اعتباره سوى مهزلة. مهزلة في بلد يتواطؤ فيه وزير المال العام مع التاجر على المواطنين كلهم. تواطؤ لا يرضي التاجر ولا يؤرق الوزير، لكنه يزيد هموم شباب لبنان وفقرائه.
فلنقرأ الخبر بعناية تامة، والكلام لصوما: «لقد عقدنا اجتماعاً مع الوزير الصفدي، أبلغَنا فيه أن الحكومة تتجه نحو إقرار ضريبة على التحسين العقاري بين 20 و 25 في المئة عام 2013. وبالتالي ضمن الوزير بنداً في موازنة 2012 يجيز إجراء إعادة تقويم استثنائية للأصول (العقارية) الثابتة بمعدل 6%. وطلب الوزير أن نسرع في عمليات اعادة تقويم أصولنا العقارية لكي لا تشمل ضريبة التحسين العقاري مجمل أصولنا، وبالتالي ندفع 6 في المئة على أرباحنا من إعادة التقويم، بدلاً من أن ندفع 25 في المئة على الأرباح المتأتية على أساس تقويم أصولنا على الأسعار السابقة».
فلنفصل الخبر قليلاً. وزير المال، وهو بهذه الصفة يجب أن يتخلّى عن كونه تاجر عقارات أو سمساراً، عليه واجب وضع الخطط لتحسين إيرادات الدولة وزيادتها بطرق عادلة (المفترض)، ينصح المضاربين العقاريين والتجار بالإفادة من عرضه المعمول به لسنة واحدة واستثنائية لكي يهربوا من دفع ضرائب كبيرة للدولة. ضرائب هي حق للدولة وللمواطنين اللبنانيين، لقاء ما يعانون عند البحث عن سكن بسعر يناسب قدرتهم الشرائية.
فلنفصل الخبر أكثر. ربما نفهم ماذا يجول في رأس الرجل. وزير المال محمد الصفدي يدعو التجار العقاريين الى إعادة تقويم أصولهم عام 2012، استباقاً لضريبة ستفرض عليهم عام 2013، هي ضريبة التحسين العقاري، أي يدعوهم الى التهرّب من موجبات الضريبة التي ستكون بنسبة تراوح بين 20 الى 25 في المئة.
فلنطبق ما سيحدث على شركة عقارية نسمّيها «أ».
الشركة «أ» تملك عقاراً مساحته متر واحد، وهي سجّلت قيمة المتر في ميزانيتها بـ3 دولارات. وبسبب العوامل الكثيرة ارتفع السعر الى 100 دولار. فاذا فرضت الدولة ضريبة التحسين العقاري بنسبة 25 في المئة عام 2013، وباعت الشركة «أ» المتر الواحد بـسعر 150 دولاراً، فهي ستضطر إلى دفع ضريبة على ربحها المقدّر بنحو 147دولاراً، أي إن الضريبة ستكون بقيمة 36.75 دولاراً.
ما الذي ينوي الوزير الصفدي فعله لكي يتسنّى للشركة «أ» التهرّب من هذه الضريبة المقبلة.
أدرج الوزير الصفدي في مشروع قانون موازنة عام 2012 نصاً (المادة 33) يجيز للأشخاص الحقيقيين والمعنويين (لمرّة واحدة) إجراء إعادة تقويم استثنائية لأصولهم الثابتة العقارية وغير العقارية بحجّة تصحيح أثر التضخّم، على أن تخضع الفروق الإيجابية الناتجة عن عملية إعادة التقويم لضريبة نسبية بمعدّل 6% فقط، بدلاً من المعدّل الحالي المركّب الذي يصيب هذه الفروق بنحو 23%.
انطلاقاً من هذا النص ستقوم الشركة «أ» بإعادة تقويم سعر المتر لديها ليصبح مسجّلاً بـ100 دولار بدلاً من 3 دولارات، وستسدد ضريبة بمعدّل 6% على إعادة التقويم، أي ما قيمته نحو 5.82 دولارات فقط، وهكذا في عام 2013 ستبيع الشركة «أ» المتر بـ 150 دولاراً مثلاً. وبالتالي ستترتب عليها ضريبة تحسين عقاري على الفرق بين السعر المسجّل (100 دولار) وسعر المبيع (150 دولاراً)، أي إن الأرباح المصرّح عنها ستكون 50 دولاراً فقط، وعندها ستسدد الضريبة الجديدة البالغة 25 في المئة على الربح المصرّح عنه، أي 12 دولاراً.
وهكذا، تكون الشركة «أ» قد سددت ضريبة اعادة تقويم بنسبة 6% (5.82 دولارات) ثم سددت ضريبة التحسين العقاري بنسبة 25% (12.5 دولاراً)، أي ما مجموعه 18.32 دولاراً، بدلاً من أن تسدد 36.75 دولاراً إذا طُبّقت ضريبة التحسين العقاري من دون استباقها بخفض ضريبي مكشوف على عمليات اعادة تقويم مخزون الشركات من العقارات غير المبيعة، وعلى هذا الأساس يكون وزير المال في الدولة اللبنانية قد تواطأ مع الشركة (أ) للتهرّب من تسديد 18.43 دولاراً مستحقة عليها لمصلحة الخزينة العامّة، أي إنه عملياً أعطاها مسبقاً نصف هذه الضريبة لكي تعظّم أرباحها على حساب الدولة والمواطنين.
والأسوأ، أن وزير المال ثبّت من خلال إعادة التقويم هذه أسعار العقارات على مستويات مرتفعة وفق تقويم عام 2010، وذلك بهدف إلغاء أي مفاعيل إيجابية لضريبة التحسين العقاري، الهادفة الى لجم أسعار العقارات واعادة توزيع الثروة لمصلحة الأجور والإنتاج على حساب الريوع. فلو فرض الوزير الصفدي ضريبة التحسين من دون إجراء اعادة للتقويم، لكان التاجر والمصرف والشركات العقارية وغيرها قد اضطروا جميعاً الى خفض اسعار عقاراتهم التي رفعوها اصطناعياً، وذلك لكي يخفضوا عبء الضرائب التي سيدفعونها. أو بالأحرى سيقوم هؤلاء بعقلنة الأسعار العقارية، بما أن أسعار العقارات أصبحت تفوق قدرة البلاد على تحمّلها.
بعدما فهمنا ما يدور في خلد الصفدي، لا بد من توضيح أمر أساسي. كلام صوما عن اجتماعه مع وزير المال لم يأت بصيغة الدعم، إذ إن التجار العقاريين يرفضون رفضاً قاطعاً اعادة التقويم، وكذلك ضريبة التحسين العقاري. ما يدل على أن التجار يرفضون حتى المساومة على اقتطاع جزء من أرباحهم الضخمة لمصلحة الخزينة، إذ يلفت صوما في حديث مع «الأخبار» إلى أن إعادة تقويم الأصول عام 2012 بمعدل 6 في المئة مرفوضة بالمطلق، كما أن ضريبة التحسين العقاري مرفوضة كذلك، وهي «تضرب القطاع العقاري الذي يعد من أنشط القطاعات الاقتصادية الى جانب المصارف».
ويلفت صوما الى أنه أُلفت لجنة تنسيق تجمع نقابة منشئي وتجار الأبنية ووزير المال لمتابعة هذه الإجراءات، إذ سيقترح صوما على الصفدي الابتعاد بضرائبه عن العقارات. يعدد صوما الكثير من الاقتراحات التي سيعرضها على الصفدي. يقول إنه سيخرج بمؤتمر صحافي لرفض اقتراح اعادة التقويم ومن بعده ضريبة التحسين. موقف صوما مفهوم، فهو تاجر عقارات ويكره أن يخسر من أرباحه ليستفيد المجتمع، ما هو غير مفهوم أن يتواطأ وزير المال معه ويؤلف لجنة مشتركة لصياغة آليات أسهل للتهرّب من دفع الضرائب المحقة للدولة.


