30‏/12‏/2011

رأس السنة مكلف... في المنزل أيضاً



رفع الأسعار لاستغلال المستهلكين في العيد وبحجّة تصحيح الأجور
رشا أبو زكي
تجتمع عوامل عديدة تمنع عائلة حنان من السهر خارج المنزل في ليلة رأس السنة. الطفل المولود حديثاً سبب. أكلاف الحفلات المرتفعة جداً السبب الأساس. وعائلة حنان ليست الوحيدة التي اختارت المنزل لتوديع عام 2011 واستقبال العام الجديد، إذ إن عدد الأسر التي تفضل هذا الخيار مرتفع. قد يظن المرء أن قضاء ليلة رأس السنة في البيت لا يرتب نفقات كثيرة، الا أن الواقع يعاكس هذا الاعتقاد. تشرح حنان أنها أنفقت في ليلة رأس السنة الماضية حوالى 300 ألف ليرة لإحياء هذه المناسبة مع عائلتها في المنزل. وتوزعت مصاريفها آنذاك بين الطعام والحلويات، المشروبات الروحية والملابس الجديدة. هذا العام رصدت حنان مبلغاً مماثلاً، «لكنني دفعت أكثر من 450 ألف ليرة، على الرغم من أنني اشتريت عدداً أقل من السلع، وذلك بسبب الغلاء الذي زاد نسبةً الى العام الماضي، وخصوصاً على المواد الغذائية»، تقول.
دعت حنان عائلتها وعائلة زوجها، أي «حوالى 15 شخصاً، اضافة الى أولادهم». اشترت مواد غذائية لإعداد الطعام بحوالى 150 دولاراً «لحوماً وسمكاً، فاكهة، خضاراً، معجنات». مشروبات روحية بحوالى 100 ألف ليرة، إضافة الى ثياب وأحذية جديدة لأولادي الثلاثة بحوالى 100 ألف ليرة. تقول حنان إن كلفة السهر في المنزل على الرغم من أنها «ليست قليلة نسبياً، الا أنها تبقى أقل من كلفة السهر في الخارج. أقل سهرة تكلفنا 500 دولار وما فوق، إضافة الى ضرورة ترك الأطفال لدى أهلي أو أهل زوجي».
الوضع الاجتماعي لعائلة سعاد أقل حظاً. «زوجي توقّف عن العمل منذ حوالى خمس سنوات بسبب حادث سيارة، وبالتالي، فإن مصروف المنزل تؤمنه ابنتي وابني، اللذان يعملان ويتعلمان في آن واحد». تشرح أن ابنتها التي تعمل في أحد مقاهي بيروت لا تصل الى المنزل قبل الواحدة ليلاً، وبالتالي لن يجري الاحتفال بالعام الجديد الا بعد ساعة من دخول العام 2012. تشرح سعاد أنها ستعد طعاماً إضافياً كما تفعل في كل عام في هذه المناسبة. «تبولة ولحم مشوي، وبعض المقبلات، فواكه وحلويات». أنفقت سعاد يوم أمس حوالى 100 ألف ليرة «ولوحظ أن الأسعار كلها مرتفعة، وخصوصاً الموز، الذي ارتفع سعر الكيلو غرام منه الى 2000 ليرة».
