28‏/11‏/2011

سوريا «تأكل» العقوبات العربيّة... ولبنان «يضرس»





الترابط الاقتصادي بين البلدين سيجعل من لبنان ساحة عقاب ثانية (أرشيف)
بعدما أعلن العرب حزمة عقوبات على سوريا، خرجت تصريحات تؤكد أن دمشق لن تتأثر بسبب «تمتعها باكتفاء ذاتي في إنتاج السلع الأساسية». للمفارقة، تبنى عدد من السياسيين اللبنانيين هذه العبارة، متناسين أن بلدهم سيكون مهدداً، ولو كانت سوريا «محصّنة»
رشا أبو زكي
أقر وزراء الخارجية العرب أمس مجموعة عقوبات اقتصادية على دمشق، يتوقع أن تنعكس مباشرة على الاقتصاد اللبناني بكل تشعباته القطاعية. والانحدار التدريجي الذي أصاب لبنان جراء تواصل الأزمة في سوريا، سيتحول إلى «مهوار» فعلي. وإذا كان لبنان قد «نأى بنفسه» عن هذه القرارات في اجتماع وزراء الخارجية العرب، وإذا كانت هذه العقوبات تُعَدّ قرارات سيادية للدول، بحيث يحق للبنان عدم تطبيقها، إلا أن الترابط الاقتصادي بين البلدين سيجعل من لبنان ساحة عقاب ثانية.
البعض أشار إلى أن التأثيرات على لبنان ستكون محدودة، لكون الأزمة الكبرى قد حلّت مع بدء الاحتجاجات في سوريا، والعقوبات العربية ستكون ارتدادات للمشكلة لا أكثر. البعض الآخر رأى أن للعقوبات تأثيرات إيجابية محدودة على لبنان؛ إذ قد تستبدل واردات الدول العربية من سوريا بواردات من لبنان، ما يعزز التبادل التجاري العربي ـــــ اللبناني خلال الفترة المقبلة. كذلك ستزيد حاجة سوريا إلى الاستيراد من لبنان، ما يرفع من الإنتاج اللبناني ويوفّر سوقاً أساسية لتصريفه. إلا أن التعمّق في مدى الترابط الاستثماري بين البلدين، يذهب إلى استنتاجات معاكسة بأن التأثيرات السلبية لن تنحصر بلبنان وحده، بل بجميع الدول العربية التي ارتبطت خلال الفترة الماضية بمصالح اقتصادية مع سوريا.
وقد نص قرار العقوبات العربية على وقف التعامل مع البنك المركزي السوري ووقف المبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية «باستثناء السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري». وتشمل العقوبات تجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية ووقف التعاملات المالية معها، ووقف جميع التعاملات مع البنك التجاري السوري، ووقف تمويل أي مبادلات تجارية حكومية من البنوك المركزية العربية مع البنك المركزي السوري، إضافة إلى الطلب من البنوك المركزية العربية مراقبة الحوالات المصرفية والاعتمادات التجارية باستثناء تلك المرسلة من العمالة السورية في الخارج وحوالات المواطنين العرب في سوريا.
ترابط هذه القرارات بالاقتصاد اللبناني، وخصوصاً القطاع المصرفي، واضحة؛ إذ تفيد مصادر مصرفية لبنانية مطلعة بأن المصرف المركزي السوري يمتلك ودائع في المصارف اللبنانية بقيمة 200 مليون دولار. كذلك فإن القطاع المصرفي اللبناني توسع سورياً في السنوات الأخيرة. فهناك 7 مصارف لبنانية عاملة على الأراضي السورية تنتظر مصيرها الغامض، وهي بنك سورية والمهجر، بنك عوده سورية، بنك بيبلوس سورية، فرنسبنك سورية، بنك الشرق، بنك سورية والخليج وبنك بيمو السعودي الفرنسي. هذا الأخير، وصلت إليه الآثار باكراً؛ إذ قرر مجلس إدارة البنك السعودي الفرنسي بيع حصته في بنك بيمو السعودي الفرنسي في سوريا، البالغة 27%، وحصته في بنك بيمو لبنان التي تناهز 10%. وقد قدم ممثلو البنك السعودي الفرنسي استقالتهم الفورية من عضوية أي من مجلسي إدارة البنكين المذكورين.
يرجح عدد من المتابعين أن ما حدث في بنك «بيمو» هو باكورة انعكاسات العقوبات والترنح الاقتصادي والمالي في سوريا على لبنان. ويرون أن الترابط المصرفي اللبناني السوري سيجعل من مصير الخسائر واحداً، مع اختلاف في نسب هذه الخسائر. وترى مصادر في هذا السياق، أن استنتاج تأثيرات العقوبات العربية على القطاع المصرفي اللبناني سابق لأوانه حالياً، في حين أن قراءة انعكاس التضييق على القطاع المصرفي السوري على لبنان تحتاج إلى أسبوع على الأقل للوصول إلى خلاصات علمية وواقعية.
إلا أنه لا أحد يمكنه الخروج باستنتاجات «وردية»؛ إذ يشرح أحد الاقتصاديين المطلعين على الملف أن القطاع المصرفي اللبناني موجود بفاعلية في السوق السورية؛ إذ للبنان 7 مصارف من أصل 13 مصرفاً خاصاً في سوريا، فيما يوجد بنك «إنتركونتيننتال سورية» الذي يحمل فيه «إنتركونتيننتال بنك» في لبنان 30% من أسهمه، و19% تعود لأفراد لبنانيين، لم يباشر عمله بعد نيله الترخيص الرسمي، ومن المتوقع تأجيل هذا الموضوع لفترة غير معلومة. كذلك، تعمل في المنطقة الحرة 3 مصارف لبنانية، هي: سوسييتيه جنرال، ولبنان والمهجر، والشركة المصرفية العربية التي يملك البنك اللبناني الفرنسي غالبية أسهمها.
ويشرح الخبير الاقتصادي السوري رياض تقي الدين لـ«الأخبار» أنه بغض النظر عن المساهمين العرب في المصارف ذات الجذور اللبنانية العاملة في سوريا، فإن قاعدة «رأس المال جبان» هي الأقوى. وبالتالي، فإن هذه المصارف ستصاب بمشكلات فعلية، والمشكلة الاقتصادية الموجودة في سوريا سيكون لها أثر مباشر على حجم الودائع الموجودة في هذه المصارف، وتالياً الأرباح والمكاسب. وهذه الخلاصات ليست نتاج تحليل سوري فقط؛ إذ إن عدداً كبيراً من المصرفيين اللبنانيين عبروا عن مخاوفهم هذه، في أحد الاجتماعات المصرفية التي عقدت في بيروت منذ نحو شهرين، يوضح تقي الدين.
وفي حين أن الدراسات دقيقة في ما يتعلق بالقطاع المصرفي السوري، إلا أنها تتخبط في تقديرها لحجم الاستثمارات العربية واللبنانية الموجودة في سوريا. يحاول رئيس المجلس الأعلى اللبناني السوري نصري الخوري أن يمتنع عن التعليق: «لا شيء مؤكد في ما يتعلق بحجم التأثيرات، ولا تقديرات علمية نملكها». إلا أن دراسة أعدت للمجلس أخيراً، تظهر أنّ في سوريا نحو 22 مشروعاً استثمارياً لبنانياً، ونحو 6 مشاريع ذات رأسمال لبناني عربي، أو لبناني سوري مشترك، هي: 3 مشاريع كويتية ـــــ لبنانية، مشروع لبناني ـــــ سعودي، مشروع لبناني ـــــ سوري ـــــ هندي وآخر لبناني ـــــ سوري. نتائج هذه الدراسة يمكن أن توصّف شكل المشكلة التي ستقع على كاهل المستثمرين اللبنانيين في هذه المشاريع، وآثارها البديهية على الاستثمارات اللبنانية المكمّلة في لبنان؛ إذ إن وقوع هذه الاستثمارات سيظهر في ميزانيات الشركات الاستثمارية هذه في لبنان.
هذا الترابط يضع رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير في دائرة القلق؛ فقد وصلت إلى مسامعه صرخات المستثمرين اللبنانيين في سوريا، من مختلف القطاعات. يشرح أن الاقتصاد اللبناني سيتأثر لا محالة من تصاعد الانهيار الاقتصادي السوري، والذي سيتعزز مع العقوبات العربية التي فُرضت على سوريا. إلا أن هذا القلق يتبدد قليلاً حين الحديث عن حجم الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج؛ إذ يرى شقير أن امتناع هذه الدول عن الاستيراد من سوريا (نتيجة العقوبات أو نتيجة مواقف سياسية ـــــ تجارية خاصة)، سيؤدي إلى توجهها نحو السوق اللبنانية والأردنية. وكذلك ستتزايد حاجة السوق السورية إلى الصادرات اللبنانية، بعد أن تراجع التصدير إلى سوريا بنسبة وصلت إلى 90 في المئة حالياً. لكن الأكيد أن تراجع القدرة الشرائية السورية لن يعوض الخسائر التي لحقت بحجم الصادرات اللبنانية خلال الأشهر الماضية.
يشدد تقي الدين على أن العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا متشابكة بغض النظر عن المواقف السياسية والاجتماعية؛ إذ هناك ترابط تجاري واقتصادي كبير. وبعكس شقير، يشرح تقي الدين أن نتائج وقف التبادل التجاري الحكومي لن تكون ذات آثار ضخمة على سوريا؛ إذ إن التبادل التجاري الخاص سيبقى قائماً. لكن تُعَدّ السوق السورية مركزاً تجارياً أساسياً في المنطقة، ما سينعكس على الوكلاء التجاريين اللبنانيين (للشركات العربية الحكومية منها خصوصاً) الذين يعملون على استيراد المواد إلى سوريا؛ فهؤلاء سيخسرون السوق السورية طبعاً. والتأثيرات السلبية ستتركز لدى وكلاء مواد البناء والمواد الأولية الصناعية، إضافة إلى شركات التأمين.
يرى تقي الدين أن محاصرة سوريا ستكون لها انعكاسات مباشرة على المستهلك السوري واللبناني؛ إذ ستنشأ إطارات احتكارية جديدة، وسيتبعها ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية. من جهة أخرى، ستبقى حركة الترانزيت من لبنان إلى الدول العربية على حالها، وهي قد انخفضت أصلاً بفعل المخاطر الأمنية في المناطق السورية. لكن في حال اتخاذ قرار سوري بوقف استخدام الأراضي السورية للتصدير نحو الدول التي أسهمت في فرض العقوبات، يمكن القول إن الحركة التجارية ستصاب بنكسة في لبنان.


لبنان «يخسر» دوماً
يشرح خبير اقتصادي مطّلع أنه إضافة إلى خسائر الاستثمارات اللبنانية في سوريا، فإن لبنان غير قادر على استقطاب أية استثمارات عربية أو أجنبية، مستفيداً من العقوبات المفروضة على سوريا، وخصوصاً أن الوضع السياسي والأمني في لبنان يكاد يصل إلى نقطة الانفجار.
سياسة
العدد ١٥٧٢ الاثنين ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١١