7 مليارات دولار
هي قيمة الأرباح العقارية المقدّرة في عام 2009، وهذه الأرباح لا تخضع لأي ضريبة من أي نوع، في حين أن مصنعاً يشغّل أيدي عاملة لبنانية ويصدّر سلعاً الى الخارج ويتحمل مخاطر عالية من دون أي دعم من الدولة يسدد ضريبة على أرباحه تصل الى 15%

نموذج من بيانات الوزارات
نسمع دائماً عن لقاء حصل بين جهة معينة ووزير ما. بعد اللقاء يصدر المكتب الإعلامي للوزير بياناً حول ما يجري تداوله خلف الكواليس في الوزارات. إلا أن ما حدث بين الوزير محمد الصفدي وتجار الأبنية يوضح كيف يتم إخفاء بعض التفاصيل التي تكون هي محور اللقاء. فبعد اللقاء الذي تضمن نصيحة الصفدي بالتهرّب الضريبي، صدر عن المكتب الإعلامي للوزير البيان الآتي «استقبل وزير المال محمد الصفدي في مكتبه بالوزارة وفداً من جمعية تجار ومنشئي الأبنية، برئاسة إيلي صوما، وبحث معه في مواضيع تتعلق بالقطاع، وخصوصاً ما لحظه مشروع قانون موازنة 2012».
اقتصاد
العدد ١٥٣٧ الجمعة ١٤ تشرين الأول ٢٠١١

12‏/10‏/2011

مصارف تستبق تصحيح الأجور!





بعض المصارف بدأ الدفع منذ آذار الماضي، في مقابل مصارف بدأت بالدفع منذ حزيران الماضي (أرشيف ــ هيثم الموسوي)
دفع سلف تتراوح بين 150 و200 ألف ليرة لقضم الزيادة السنوية؟
بدأ عدد من المصارف بدفع سلف على تصحيح الأجور منذ أشهر. البعض ردّ هذه الخطوة إلى رأفة المصارف بموظفيها، ولكن البعض الآخر عاد إلى تجربة عام 2008، حينها رأى بعض المصارف أن السلف المسبقة تحدّ من تراكم الفروقات إذا كان هناك مفعول رجعي. والأهم أن معظم المصارف يستخدم هذه السلف لقضم الزيادات الإدارية السنوية المنصوص عليها في عقد العمل الجماعي، والتي تُقتطع من أرباح المصارف كحق مكتسب للموظفين!
رشا أبو زكي
«هل أقرّوا تصحيح الأجور؟ لماذا بعض المصارف بدأ بدفع سلف للموظفين استباقاً للتصحيح؟». أسئلة عديدة تطرحها زينب على صفحة فايسبوك، والأجوبة عن هذه الأسئلة تشكّك في نيّات المصارف انطلاقاً من تجربة عام 2008، إذ جرى قضم الزيادة السنوية من خلال هذه الآلية التي تتخفّى بمبرر تفادي تراكم المفعول الرجعي. وتأتي هذه الشكوك نتيجة مسارعة عدد من المصارف إلى تقديم سلف على تصحيح الأجور، رغم أن المصارف عادة ما تكون من المعارضين الأساسيين لطرح تصحيح الأجور أساساً.
توجهت«الأخبار» إلى عدد من المصرفيين بسؤال زينب: «هل صحيح؟». الجواب: نعم، بدأ عدد من المصارف منذ أشهر بدفع سلف للموظفين لاستباق إقرار تصحيح الأجور. الجواب لا يزال مبهماً بعض الشيء. «وماذا ستستفيد المصارف من هذا الإجراء؟ هنا يبدأ «الجد».
تختلف الشروحات في تفسير هذا الإجراء بين مسؤول مصرفي وآخر. فالبعض حصر الأمر بإقرار إدارات المصارف بصعوبة الوضع المعيشي في لبنان وتأثر موظفي المصارف بالتدهور الاجتماعي الحاصل. ولفت هؤلاء إلى أن هذا الإقرار يعطي مشاورات تصحيح الأجور مظلة من القطاع الأكثر«دلعاً» في لبنان، فيما أكد البعض أن بعض هذه المصارف يحاول المراوغة. فعقد العمل الجماعي في القطاع المصرفي يفرض على كل مصرف توزيع 7 في المئة من أرباحه السنوية كـ«زيادات إدارية» على الموظفين. وفي عملية الاستباق هذه، يحاول بعض المصارف الخروج في نهاية العام بمذكرات إدارية تقول إن هذه السلف هي بديل من الزيادات الإدارية. هذا ما حصل فعلاً في عام 2008... وهو يتكرر الآن.