الشكوى المشتركة لارتفاع اسعار المواد الغذائية يشرح عنها رئيس الاتحاد اللبناني لحماية المستهلك وجدي الحركة، «الأسعار ارتفعت كثيراً هذا العام، وصلنا الى يوم رأس السنة، فإذا بالسلع محملة بارتفاعين، الأول هو استغلال اصحاب العمل لموضوع تصحيح الأجور عبر رفع الأسعار أضعافاً، وخاصة في ما يتعلق بالمواد الغذائية، والثاني هو الاستغلال السنوي الذي يقوم به التجار في هذه المناسبة تحديداً، بحيث يرفعون أسعار الخضار والفواكه والمواد الأساسية التي يستهلكها المواطنون من لحوم وألعاب وغيرها. يشرح الحركة أن فرق الأسعار بين كانون الثاني من عام 2011 وهذا الشهر وصل الى 4 في المئة ارتفاعاً، وقد لاحظ المستهلكون هذه الزيادة خلال شرائهم احتياجاتهم لإحياء هذه المناسبة. يلفت الحركة الى اختلاف بين رفع الأسعار قبيل شهر رمضان، وقبيل يوم رأس السنة «الأسعار في رأس السنة تبقى معقولة نسبة الى الارتفاعات التي تصيب السلع قبيل شهر رمضان وخلاله، والأسباب متعددة، أهمها أنّ عدداً كبيراً من المواطنين في رمضان يحتاج الى المواد الغذائية الأساسية، فيما يفضل معظم المواطنين في يوم رأس السنة السهر خارج منازلهم».
أما أكثر المواد التي ارتفعت أسعارها خلال هذا الشهر، فهي الأجبان والألبان والحبوب واللحوم على أنواعها والخدمات، ووصلت نسبة الارتفاع عن شهر تشرين الثاني ما بين 10 الى 20 في المئة. يشرح الحركة أن ارتفاع الأسعار أصبح خاضعاً لمزاجية التجار، بحيث لا ضوابط لوقف هذه الظاهرة السنوية، متمنياً أن يكون عام 2012، عام القضاء على كافة أنواع الاحتكارات، وعام وضع حد لانفلات الأسعار غير المنطقي وغير

العقلاني.
اقتصاد
العدد ١٥٩٨ الجمعة ٣٠ كانون الأول ٢٠١١

29‏/12‏/2011

للفساد نصيب.. حتى في اليانصيب!



«الشركة التقليدية» تحرم الخزينة مليارات الليرات بتواطؤ من وزارة المال

القضاء على اليانصيب له أسبابه، وهو أساساً لتطوير لعبة اللوتو التي تضم خفايا غير ظاهرة للرأي العام (هيثم الموسوي)
أوراق الحظ أيضاً في قمقم الفساد. فاليانصيب الوطني الذي شهد تراجعاً في مبيعاته لا يلقى أي اهتمام حتى من الشركة الملتزمة. مليارات الليرات تخسرها الخزينة من جرّاء عدم التزام الشركة بدفتر الشروط الذي على أساسه ربحت المناقصة. عدم الالتزام مغطّى من وزارة المال ومن ديوان المحاسبة... ويحظى بالتالي بتغطية سياسية طبعاً. وبدلاً من فسخ العقد، تُكافأ الشركة عبر تمديد عقدها منذ سنوات خلت، بلا أي مبرر اقتصادي أو إداري
رشا أبو زكي
70 مليار ليرة هي قيمة المبالغ التي تُهدر منذ عام 2001 في اليانصيب الوطني اللبناني. وهذه اللعبة التي من المفترض أن تدرّ مليارات الليرات على الخزينة اللبنانية، تسجّل منذ سنوات خسائر فادحة نتيجة تراجع المبيعات، وهذه الخسائر أصبحت تتعدى الرقم الوارد أعلاه بأضعاف! والسبب هو عدم التزام «الشركة التقليدية» بالعقد الموقّع مع الدولة اللبنانية، لا بل تواطؤ وزراء المال المتعاقبين ومديرية اليانصيب الوطني اللبناني مع هذه الشركة، إذ يجري إعفاؤها من التقيّد ببنود العقد، ويُمدّد لعملها بطريقة غير قانونية منذ عام 2005، وذلك لأسباب تتصل بمصالح شخصيات سياسية من الصف الأول في لبنان وسوريا، «إذ إن هذه الشخصيات مساهمة في شركة ألعاب الحظ التي تسيّر اللوتو اللبناني، ولزيادة أرباحهم وصلاحياتهم المطلقة في اللوتو، يجري ضرب اليانصيب»، يقول أحد المطّلعين! أما النتيجة، فمخالفات لا تحصر، وانتهاكات صارخة لمبدأ تحصين المال العام... ليصبح اليانصيب جزءاً من سلسلة طويلة من التعدّي على أموال المواطنين لمصلحة قيادات سياسية، بحيث لا تفرز سوى نزف متواصل في إيرادات الخزينة، تقابلها إجراءات ضريبية ظالمة يجترحها المسؤولون لتغطية هذا النزف!