26‏/11‏/2011

جلسة الأربعاء لتصحيح الأجور



الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي: عدم ثقة بالدولة

سقوط الدولة يعني سقوط الجميع (أرشيف)
انهى وزير العمل شربل نحّاس عمل لجنة المؤشّر، وابلغ المشاركين فيها ان اجتماعهم امس هو الاخير، وبالتالي سيعكف منذ الآن على اعداد مشاريع القرارات والمراسيم المتعلقة بتصحيح الاجور والاجراءات الاخرى الموازية، ولا سيما شمول جميع اللبنانيين بالضمان الصحي، لاحالتها الى رئاسة مجلس الوزراء صباح يوم الاثنين لتكون جاهزة لعرضها على جلسة يوم الاربعاء المقبلة... اذا انعقدت طبعا!
رشا أبو زكي
قصد وزير العمل شربل نحّاس ان يحمل الاجتماع الاخير للجنة المؤشّر طابعا نقديا، فهو استهلك الجزء الاكبر من هذا الاجتماع في قراءة مقتطفات من اوراق الاطراف المشاركة الواردة اليه، واظهر التناقضات الحادّة في ورقة كل طرف وبين اوراق الاطراف الثلاثة: الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام وهيئة التنسيق النقابية... احرجهم بملاحظاته، ليخلص الى انهم لم يكونوا جدّيين في اي وقت، ولم يتعاملوا بمسؤولية عالية مع هذه المسألة المحورية والملحّة، ولم يتفقوا الا على التشكيك في الدولة والانسياق الى اقتراحات تستعيض عنها بأشكال ملتوية ومشوّهة من الحلول التي لا تؤدّي الا الى تعميق المشكلات التي يشكو منها كل طرف!
ولفت نحّاس الى مفارقة يجب تسجيلها، اذ «لم يسبق في تاريخ البشرية ان رفع اصحاب العمل الصوت للمطالبة بزيادة اشتراكات الضمان كون لا بديل عنها، ولم يسبق ايضا ان قال العمال ان موضوع التغطية الصحية هو مشروع هيولي. ويا للأسف، القوى الحية في المجتمع وصلت الى مرحلة تشكك فيها بإمكان اعادة بناء الدولة أو اقامتها». وقال نحاس إن «الحلول القديمة ساقطة في نظرنا، ولا سيما في الوضع الذي نعيشه اليوم وفي منطقة تجتاحها الاعاصير، من هنا يجب أن نضع كل قدراتنا لتعزيز منطق الدولة».
حاول ممثلو الاطراف المشاركة ان يستفسروا عن نوايا الوزير نحاس، فما الذي ينوي اقتراحه على مجلس الوزراء؟ رفض نحّاس الافصاح صراحة، وصاغ جملته بشكل يسمح بالاستنتاج فقط، اذ قال: «اذا بقيت الحكومة وعقدت جلستها المقررة في الثلاثين من هذا الشهر، فاننا سنسعى لكي يكون تصحيح الاجور اول بند على جدول اعمالها، اذ لا لعب بهذا الموضوع، وبالتالي فانتم تعرفون موقفي تماما، فالمقاربة التي قدّمتها تسمح بتحقيق الوعد الذي تلقاه الاجراء بزيادة اجورهم بما لا يقل عن 200 الف ليرة و300 الف ليرة، لكن عبر الالتزام ايضا بالقوانين التي شرحها رأي مجلس شورى الدولة، اذ ان هذه الزيادة يجب ان تكون معبّرة عن نسبة غلاء المعيشة وتطاول جميع الاجراء بلا اي استثناء، كما يجب ان تترافق مع اجراءات تخفف الاعباء عن الاسر عبر شمول الجميع بالضمان الصحي واصلاح النظام الضريبي وجعله اكثر عدالة ومحاباة للانتاج على حساب الريوع، وكذلك اتخاذ اجراءات لتمكين الشباب من الوصول الى فرص العمل اللائقة وتخفيف معدّلات البطالة والهجرة وتحسين القدرات التنافسية للمؤسسات وزيادة انتاجية الاقتصاد». واوضح نحّاس للمشاركين ان بعض هذه الاجراءات يحتاج الى قرارات وبعضها الى مراسيم وبعضها الى تعديلات في القوانين وبعضها الى ادراج اعتمادات مخصصة في الموازنة العامّة، لذلك سيتقدّم بكل هذه النصوص الى رئاسة مجلس الوزراء يوم الاثنين لادراجها على جدول اعمال جلسة الاربعاء، معتبرا ان المعركة الاساسية ستكون لجعلها اول بند، وبالتالي يجب ان تسبق بند تمويل المحكمة الدولية، لأن الناس ينتظرون مثل هذه القرارات ولا يجوز رهن مصالح الناس بمسألة تمويل المحكمة، ولا يجوز للحكومة ان تستقيل قبل ان تفي بحاجة الناس الى تصحيح اجورهم.
رئيس هيئة التنسيق النقابية حنا غريب حذر من «سقوط الدولة». وشرح ان الشعب اللبناني ينتظر صدور قرار يوم الاربعاء المقبل بتصحيح الرواتب والاجور بما يتناسب والتضخم. الوقت استنفد وهيئة التنسيق النقابية أعطت مهلة أسبوعين للحوار، وقد مرت ثلاثة أسابيع «آن الاوان ان تتخذ الحكومة قراراً بحسم الموضوع الاجتماعي وإقرار تصحيح الاجور بما يتناسب ونسبة التضخم منذ عام 1996».
وحذر غريب من العودة الى الوراء «إن التصحيح يجب ان يكون صعوداً وليس هبوطاً». وأوضح أن هيئة التنسيق النقابية هي مع التغطية الصحية الشاملة للشعب في إطار مشروع الدولة، وتعزيز الضمان الاجتماعي وإنقاذ صندوق المرض والامومة. وحذر من «أن سقوط الدولة يعني سقوط الجميع، ونحن من يدفع الثمن، والمطلوب قرار سياسي لإقرار تصحيح الرواتب والاجور».
غصن: لا نثق بالحكومة
«الوزير نحاس سيعرض خطته كاملة وسيضع قرار تصحيح الاجور بيد الحكومة». هكذا يختصر رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن لـ«الأخبار» نتائج اجتماع لجنة المؤشر. ويشير الى أن الاتحاد يلتقي مع نحاس في معظم النقاط التي يطرحها، باستثناء ما يتعلق بالتغطية الصحية الشاملة. «فقد قلنا لنحاس ان الطريقة الأسهل هي تطبيق قانون الضمان، فالدولة لم تتطور في معالجتها للشأن الاجتماعي، ولا ثقة لنا بإدارتها لموضوع التغطية الصحية الشاملة، الا عبر الضغط لتطبيق قانون الضمان، الذي ينتهي في مراحله بشمول جميع اللبنانيين بتقديماته».
غصن يشير الى أن زيادة 200 ألف ليرة على الاجور ما دون المليون و300 ألف ليرة على الاجور ما فوق المليون الليرة «قريب لطرح الاتحاد». ويتمسك غصن بعبارة: «نحن راضون عن هذه الزيادة».
المواقف في اجتماع لجنة المؤشر كانت متباعدة، يقول رئيس جمعية تجار بيروت (ممثل الهيئات الاقتصادية) نقولا شماس. «فقد طرح الوزير نحاس تصوره الكامل حول تصحيح الأجور، وقال انه سيرفعه الى مجلس الوزراء لكي تتم دراسته في الجلسة المقبلة». الخطوط العريضة تتعلق بضم بدلات النقل الى الحد الادنى للأجر ليصل الى نحو 950 الف ليرة. «رفضنا» يقول شماس، «فقد أعلنا أننا نريد ان نتحمل مسؤوليتنا الاجتماعية كاملة، عبر ارتكازنا على نسبة التضخم الصادرة عن ادارة الاحصاء المركزي وهي 17 في المئة. وبالتالي عدنا وكررنا طرحنا بزيادة الأجور 100 ألف ليرة للأجر ما دون المليون، و170 ألف ليرة للاجر الذي يزيد على المليون».
يؤكد شماس رفض الهيئات الاقتصادية ضم بدلات النقل الى صلب الأجر. فهذه العملية تزيد من «الأعباء على أصحاب العمل في الضمان الاجتماعي، على الرغم من ان الوزير نحاس قال لنا إنه يوجد طريقة قانونية لخفض هذا العبء عند احتساب تسوية نهاية الخدمة، الا أن ذلك لا يلغي زيادة حجم الاشتراكات التي سيتحملها أصحاب العمل».
التقت الهيئات الاقتصادية مع الاتحاد العمالي العام في نقطة واحدة، يقول شماس. النقطة هي اللا ثقة بالحكومة بأن تموّل وترعى مشروع التغطية الصحية الشاملة.


3 مرتكزات
يعود اليها نحاس في تقريره الى الحكومة، وهي: عدم مخالفة الانتظام القانوني. اعادة دور وزارة العمل كمسؤولة عن الوضع الاجتماعي. تطبيق البيان الوزاري لجهة تعديل النمط الاقتصادي، واعادة النظر في دور الدولة وبالتالي تأمين تغطية صحية وتعليم ونقل...

تعزيز منطق الدولة
«كيف نعزز منطق الدولة؟» سأل وزير العمل شربل نحاس المشاركين في اجتماع لجنة المؤشر. وقال إن ذلك يتحقق من خلال وضع كل القدرات عبر جمع المعنيين بموضوع الاجور وجعلهم كتلة متراصة. «لكن ويا للأسف لم نتوصل الى حل موحد». أشار الى وجود خلافات في مسألة ضم بدلات النقل الى الاجر واعتبارها جزءاً من الأجر، وخلاف على تأمين التغطية الصحية. «وهنا لا يمكننا القول اننا سنقدم تغطية اجتماعية تطبيقاً للمادة الموجودة في قانون الضمان الاجتماعي منذ عام 1968 الى اليوم، ومنذ 48 سنة لم ننتقل الى المرحلة الثانية، ومن هنا لا يمكن تأمين التغطية الصحية لكل المجتمع الا من خلال المال العام».
اقتصاد
العدد ١٥٧١ السبت ٢٦ تشرين الثاني ٢٠١١

25‏/11‏/2011

طابة الأجور في ملعب الحكومة


نحّاس يستعجل التصحيح ولا اتفاق بين العمّال وأصحاب العمل
(تصوير هيثم الموسوي)
ستعود طابة تصحيح الأجور الى ملعب الحكومة قريباً. أصحاب العمل وممثلو العمال لم يتوصلوا الى اتفاق مشترك. الكل متمسك بمواقفه. وتهديدات بعدم الالتزام بقرار الحكومة إن لم يكن على «مزاج» الهيئات الاقتصادية. وتهديدات من هيئة التنسيق النقابية بالتحرك في حال عدم الالتزام بالشطور. وزير العمل شربل نحاس فقد الأمل بالتوافق بين الأطراف المعنية وبات يخاف من المماطلة!
رشا أبو زكي
اليوم، الاجتماع الأخير للجنة المؤشر. المشهد لا يزال على حاله. الهيئات الاقتصادية تطرح زيادة بين 100 ألف ليرة و163 ألف ليرة فقط. الاتحاد العمالي العام يطالب بزيادة 200 ألف ليرة لمن يتقاضون أقل من مليون ليرة، و300 ألف ليرة لمن يتقاضون أكثر من مليون ليرة. هيئة التنسيق النقابية متمسكة بزيادة 60 في المئة على الشطر الأول من الأجور، و40 في المئة على الشطر الثاني، و20 في المئة على الشطر الثالث. وزير العمل شربل نحاس مصر على تضمين الأجر الاجتماعي من ضمن مقاربة لجنة المؤشر وقراراتها. النتيجة: لا نتيجة.
الكل متمسك بورقته. والجميع لا يقبل المساومة. الأسعار ارتفعت والرقابة معدومة، وكما يقول المثل الشائع «ليس في الميدان إلا حديدان».
و«حديدان» هو كل المواطنين.
الأطراف المشاركة في اجتماعات لجنة المؤشر لم تصل الى اتفاق مشترك، يقول نحاس لـ«الأخبار». كل طرف يطرح ورقة لا يرضى بها الطرف الآخر. «سأقول لهم شكراً، على كل ما قمتم به، وعلى حرصكم على المصلحة العامة». بعد الشكر، سينتقل نحاس الى الخطوة الثانية، وهي صوغ تقريره الى مجلس الوزراء من وحي خطته المرتكزة على الأجر الاجتماعي. تقرير نحاس سيتطرق الى الضمان الشامل الممول من الضريبة على الربح العقاري، لكن «سأناقشه في اقتراح قانون منفصل على طاولة مجلس الوزراء». فالأمور وفق نحاس لا تحتمل التأجيل، «لا بل أخاف من وجود نيات للمماطلة بسبب سلوك المعنيين، ولذلك سأختم النقاشات وأذهب إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار». هل يخاف نحاس من تعطيل الحكومة أو تطييرها، لذلك يستعجل قرار تصحيح الأجور؟ يجيب نحاس بأن الاحتمال قد يكون وارداً، حينها سيصبح المواطنون في مصيبة فعلية: لا تصحيح لأجورهم، وبالتالي هناك ارتفاع واقع على الأسعار.
هيئة التنسيق النقابية لا تزال خارج تركيبة لجنة المؤشر رسمياً، فالحكومة حتى الآن لم تقر مرسوماً يؤكد عضوية الهيئة في اللجنة. الا أن رئيس الهيئة حنا غريب يؤكد ان الهيئة تمثل شريحة كبيرة من القوى العاملة اللبنانية، وأن اشراكها في القرار واجب وضرورة. ويعتبر غريب أن الاجتماع اليوم لن يحمل أي جديد «كل سيتمسك بمواقفه». والأولوية لدى الهيئة هي التغطية الصحية الشاملة «وبما انه لا يوجد توافق على هذا المشروع، فلا بد من طرح انقاذ صندوق المرض والأمومة من العجز عبر رفع الاشتراكات على اصحاب العمل لإعادة التوازن المالي وذلك بالنسب التي كانت عليها في عام 2001. يعتبر غريب ان عدم انقاذ الضمان يؤدي الى عجز آخر في صندوق تعويض نهاية الخدمة، وبالتالي يهدد الضمان بأسره. ويشدد غريب على مطلب زيادة 60 في المئة على الشطر الأول، و40 في المئة على الثاني، و20 في المئة على الثالث، على أن يتم اعتماد عام 1996 كسنة أساس لاحتساب التضخم. اما اذا لم يتم السير بهذا الاقتراح «فلهيئة التنسيق أن تقرر خطواتها، فقد امهلنا الحوار اسبوعين، واليوم سنجتمع ونتخذ القرار المناسب».
لم يعقد الاتحاد العمالي اي اجتماع مع الهيئات الاقتصادية للوصول الى حل مشترك، يقول رئيس الاتحاد غسان غصن. هكذا، سيعيد الاتحاد التأكيد على ورقته التي قدمها الاسبوع الماضي الى نحاس. ويشير غصن الى أن نحاس أشار الى التزامه قرار الحكومة، وبالتالي لا بد من اجراء تعديل على هذا القرار عبر فرض زيادة 200 ألف ليرة على الأجور ما دون المليون ليرة، و300 ألف ليرة على الأجور التي تزيد على مليون ليرة. «لقد قدمنا اقتراحات عملية لتصحيح الاجور وتأمين سلة من التقديمات الاجتماعية الموازية» يقول. فالاتحاد وفق غصن لا يختلف مع نحاس في وجهته الاجتماعية، ويوافق على جميع بنود خطة الأخير، باستثناء ما يتعلق بالضمان الشامل. يعتبر غصن ان المشروع الذي يقترحه نحاس لا يمكن ان يتحقق في ظل هكذا حكومة، وهنا، لا بد من تطبيق قانون الضمان، للوصول الى الضمان الشامل. فالمادة 12 من قانون الضمان تشير الى أن تشمل تقديمات الصندوق كل اللبنانيين، وبالتالي في حال تطبيق هذه المادة، يمكن الوصول الى النتيجة ذاتها التي يريدها نحاس. كما يمكن الضغط على الحكومة لدفع مستحقات الضمان لهذا العام والتي وصلت الى 220 مليار ليرة. كما يعتبر أن ضم لواحق الأجور من نقل ومنح مدرسية الى صلب الراتب منصوص عليه كذلك في قانون الضمان، لكنه لم يكن يطبق، وبالتالي فإن الاتحاد يدعم هذا الطرح. وغصن يرفض بالمطلق ما تقدمت به الهيئات الاقتصادية من اقتراح زيادة 16 في المئة على الحد الأدنى للأجور، معتبراً انه «مجحف».
هنا الصورة «مقلوبة»، فنحن في حضرة طروحات الهيئات الاقتصادية التي تتناقض بالكامل مع طروحات هيئة التنسيق النقابية والاتحاد العمالي! «نحن متمسكون بكل ما جاء في الورقة التي تقدمنا بها الى نحاس» يقول رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس. فالهيئات لا تقبل الا بمرجعية ادارة الاحصاء المركزي كمزود حصري للأرقام والإحصاءات. كما لا ترضى إلا بأن يكون عام 2008 هو سنة الأساس لاحتساب نسب التضخم. الهيئات الاقتصادية «حريصة» أيضاً على «العدالة الاجتماعية»، لذلك طرحت «زيادة 100 ألف ليرة لمن يتقاضون أقل من مليون ليرة، و163 ألف ليرة لمن يتقاضون فوق المليون»! هذه الزيادة «طوعية» يقول شماس، الا أنه لا زيادة ستطال النقل والمنح التعليمية. والمهمة المقبلة للهيئات ستكون الآتية: «المطالبة بالعودة الى قانون العمل سنة 1946 الذي يسمح للحكومة بتحديد الحد الأدنى للأجور فقط».
شماس يطئمن اللبنانيين الى أن الأسعار ستتجه نحو الانخفاض في المستقبل، «فالزيادة الحاصلة في عام 2011 مستوردة من التضخم العالمي، الا ان «خوفنا من ان رفع الاجور بنسب غير منطقية سيولد تضخماً داخلياً يستحكم بالاقتصاد اللبناني».
ماذا لو أقرت الحكومة زيادة تتجاوز ما عرضته الهيئات الاقتصادية؟ يجيب شماس أنه «إذا حددت الحكومة قرارها بهذه الأرقام، فمن المرجح ان الهيئات الاقتصادية لن تلتزم. وفي حال زيادة بدلات النقل والمنح المدرسية، عندها ستصبح الهيئات «زبوناً دائماً لدى مجلس شورى الدولة».