ظاهرة أم تهرّب؟
ويقول أحد المصرفيين إن السلف ليست سوى خطوة استباقية تقدم عليها المصارف لكي لا يتراكم المفعول الرجعي الذي من الممكن أن ينتج من تأخير تطبيق قرار تصحيح الأجور كما جرت العادة. وبالتالي، لا تقع المصارف دفعة واحدة تحت إلزامية دفع مبالغ ضخمة للموظفين. ويشير إلى أن بعض المصارف بدأ بدفع 150 ألف ليرة شهرياً لموظفيه، والبعض الآخر يدفع 200 ألف ليرة شهرياً. كذلك فإن بعض المصارف بدأ الدفع منذ آذار الماضي، في مقابل مصارف بدأت بالدفع منذ حزيران الماضي، أي قبل البدء الفعلي بمناقشة تصحيح الأجور في لجنة المؤشر في نهاية أيلول!
النقطة الأخيرة هذه يؤكدها موظف في مصرف آخر، إذ إن هذه السلف (بحسبه) هي محاولة من عدد من المصارف للتهرّب من اقتطاع 7 في المئة منها لتوزيعها كزيادة إدارية على الموظفين. ويشرح هذا الموظف أن الاقتطاع من الأرباح السنوية يمثّل هاجساً دائماً لأصحاب المصارف. فعلى الرغم من أن العقد الجماعي ينص على اقتطاع نسبة الـ7 في المئة من الأرباح وتوزيعها على الموظّفين، لا يلتزم عدد كبير من المصارف بهذه النسبة، وخصوصاً أن النص غير واضح في هذا الخصوص (لا يحدد إن كانت نسبة الـ7% هي من إجمالي الأرباح ويجري توزيعها انتقائياً، أم أن كل موظف يحصل على زيادة بنسبة 7 في المئة على أساس راتبه). وبالتالي تختلف الزيادة الإدارية بين موظف وآخر، فتتراوح بين 1 في المئة لدى البعض لتصل إلى 10 في المئة لدى البعض الآخر. لكن، يؤكد الموظف، أن لا إمكانية للمصرف من التهرّب من هذا البند، رغم المحاولات الحثيثة لذلك.

ليست المرة الأولى
«هذه ليست حالة عامة» يقول رئيس نقابة موظفي المصارف جورج الحاج. ففي عام 2008، حين بدأت المشاورات لتصحيح الأجور، بادرت المصارف إلى دفع السلف للموظفين منذ آذار، أي مع انطلاق المفاوضات. ويوضح الحاج أن مبادرات كهذه يمكن تفسيرها بأنها خطوة استباقية من إدارات بعض المصارف لمساعدة موظفيها في ظل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية القائمة. إنها إقرار بوجود أزمة، يقول.
إلا أن الحاج يؤكد أنه لا يوجد مذكرة إدارية صادرة عن جمعية المصارف لدفع سلف للموظفين، وبالتالي فإن مبادرات كهذه لا تكتسب صفة جماعية في القطاع، إذ إن عدد المصارف التي باشرت تقديم السلف لا يتخطّى أصابع اليد الواحدة.
ويشرح أن إجراءً كهذا يأتي عادة مع توقيع الموظف على إبراء ذمّة يقرّ فيه بموافقته على حسم قيمة السلف من راتبه إذا كان المصرف قد دفع سلفاً تفوق قيمة المفعول الرجعي. ويلفت الحاج إلى أن ما يُدفع حالياً لا يتجاوز 200 ألف ليرة، فإذا كان التصحيح أعلى من هذه القيمة يدفع المصرف الفارق إلى الموظفين حين إقرار تصحيح الأجور من قبل الحكومة. ولكن ماذا عن استبدال الزيادة الإدارية بالسلف المسبقة؟ يدخل الحاج إلى صلب الموضوع:«أي مصرف يحاول اعتبار هذه السلفة بديلاً من الزيادة الإدارية سيكون مخالفاً للقانون، وسيواجه بقوة». فالزيادة الإدارية مقرّة في العقد الجماعي، وهي حق للموظفين، ولا علاقة لها بغلاء المعيشة. وبالتالي، فإن أي مصرف مخالف «سنلاحقه في وزارة العمل، وسنحمّل جمعية المصارف المسؤولية».
كلام الحاج ليس عبثياً، وليس آتياً من فراغ. ففي عام 2008 أعلن أحد المصارف لموظفيه أن السلف التي دفعها قبل إقرار تصحيح الأجور هي تعويض عن الزيادة الإدارية. حينها واجه أحد أعضاء نقابة المصارف (وهو موظف في المصرف) هذا القرار، وطالب إدارة مصرفه بالتراجع عن إجرائها المخالف. ردّ المصرف بصرف الموظف النقابي، فدخلت النقابة في نزاع قانوني مع إدارة المصرف من خلال وزارة العمل، وأدى ذلك إلى سحب المصرف قراره هذا، بحيث عاد والتزم بدفع الزيادة الإدارية بمعزل عن السلف المرتبطة بتصحيح الأجور. يحذر الحاج «من الآن» أيّ مصرف من اللجوء إلى«هذه اللعبة»، داعياً موظفي المصارف إلى اللجوء إلى النقابة في حال حصول مخالفة في هذا الإطار.