تلزيم أعمى!
في تشرين الثاني من عام 2001 أُعدّت مزايدة عامة لتسلّم إدارة اليانصيب الوطني اللبناني، وخلال المزايدة تقدمت «الشركة التقليدية» بعرض يفيد بالتزام الشركة بيع 92% من أوراق اليانصيب الصادرة، إلا أن الالتزام بهذه النسبة صدم المشاركين في المزايدة، لكونه أعلى عرض يحصل منذ إنشاء اليانصيب الوطني، بعدما وصل العرض الأكبر في السابق إلى 80% من نسبة الأوراق الصادرة... وقد بدأ العمل بتنفيذ الالتزام في شهر كانون الثاني من عام 2002، إلا أنه منذ بدء الالتزام حتى نهاية الفصل الأول من العام نفسه لم تستطع الشركة تحقيق نسبة الـ92 في المئة. بررت الشركة لوزارة المال ولمديرية اليانصيب عدم التزامها هذا بسبب ظروف قاهرة، منها انعقاد القمة الفرنكوفونية والقمة العربية في لبنان، وبداية حرب العراق، «والعواصف التي ضربت لبنان»، بحسب ما ورد حرفياً في التبريرات. طالبت الشركة بإعفائها من 75% من المبلغ الإجمالي المفروض سداده، وافق وزير المال في حينها فؤاد السنيورة «مبدئياً» على الإعفاء، وطلب رأي ديوان المحاسبة الذي وافق هو الآخر.
هكذا بدأت «الشركة التقليدية» سيرتها العملية. «الأسباب القاهرة» انتهت، ومرّت الأعوام الأربعة المحددة كمدة للعقد، وكانت نسب المبيعات تتراجع سنوياً، من دون التزام الشركة بالـ92%، وهكذا وصلت الشركة إلى عام 2005، وهو تاريخ انتهاء فترة الالتزام، وفي جعبتها جملة من المخالفات لقانون المحاسبة العمومية ولدفتر الشروط. أما المديرية فلم تصادر الكفالة، ولم تطالب بدفع فروقات الخسائر المتراكمة طوال هذه السنوات، والتي وصلت إلى أكثر من 70 مليار ليرة، بحسب مصدر مطّلع على الملف!
تشير المادة 135 من قانون المحاسبة العمومية إلى أنه «إذا ترتّب على الملتزم في سياق التنفيذ مبلغ ما، تطبيقاً لأحكام دفتر الشروط، يحق للإدارة اقتطاع هذا المبلغ من الكفالة ودعوة الملتزم إلى استكمالها ضمن مدة معينة، فإذا لم يفعل اعتُبر ناكلاً، فتعمد الإدارة إلى إعادة المناقصة أو إلى تنفيذ الصفقة بالأمانة. فإذا أسفرت المناقصة الجديدة أو التنفيذ بالأمانة عن وفر في الأكلاف عاد الوفر إلى الخزينة. وإذا أسفرت عن زيادة في الأكلاف، رجعت الإدارة إلى الملتزم الناكل بالزيادة. وفي جميع الاحوال تصادر الكفالة موقتاً الى حين تصفية الصفقة، وفقاً لأحكام هذه المادة»،
في حين تشير المادة 140 من القانون نفسه الى أنه «إذا خالف الملتزم في تنفيذ الصفقة دفتر الشروط أو بعض أحكامه قامت الإدارة المختصة بإنذاره رسمياً بوجوب التقيّد بكامل موجباته، وذلك ضمن مهلة معينة يعود لها أمر تقديرها. وإذا انقضت المهلة المحددة من دون أن ينفذ الملتزم ما طُلب إليه، يحق للإدارة، مع مراعاة أحكام دفتر الشروط العام، أن تعتبره ناكلاً، وأن تطبّق بحقه أحكام المادة 135 من هذا القانون. وفي حال إعادة المناقصة، لا يحق للملتزم الناكل أن يشترك فيها مجدداً».