80 في المئة
هي النسبة التي تتحمّلها الأسر من الإنفاق الخاص للبنانيين على الفاتورة الصحية، ويشير البنك الدولي الى ان هذه النسبة مرتفعة، فيما يرى عدد من الخبراء الاقتصاديين ان هذه النسبة تعدّ من بين النسب الأعلى عالمياً

اجتماعات بلا نتيجة
استهلكت لجنة المؤشر اجتماعات عدّة من دون التوصل الى صيغة توافقية بين ممثلي اصحاب العمل والعمال، وبينهما وبين وزير العمل شربل نحّاس. في المرحلة الاولى، قاطع الاتحاد العمالي العام اجتماعات اللجنة احتجاجاً على مشروع الموازنة ليذهب الى التفاوض المباشر مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الهيئات الاقتصادية عدنان القصّار، وهكذا رفع وزير العمل شربل نحاس تقريره الى الحكومة. الا ان القرار الحكومي جاء كصفقة سياسية أفضت الى رفضه من مجلس شورى الدولة، فعادت الأمور الى لجنة المؤشر.
اقتصاد
العدد ١٥٧٠ الجمعة ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١١

22‏/11‏/2011

جيش «العمال غبّ الطلب»


يعملون في (المياه والكهرباء) منذ عشرات السنوات بلا أي ضمانات

عمال يضحون بحياتهم في العمل بلا أي حقوق وظيفية (مروان طحطح )
كثر في السنوات الأخيرة الحديث عن ظاهرة «عمال غب الطلب». فهؤلاء أصبح عددهم بالآلاف، يعملون منذ أكثر من عشر سنوات في عدد من المؤسسات والإدارات العامة عبر المتعهدين. ممنوعون من الدخول إلى ملاك المؤسسات. والسبب: ممنوع التوظيف
رشا أبو زكي
يطلقون عليهم لقب «عمال غب الطلب». سبب هذا اللقب أنهم يعملون لدى متعهدين متعاقدين مع المؤسسات والإدارات العامة. لماذا؟ لأن هذه المؤسسات لا تريد زيادة أكلافها، على حساب كرامة عمالها، بحيث تستعين بمتعهدين، تدفع لهم ملايين الدولارات، فقط ليضعوا آلاف عمال غب الطلب على اسمهم. مراوغة ضد القانون، وضد الحقوق الإنسانية والوظيفية لهؤلاء العمال. مراوغة هدفها فقط تهرب هذه المؤسسات من إدخال هؤلاء العمال إلى الضمان الاجتماعي. نحو 20 مليون دولار تدفعها مؤسسة الكهرباء ومؤسسات المياه لمتعهدي عمال غب الطلب.
مبلغ يمكن أن يمثّل نسبة كبيرة من تكاليف إدخال هؤلاء إلى ملاك هذه المؤسسات. مبلغ يستطيع أن يحوّل عمالاً لا يتمتعون بأي حق وظيفي، إلى موظفين. لكنّ متعهدي العمال أصبحوا طبقة خاصة تكتسب آلاف الدولارات بلا أي جهد. وعمال غب الطلب تحولوا إلى جيش مسلوب أيَّ حق، يخدم مؤسسته لعشرات السنوات، ويبقى «مكتوم القيد». وبين الحق والمطلب، باشرت لجان انبثقت من «عمال غب الطلب» بتحركات واسعة، المطلب المرفوع هو الدخول إلى ملاكات المؤسسات التي يعملون فيها. تحركات قد تفضي إلى تحقيق المطالب، بحسب أحد المياومين؛ فالمؤسسات العامة بمعظمها أصبحت تقوم على عمال «غب الطلب»، من الصيانة إلى الأعمال الفنية، والإدارة وحتى الأعمال الهندسية...
13 مليون دولار على الكهرباء!
في مؤسسة الكهرباء نحو 9 متعهدين. هؤلاء يتولون 1830 عامل غب الطلب في المؤسسة. تدفع مؤسسة الكهرباء للمتعهدين يومياً نحو 32500 ليرة عن كل مياوم، ويدفع المتعهد لكل مياوم 28500 ليرة. بما أن عدد المياومين في مؤسسة الكهرباء هو 1830 مياوماً، يتقاضى المتعهدون يومياً 59 مليوناً و475 ألف ليرة، يدفعون منها 52 مليوناً و155 ألف ليرة للمياومين، ليكون ربحهم اليومي 7 ملايين و320 ألف ليرة. هكذا تدفع المؤسسة للمتعهدين شهرياً ملياراً و665 مليون ليرة، أي 13 مليوناً و322 ألف دولار سنوياً. هؤلاء المتعهدون يحققون ربحاً صافياً من هذا المبلغ قيمته 140 ألف دولار شهرياً، أي مليون و640 ألف دولار سنوياً. يشرح المياوم في المؤسسة زاهر عيتاني أن عمال غب الطلب يعملون في المؤسسة منذ أكثر من 15 عاماً، ويردمون ثغرة الشغور الضخمة في ملاك المؤسسة؛ فقد وصل عدد المراكز الشاغرة إلى 3216 مركزاً حتى اليوم. وعلى الرغم من ذلك، لا يتمتع هؤلاء العمال بأية ضمانات اجتماعية، ويحصلون على أقل من الحد الأدنى للأجر، ولا يعَدّون موظفين. ويقول إن الضمان الاجتماعي اعترف وألزم المؤسسة باعتبار العمال المياومين أجراء ضمن المؤسسة وألزمها بدفع الاشتراكات من 1/1/2002 حتى اليوم، ولكن مؤسسة الكهرباء غضت الطرف عن هذا الموضوع. ويشير عيتاني إلى أن إدارة المؤسسة تجيبهم دائماً بأنه إذا قامت بالتصريح عنهم لدى الضمان، فستزيد الأعباء على ميزانية الدولة، إلا أن الإدارة نفسها تهدر ملايين الدولارات على المتعهدين من دون أن تتحدث عن هدر في المال.
3 ملايين دولار على مياه الجنوب
يقول محمود سقلاوي، وهو أحد المياومين في مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، إن متعهداً واحداً يتولى عمال غب الطلب كل عام، ويأخذ المتعهد 32 ألف ليرة عن كل مياوم من مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، فيما يدفع 20 ألف ليرة لكل مياوم يومياً. يبلغ عدد المياومين 470 في المؤسسة، وبالتالي يتقاضى المتعهد 15 مليوناً و40 ألف ليرة يومياً، يدفع منها 9 ملايين و400 ألف ليرة، فيبقى له ربح بقيمة 5 ملايين و640 ألف ليرة يومياً. وبذلك تدفع الدولة سنوياً 3 ملايين و369 ألف دولار للمتعهد، ويربح المتعهد منها مليوناً و263 ألف دولار.
ويشرح سقلاوي أن الشغور في المؤسسة وصل إلى 610 موظفين، فيما الموجودون في الملاك حالياً وصل عددهم إلى 262 موظفاً فقط. ويقول: «نحن لسنا مياومين، بل مكتومو القيد»؛ إذ إن المياومين يعملون منذ أكثر من 10 سنوات في المؤسسة، وبعضهم تخطى عمر الـ44 عاماً بعد أن أمضى 15 عاماً في خدمة المؤسسة، وحتى اليوم يحلم هؤلاء بأن يصبحوا موظفين. يشرح أن عمال غب الطلب يتقاضون في المؤسسة الحد الأدنى للأجور، من دون الحصول على بدل النقل.
يستغرب سقلاوي عدم إدخال العمال في ملاك المؤسسة، وخصوصاً أن الأخيرة دفعت ملايين الدولارات حتى اليوم للمتعهدين، فيما كان باستطاعتها إدخال عمال غب الطلب إلى الملاك بهذه المبالغ كلها. يقول سقلاوي إن الشركات تتهافت لتعهد العمال؛ ويرد هذا التهافت إلى الأرباح الكبيرة التي يحصّلها المتعهد «من دون أي جهد فعلي».

الشمال والبقاع: 1.7 مليون دولار
مؤسسة مياه لبنان الشمالي لا تختلف في واقع تشغيلها لعمال غب الطلب. فهي تدفع للمتعهد 30 ألف ليرة كمتوسط عن كل عامل غب طلب، فيدفع المتعهد متوسط 27 ألف ليرة لكل عامل. عدد عمال غب الطلب 150، وبالتالي تدفع الدولة 4 ملايين و500 ألف ليرة يومياً للمتعهد الذي يدفع إلى العمال نحو 4 ملايين و50 ألف ليرة. وبذلك تدفع الشركة للمتعهدين ملياراً و404 ملايين ليرة سنوياً، أو ما يعادل 936 ألف دولار. ويربح المتعهد نحو 100 ألف دولار سنوياً.
ويشرح رئيس نقابة العمال والمستخدمين في مؤسسة مياه لبنان الشمالي كمال مولود أن عمال غب الطلب يتقاضون بين 22 و32 ألف ليرة بحسب نوع العمل الذي يقومون به.
أما عدد أيام عملهم الشهرية فهو 26 يوماً، لافتاً إلى أن هؤلاء العمال موجودون في المؤسسة منذ أكثر من 15 عاماً، إلا أنهم حتى اليوم لا يستفيدون من أية تقديمات يحصل عليها الموظفون.
ويلفت إلى أن عدد العاملين في المؤسسة يجب أن يكون 1200 عامل، إلا أن الشغور مرتفع جداً، بحيث لا يوجد في ملاك المؤسسة سوى 350 موظفاً.
مؤسسة مياه البقاع دخلت حديثاً إلى نادي المستعينين بعمال غب الطلب، فقد خصصت المؤسسة ملياراً و200 مليون ليرة (800 ألف دولار) منذ أشهر لشركة تعهدت رفد المؤسسة بنحو 117 عاملاً، وذلك لمدة 11 شهراً.
ويشرح أحد العاملين في المؤسسة أن هذه القضية لا تتعدى الصفقة السياسية، وخصوصاً أن المؤسسة ليست بحاجة إلى العمال.