19794 موظفاً
هو حجم العمالة في المصارف العاملة في لبنان، وبلغت حصة العاملين دون سن الأربعين 57,5 في المئة
886 مليون دولار
هو حجم أرباح المصارف العاملة في لبنان حتى نهاية تموز الماضي، في مقابل 969 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2010
2 في المئة
هي نسبة اليد العاملة اللبنانية العاملة في المصارف نسبة إلى مجموع اليد العاملة الإجمالية في لبنان
سبّاقة؟
يشرح أحد المصرفيين أنه إذا كان المفعول الرجعي لشهرين مثلاً، فستحسم المصارف الزيادات التي دفعتها للموظفين كسلف بعد إقرار التصحيح. وإذا كان المفعول الرجعي لخمسة أشهر أو ستة، تكون المصارف قد «ارتاحت» من تراكم المبالغ المستحقة للموظفين كمفعول رجعي. وعلى كل الأحوال، تكون قد تهرّبت من دفع الزيادة الإدارية للموظفين بحجة أنها كانت السبّاقة في دفع سلف تصحيح الأجور.
اقتصاد
العدد ١٥٣٥ الاربعاء ١٢ تشرين الأول ٢٠١١

10‏/10‏/2011

مقابلة/غسان غصن

تصحيح الأجور أو «لا» للحكومة أصحاب العمل يعدّون العمال سلعاً وهذه إهانة




(مروان طحطح)
رشا أبو زكي
يرى رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن أنه تعرض، كما العمال جميعاً، لإهانة من أصحاب العمل في لجنة المؤشر، ما أدى الى انسحابه. ويشير إلى أن على الحكومة أن «تفل» اذا لم تحقق تصحيح الأجور، لأنها تكون بذلك قد انقلبت على بيانها الوزاري... وهذا نص المقابلة
لماذا انسحب الاتحاد العمالي العام من لجنة المؤشر؟
- السبب الأساسي لانسحابنا من اجتماعات لجنة المؤشر هو عدم جدوى الحوار مع ممثلي الهيئات الاقتصادية، وخاصةً أن ممثلي الهيئات يريدون حصر النقاش في موضوع تصحيح الحد الأدنى للأجور دون تصحيح الأجور. هذا الطرح مخالف للقانون، إذ يشير المرسوم رقم 29 تاريخ 12 أيار 1943 الى تنظيم معدلات الأجور وإحداث تعويض على التكاليف العائلية للعملة، كما أشار القانون الصادر في 27 ايار عام 1946 الذي ينطلق من تطبيق أحكام المرسوم الاشتراعي الرقم 29 الى تعيين الحد الأدنى للأجور، وتحديد معدل تعويض الغلاء المعيشي. وكذلك الحال في القانون الصادر في 16 ايار عام 1967، وصولاً الى المرسوم 8733 الصادر في 8 تموز 1996، وهو تاريخ آخر تصحيح للأجور في لبنان، بحيث يشير الى تعيين الحد الأدنى الرسمي للأجور وزيادة معدلات المعيشة على الأجور. وبالتالي، وانطلاقاً من القانون ومن الحقوق المكتسبة للعمال، لا يمكننا قبول حصر النقاشات في لجنة المؤشر بالزيادة على الحد الأدنى، من دون التطرق الى شطور الأجر.
وفي الجلسة ما قبل الأخيرة للجنة المؤشر، قال ممثلو الهيئات الاقتصادية إنهم لن يقبلوا مناقشة سوى الزيادة على الحد الأدنى، ورأوا أن تصحيح الأجور خاضع للعرض والطلب، وهو ليس من مهمات لجنة المؤشر. وهنا، شعرنا كممثلين للعمال بالإهانة، بعد تشبيه العمال بالسلع، وإخضاعهم لما يسمى العرض والطلب، إضافة الى محاولة ممثلي اصحاب العمل الالتفاف على القانون. أما السبب الثاني لخروجنا من اللجنة، فهو ما ورد في مشروع الموازنة الذي تقدم به وزير المال محمد الصفدي، بحيث كان يوجه رسالة مبطنة بأن الحكومة ستستعيد الزيادة على الأجور من الضرائب التي سترفعها على المواطنين، والزيادات التي ستلحق برسوم البنزين. ومن هنا شعرنا بأنه يوجد استهزاء بالحوار القائم بشأن تصحيح الأجور، ومحاولة من أصحاب العمل للمماطلة في الاجتماعات لإلزامنا بتأجيل الإضراب. فكان أن انسحبنا من اللجنة.