وقد حدد دفتر الشروط (الذي على أساسه جرت المزايدة وفازت الشركة بالعرض) في المادة الأولى أن «التلزيم يجري بالنسبة المئوية من قيمة المبلغ السنوي المقترح في دفتر الشروط، والبالغ ستين ملياراً وأربعمئة مليون ليرة لبنانية». إلا أن الميزانية التي وضعتها المديرية أصبحت توازي خمسين مليار ليرة منذ عام 2004، ما ضيّع مبلغ عشرة مليارات ليرة لبنانية سنوياً، وهي خسائر تُمنى بها الخزينة من دون أي مبرر!
كذلك تشير المادة 27 من دفتر الشروط إلى أنه «في حال تأخر الملتزم في تسلّم أوراق اليانصيب أو تمنّعه عن ذلك، وأثّر ذلك على القيمة السنوية للالتزام، فإن الكمية المتوجب عليه بيعها يقيّد عليه ثمنها وتحفظ له أمانة في المديرية يتسلمها وقت يشاء ويستفيد من جعالتها وممّا قد يصيب من جوائز». إلا أن الشركة تأخرت مراراً عن التسلّم أو تمنّعت عنه، وأثّر ذلك على القيمة السنوية للالتزام انخفاضاً. في المقابل لم تحفظ المديرية الكمية الواجبة على الشركة (لاستكمال نسبة التلزيم البالغة 92%) ولم تتسلمها، بل تركت الكمية الباقية من كل إصدار في مستودع المديرية، وبالتالي تُحسب لمصلحة الشركة من كل إصدار منذ عام 2001 نسبة 92% من جميع الجوائز للأوراق غير المبيعة وليس من نسبة الـ92% التي تعود للشركة، ما يعطي الشركة زيادات لا تجب لها قانوناً. كذلك يؤدي ذلك إلى استفادة الملتزم من أرباح جوائز لا تعود له طبقاً لدفتر الشروط، ما يؤدي إلى حرمان الخزينة من ملايين الليرات أسبوعياً.
وتشير الفقرة الثانية من المادة 32 من دفتر الشروط إلى أن على الملتزم أن يسدد في نهاية كل ثلاثة أشهر النقص عن النسبة الموازية للمبلغ السنوي للالتزام، وذلك خلال المهلة التي يعيّنها الإنذار الذي يرسله الوزير إلى الملتزم، بناءً على اقتراح المديرية. وإذا انقضت المهلة المحددة في الإنذار ولم يجر التسديد، تطبّق بحق الملتزم العقوبات القانونية المنصوص عليها في المادة 26 من دفتر الشروط، على أن تجري المحاسبة السنوية النهائية في نهاية شهر كانون الثاني من كل سنة.
بين الشركة... والمديرية!
يشير مصدر مطّلع على الملف إلى أن القضاء على اليانصيب له أسبابه، وهو أساساً لتطوير لعبة اللوتو التي تضم خفايا غير ظاهرة للرأي العام، إذ إن إدارة اللوتو تمتلك صلاحيات واسعة، على عكس اليانصيب، كذلك فإن الجوائز يديرها الملتزم مباشرة ويدفعها من دون أي رقابة من المديرية. ويلفت إلى أن شركة ألعاب الحظ التي تدير اللوتو (عدد من المساهمين في شركة اليانصيب هم مساهمون أيضا في اللوتو، وعلى رأسهم مدير اللوتو رينيه جريصاتي) منذ عام 2002، كان من المفترض أن ينتهي عقد تلزيمها في عام 2009، إلا أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مدّد للشركة قبل سنتين من انتهاء العقد، من دون أي مبرر، حتى نهاية عام 2010، علماً بأن بعض الشركات تقدّم بعروض تسمح بزيادة نسبة المبيع 15 في المئة، إلا أن ذلك لم يحل دون تمديد العقد من دون أي مزايدة جديدة!