300 ألف ليرة
هو الأجر الأعلى الذي يتقاضاه عمال غبّ الطلب في مؤسسات المياه ومؤسسة الكهرباء، وهم لا يستفيدون من أية زيادة على الأجور، ولا من الزيادات الحاصلة على بدل النقل، والأهم أنهم لا يستفيدون من أي تغطية صحية أو معاش تقاعدي أو تعويضات نهاية الخدمة.

رقّ أم عمل؟
يرفض عمال غبّ الطلب أن يطلق عليهم صفة «مياومين»، فهم «رقيق» لدى المؤسسات العامة. يشير هؤلاء الى أن إدارات المؤسسات التي يعملون فيها لا تعتبرهم موجودين أصلاً، فهم من مسؤولية «الأسياد»، أي المتعهدين. ويشرح أحد عمال الكهرباء أن عمال غبّ الطلب في المؤسسة يتعرضون لمخاطر كبيرة، وعدد منهم قد أصيب بشلل، وبأمراض مزمنة وبتشوّهات نتيجة عملهم بالكهرباء، إلا أن المؤسسة لا تسأل عنهم، ولا تنظر الى أوضاعهم، لا بل إن من يتعرض لحادث ما يصبح فوراً عاطلاً من العمل.
اقتصاد
العدد ١٥٦٨ الثلاثاء ٢٢ تشرين الثاني ٢٠١١

19‏/11‏/2011

لبنان يغرق... يغرق... يغرق



(تصوير مروان طحطح)
أمس، كان لبنان مستنقع مياه كبيراً. الطرقات مقفلة بازدحام السيارات من الناقورة الى أقصى الشمال. المواطنون يناشدون المعنيين لتخليصهم. المناشدات لم تصل. العاصفة مستمرة. هل يتكرر المشهد اليوم؟
رشا أبو زكي
إني أغرق أغرق أغرق، ردد آلاف المواطنين أمس قصيدة نزار قباني، أو على الأقل تذكروها. لبنان لم يكن غارقاً بالعشق، بل بمياه الأمطار. وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، الذي طار كسندباد من منطقة إلى أخرى خلال الأشهر الماضية، وأغرق اللبنانيين بوعوده، اختفى فجأة. طبعاً، لم تفلح جميع محاولات الاتصال به. أما مجلس الإنماء والإعمار (وهو الذراع التنفيذية لمشاريع معالجة مياه الأمطار)، فكان الغائب الثاني. لا بيان يوضح، ولا اعتذار. ليست سوى أمطار بضعة سنتمترات، سقطت هنا. ليست إعصاراً، ولا زلزالاً، ولا «تسونامي»، ولا هزة أرضية حتى. لبنان أصبح بفضل متعهدي الأشغال ووزارتهم غارقاً في «شبر» مياه بكل ما للكلمة من معنى ومدلول ومكيول.
غارق «من فوق ومن تحت»، على حد قول أحد الغارقين، إضافةً إلى الأمطار الهاطلة التي تجمعت على الطرقات ببرك ضخمة، خرجت المياه من الأرض. انفجرَت «الريغارات»، اختنقت السيارات بأصحابها. فلم يكن من منقذين سوى فوج الإطفاء! وهنا لا بد من السؤال: «أين الأموال التي أزهقت على مجاري وشبكات المياه في الطرقات؟ وكيف يمكن تبرير «البرك الوطنية» التي وحدت جميع المناطق، ولا سيما على الأوتوسترادات الساحلية؟ ومن المسؤول عن هذه الكارثة السنوية؟
من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب زحمة السير كانت سيدة الموقف. موقف؟ فقد تحولت طرقات لبنان الى موقف، إلى برك يمكن من خلال عمقها قياس معدل تساقط الأمطار في لبنان طوال سنتين على الأقل! طريق الكرنتينا قطعت بالكامل. علق 9 مواطنين على الأقل في سياراتهم، غارقين في برك وصل منسوب المياه فيها إلى نحو 80 سنتمتراً. فاض سوق السمك الموجود في المنطقة أكثر من مترين، وغمرت المياه أكثر من 20 مستودعاً. كل الأسباب تجمعت لتتحول الكرنتينا إلى مرأب ضخم للسيارات. فرق الإطفاء كانت الوحيدة المستعدة لإنقاذ الناس، سحبت عدداً من السيارات الغارقة. أكثر من 4 ساعات من الانتظار عاشها اللبنانيون في هذه البقعة ومحيطها. وكان السير قد توقف ساعات طويلة من طبرجا حتى بيروت، واحتجزت آلاف السيارات في محلة «سليب كومفورت»، ما زاد حدّة الأزمة. توقف السير على طول الأوتوستراد الساحلي من نهر الموت وصولاً إلى الكازينو، ومن ضبيه باتجاه جونيه، والمواطنون ناشدوا المسؤولين التحرك، «لكن يبدو أن المسؤولين يستخدمون الهيليكوبتر»، يقول أحد «العالقين في الزحمة».
عند مداخل العاصمة ازدحام كثيف: العدلية، بدارو وكورنيش المزرعة تربعت على عرش الطرقات الأكثر ازدحاماً. ارتفع منسوب المياه. الطرقات تحولت إلى مستنقعات كبيرة. غمرت المياه بعض المستودعات والمحال التجارية قبل أن تسهم القوى الأمنية، بالتعاون مع فوج الإطفاء في سحبها، ما سبّب زحمة سير خانقة. والازدحام كذلك حل على جسر الدكوانة ـــــ الأشرفية. وكذلك الحال في منطقة عين المريسة، حيث ارتفع منسوب المياه إلى نحو 80 سنتمتراً في أكثر من مكان، بعدما تساقط أكثر من 30 ميللمتراً تقريباً لمدة ساعة ونصف ساعة.
من الشمال إلى بيروت، فلنتجه الآن جنوباً. الرياح أدت إلى سقوط عشرات اللوحات الإعلانية الضخمة والمتوسطة الموجودة أصلاً بطريقة غير قانونية. هكذا، أصبح أصحاب السيارات المارة على الأوتوستراد الساحلي من صيدا وصولاً الى الناقورة، مغامرين حقيقيين.
هكذا كان المشهد أمس، وهكذا يمكن أن يكون اليوم، حتى انحسار العاصفة. مشهد «سوريالي»، لبلد متوقف عن العمل بسبب: هطول المطر!
تحديد المسؤوليات في قضية كهذه كمن يدخل لعبة الدوامة. الكل يتقاذف المسؤوليات كالعادة، والحلول مفقودة، فالمصيبة حلت على لبنان، وستستمر. هاكم بعض الأرقام: وصلت ميزانية مجلس الإنماء والإعمار إلى نحو 630 مليار ليرة، والطرقات لا تزال على حالها. ميزانية المجلس بين عامي 2010 و2011 لمعالجة المشكلة 570 مليون دولار، ولا أحد يعوّل على حلول. وقد رصدت 50 مليون ليرة فقط لوزارة الطاقة والمياه لمشاريع «مياه السيلان»، و90 مليون ليرة للمياه المبتذلة. أما وزارة الأشغال العامة والنقل، فقد حصلت عام 2010 على 275 مليار ليرة لصيانة الطرق، وارتفع الرقم إلى 290 مليار ليرة عام 2011. لا الطرقات جرت صيانتها، ولا مياه الأمطار عرفت طريقها الطبيعي. الأكيد أنّ كل هذه الأموال التي أنفقت من جيب المواطن، راحت هدراً على مشاريع فاشلة.
الموضوع ليس قضية أشغال فقط، بل بنية تحتية متكاملة لتصريف المياه وشبكات الصرف الصحي. المسؤولية الأساسية تقع على مجلس الإنماء والإعمار، الذي لا يراقب أعمال المتعهدين، فتُنفَق الأموال على مشاريع تثبت فشلها مع كل بداية شتاء، لكن الحكومة، بحسب رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان هي المسؤول المركزي عن هذه الأزمة. فمنذ عام 1993، تُرصد مليارات الليرات لإصلاح شبكات المياه، وبعد 18 عاماً من الميزانيات المحولة الى مجلس الإنماء والإعمار، لا تزال المشكلة ذاتها تتكرر من دون محاسبة المسؤول عن الخطأ ولا مراقبته. لا بل تؤدي قضية تداخل الصلاحيات دوراً أساسياً في دوامة تكرار مشكلة مياه الأمطار، إذ إن المسؤوليات تتوزع على: وزارة الأشغال العامة والنقل، وزارة الداخلية والبلديات، وزارة الطاقة والمياه، ومجلس الإنماء والإعمار... بصورة أعم مجلس الوزراء بأكمله. كيف يمكن حل مشكلة كهذه في ظل غياب استراتيجية عامة ورسمية؟ وكيف يمكن الوصول الى خطة موحدة في ظل غياب وزارة التخطيط لمصلحة استمرارية عمل مجلس الإنماء والإعمار غير الخاضع لأي نوع من الرقابة؟
مفتاح الحل هو أن يكون في لبنان بنى تحتية ضمن المستوى والجودة المطلوبة والموجودة في جميع دول العالم، لاستيعاب مياه الأمطار. فالصيانة يجب أن تجري قبل بدء فصل الشتاء، وفق ما يقول رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية محمد قباني. تكرار أزمة تجمع مياه الأمطار في الطرقات يتخطى ما يحصل في الدول الأخرى، إذ أحياناً لا تستوعب الأقنية كمية المتساقطات الكبيرة، وعندئذ يمكن القيام بإجراءات سريعة لإعادة فتح الأقنية. وقوف هذه الظاهرة عند حدود وحالات قليلة يمكن أن يجري استيعابه، لكن التكرار يصبح أزمة.
ماذا عن الأموال التي أُنفقت منذ انتهاء الحرب الأهلية لصيانة الطرقات وشبكات المياه؟ قباني لا يدخل في الأرقام، لكنه يرى أن الأزمة تتمحور حول ثقافة لبنانية سائدة بأن الصيانة غير ضرورية. المسؤولية تتحملها الحكومة، والوزراء المعنيون والبلديات، إنها مسؤولية مشتركة، والحلول يجب أن تكون جذرية.
وإذا كانت السلطة التشريعية لا تزال في إطار «النق» وتوزيع المسؤوليات، فإن السلطة التنفيذية كانت صامتة أمس، حيث لم يبحث أي اجتماع أزمة الطرقات، ولم يتوجه أي مسؤول بكلمة الى المواطنين، فهذه الأزمة أمر واقع، واقع على المواطنين حصراً.