ألم يكن بإمكانكم البقاء ضمن السقف التفاوضي وإعلان اختلافكم مع طروحات أصحاب العمل؟
- الموضوع ليس قصة خلاف على رقم ويجري حله بالتفاوض، بل اختلاف جوهري على المبادئ، فوظيفة لجنة المؤشر هي العمل على الأرقام وأصحاب العمل لا يريدون البحث في أرقام تصحيح الأجور المرتبط بغلاء المعيشة، ويريدون اعتبار رقم الإحصاء المركزي مقدساً وخارج التفاوض. وبالتالي خروجنا له أسباب، ونهدف الى أن تذهب الأمور في مجراها الحقيقي للقيام بالتصحيح المطلوب للأجور.
لقد خرج نائب رئيس الاتحاد حسن فقيه من الاجتماع مع الرئيس ميقاتي بالقول إن باب الحوار لا يزال مفتوحاً. فكيف تخرجون من لجنة عملها هو التفاوض، وتعلنون من على الأبواب السياسية فتح باب التفاوض؟
- لقد تركنا التفاوض الآن لجلسات مجلس الوزراء، وبالتالي على الحكومة أن تقوم بدورها الآن، ونحن سنذهب الى الإضراب للضغط على الحكومة لكي تقوم بواجبها تجاه الشعب اللبناني. وفي المقابل، فإن وزير العمل شربل نحاس سيطرح مشروعه، وقد طرح آلية تصحيح الأجور التي نوافقه عليها. نحن قررنا عدم استكمال التفاوض الفني في لجنة المؤشر مع أشخاص يعدوننا سلعاً. نقلنا الحوار الى الحكومة، فهي عليها أن تتخذ القرارات المناسبة في هذا الشأن وهذا دورها.
هل تثقون بالحكومة في أن تحقق مطالبكم؟ أم ستسعون إلى إسقاطها في الشارع؟
- نعم، نحن نثق بالحكومة، ونحن نثق بما قاله لنا الوزراء ورئيس الحكومة، فقد دعموا مطلبنا، وأكدوا أحقيته، والآن حان موعد ترجمة هذه الوعود، وتطبيق ما صدر من تصريحات. أما الوزير الصفدي، فقد خالف بموازنته البيان الوزاري، ونحن نعلن عدم قبولنا سياساته الواردة في الموازنة إطلاقاً.
وثقتنا بالحكومة مرتبطة بمدى التزامها بالبيان الوزاري، الذي أشار الى الإصلاح الاجتماعي والضريبي والاقتصادي، وبالتالي ننتظر من الحكومة موقفها من الموازنة، وننتظر إقرارها تصحيح الأجور قبل الإضراب. وإلا فلن تنال ثقة الناس أيضاً، لا ثقة الاتحاد فقط. أما اذا لم تعمل الحكومة على ترجمة البيان الوزاري واقعاً، فسيكون ذلك إعلاناً لانقلابها على المسببات التي أدت الى حصولها على الثقة، وإذا لم تعلن تصحيح الأجور فالأفضل للحكومة أن «تفل». مطلبنا واضح: على الحكومة أن تصحح الأجور قبل موعد الإضراب يوم الأربعاء، وإلا فسنتابع التحرك.

لقد اجتمع الاتحاد مع الرئيس ميقاتي، ألم يُفض ذلك إلى أي نتائج إيجابية؟
- إن الرئيس ميقاتي مصر على تصحيح الأجور عبر دعم القدرة الشرائية من خلال التقديمات الاجتماعية، كما أوضح لنا أنه مع تصحيح الأجور، وليس فقط مع زيادة الحد الأدنى، والرئيس بحسب ما أعتقد لن يخالف القانون في طرحه في مجلس الوزراء، وبالتالي ننتظر منه مواقف ايجابية في هذا الصدد، لكن نتمنى أن تتبلور هذه المواقف وأن تُعلَن قبل يوم الأربعاء. فنحن هدفنا تصحيح الأجور، والإضراب ليس سوى وسيلة لنا لتحقيق ذلك، ومن هنا فإن تحقيق مطلبنا سيكون هو الرادع الوحيد لعدم استكمالنا التحرك. ونعيد ونشدد على أننا نصر على التصحيح الذي يطاول الأجر كما الحد الأدنى للأجر.
هل الإضراب مرتبط بتصعيد بعض القوى الحكومية ضد الرئيس ميقاتي في ما يتعلق بتمويل المحكمة الدولية؟
- إطلاقاً، لا علاقة لإضرابنا بالمحكمة الدولية، ولا بأي موضوع سياسي آخر. والقوى التي ترفض التمويل لا تحتاج الينا للقيام بتحركات اعتراضية. وأؤكد هنا أنه لم تحدث اتصالات سياسية، ولا أحد تحدث معنا في هذا الموضوع. وأنا أؤكد أنه لا يوجد تنسيق مع أيّ من السياسيين في هذا الموضوع، ولن نسمح باستغلال تحركنا لأسباب سياسية. فتحركنا معروف وعناوينه محددة، إذا صُحّحت الأجور قبل يوم الأربعاء، فسنلغي التحرك.
نفذ الاتحاد العمالي العام إضرابه يوم الأربعاء. وماذا بعد؟ هل من خطة للتحركات؟ وهل من قطع للشوارع وإحراق للدواليب؟
- أولاً، نريد التشديد على أن الإضراب سيكون سلمياً ضمن القوانين التي تحفظ لنا حق الاعتراض والتحرك. وعلى الدولة وأجهزتها الأمنية أن تضمن بالطبع سلمية الإضراب، من خلال وجودها في الشارع. أما في ما يتعلق بيوم الخميس، فإذا لم تتحقق المطالب، فسيكون لنا موعد مع جلسة للمجلس التنفيذي في الاتحاد العمالي. هذه الجلسة ستحدد الخطوات اللاحقة، التي ستكون مراعية لكافة الأنظمة وفق وتيرة تؤمن لنا الوصول الى مطالبنا المحقة، من الإضرابات المتواصلة، الاعتصامات، والتحركات المناطقية.
وخلال هذه الفترة، نعود ونكرر أننا لن نتراجع عن مطلب تصحيح الأجور، ولن يجدي معنا نفعاً لا الحوار ولا التفاوض. الأسعار في الأسواق بدأت ترتفع أصلاً، وإن لم نورد الحديث عن غياب الرقابة في هذا الإطار، فلا بد من التأكيد أننا لن نسمح بأن يتحمل العمال ضريبة المطالبة بحقوقهم. ووفق هذا الإطار وحده، سنكون مستعدين للتحاور مع أركان الحكومة.


ليسوا شحاذين
لا تتوقف اعتراضات الاتحاد على الموازنة في البنود الضريبية وحدها، فمشروع البنك الدولي ووزارة الشؤون الاجتماعية تحت عنوان «دعم الأسر الفقيرة» يرفضه الاتحاد جملة وتفصيلاً. نحن لا نقبل أن يجري التعاطي مع الفقراء على أنهم شحاذون
اقتصاد
العدد ١٥٣٣ الاثنين ١٠ تشرين الأول ٢٠١١

8‏/10‏/2011

مشاريع الكهرباء: «لا شيء يطمئن»