رأى رئيس مجلس إدارة الشركة اللبنانية لألعاب الحظ، وعضو مجلس إدارة «الشركة التقليدية»، رينيه جريصاتي «أن عدم التزام الشركة بنسبة البيع المقررة في العقد تعود إلى أن المديرية رفعت عدد الأوراق الصادرة في العام الثاني من دون استشارة الملتزم، وذلك في ظل تراجع سوق اليانصيب لمصلحة اللوتو، لافتاً إلى أنه كان على المديرية أن تسوّق اليانصيب عبر حملات إعلانية، لكنها لم تفعل ذلك، فيما وزارة الداخلية منعت الباعة من البيع على الطرقات. ويشرح أنه بعد انتهاء مدة العقد في عام 2005 قالت الشركة التقليدية إنها لا تريد التجديد، إلا أن المديرية طرحت مزايدة وخفضت عدد الأوراق الى حوالى نصف ما التزمت به «الشركة التقليدية»، وعلى الرغم من ذلك لم يتقدم أحد للمزايدة. ولفت إلى أن الشركة نقلت الدواليب من تلفزيون لبنان إلى المؤسسة اللبنانية للإرسال على حسابها، في حين يجب أن يكون ذلك على حساب الدولة. كذلك دفعت الشركة التقليدية من جيبها الخاص بين 400 ألف دولار ألف و500 ألف دولار كإعلانات لضمان استمرارية اليانصيب. ويلفت إلى أن الدولة مقصّرة ولا يهمها أن «ينكسر» الملتزم، ويشير إلى أنه جرى التجديد للشركة التقليدية حتى عام 2007، ومن حينها تعمل من دون تمديد أو تجديد قانونيين، ولكن وفق العقد الذي يقول إنه «تلتزم الشركة بيع الأوراق إلى حين مجيء ملتزم جديد».
ويشير وزير المال السابق الياس سابا إلى أنه كان من المفترض على مديرية اليانصيب ألا تقبل بالعرض المقدم في عام 2001 من قبل «الشركة التقليدية»، لكونه غير منطقي و«محروق»، ويتضمن عيباً شكلياً وأساسياً في النسبة المقدمة، وهي 92%. ولفت إلى أنه في العام الأول، لكي ينزع الوزير المسؤولية عنه، أرسل إلى ديوان المحاسبة اقتراح إعفاء الشركة من الالتزام بالعقد، وبدلاً من أن يقرر الديوان أن تسدد الشركة الفارق عن الأوراق التي لم تستطع بيعها، أعفيت الشركة من هذا الموجب. ويشرح أن العقد يشدد على أن نسبة البيع يجب أن ترتفع سنوياً لا أن تنخفض. ويلفت الى أن المبررات المتعلقة بتفضيل الناس اللوتو يتناقض مع القانون، إذ إن الملتزم يجب أن يدرس السوق قبل تقديم عرضه، وحين يلتزم عليه تنفيذ الالتزام، وعليه أن يتحمل مسؤولية نص العقد الموقع وبنوده. ويشرح سابا أنه لم تدم ولايته كثيراً، ولكن حين تسلّم وزارة المال أرسل رسالة إلى الملتزم بفسخ العقد إن لم يحقق نسبة المبيعات المحددة فيه، من منطلق أن المخاطر يتحمّل مسؤوليتها الملتزم لا الدولة. كذلك أوقف سابا المدير العام للمديرية عن العمل لمدة شهر لأنه لم يستجب للمذكرات والمراسلات التي تدعو إلى محاسبة الملتزم وفق القانون.


1943
هو تاريخ انشاء اليانصيب الوطني اللبناني في عهد الرئيس بشارة الخوري، وكان الهدف الاساسي من اطلاق هذه اللعبة تأمين ايرادات للخزينة العامة، وفي حين أن هذا النوع من الالعاب يدرّ اموالاً للخزينة في معظم دول العالم، فإن «الخصوصية اللبنانية» جعلت من هذه اللعبة خسارة على الخزينة!