عمليات الإنقاذ: «سباحة»!
أعلنت مصلحة الأرصاد الجوية استمرار العاصفة اليوم. فالطقس سيكون ماطراً مع عواصف رعدية ورياح ناشطة، كما تتساقط الثلوج على ارتفاع 1500 متر. ويؤكد العقيد صافي سلطاني، القائد المعاون المكلف بالمهمات الميدانية في فوج الإطفاء لـ «الأخبار» إن الفوج على جهوزية دائمة. وقال إنّ 25 مستودعاً في بيروت غرقت أمس بالأمطار، بارتفاع وصل الى مترين من المياه، كما اقتلع الهواء 17 شجرة، وأغلقت الطرقات في البسطة، طريق الجديدة، الأشرفية، أرض جلول وعدد من المناطق الأخرى، فأزاحها الفوج. وكذلك حاصرت المياه 8 سيارات في الكرنتينا، ووصلت المياه الى نوافذ السيارات، وقد أُنقذ السائقون. فيما غرقت سيارة في مستنقع في منطقة الكرنتينا لجهة سوق السمك، فسبح شباب الفوج، وأنقذوا سيدة كانت محاصرة في سيارتها وبوضع يرثى له. وقد طلب سلطاني من جميع المواطنين الاتصال بفوج الإطفاء على الرقم 175 فور حصول أي مشكلة مشابهة، مؤكداً أن الفوج بانتظارهم، ومستعد 24/24 ساعة.
مجتمع
العدد ١٥٦٦ السبت ١٩ تشرين الثاني ٢٠١١

17‏/11‏/2011

صناعة ترفع نخب لبنان



بيروت الكبرى الأكثر استهلاكاً للنبيذ والبيرة... والعرق يتراجع 90%

تطوير صناعة الكحول ينعكس تنمية في عدد من القطاعات الزراعية (هيثم الموسوي)
تعدّ صناعة المشروبات الروحيّة من بين الصناعات الأكثر أهمية في لبنان، إذ تواكب التطورات العالمية في الذوق الاستهلاكي، وتعمل على الإنتاج وفق جودة ومعايير عالمية. وعلى الرغم من الآفاق الواعدة لهذه الصناعة، إلا أن الإهمال الحكومي يطاولها بقوة. فهذه الصناعات تصنّف على أنها «صناعات غذائية»، وتجمع في الإنتاج قطاعي الصناعة والزراعة. وهكذا تعيش تحت وطأة الإهمال الرسمي لكلا القطاعين!
رشا أبو زكي
هل صناعة الفودكا والويسكي حكر على الدول الصناعية الكبرى؟ هل العرق هو المشروب الأكثر استهلاكاً في لبنان؟ وهل إنتاج النبيذ يشهد تراجعاً بسبب المنافسة الأجنبية في السوق المحلية؟ الجواب عن كل هذه الأسئلة هو كلا. في لبنان مصانع لكل أنواع المشروبات الروحية. العرق شهد تراجعاً في الإنتاج من 25 مليون قنينة في الثمانينيات الى 2.5 مليون قنينة في عام 2011. النبيذ والبيرة لا يزالان يتربعان على عرش السوائل الكحولية الأكثر إنتاجاً في لبنان، والأكثر تنافسية في السوق المحلية. أما الحملات التي قامت في المناطق لمنع بيع المشروبات الروحية فلم تؤثر على الاستهلاك إلا بنسب لا تذكر.
وحتى اليوم، لا تزال بيروت تحتل المرتبة الأولى في نسبة الاستهلاك، يليها جبل لبنان، ومن ثم الجنوب والشمال، فالبقاع.
الصناعة هذه تشغّل المئات من اليد العاملة اللبنانية في أكثر من 500 مصنع كبير وصغير، إضافة الى مئات المزارعين في المناطق. وعلى الرغم من الأهمية التي تحيط بهذا القطاع الصناعي ـــــ الزراعي، إلا أن الدولة اللبنانية لا تزال غائبة بمختلف أجهزتها عن تنميته. لا إرشاد للمزارع، لا تحفيز للاستثمارات، ولا حتى مساعدة في التسويق الخارجي لمنتجات معظمها دخل ساحة المنافسة في الأسواق العالمية: القاعدة أن جهود التطور القطاعي كلها فردية ووفق مبادرات خاصة!

بيروت في أعلى القائمة
تبين إحصاءات نقابة منتجي الكحول والخمور والمشروبات الروحية في لبنان أن لبنان أنتج هذا العام مليوناً و450 ألف صندوق من البيرة، فيما استورد 950 ألف صندوق. كما أنتج 825 ألف صندوق من النبيذ، واستورد حوالى 94 ألف صندوق. وكذلك ينتج لبنان الويسكي والفودكا وغيرها من المشروبات، ويصدر نسبة كبيرة من إنتاجه. وتظهر الإحصاءات أن بيروت وجبل لبنان يستحوذان على غالبية الاستهلاك المحلي في كل أنواع المشروبات الروحية، فيما تحل مناطق الجنوب في المرتبة الثالثة. وفي التفاصيل، تستهلك بيروت 53 في المئة من إنتاج الويسكي، وبعدها جبل لبنان 33 في المئة، لتتوزع النسب الباقية على كل من الجنوب (6%) والشمال (4%) والبقاع (4%). في استهلاك البيرة والنبيذ، تتطابق الإحصاءات وفق القاعدة الهرمية ذاتها: بيروت 55 في المئة، جبل لبنان 30 في المئة، الجنوب 8 في المئة، الشمال 6 في المئة والبقاع 1 في المئة.
سبب تركز الاستهلاك في بيروت وجبل لبنان له أسبابه، بحسب رئيس نقابة منتجي الكحول والخمور والمشروبات الروحية، كارلوس العظم. مناطق الأطراف تعاني انخفاضاً كبيراً في القدرة الشرائية، وازدياداً في النزوح الداخلي نحو بيروت الكبرى، كما أن مراكز السهر متركزة بمعظمها في بيروت وجبل لبنان. ويؤكد أن منع المشروبات الروحية في عدد من المناطق الجنوبية لم يغيّر كثيراً في نسبة الاستهلاك، فالمحال التي منعت صغيرة، ومن كان يبتاع منها المشروبات الروحية أصبح يتوجه الى مناطق أخرى، وبالتالي لم ينعكس هذا الواقع انخفاضاً ملحوظاً في نسب الاستهلاك.

تطور مع بعض الخيبات
العرق هو الخاسر الأكبر في عملية تطور صناعة الكحول في لبنان. يشرح العظم أن سبب تراجع الإنتاج من 25 مليون قنينة عرق في الثمانينيات الى 2،5 مليون قنينة يعود الى أسباب عديدة، أهمها توجه الشباب نحو المشروبات الأخرى، على اعتبار أن العرق مشروب تراثي، والبدائل الأكثر حداثة هي مشروب الفودكا المطعّم بالنكهات.
فقد بقي حوالى 25 مصنع عرق كبيراً، إضافة الى عشرات المصانع الصغيرة وعشرات المصانع غير المصرح عنها، إذ إن أكلاف إنتاج هذا المشروب شهدت ارتفاعاً خلال السنوات الماضية، كما احتدمت المنافسة مع البلدان المجاورة، وخصوصاً تركيا وسوريا. والتعثر القطاعي لم يلق التفاتة رسمية، فالحكومات المتعاقبة منذ انتهاء الحرب الأهلية لم تعمل على تقديم أية مساعدة للحفاظ على هذه الصناعة الوطنية. والمقصود هنا ليس الدعم فقط، بل إرشاد المزراعين وتوفير الأدوية الزراعية وتقديم الاستشارات الرسمية المطلوبة لإنتاج اليانسون، وهذه مطالب رئيسية لخفض كلفة إنتاج العرق. فلبنان يستورد حوالى 350 إلى 400 طن سنوياً من اليانسون، ما يرفع من كلفة الإنتاج، إضافة الى استيراد القناني بعدما ضرب مصنع «ماليبان» في حرب تموز. في المقابل، فإن كلاً من سوريا وتركيا تنتجان هذين المكونين الأساسيين (يانسون وقناني) في إنتاج العرق.
البيرة في أعلى قائمة الإنتاج، فقد وصل حجم التصنيع المحلي الى مليون و450 ألف صندوق هذا العام، فاحتلت هذه الصناعة المرتبة الأولى في استهلاك المشروبات الروحية. ويشير أحد المطلعين على ملف إنتاج البيرة الى أن هذه الصناعة لها آفاق تطويرية ضخمة، إلا أن شركة واحدة تسيطر على غالبية السوق اللبنانية، ما يقلص من الخيارات الاستهلاكية.
وعلى الرغم من شهرته الكبيرة، وجودته التي تضاهي المعايير العالمية، فإن قطاع صناعة النبيذ قبع في أدراج الإهمال الحكومي كذلك. لكن هذا الواقع لم يمنع من ازدياد نسبة الاستهلاك 10 في المئة سنوياً، وكذلك نسبة التصدير. فالعنب المحلي يكفي حاجة المصانع، وازدياد الطلب يسهم في المحافظة على الوتيرة التصاعدية في الإنتاج، في حين أن حجم استهلاك النبيذ المستورد لا يتعدى 10 في المئة من حجم استهلاك النبيذ المحلي. والأسباب متعددة، أهمها جودة تصنيع النبيذ ومعاييره، في مقابل أسعاره المقبولة.
وبحسب رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي، فإن لبنان يضم حوالى 33 شركة لإنتاج النبيذ، وقسم كبير منها نشأ في السنوات الأخيرة، وبذلك يمكن اعتبار الموجة التصاعدية لهذه الصناعة في أولها، إن كان في السوق المحلية أو العالمية.
أما صناعة الويسكي، فقد تراجعت في فترة ما بعد الحرب. انفتاح أوروبا الشرقية على أوروبا الغربية كان سبباً في تراجع التصدير، وكذلك ازدياد العراقيل التصديرية الى العراق. وبذلك، خلت الساحة لثلاثة مصانع كبرى، معظم إنتاجها يذهب الى الخارج، أما التركيز المحلي فعلى الفودكا، لا بل على الفودكا المطعّمة بنكهات تحديداً.


3
هي مرتبة الصناعات الغذائية في قائمة الصادرات اللبنانية، وتأتي صناعة الكحول في المرتبة الثانية ضمن الصناعات الغذائية. ويؤكد رئيس نقابة الصناعات الغذائية أن نمواً كبيراً يشهده هذا القطاع مع ارتفاع حجم الاستثمارات والتنويع في أصناف المنتجات المصنّعة


وزارة الصحة «لا» تحذّر!
يقول شاعر إيران الكبير حافظ الشيرازي: «وشارب الخمر الذي لا رياء فيه ولا نفاق خير من بائع الزهد الذي يكون فيه الرياء وضعف الأخلاق». هكذا يعبّر أحد بائعي المشروبات عن حملات منع محال الكحول من فتح أبوابها في عدد من المناطق. ولكن لماذا لا توضع ملصقات على زجاجات الكحول للتحذير من مضار الإفراط في تناولها، تبدأ بـ«وزارة الصحة تحذر»؟ إذ إن أي حكومة لبنانية لم تعمل على تنظيم بيع الكحول، ولم يصدر أي قانون لوضع الملصقات الإرشادية على هذه المنتجات.
اقتصاد
العدد ١٥٦٤ الخميس ١٧ تشرين الثاني ٢٠١١

12‏/11‏/2011

الأجر الاجتماعي: النقل [3/3]





طلاب يستقلون احد الباصات الخاصة (مروان طحطح)
مليارا دولار ينفقها اللبنانيون والدولة 400 مليون دولار
تتحمّل ميزانيات الأسر المقيمة في لبنان أكلافاً باهظة للحصول على خدمات الصحّة والتعليم والنقل (إضافة إلى السكن وبدائل الكهرباء والمياه طبعاً)، وهذا ما يجعل مقاربة تصحيح الأجور المقتصرة على زيادة الأجر النقدي مقاربة ناقصة، إذ إنها تنحصر بفئة الأجراء النظاميين الذين يؤلفون نحو 29% فقط من القوى العاملة... في ما يأتي الجزء الثالث من تحقيق من 3 أجزاء يتناول أكلاف الصحّة والتعليم والنقل
رشا أبو زكي
«ترين» (Train): هي التسمية الأجنبية لإحدى وسائل النقل الأكثر أهمية وشهرة في دول العالم. لكن في لبنان تستخدم كلمة «ترين» لوصف شخص بأنه بلا بصيرة! ربما إسقاطات كهذه تشي بمفهوم سلبي عن القطار. ربما أوصاف كهذه تنمّ عن عقلية الفوضى التي تحكم قطاع النقل في لبنان، والتي لم تتغيّر منذ عشرات السنين، لا بل تستفحل أزمة النقل العام لتصبح نذير شؤم تقسيمي للمناطق اللبنانية، وتسويقي للنقل الخاص على حساب النقل العام، علماً بأن عرض أوضاع النقل في لبنان منذ 6 عقود يكشف عن حجم التراجع الكبير الذي أصاب البلاد. ففي هذا المجال يجب ألا ينسى اللبنانيون أنهم كانوا يمتلكون خطوط سكك حديد وشبكات ترامواي ومصلحة نقل مشترك... إلى أن جرى إنهاء كل هذه التجهيزات والمؤسسات.
يشرح أحد الباحثين أن غياب النقل العام في لبنان له أوجه مجهولة للناس، ولكن معلومة لدى أصحاب القرار، إذ إن المستفيدين من غياب هذا المرفق الخدماتي كثر، وأبرزهم أربعة أطراف: 1ــــ عدد من مستوردي السيارات. 2ــــ الكارتيل النفطي. 3ــــ أصحاب شركات النقل الخاص. 4ــــ المنتفعون من هدر الأموال العامة في الوزارات المعنية والمؤسسات العامة والرديفة. هكذا يمكن التحدث عن «بازل» يمكن تركيبها من هذه الأطراف الأربعة، فتنتهي اللعبة بصورة تجسد زعماء سياسيين وشخصيات نافذة من أطراف مختلفة تسيطر على الاستيراد والنفط والنقل الخاص والصفقات داخل الوزارات والمؤسسات.
إلا أن التنفيعات الممهورة بأختام عدة تقابلها أكلاف باهظة يتحملها المواطنون وحدهم على حساب مستوى معيشتهم ومداخيلهم. وهذه الأكلاف تطال أكثر فئات أصحاب الدخل المحدود، لكون النقل العام يعمل في جميع البلدان على الحدّ من أكلاف التنقل لدى هذه الفئة تحديداً.
الرقم التراجيدي الذي يمكن استخلاصه هو أن الدولة تدفع أكثر من 400 مليون دولار سنوياً للموظفين في القطاع العام بدل نقل، وستنفق حوالى 50 مليون دولار لدعم السائقين لمدة 3 أشهر، فيما يدفع اللبنانيون حوالى ملياري دولار سنوياً ثمناً لبنزين السيارات. أكلاف ضخمة يمكن بحسب الخبراء أن تؤسّس لأكبر مشروع نقل عام في لبنان، وتشيّد إضافة إليه عدداً من الجسور، وتحسّن عدداً كبيراً من الطرقات في المناطق. بمعنى آخر، إن استثمار ما تتكبّده الدولة اليوم يكفي لإنشاء شبكة مواصلات متطورة جداً وفعّالة ووسائل نقل عام ومشترك حديثة وقادرة على التأثير في خفض أكلاف المعيشة والاقتصاد عموماً، ولا سيما في مجال خفض كلفة السكن.