أمام بواخر الكهرباء (أرشيف)
على الرغم من رصد الاعتمادات اللازمة للمباشرة بخطة الكهرباء، لم تضع أوساط وزير الطاقة جبران باسيل «يدها في المياه الباردة». فالمعوقات لا تزال موجودة، والمخاوف من العرقلة تسيطر على معظم النقاشات
رشا أبو زكي
لا شيء يطمئن. إقرار خطة الكهرباء وتخصيص جزء من الاعتمادات لتطبيقها في مجلس الوزراء لا يعني أن العراقيل توقفت. فالمحيطون بوزير الطاقة والمياه جبران باسيل متشائلون. قابعون بين تفاؤل يمكن أن تنتجه خطة الكهرباء وتشاؤم ينساب الى جلسات الحكومة في كل جلسة، وعند طرح كل ملف، وفي كل مرة يحاول فريق «الإصلاح والتغيير» أن يطرح اصلاحاً أو تغييراً ما. الأكيد أن باسيل نجح في تحييد ملف الكهرباء عن المواضيع التي قد تثير الاضطرابات. والأكيد أن مشروع الكهرباء أصبح من ضمن الأولويات الحكومية وفي صلب النقاشات التي لا يمكن تغييبها. القانون 462 المتعلق بالهيئة الناظمة للكهرباء لا يزال خارج النقاش حالياً، والتعديلات التي سيطرحها باسيل على القانون لن تلقى الشعبية الوزارية المطلوبة. موضوع خصخصة الكهرباء ليس وارداً، ويقول مقربون من باسيل إنه لا يمكن عرض مؤسسة للتشركة أو الخصخصة إذا كانت في حال افلاس. لا يمكن الخروج من حال افلاس من دون الانتقال الى حالة استقرار معينة تسمح باتخاذ قرارات اقتصادية كبرى.
وإذا كانت الخطة المتوافق عليها لن تؤمن الكهرباء 24/24 اليوم ولا بعد سنة ولا بعد 3 سنوات، فإنها قد تضع خطاً تطبيقياً اجبارياً لهذه الحكومة أو الحكومات اللاحقة لكي يحصل اللبنانيون على حقهم الطبيعي بالضوء. المرحلة الأولى من التطبيق الفعلي للخطة ستنطلق بعد أسبوعين. الخطوة الأولى اطلاق المناقصات لتشغيل 3 معامل انتاج ومحطات النقل، اضافة الى عدد من المشاريع الموازية. إلا أن الوزير ليس مطمئناً. تتكرر حالة التخوف هذه. الأسباب عديدة وأصبحت شبه واضحة. لعل أبرزها المخاوف التي تطاول كينونة الحكومة نفسها. فالحكومة التي أتت الى سدة السلطة على أنها بديل عن حكومات كانت تصفها المعارضة السابقة بأنها معادية للاصلاح، عاد عدد من وزرائها ليطبعوا عدداً من مشاريعهم بختم الأفكار الاقتصادية للحكومات السابقة. أفكار كانت محور الصراع بين معارضة وموالاة، لتصبح اليوم محور صراع بين موالاة وموالاة. وكذلك فإن اقتراح تمويل الخطة من الصناديق التمويلية سيكون بحسب أوساط باسيل القطبة الأساسية لعرقلة المشروع. «الصناديق تأخذ وقتاً طويلاً في المعاملات والموافقات وغيرها، وقد تؤجل انطلاقة الخطة الى ما بعد موافقة الصناديق، واقع كهذا قد يقذف الخطة سنة أو أكثر قبل اعلان بدء التطبيق».
يقول أحد العالمين بمشاريع باسيل إن الأخير سيعلن عدداً من المشاريع الكهربائية خلال الأيام المقبلة. المناقصات ستكون بيد مجلس الوزراء مجتمعاً، لكن وفق دفاتر شروط شبه مكتملة اعدّها فريق عمل باسيل. فدفتر الشروط المتعلق بمناقصة الانتاج قد تم اعداده وانتهى. دفترا الشروط المتعلقان بالنقل والتوزيع يحتاجان الى اللمسات الأخيرة. إذن الوزارة جاهزة لإطلاق هذه الخطوة خلال فترة وجيزة.
الى المشاريع الكهربائية الأخرى يذهب النقاش. استجرار الطاقة من الخارج لا يمتلك حظوظاً عملية حالياً. فالوضع السوري كما التركي لا يظهران أي أمل قريب بالمباشرة بمشروع كهذا. أما الحصول على الكهرباء من البواخر، فهو المشروع الأسهل، لكنه «ترقيع» لا حل نهائي. سيتقدم باسيل وفق ما يقول لـ«الأخبار» بمشروع استجرار الكهرباء من البواخر الى مجلس الوزراء قريباً. بواخر كاريدانيز التركية هي الأوفر حظاً. فقد تقدمت الشركة بالسعر الأفضل وفق استدراج عروض، استدراج أدى الى توزيع الملف على نحو 71 شركة عالمية، الا أن عدداً قليلاً من هذه الشركات أبدى موافقته النهائية، فكان عرض كاريدانيز هو الأفضل. لكن، قد يسأل سائل، أليس وكيل كاريدانيز هو المسؤول في تيار المستقبل سمير ضومط؟ يقول باسيل إن هذا الواقع لا ينفي أن عرض الشركة هو الأكثر توفيراً على الوزارة من الناحية المادية. على كل حال، بحسب باسيل، اتخاذ قرار الموافقة على كهرباء البواخر يزيد من ساعات التغذية الكهربائية بسرعة ويحل جزءاً من المشكلة القائمة.