“زيد” يزيد المخالفات
أضاف قرار وزير المال جهاد ازعور رقم 327/1 الصادر بتاريخ 31 آذار 2008 إلى يانصيب اللوتو اللبناني لعبة جديدة باسم «زيد Zeed» هو في الواقع قرار بإنشاء يانصيب جديد. هذا اليانصيب أنشئ خلافاً لأحكام القانون الذي حدد ابتداءً من 5 شباط 1998 أنواع اليانصيب المعمول بها في لبنان بثلاثة هي: اليانصيب الوطني اللبناني، يانصيب اللوتو اللبناني واليانصيب الفوري. لا بل لم يستشر مجلس شورى الدولة بشأنه من جهة، ولم ينشر في الجريدة الرسمية من جهة ثانية، بالرغم من كونه قراراً تنظيمياً بامتياز. وجاء في القرار ان الملتزم غير ملزم ببيع عدد معين من الأوراق كما هب الحال بالنسبة إلى اليانصيب الوطني اللبناني.
اقتصاد
العدد ١٥٩٧ الخميس ٢٩ كانون الأول ٢٠١١

27‏/12‏/2011

فصول من اللغز المالي



قرارات قضائية تثبت مخالفات السنيورة... والتلاعب بالأرقام واقع

(مروان طحطح)
المستندات كثيرة. كلها قضائية. كلها تشير إلى أن وزارة المال لم تقم بواجباتها في ما يتعلق بالحسابات المالية منذ أكثر من عشرين عاماً. القضية لا تنحصر بـ«واجبات»، فهي قضية مال عام، صرف من دون تدقيق ولا مراقبة ولا محاسبة. القضية تتعلق بشكوك في موضوع الصرف، وتساؤلات عن السبب الذي يدفع عدد من النواب إلى الوقوف سداً مقاوماً ومنيعاً في وجه أي عملية مراقبة أو تحقيق في كل ما حصل في السنوات الماضية
رشا أبو زكي
إقرار موازنة عام 2012 متوقف على إقرار قطع حسابات موازنات السنوات الماضية بين عامي 2006 و2009. إقرار قطع حسابات هذه السنوات متوقف على إعداد الحسابات المالية منذ عام 1993 حتى اليوم. المهمة الأخيرة صعبة. الحسابات المالية أصبحت لغزاً حقيقياً. دعوات فريق تيار المستقبل الصريحة في لجنة المال والموازنة لتصفير الحسابات لها أسبابها، والممانعة القوية لإجراء أي تحقيق مالي وفق الدعوات التي أطلقها رئيس اللجنة إبراهيم كنعان يبدو أن اتجاهها واضح. هناك من يريد أن يمحو ما ارتكب. الإقفال على صندوق العجائب بإحكام، لجعل كل العمليات الحسابية المالية خلال العشرين سنة الماضية سراباً... سراب لا يروي ظمأ السائل عن كيفية إنفاق أموال الشعب اللبناني خلال السنوات الماضية. هذا ما يخلص إليه عدد من النواب، ومنهم كنعان.
في السياق نفسه، وزير المال محمد الصفدي باشر بالمهمة الصعبة. تشير مصادر الوزارة إلى أن شركة التدقيق الدولية التي استعان بها الصفدي أنهت عملها، وتبيّن أنّ ثمة 100 شخص على الأقل يستطيع الدخول إلى بيانات المركز الآلي في وزارة المال وتغيير الأرقام. وتبين كذلك، أنه لا قيد مالياً واحداً ثابتاً في حسابات الدولة اللبنانية خلال السنوات العشرين الماضية. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنّ باستطاعة عدد من الأشخاص تغيير أرقام الحسابات وفق ما يبتغون... وقد فعلوا (وفق تقارير النيابة العامة المالية).