الهدر فنون
كيف تعمل الدولة على تشجيع النقل الخاص على حساب العام من جيوب المواطنين أنفسهم؟ وكيف يمكن أن يكون اللبنانيون كبش محرقة؟
الهدر فن قائم بذاته في لبنان. فما تنفقه الحكومات المتعاقبة من أموال بدل نقل لموظفي القطاع العام مثلاً، كان كفيلاً بإجراء ورشة وطنية ضخمة لتنمية النقل العام في لبنان. وبحسب رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، تدفع الدولة حوالى 400 مليون دولار سنوياً بدل نقل لحوالى 200 ألف موظف في القطاع العام، على أساس 8 آلاف ليرة يومياً، وستتكبد حوالى 300 ألف دولار إضافية من جراء زيادة بدلات النقل ألفي ليرة إذا ما تمّت الموافقة على تصحيح الأجور. ولو أن الدولة راكمت هذا الإنفاق على ثلاث سنوات فقط، لكانت أنجزت أكبر خطة للنقل العام في لبنان. إلا أنه بدلاً من ذلك، ستنفق الدولة 75 مليار ليرة، أو ما يوازي 50 مليون دولار، لدعم السائقين العموميين، ضمن استراتيجية غير مفهومة «لخفض أكلاف النقل». ويلفت حمدان إلى أن حوالى 500 مليون دولار تدفعها الدولة سنوياً بدلاً للنقل ودعماً له، من دون أيّ إفادة فعلية من هذه المبالغ لتطوير النقل العام.
وفي هذا السياق، تشرح مصادر نفطية أن لبنان يستهلك حوالى مليون و450 ألف طن من البنزين شهرياً، فيما يوجد في لبنان حوالى مليون و100 ألف آلية، حوالى 700 ألف منها تستهلك البنزين. وبين الـ700 ألف سيارة هناك 33 ألفاً و500 سيارة فقط تعود للسائقين العموميين (وفق رئيس نقابة السائقين العموميين عبد الأمير نجدي)، وهكذا لم تستفد سوى قلة قليلة من اللبنانيين من الدعم هذا، وبقيت الغالبية العظمى تحت وطأة الأكلاف الضخمة للتنقل.
وتشرح المصادر النفطية أن المتوسط الأدنى لاستهلاك كل سيارة يصل إلى 350 ألف ليرة شهرياً، وهو مبلغ يأكل أكثر من نصف الحد الأدنى للأجور في لبنان. وبالتالي يدفع مستخدمو السيارات الخاصة حوالى مليار و960 مليون دولار سنوياً ثمن بنزين مخصص للتنقلات. مبلغ ضخم، يمكن أن يوفر على اللبنانيين أكلافاً باهظة يستطيعون استثمارها في مشاريع منتجة يمكن أن تحقق نقلة نوعية في بنية الاقتصاد اللبناني بأسره.

أكلاف وأكلاف
الكلفة الإضافية التي تترتّب على غياب النقل العام في لبنان لا تتوقف عند البنزين وحده. يشرح رئيس نقابة السائقين العموميين عبد الأمير نجدي، إذ إن زحمة السير تزيد عادة من أكلاف التنقل بنسبة 35 في المئة. فقد ارتفعت كلفة كيلوغرام زيت السيارات من 3 آلاف إلى 9 آلاف ليرة. كذلك ازدادت أسعار إجراء إصلاحات ميكانيكية للسيارة خلال السنوات الماضية. وبذلك، لكي تكون السيارة في حالة جيدة، يجب أن تخضع لفحص وتصليحات لا تقل قيمتها عن 200 ألف ليرة شهرياً.
يقول نجدي إن من المعلوم أن التنقل في الدول الأوروبية مثلاً يحصل من خلال الأتوبيسات والتاكسي والقطارات، لا عبر السيارات الخاصة. أما في لبنان «هناك هدر للأموال العامة. مثلاً يوجد حوالى 700 سائق في النقل العام يتقاضون رواتبهم من دون أن يعملوا. ومثال آخر أن الدولة استبدلت أسطول الباصات ثلاث مرات حتى الآن، فيما شركات القطاع الخاص لا تزال تستخدم الباصات نفسها منذ أكثر من 20 عاماً».
ماذا عمّن لا يمتلك سيارة؟ ماذا عن الأجراء غير النظاميين الذين لا يتقاضون أصلاً بدلاً للنقل؟ يسأل هاشم عدنان باسم مجموعة شبابية بدأت العمل في سبيل الضغط لتحقيق المطالب الأساسية للمواطنين، أو حقوقهم المشروعة، كما يقول هاشم. يشرح أن المجموعة التي انبثقت من تحرك أطلق عليه عنوان «عدلية بنت نزيهة» تتناول موضوع النقل من ضمن سلة حقوق متكاملة أساسية للمواطن اللبناني، معتبراً أن طرح الحقوق «بالمفرق» ينتهي دائماً بشعارات ترقيعية على الطريقة اللبنانية، ويؤدي إلى إصلاحات شكلية من دون التطلع إلى سلة حقوق متكاملة.


50 مليار ليرة
يطالب بها وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي لشراء 165 حافلة للنقل العام. ويرى أن هذه الخطوة هي مدخل لإصلاح النقل العام في لبنان، علماً بأن الدولة كانت قد اشترت أسطولين للنقل العام، وبدلاً من إجراء تصليحات دورية لها، ها هي يأكلها الصدأ ومتوقفة في عدد من الأحياء البيروتية.

«من دهنو سقّيلو»
يرى هاشم عدنان، وهو عضو في مجموعة شبابية تألفت حديثاً للقيام بتحركات ضاغطة لتأمين الحقوق الأساسية للمواطنين، أن سياسة النقل الفوضوية التي تزكيها الحكومات تقوم على مبدأ «من دهنو سقّيلو». يشرح أن أركان السلطة هم المستفيد الأساسي من الدمار الذي حلّ بالقطاع، بدءاً بأزمة السير وصولاً إلى أسعار البنزين. ويرى أن القيام بمشروع نقل عام ناجح يمكن أن يخفض أكلاف التنقل على اللبنانيين، وفي الوقت نفسه يقلل من الأكلاف الصحية الناتجة من التلوث و«احتراق الأعصاب»، إضافة إلى خفض ضحايا حوادث السير. والوصول إلى خطة نقل شاملة ووطنية يمكن أن يربط المدن الأساسية لتحقيق وحدة اقتصادية لبنانية متماسكة ومتفاعلة يمكن أن تنهض بالمستوى الإنتاجي إلى حدود تنموية مهمة.

اقتصاد
العدد ١٥٦٠ السبت ١٢ تشرين الثاني ٢٠١١

11‏/11‏/2011

الأجر الاجتماعي: التعليم [2/3]




الدولة تشجع التعليم الخاص على حساب العام (هيثم الموسوي)
27 مليار ليرة لتطوير الرسمي، و350 ملياراً لمدارس الطوائف!
تتحمّل ميزانيات الأسر المقيمة في لبنان أكلافاً باهظة للحصول على خدمات الصحّة والتعليم والنقل (إضافة الى السكن وبدائل الكهرباء والمياه طبعاً)، وهذا ما يجعل مقاربة تصحيح الأجور، المقتصرة على زيادة الأجر النقدي، مقاربة ناقصة، إذ تنحصر بفئة الأجراء النظاميين الذين يؤلفون نحو 29% فقط من القوى العاملة... في ما يأتي الجزء الثاني من تحقيق من 3 أجزاء يتناول أكلاف الصحّة والتعليم والنقل
رشا أبو زكي
في برنامج الـ «شي أن أن» الفكاهي مر تقرير عن التعليم الرسمي في العالم. ذكر أن أفضل الجامعات العالمية هي أميركية وبريطانية، وهي جامعات رسمية طبعاً. في لبنان الجامعة اللبنانية هي مكسر عصا السلطة اللبنانية لمصلحة المؤسسات التعليمية التي يمتلكها أو يرعاها الموجودون في هذه السلطة نفسها. وهذا ما يفسّر المفارقة الغريبة، إذ إن الدولة اللبنانية تنفق أكثر من 350 مليار ليرة لتشجيع الأهالي على إدخال أولادهم إلى المدارس الخاصة، في الوقت الذي لا تخصص فيه إلا أقل من 27 مليار ليرة لتطوير التعليم الرسمي في لبنان. عندما يجري التطرق الى كلفة التعليم في لبنان مع أيّ أسرة ذات دخل متوسط او منخفض، يكون ردّ الفعل الأول شتيمة أو عبارة يكون أقلها التعبير عن قرف شديد من الحالة التي وصلنا اليها. ففي لبنان، وبعكس جميع دول العالم، الدولة مسخّرة بأموالها وأجهزتها الرسمية كافة لدعم التعليم الخاص. تمارس نوعاً من التدمير الممنهج (خارج مفهوم المؤامرات الشمولية) للتعليم الرسمي من قاعدة الهرم التعليمي الى رأسه. النتيجة بحسب دراسة لمركز البحوث والاستشارات: يدفع الشعب اللبناني من جيبه الخاص 80 في المئة من كلفة التعليم. والنتيجة الثانية بحسب دراسات البنك الدولي والأمم المتحدة: الإنفاق على التعليم في لبنان هو الأعلى عالمياً. فلماذا يجب أن يتحمل اللبنانيون هذه الكلفة المرتفعة؟ لماذا يعد اللبنانيون ملزمين بتمويل التعليم الخاص؟ الى متى سيستمر اقتطاع هذه الكلفة من أجور المواطنين الزهيدة أصلاً؟ ولمصلحة من؟ الأكيد أن الدولة اللبنانية تنفق أكثر من 350 مليار ليرة لدعم المدارس الخاصة من الموازنة العامة، بهدف هدم التعليم الرسمي. 350 مليار ليرة سنوياً، أليست كافية لجعل التعليم الرسمي من الأفضل عالمياً؟ لندع الأرقام تتكلم.
الانطلاقة تبدأ بالموازنة العامة. الموازنة التي ترسم عمل الحكومات سنوياً، وتترجم سياساتها. تخصص موازنة عام 2012 مبلغ 166 مليار ليرة لدعم المدارس الخاصة المجانية. والمفاجأة أنها تخصص 27 مليار ليرة فقط لكل الخطة التربوية التي طرحها وزير التربية لإصلاح نظام التعليم الرسمي في لبنان. يقول رئيس رابطة الأساتذة الثانويين حنا غريب إن هذه الخطوة ليست بريئة طبعاً. إنها آلية معتمدة لضرب التعليم الابتدائي الرسمي لمصلحة دكاكين الأحزاب الموجودة في السلطة ودكاكين الطوائف. فما يعرف بالمدارس المجانية في لبنان مدعومة على نحو كامل من الدولة اللبنانية، وهي متخصصة في التعليم الابتدائي، وتدفع الدولة عن كل تلميذ فيها ما يوازي 1.25 من الحد الأدنى للأجور، أي 625 ألف ليرة.
عدد «المدارس» المجانية في لبنان يصل الى حوالى 378 مدرسة، ويرتادها حوالى 140 الى 145 ألف تلميذ، بحسب الخبير في الإحصاء التربوي نبيل قسطنطين. تدفع الدولة حوالى 166 مليار ليرة لدعم مدارس الزعامات الطائفية، علماً أن هذه الكلفة كانت مقدرة في مشروع قانون موازنة 2011 بـ 83 مليار ليرة! ويلفت قسطنطين الى أن معظم المدارس المجانية هذه إما ذات مستوى تعليمي أكثر من سيّئ، وإما وهمية، شارحاً أن هذه المدارس بمعظمها تجاري، تقوم باستغلال المعلمين برواتب ضئيلة جداً، وبعدد قليل جداً من الطلاب، ما يضمن حصولها على الدعم الحكومي السنوي.
أما حنا غريب، فيستغرب كيف تُطلق على هذه المدارس صفة «المجانية» وتلصق بها صفة «الخاصة»، وهي تموَّل من جيوب الشعب اللبناني لضرب المدارس الرسمية الابتدائية. ويسأل: «أليس باستطاعة الحكومة دعم المدارس الرسمية بالـ 166 مليار ليرة هذه؟ وإن كان زعماء الطوائف يريدون توزيع خيراتهم فليتحملوا هذه المسؤولية من جيوبهم، لا على حساب المدرسة الرسمية»، مؤكداً أن هذا المبلغ كفيل بتطوير ليس التعليم الرسمي الابتدائي فقط، بل الروضات أيضاً.
فلننتقل الى الروضات، أو ما يطلق عليه تسمية «رياض الأطفال». يشير غريب إلى أن الدولة تعمل على تقويض الروضات الرسمية لمصلحة المدراس الخاصة، من خلال عدم توحيد سن الدخول الى المدرسة. فهي تحدد عمر الطفل الداخل الى الروضة الرسمية بأربع سنوات، فيما ينخفض العمر الى 3 سنوات في المدراس الخاصة، كما أن عدد الروضات الرسمية يكاد لا يذكر، بحيث إن 90 في المئة من الروضات في لبنان تعود الى مدارس خاصة، و10في المئة فقط رسمية. وهكذا يفضل الأهل إعطاء أبنائهم فرصة الدخول المبكر الى المدرسة للإفادة من عام دراسي، ومن هنا تجبر الدولة الأهل على إدخال أطفالهم الى المدرسة الخاصة، لضرب المدرسة الرسمية من الجذور. ويلفت غريب إلى أن ما يزيد من مشكلات الروضات الرسمية عدم وجود أساتذة متخصصين بسبب عدم إجراء الدولة أية مباريات توظيفية في هذا المجال، فيما الأبنية والتجهيزات شبه معدومة، ويؤكد أن عدد الطلاب الثانويين في المدارس الرسمية يوازي عدد هؤلاء الموجودين في المدارس الخاصة، إلا أن الضربة القوية هي في الروضات والابتدائي.
الكلفة الإضافية التي تدفعها الدولة لتمويل المدارس الخاصة على حساب الرسمية هي ما يعرف بـ «المنح التعليمية» للعاملين في القطاع العام. يشرح قسطنطين أن المنح المدرسية هي أكبر ضربة توجهها الدولة إلى التعليم الرسمي، إذ بمجرد تقديم هذه المنح فهذا يعد دعوة صريحة للموظفين إلى إدخال أبنائهم الى المدارس الخاصة، ما يضعف المدرسة الرسمية بضربات متلاحقة وإضافية. ويلفت إلى أن أكثر من 85 في المئة من الموظفين العاملين في القطاع العام، من إداريين وموظفين وعاملين وعسكريين، يحصلون على دعم يراوح بين 30 الى 40 في المئة من القسط المدرسي، ما يغري الأهل بإدخال أولادهم الى مدارس ذات أقساط مرتفعة للإفادة من هذه المنح.
غريب يشدد على أن قيمة المنح التعليمية تصل الى أكثر من 150 مليار ليرة سنوياً. هذا المبلغ يحوَّل مباشرة الى ميزانيات المدارس الخاصة التي تعود بمعظمها الى إرساليات طائفية أو إلى زعامات سياسية. يسأل غريب: «لماذا لا يجري دعم المدرسة الرسمية بهذا المبلغ بدلاً من تقديمه منحاً تعليمية لتمويل أقساط المدارس الخاصة؟ لماذا لا يحوَّل لإجراء إصلاحات إدارية في التعليم الرسمي؟».