الى مشروع آخر، اسمه «خط الغاز المحلي». خط يمتد على الساحل اللبناني بشبكة واحدة، بحيث يصبح بالإمكان مدّ الغاز المصري والتركي والسوري وغيره الى عدد من المحطات في عدد من المناطق الساحلية، مثلاً صور، الزهراني، الجية، الذوق... وذلك بدلاً من أن يصل فقط الى البداوي. مشروع يعتقد باسيل أنه سيكون تطويرياً ومهماً لقطاع الغاز في لبنان.
إذاً 5 قرارات ستكون في يد الحكومة: البواخر، التوزيع، خط الغاز المحلي، تأهيل معمل الذوق وتأهيل معمل جية. اضافة الى مجموعة مشاريع اخرى لا تحتاج الى قرارات حكومية وبالتالي ستكون موضع تطبيق في الفترة المقبلة.
موضوع المياه شائك هو الآخر. فبناء أكثر من 30 سداً يحتاج الى مليار و970 مليون دولار. الا أن الأعمال الأولى ستشمل نحو 12 سداً، ثلاثة منها بدئ العمل بها فعلياً، لكنها تحتاج الى اعتمادات لاستكمالها. ليس من المتوقع أن تأخذ خطة السدود جدلاً كبيراً في الحكومة. ومن المفترض ألّا تلقى مصير خطة الكهرباء نفسه.
فمشروع السدود سيعمل على تأمين حاجات المواطنين من المياه في العام 2035 في جميع المناطق والمحافظات. وذلك من خلال الاسراع في انشاء السدود، تحسين الشبكات والخزانات، زيادة التوعية على وقف الاسراف وتبذير المياه. وعدم المباشرة بمشاريع السدود سيؤدي الى نتائج سيئة جداً على المواطنين خلال السنوات المقبلة، أهمها شح المياه المخصصة للشرب، وكذلك تلك المستخدمة للري والاستعمال الصناعي وغيرها. ومن هنا، تلفت أوساط وزير الطاقة الى ان مشروع المياه لا يقل أهمية عن مشروع الكهرباء، وبالتالي سيصار إلى السير به وإعطائه الاهتمام التنفيذي المطلوب الى حين الوصول الى بنى تحتية مائية يمكن أن تؤمن حماية فعلية للثروة المائية في لبنان، وخصوصاً من ناحية حسن استخدامها واستثمارها.
اقتصاد
العدد ١٥٣٢ السبت ٨ تشرين الأول ٢٠١١