النائب عن تيار المستقبل وعضو لجنة المال والموازنة غازي يوسف، له رأي آخر. إلا أن النتيجة واحدة: ثمة مشاكل مالية فعلية، والحلول متوافرة، لكن غير متوافق عليها. يشرح النائب، الذي عمل مستشاراً لأحد الأطراف في شؤون عمل ديوان المحاسبة لمدة ثلاث سنوات، أن رقابة الديوان أيضاً مخروقة بمشكلات عديدة، مثل: عمل مراقبين مختلفين على قضية واحدة يوصل إلى نتائج مختلفة. مثل آخر: اعتبار الديوان كل ما هو «آلي» أو «إلكتروني» مخالفاً للقانون، لأنه لا يحمل ختماً أو توقيعاً ورقياً.
لا ينكر يوسف إمكان حصول أخطاء في عمليات التدقيق وإعداد الحسابات الإلكترونية، إلا أن ذلك يعود إلى عدم سير لبنان في موكب تحديث وسائل الحساب المالي كما يجري في معظم دول العالم. المأخذ الأكيد هو تحميل فريق «الرئيسين الحريري والسنيورة تبعات الأخطاء الواردة في الحسابات». يرى يوسف أن الوزراء الذين مروا على وزارة المال ليسوا كلهم من الفريق السياسي ذاته، إلا أنه مع اختلاف توجهات الوزراء، كانت النظم الاحتسابية واحدة. المشاكل المالية متراكمة، يقول يوسف. الحلول متوافرة، يقول كذلك. فقد بُحث اقتراح في لجنة المال والموازنة، في تسليم الحسابات المالية، وخصوصاً التدقيق لشركة غير مرتبطة بالدولة ولا بالإدارات القائمة؛ فديوان المحاسبة جهاز رسمي، ومن غير المنطقي أن يراقب الدولة؛ فهو مرتبط بها. يذهب يوسف إلى التجربة الإنكليزية، ويشرح أن شركة تدقيق تؤدي دور المدقق، وترفع خلاصاتها للبرلمان الإنكليزي. يرى أن هذا الحل جيد، إلا أن «الفريق الآخر» يرفضه، بمبرر أن حسابات الدولة لا يطّلع عليها إلا أجهزة الدولة.
بعيداً عن التجاذبات، لصقاً بالقرارات القضائية، يمكن الانتهاء بخمس نتائج لعملية تصفير السنيورة للحسابات: عدم صحة رصيد الصندوق، عدم صحة رصيد الحساب الجاري مع مصرف لبنان، عدم صحة رصيد حساب سلفات الخزينة، عدم صحة رصيد حساب سلفات الخزينة ذات الطابع الخاص وعدم صحة أرصدة الحسابات الأخرى خارج الموازنة؛ إذ يتبين أن قرارات ديوان المحاسبة القضائية لم ترحم السنيورة، ويبدو أنها ستتوالى فصولاً كلما تقدم الديوان في عملية تدقيق الحسابات المالية العائدة للسنوات من 1993 إلى اليوم.
وتفيد المستندات والوثائق الرسمية المتاحة بأن الأجهزة الرقابية المختصة أكّدت في مناسبات عدّة عدم وجود أي تدقيق على الحسابات المالية طوال السنوات الماضية. لا بل تظهر عدم وجود إعداد للحسابات السنوية، رغم أن منطق العمل الإداري، كما القانون والدستور، يفرض على وزارة المال إجراء إعداد وتدقيق يومي للحسابات، لإظهار ما على الدولة من موجبات وما لها من مستحقات. اكتشافات يدور حولها سؤال صريح يطرحه عدد من أقطاب الأكثرية: «ماذا كانت تفعل وزارة المال خلال السنوات الماضية؟ وما هو الهدف من عدم القيام بهذه الواجبات البديهية؟ وهل من محاولة لإخفاء مخالفات مالية من الممكن أن تدين أحد أو تضعه أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بحسب ما يلمح البعض؟».