%11.4
هي نسبة إجمالي الإنفاق على التعليم في لبنان من الناتج المحلّي القائم، وتتحمّل الأسر 7 في المئة من الناتج، وتعدّ مساهمة الأسر كنسبة من الناتج المحلّي من أعلى المساهمات في المقارنات الدولية، إذ لا تتجاوز 0,4 في المئة في فرنسا، و2,2 في المئة في الولايات المتحدة، و2,8 في المئة في كوريا الجنوبية

المحسوبيات الخانقة
يقول رئيس رابطة التعليم الثانوي حنا غريب إن إنفاق الدولة على المتعاقدين بهذا الحجم أصبح مريباً فعلاً، إذ يجري حشر المتعاقدين من دون الحاجة اليهم بسبب «الواسطات»، كما يُزاد عدد الساعات الوهمية للتعليم، ما يزيد من الأكلاف غير المبررة. وهكذا يفيد زعماء الطوائف من دعم مدارسهم الخاصة من مالية الدولة من جهة، ومن توظيف المحسوبين عليهم في المدرسة الرسمية من دون الالتفات الى الكفاءات، ويلفت تقرير التفتيش التربوي حرفياً «لقد بلغ التضخم في مسألة التعاقد حداً بدأ يهدد مصير التعليم الرسمي برمته».
اقتصاد
العدد ١٥٥٩ الجمعة ١١ تشرين الثاني ٢٠١١

10‏/11‏/2011

الأجر الاجتماعي: الصحّة [1/3]


التغطّية الصحّية الشاملة تدعم مداخيل الأسر غير المضمونة
(أرشيف ــ تصوير هيثم الموسوي)
تتحمّل ميزانيات الاسر المقيمة في لبنان أكلافاً باهظة للحصول على خدمات الصحّة والتعليم والنقل (بالاضافة الى السكن وبدائل الكهرباء والمياه طبعاً)، وهذا ما يجعل مقاربة تصحيح الاجور المقتصرة على زيادة الاجر النقدي مقاربة ناقصة، اذ إن أنها تنحصر بفئة الاجراء النظاميين الذين يؤلفون نحو 29% فقط من القوى العاملة... في ما يأتي تحقيق من 3 اجزاء يتناول اكلاف الصحّة والتعليم والنقل
رشا أبو زكي
ماذا لو؟ سؤال يتضمن أمنيات، او يرسم علامات استفهام، والأكيد انه ينطوي على اقتراح حل لمشكلة قائمة. فماذا لو ان جميع اللبنانيين المقيمين يتمتّعون بنظام ضمان صحّي شامل مموّل من الضرائب التي يتحمّلونها؟ ماذا لو ان اكثر من نصفهم لا يتحمّل كلفة الطبابة والدواء والمختبر والاستشفاء على حساب مستوى معيشته؟ وماذا لو ان احدا منهم لا يكون معرّضا للموت على باب مستشفى يرفض استقباله لأنه لا يملك المال الكافي للعلاج؟ ماذا لو ان في لبنان دولة تحترم حق مواطنيها بالصحّة من دون ان يضطروا الى الاستزلام او بيع الولاءات؟
الاجوبة ليست صعبة، إذ ان كلفة تأمين الرعاية الصحّية تمثّل العبء الأهم على ميزانيات الاسر، وبالتالي فإن تعميم الضمان الصحّي ينطوي على تحسين ملموس في مستوى الدخل، ولا سيما دخل غير المشمولين بأي نظام تأمين دائم ومستقر.
حتى اليوم لم يعمل أي جهاز احصائي للحصول على رقم دقيق يحتسب كلفة الصحة من ميزانيات الأسر غير المضمونة، الا أن الخبراء يقدّرون هذه الكلفة بنحو 15 في المئة من الميزانية السنوية للأسرة، وهذا لا يشمل الكلفة المترتّبة على عدم الحصول على الطبابة او الدواء في حالات معيّنة يتجاهلها من لا يقدر على تحمّل هذه الكلفة.
على اي حال، تشير منظمة الصحة العالمية في دراسة نشرتها في العام 2009 الى ان حصّة الفرد من مجموع النفقات الصحّية تبلغ نحو 1054 دولاراً أميركياً، فيما مجموع النفقات الصحية يبلغ 8.1 في المئة من الناتج القومي الإجمالي. وتشير تقديرات البنك الدولي الى ان اللبنانيين يمولون من جيبهم الخاص نحو 80 في المئة من الانفاق الخاص على الفاتورة الصحية. والانفاق الخاص يؤلف نحو نصف الانفاق على الصحّة في لبنان، وهذا الرقم يدل الى الواقع المطلوب استكشافه، وهو مؤشر كان قد ارتكز عليه رئيس رابطة الاساتذة الثانويين حنا غريب في المؤتمر النقابي الأخير للقول إن الفاتورة الصحية في لبنان هي الأعلى عالمياً.
ويرى الخبير الاقتصادي غسان ديبة أن كلفة الصحّة مرتفعة، والأسباب تعود الى وجود فائض في العرض داخل السوق الصحية، ما يؤدي الى زيادة في استخدام الخدمات الصحية والمعدات الطبية. فضلاً عن ان العدد الكبير للصناديق الضامنة وتشابه تقديماتها وتشتتها يزيد من الطلب. والنتيجة أن النظام الصحي يدفع الناس إلى استخدام الاستشفاء «اكثر من اللزوم». اذ ترتفع نسبة الاستهلاك الصحي نتيجة عدم توافر الطب الوقائي والرعاية الصحية الأولية. وهكذا ينتظر اللبنانيون، غير المضمونين خصوصاً، تطور أزماتهم الصحية للدخول الى المستشفى.، فترتفع كلفة العلاج، وتتضخم أسعار الأدوية، ويزيد استهلاك الأدوات الطبية، وبالتالي تتزايد الكلفة الصحية.
ويقدّر معدل كلفة الفاتورة الصحية في الشرق الاوسط بنحو 5 في المئة من الناتج المحلي، بالمقارنة مع أكثر من 8 في المئة في لبنان. الكلام للخبير الاقتصادي جاد شعبان. ويشير الى ان المشكلة تكمن في أن 54 في المئة من الانفاق الصحي هو انفاق الخاص و80 في المئة منه يموّل مباشرة من جيب المواطن، علماً ان المستشفيات تمتص 75 في المئة من الانفاق العام على الصحة.
اذاً، المشكلة الاساسية بحسب شعبان موجودة في بنية القطاع. «في لبنان تتم معالجة المواطنين حين تتطور أمراضهم، إذ لا وجود لبرامج الوقاية الصحية ولا للرعاية الصحّية الاولية، هكذا ينتظر المريض ليصبح معه مرض في القلب أو السكري أو غيره، ترتفع كلفة العلاج، تصل الى ضعف ما كان على الدولة انفاقه لإيجاد نظام للرعاية الصحية الأولية، وللبرامج الوقائية في آن.
يقول شعبان ان هناك حلقة مترابطة، فانخفاض الانفاق على الرعاية الصحية الاولية والبرامج الوقائية يقابله نمو لمستوصفات ومراكز الجمعيات السياسية والطائفية في بيروت والمناطق. ومن جهة أخرى ترتبط الدولة بعقود مع المستشفيات الخاصة لتمويل فواتيرها الباهظة وجزء منها وهمي. والسؤال يطرحه شعبان: «لماذا لم تعمد الدولة خلال السنوات الماضية إلى الإنفاق على الرعاية الصحية الأولية بدلاً من الانفاق المسرف على المستشفيات؟» الجواب في كنف السؤال.
الهدر موجود في طبيعة السوق الصحية، يقول ديبة، ولذلك يساهم نظام التغطية الصحّية الشاملة في حل المشكلة، اذ انه يؤمّن حقّهم بالصحّة ويخفض انفاقهم على الخدمات الصحّية ويسمح برسم سياسات صحّية ترتكز على الرعاية الاولية والطب الوقائي، وبالتالي يؤدي الى خفض توجه المواطنين نحو المستشفيات والمؤسسات الصحّية، فينخفض فائض العرض والطلب والكلفة الاجمالية. ويشير ديبة الى ان مشروع التغطية الصحّية المطروح يتيح الابقاء على انظمة تكميلية، وذلك بهدف المحافظة على مكتسابات العاملين في بعض القطاعات الذين يتمتعون بمزايا أكبر في التغطية من خلال الصناديق القائمة، وهي صناديق تمول من الاشتراكات حصراً.
ويستند ديبة الى الدراسات التي تفيد بأن الدولة تدفع حالياً نحو 900 مليار ليرة على تمويل الانفاق العام على الصحّة، في حين ان شمول جميع اللبنانيين بالضمان الصحي يرتّب كلفة تصل الى نحو 1850 مليار ليرة، اذا اعتمد مستوى التقديمات التي يوفّرها صندوق الضمان حالياً، ويمكن ان ترتفع الكلفة الى الفي مليار ليرة في حال شمول طب الاسنان والعيون. هذا الفارق في الكلفة يمكن ان يمول من الضرائب على الريوع العقارية والمالية، وليس من ضرائب الاستهلاك، ما يؤدّي الى تحسين مستوى المعيشة عبر خفض انفاق الاسر على الصحة بنحو كبير، وترتفع بذلك مستويات الدخل نتيجة التخلص من عبء الخدمات الصحّية الثقيل لأكثر من نصف اللبنانيين غير المشمولين بأي تغطية صحية، وللآلاف الذين يخرجون من العمل النظامي الى التقاعد او البطالة.
ويشدد شعبان على ان الضمان الصحّي الشامل «هو خطوة اولى» نحو اعادة النظر كلياً في النظام الصحي، اذ لا بد من اعتماد نظام البطاقات الصحية التي تحتوي على الملفات الطبية لجميع المرضى، وذلك يساهم في رصد الاوضاع الصحّية ومؤشّراتها ورسم سياسات الرعاية الصحية الأولية والطب الوقائي والاستثمار في تحسين صحّة اللبنانيين. ويقول شعبان إنّ اصلاحات كهذه يمكن أن تخفض كلفة الفاتورة الصحية على الأسر الى النصف تقريباً.