7‏/10‏/2011

الصفدي يغرف من السنيورة




التعاقد مع شركة خاصة لتدقيق حسابات الدولة

بند تدقيق الحسابات جرى تهريبه في نهاية جلسة مجلس الوزراء حين كان الجميع يهم بالخروج من القاعة (مروان طحطح)
قرّرت حكومة «كلّنا للعمل» في جلستها الأخيرة تكليف شركة خاصة معاونة وزارة المال على التدقيق في الحسابات العامّة للدولة. الإجراء غير قانوني، وفي الوقت نفسه غير مجد تقنياً، ليس فقط لأنّ وزارة المال تستطيع تنفيذ المطلوب، ولأن القانون يحدد مسؤوليات واضحة على مديرياتها وموظّفيها، بل أيضاً لأنّ التجربة مع الشركة المختارة تشي بالنتيجة مسبقاً
رشا أبو زكي, حسن شقراني
هل يذكر اللبنانيون يوم «دبكت» على موضوع الحسابات المالية للدولة؟ هل يذكرون بماذا صرخ أركان الأكثرية السابقة بوجه كل مطالب بإجراء تدقيق جدي للحسابات وخضوعها لرقابة مجلس النواب؟ فبعد العمل على تأليف لجنة تحقيق برلمانية بكل المخالفات والأخطاء والنواقص التي شابت الحسابات منذ عام 1993، على أن تجري محاسبة المسؤولين عن هذه الأخطاء، رفض أركان الأكثرية السابقة هذه اللجنة، مطالبين بتطبيق مشروع القانون الذي وضعه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة
، وأحيل على مجلس النواب بموجب المرسوم الرقم 17053 الصادر بتاريخ 25 أيار 2006، وهو المشروع المتعلق «بتدقيق حسابات الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والمرافق العامة التابعة للدولة أو للبلديات». حينها أيضاً، هبّت المعارضة السابقة، التي أصبحت في الحكومة حالياً، لرفض الرجوع الى مشروع القانون هذا. فهو (أي المشروع) نص على الإجازة للحكومة التعاقد مع شركة خاصّة أو أكثر لإنجاز هذه المهمة، وللتدقيق في الحسابات، كما نص على منح الشركة «حصانة» لضمان استقلالية المدقق في تنفيذ مهماته وعدم التعرض لأي ملاحقة قضائية عن نتائج أعماله.
حينها أيضاً، هبت قوى المعارضة السابقة لتهشيم هذا المشروع. وقالت حينها بالحرف «لا يجوز أن تناط صلاحية التعاقد مع شركة أو شركات خاصة بالحكومة، لأنها السلطة المعنية بتنفيذ الواردات والنفقات، ولأن التدقيق يشمل أعمالها. ولذلك يقتضي أن تناط صلاحية التعاقد بالمجلس النيابي، بوصفه الرقيب الأصيل على أعمال الحكومة المالية، أو بديوان المحاسبة، لكونه المسؤول عن الفصل في صحة حسابات متولي إدارة الأموال العمومية، والمسؤول عن الرقابة على منفذي موازنات أشخاص القطاع العام».
كل ذلك ذهب أدراج الرياح، فقد وافقت حكومة «المعارضة السابقة» في جلستها يوم الأربعاء الماضي، على استعانة وزارة المال بشركة Price Waterhouse Coopers لإنجاز حساب المهمة وقطع حساب الموازنة العامة من سنة 1993 ولغاية سنة 2010. على الرغم من أن وزارة المال تحديداً هي الجهة التي ستكون محور التدقيق، فهل يعقل أن تقوم وزارة المال نفسها بالتعاقد مع شركة خاصة تعمل لديها بموجب عقد يقضي بمراقبة أعمالها ومعاونتها في ذلك؟ وهل يجيز أي قانون محاسبي في العالم أن تقوم جهة خاصة بمراقبة أعمال الحكومة التي تقع موقع «الزبون» لهذه الشركة؟
تقول المعلومات إن هذا البند جرى تهريبه في نهاية جلسة مجلس الوزراء حين كان الجميع يهم بالخروج من القاعة، ومن خارج جدول الأعمال، بمعنى أن معظم الوزراء لم يكونوا على اطلاع على الملف المعروض، وهم لم يعرفوا على ماذا وافقوا؟ ويرد البعض تمرير هذا البند إلى أن الأفرقاء في الحكومة لديهم أولويات في المعارك المقبلة، بحيث لا يريدون لحجر الحسابات المالية أن يعثّر مشاريعهم الأخرى.
أولاً لنتعرف على الشريك اللبناني لشركة التدقيق الدولية. بحسب ما تشير لجنة المال والموازنة في دراسة أعدها رئيس اللجنة ابراهيم كنعان، في رصيد هذا الشريك تجربة غير مشجعة في تدقيق حسابات شركتي الهاتف الخلوي MIC1 و MIC2. حيث تبين أن هناك إيرادات تبلغ حوالى 35 مليون دولار كان يجب أن ترد إلى وزارة الاتصالات عن الفترة الممتدة من أول شباط 2009 ولغاية أخر كانون الثاني 2010 من شركة Alfa، التي تدير شركة MIC1، وأن هناك إيرادات تبلغ حوالى 11 مليون دولار كان يجب أن ترد إلى وزارة الاتصالات عن الفترة الممتدة من أول شباط 2009 ولغاية آخر كانون الثاني 2010 من شركة MTC التي تدير شركة MIC2.
«الشيء الأوّل الذي يجب التركيز عليه هو أنّ هذا الخيار ليس قانونياً ولا دستورياً» يُعلّق المدير السابق لمديرية المحاسبة في وزارة المال، أمين صالح. ويُشير إلى أنّ عملية التدقيق في حسابات الدولة مذكورة في الدستور، على أن يتولّاها ديوان المحاسبة، فيما مهمّة إدارة الأموال العامّة منوطة بوزارة المال.
ويذكر أمين صالح أنّه في عام 2006، في إطار الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة، صيغ مشروع قانون خاص وحُوّل إلى مجلس النواب، يتعلّق بالتعاقد مع شركة تدقيق عالميّة لتصحيح الحسابات منذ التسعينيّات حتّى ذلك العام. «عارضنا ذلك المشروع، ليس فقط انطلاقاً من المسوغات القانونية، فكيف يُمكن لشركة من القطاع الخاص الاطلاع على أسرار الدولة؟ شدّدنا على أنّ مديريتي الخزينة والمحاسبة في وزارة المال، إضافة إلى ديوان المحاسبة، هي الجهات المخولة القيام بذلك».والمسألة الخطيرة في الموضوع تكمن في أنّ الشركة، إذا أعدّت الحسابات العامّة، فهل يستطيع ديوان المحاسبة محاسبتها، وهل تحلّ تلك الشركة مكان المحتسب الرئيسي، وهو مدير الخزينة؟ يمضي أمين صالج في تساؤلاته عن المنطق وراء القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء. مع العلم أنّ «Price Waterhouse Coopers» شركة عالمية، لكن لديها شركة تابعة في لبنان (Affiliate)، المحاسبون فيها أعضاء في نقابة المحاسبين المجازين في لبنان.
إلى أي درجة صعب التدقيق؟ «ليس هناك صعوبات أبداً» يجزم أمين صالح في إطار البحث عن أسباب تجعل تدقيق الحسابات العامّة مسألة مضنية كما يبدو، وبالتالي اللجوء إلى شركة خاصّة. يوضح: وزارة المال تُدقّق في حسابات جميع المكلّفين بالضريبة في الجمهوريّة اللبنانية؛ العديدون منهم مؤسّسات كبيرة تقوم شركات مثل «Price Waterhouse Coopers»، بتدقيق حساباتها. وهكذا تُنفّذ الوزارة التدقيق وراء تلك الشركات! لذا فإنّ الأمر لا يجوز ليس فقط قانوناً بل تقنياً أيضاً «وأساساً، المعايير التقنية لهذا العمل هي نفسها للقطاعين العام والخاص». ويُشير صالح إلى أنّ التدقيق الحسابي الشامل حتّى عام 2007، انتهى في كانون الأوّل عام 2010، «منذ ذلك الحين ألم تستطع الوزارة إنشاء فريق من كنفها لإجراء التدقيق الإضافي».
لكن حسابات الدولة التي اتضح خلال العامين الماضيين أنّها مشوبة بكثير من الثغر والتعقيدات تتطلّب وقتاً طويلاً وجهداً؛ التقديرات الأولى للوزارة وضعت فترة إنجاز التدقيق عند عامين، فيما لجنة المال والموازنة تتحدّث عن إمكان إنجازها خلال فترة 8 أشهر. يجيب خبير المحاسبة: «العملية لا تتطلّب أبداً الفترة التي يجري الحديث عنها، بل أقل من ذلك بكثير، اذا كانت هناك نية وإرادة لإنجاز الأمر طبعاً».


95 في المئة
من المراقبين في وزارة المال يحملون إجازات (بالحدّ الأدنى) في إدارة الأعمال، أي إنّ معرفتهم يُفترض أن تُخوّلهم تنفيذ عمليات الحساب والتدقيق

8 أشهر
الفترة التي تقول لجنة المال والموازنة إنّها كافية لإنهاء تدقيق الحسابات، واستبقت وزارة المال تقديم تصوّرها للحل في الأسبوع المقبل بالتعاقد مع الشركة

وجوب النص القانوني
يقول أمين صالح إن السماح للمؤسّسات العامّة في لبنان بالاستعانة بشركات تدقيق حسابي دولية تطلّب في عام 2001 إجازة قانونية من المجلس النيابي، وقد تضمّن قانون الموازنة العامّة (رقمه 326 وصدر في 22 حزيران 2001) حينها المادّة الرقم 73 لإتمام الأمر. «إذاً كانت المؤسسات العامة قد استلزمت نصاً قانونياً للجوء إلى هذا الخيار، فكيف ستكون الحال مع حسابات الدولة؟».
اقتصاد
العدد ١٥٣١ الجمعة ٧ تشرين الأول ٢٠١١