56%
هي نسبة الإشغال في المستشفيات الحكومية، وهذه النسبة تعدّ متدنية جداً بحسب جاد شعبان، اذ يزيد المعدل العالمي على 80 في المئة، لافتاً الى أن تطوير المستشفيات الحكومية يخفض من الكلفة الصحية ويقلل من الاعباء على الاسر اللبنانية.

المتعاقدون مع الضمان
ارتفع عدد المستشفيات المتعاقدة مع صندوق الضمان إلى 135 مستشفى، والأطباء إلى 10.489 طبيباً، والصيدليات إلى 2.188 صيدلية والمختبرات إلى 365 مختبراً ومراكز الأشعة إلى 113 مركزاً. ويشير تحليل التقديرات التي أجراها برنامج «MILES» إلى أن الدولة تدفع ما لا يقل عن 730 مليار ليرة على الخدمات الصحية: 315 مليار ليرة بواسطة وزارة الصحة العامة، 135 مليار ليرة على الضمان الاجتماعي، 74 مليار ليرة لتعاونية موظفي الدولة، 11 مليار ليرة لصناديق التعاضد، 40 مليار ليرة لتغطية العجز في الضمان الاختياري، 155 مليار ليرة لتمويل صناديق الأسلاك الأمنية والعسكرية.
اقتصاد
العدد ١٥٥٨ الخميس ١٠ تشرين الثاني ٢٠١١

5‏/11‏/2011

بين الرابية والسادات تاور لا تصفير خلافات





من أعد الموازنات السابقة هو نفسه من أعد موازنة الصفدي (أرشيف - مروان بو حيدر)
قرر التيار الوطني الحر في خلوته الأخيرة التركيز على المعركة الاقتصادية والاجتماعية. فجاءت طلائع المعركة أمس اتهام وزير المال السابق فؤاد السنيورة بجرائم مالية. تفاصيل «عملية اختلاس» صندوق حديدي في وزارة المال تحدث عن تفاصيلها رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان
رشا أبو زكي
كثرت في الأشهر الأخيرة المشادات الكلاميّة والخلافات المحمومة على المواضيع والمشاريع الاقتصادية بين التيار الوطني الحر وعدد من أحزاب الأكثرية المحسوبة على الخندق السياسي الواحد في مجلس الوزراء، وخصوصاً مع وزراء حركة أمل. عناوين الخلافات كانت متعددة. لعل أبرزها مشروع الضمان الصحي الشامل، وخطة الكهرباء.
يوم أمس، أعاد التيار توجيه بوصلته. «التحمية» كانت في مجلس النواب. والانطلاقة كانت من مركز التيار في الجديدة، على لسان رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان. أما المستهدفون، فنواب تيار المستقبل، ورئيس الكتلة فؤاد السنيورة، ويضاف اليهم وزير المال محمد الصفدي.
الملف الذي حمله كنعان إلى مؤتمره الصحافي كان كبيراً. 16 صفحة من «الإنجازات» و«التوقعات» على صعيد المالية العامة، إلا أن النائب الذي ينتمي الى حزب يسيطر على أكبر كتلة وزارية في الحكومة تردد في إعلان توقيت بزوغ فجر موازنة عام 2012، «أعتقد أنها ستقر قبل نهاية العام الحالي»، يقول مضيفاً: «سنعمل على أن لا تمكث كثيراً في لجنة المال والموازنة»، لكن كيف سيجري إقرارها في غياب قطع حسابات الأعوام السابقة؟ الجواب لدى وزير المال محمد الصفدي، فبحسب كنعان تغيّر وزير المال، لكنّ الإدارتين المالية والسياسية السابقتين لم تتغيرا. يلمّح الى أن من أعد الموازنات السابقة في وزارة المال، هو نفسه من أعد موازنة الصفدي، إذاً لا فرق. يشير الى أن المدير العام لوزارة المال، ألان بيفاني، «ليس مسؤولاً عما كان يحدث، فقد جرى إقصاؤه عن ممارسة صلاحياته، المخالفات كلها كانت في الغرف المظلمة».
تكرّ في كلام كنعان سبحة المسؤولين عن «الجريمة المشهودة»، على حد قوله. الرئيس فؤاد السنيورة الذي كثر التغني بحرصه على المال العام، تبين أنه من أبرز المخالفين لأحكام الدستور والقانون، بحسب كنعان. أليس هو المسؤول عن الإنفاق على أساس مشاريع الموازنات؟ أليس هو المسؤول عن إنفاق تجاوز الـ 11 مليار دولار أميركي خلال أربع سنوات؟ أليس هو المسؤول عن استبعاد محتسب المالية المركزي والوحدات والموظفين التابعين له عن مسك الحسابات وتسليمها إلى المركز الإلكتروني وإلى الفريق الخاص، اللذين عبثا بها وامتنعا في النهاية عن إعدادها وتقديمها؟ أليس هو المسؤول عن تصفير الحسابات في الأول من كانون الثاني 1993؟
يركز كنعان على قضية تصفير الحسابات. يشرح أن أي مبتدئ في علم المحاسبة يعلم بأن تصفير أحد حسابي الصندوق والمصرف يمثل جرم التواطؤ على اختلاس أموال عمومية: فتصفير حساب الصندوق، أي حساب الأموال النقدية الموجودة فعلياً في الصندوق، يعني عملياً التواطؤ مع أمين الصندوق على اعتبار هذه الأموال ملكاً له. تصفير حساب أموال الخزينة المودعة في مصرف لبنان، يعني عملياً مسامحة المصرف بهذه الأموال فتصير ملكاً له. أما تصفير سائر الحسابات، فيعني عملياً: عدم مطالبة الدولة مدينيها بما لها من حقوق في ذممهم، ولا سيما سلفات الخزينة والضرائب المقسطة وسواها. وعدم إعطاء الدولة حقوق المواطنين الواجبة لهم عليها، ولا سيما الأمانات والتأمينات والكفالات والتوقيفات العشرية للمتعهدين وأمانات البلديات المودعة في حساب الصندوق البلدي المستقل وسواها.
يذهب كنعان إلى أبعد من ذلك. يرى أن ما دفع الوزير فؤاد السنيورة إلى مسامحة أمين صندوق الخزينة المركزي برصيد الصندوق البالغ بتاريخ 31 كانون الأول 1992 حوالى 357 مليون ليرة لبنانية، هو تغاضي أمين الصندوق درويش الحصري آنذاك عن غنيمة أكبر بكثير حصل عليها السنيورة. الغنيمة هذه تتمثل في موجودات خزنة حديدية كانت مثبتة في الحائط ومموهة في الطابق السفلي الثاني من المبنى المركزي لوزارة المال قرب البرلمان، فتحها الوزير السنيورة بوجود أمين الصندوق وأخفى موجوداتها من صكوك وأسهم وعملات لبنانية وأجنبية وليرات وقطع ذهبية وموجودات ثمينة أخرى. ورغم أن مدير المحاسبة العامة أبلغ رؤساءه في حينه عن النقص في الصندوق، وفي حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، كما أبلغ ديوان المحاسبة بهذه الواقعة، إلا أن أي إجراء لم يتخذ، لا بل إن النقص في الصندوق سجل لاحقاً كأموال مختلسة.
يسهب كنعان في الشرح: ميزان الدخول بتاريخ الأول من كانون الثاني 1993 يجري على أساس أرصدة 31 كانون الأول 1992، فأين القيود والمستندات العائدة إلى الفترة اللاحقة لتاريخ انتهاء العمليات الحربية في 13 تشرين الأول 1990 حتى 31 كانون الأول 1992؟ لا بل أين القيود والحسابات العائدة إلى فترة تسلم السنيورة مهمات وزارة المال، بتاريخ 31 تشرين الأول 1992 لغاية آخر عام 1992؟
الإثباتات بأن الحسابات كان تحت إمرة السنيورة تلوح بيد كنعان: قرار ديوان المحاسبة رقم 1/ر. ق. الصادر بتاريخ 21 آب 1997 يقول حرفياً ما ورد في كتاب السنيورة: «جواباً على مذكرتكم المشار إليها في المرجع أعلاه، والمتعلقة بتحديد مهل لتقديم حساب مهمة المحتسب المركزي عن كل من عامي 1991 و 1992، وعطفاً على الرد الجوابي الذي أودعكم إياه محتسب المالية المركزي على هذه المذكرة، فإننا نود أن نفيدكم بأن وزارة المال تحرص كل الحرص على تقديم حساب المهمة عن كل من العامين المذكورين. وقد بادرت إلى المباشرة في إعداد هذا الحساب، غير أن النقص في بعض المستندات وأوراق الثبوت، من جراء نقل محفوظات ومستندات الوزارة من مبنى حطب إلى المبنى المركزي، حال دون استكمال المهمة».
محفوظات الوزارة إذاً كانت في مبنى حطب قرب البريستول، لا في مبنى الوزارة الكائن على كورنيش النهر الذي احترق خلال العمليات الحربية قبل 13 تشرين الأول 1990، يقول كنعان. يؤكد أن التيار ليس جهة قضائية، ويهدد: «كيف ستكون حال هؤلاء الأشخاص والإدارات إذا طاول التدقيق الجدي حسابات المرحلة السابقة؟». في لبنان، الجواب غير مضمون.
وفيما كان كنعان يتحدث عن المالية العامة، خرج النائب أحمد فتفت من زيارة المطران الياس عودة أمس، مشغولاً بمالية خاصة، هي تمويل المحكمة الدولية، متحدثاً بالأرقام أيضاً عن كيفية تأثير عدم التمويل في علاقات لبنان الدولية. كيف؟ يقول فتفت «البعض يسأل هل يمكن أن يدفع لبنان 130 مليون دولار للمحكمة الدولية، وهم ينسون أن الأمم المتحدة تدفع ما بين 800 مليون ومليار دولار لليونيفيل، وأكثر من نصف هذا المبلغ يصرف في الاقتصاد اللبناني الجنوبي، وإننا في حاجة إلى الأمم المتحدة لترسيم الحدود للمنطقة الاقتصادية الخاصة في جنوب لبنان»!
في مجال الأرقام أيضاً، لفت انتقاد مباشر من حزب الله لطريقة معالجة ملف الأجور، عبر قول النائب علي فياض إن هذا الملف وقع «في مجموعة من الأخطاء والاستعجال، التي لها آثار إدارية لا تلبي حقوق العمال والموظفين»، داعياً الحكومة إلى تقديم «حلول جذرية بما يعطي الجميع، دون استنساب ودون حدود، حقوقهم الكاملة».
مقاربة أخرى لموضوع الأجور، جاءت من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي سأل: «بعد عدم إقرار زيادة الأجور من يعوض على المواطن ارتفاع أسعار السلع والمواد الاستهلاكية والغذائية في الأسواق؟»، مجدداً دعوته لـ«هذه الحكومة العشوائية والعقيمة إلى الاستقالة»، وقال: «لا انفراج معيشياً من دون دورة اقتصادية فعلية، ولا دورة اقتصادية فعلية من دون استقرار وثقة. وفي لبنان طالما هناك دولة ودويلات بجانبها، كما هي الحال اليوم، فلا نتأمل الوصول الى اقتصاد سليم».
في مجال مختلف كلياً، برر النائب نواف الموسوي، إقرار مجلس النواب لقانون معالجة أوضاع اللبنانيين «الذين لجأوا إلى إسرائيل»، بأن التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل وحلفائهم «تمكن من تفكيك لغم أعده فريق 14 آذار لتفجيره في مجلس النواب لإحراج التيار الوطني ومحاصرته مسيحياً، لكن إصدار هذا القانون بصيغته الحالية حقق 3 عناصر أساسية: تأكيد معاقبة العملاء، حماية الأمن الوطني، وحل مشكلة إنسانية».


المستقبل: حداد وتهانئ
من بين بيانات التهنئة بالأضحى والاعتذارات عن عدم تقبل التهانئ، برز ثلاثة أمس: الأول من الرئيس سعد الحريري الذي استذكر في هذه المناسبة «أحوال الوطن من جراء أسلوب الاستقواء بالسلاح غير الشرعي» و«الشعب السوري الشقيق الذي يواجه آلة القمع العسكرية بكل بسالة»، والثاني اعتذار تيار المستقبل عن عدم استقبال المهنئين في منسقياته كافة «حداداً على شهداء الثورة السورية وسائر شهداء الربيع العربي». أما الثالث، فكان إعلان والدة الأمين العام للتيار أحمد الحريري، النائبة بهية الحريري، مواعيد استقبالها للمهنئين بالعيد في مجدليون، أول وثاني أيام العيد.
سياسة
العدد ١٥٥٦ السبت ٥ تشرين الثاني ٢٠١١