في قرار قضائي صادر عن ديوان المحاسبة في إطار رقابته المؤخرة على الحسابات المالية، فنّد الديوان نتائج عملية تصفير الحسابات التي أجراها وزير الدولة للشؤون المالية فؤاد السنيورة بتاريخ الأول من كانون الثاني 1993؛ إذ تبيّن أن ديوان المحاسبة قد أصدر القرار القضائي رقم 1/ر ق بتاريخ 21 آب 1997 وتناول فيه موضوع حساب مهمة محتسب المالية المركزي لعام 1993، عارضاً المبادئ والأصول المحاسبية التي تحكم تنظيم حساب المهمة، ليخلص إلى النتائج التي ترتبت على تصفير ميزان دخول حساب مهمة عام 1993:
النص القانوني القاضي بصرف النظر نهائياً عن إعداد حسابات المهمة العائدة لعام 1990 وما قبله، في ضوء قرار الديوان «لا يعني إطلاقاً أن المشترع قد قصد تنظيم حسابات مهمة عام 1991 وما بعدها من دون ميزان دخول؛ لأن ذلك يخالف أصول المحاسبة المتعارف عليها ولا يتفق مع واقع القيود ومع مبدأ وجوب تدوير أرصدة الحسابات الحقيقية والشخصية التي من دونها لا يمكن الوصول إلى حسابات صحيحة تعكس الوضع المالي الفعلي».
ويستطرد قرار الديوان ليبيّن النتائج التي ترتبت على قرار الوزير فؤاد السنيورة بتصفير الحسابات في مطلع عام 1993، ويدرجها في إطار الكارثة على الصعيد المحاسبي، وعلى صعيد الواقع الذي آلت الحسابات المالية إليه. فإغفال ميزان الدخول في إعداد حساب مهمة عام 1993، «فضلاً عن أنه غير مقبول من ناحية المبادئ المذكورة أعلاه ومخالف لأبسط القواعد القانونية والمحاسبية، قد أدى إلى نتائج غير صحيحة ولا يجوز القبول بها».
أما أولى نتائج تصفير الحسابات، فهي عدم صحة رصيد الصندوق. لقد تبيّن من مراجعة الحساب رقم 200 المتعلق بـ«النقود الموجودة لدى المحتسبين المركزيين» أن خلاصة القيود الظاهرة في نهاية عام 1993 تظهر أن رصيد الصندوق دائن، فيما «لا يمكن أن يكون دائناً باعتبار أن ذلك يعني أن الأموال التي خرجت من الصندوق خلال عام 1993 هي أكثر من موجوداته وهو أمر غير معقول»، على حد ما ورد في قرار الديوان.
ويعزو الديوان «هذه النتيجة غير المعقولة بصورة أساسية إلى عدم وجود ميزان دخول في أول المدة، أي في 1/1/1993 مع إمكان وجود أخطاء أخرى قد تكون مصدر الفرق». ومن غرائب الأمور أن النقص في الصندوق بتاريخ الأول من كانون الثاني 1993 قد سجل لاحقاً «نقصاً في الصندوق وأموالاً مختلسة»، كما ورد في قرار آخر لديوان المحاسبة رقمه 9/ر ق صادر بتاريخ 21 حزيران 2004.
وأما ثانية نتائج تصفير الحسابات، فهي عدم صحة رصيد الحساب الجاري مع مصرف لبنان؛ إذ إن قرار ديوان المحاسبة يشير إلى«أن من غير المعقول أن يكون رصيد حساب الخزينة في مصرف لبنان في أول عام 1993 «لا شيء» باعتبار أنه يخالف الواقع بصورة لا تقبل الجدل».
وأما ثالثة نتائج تصفير الحسابات، فهي عدم صحة رصيد حساب سلفات الموازنة (…). يتخوّف قرار الديوان من ضياع حقوق الخزينة من جراء تصفير ميزان الدخول، فيضيف: «إن إغفال هذه القيود من شأنه تعريض حقوق الخزينة للضياع».
إلى المستند الثاني. إنها النيابة العامة المالية هذه المرة. المذكرة رقمها 1660/156، موضوعها: توفير الضوابط الفنية والقانونية اللازمة في برامج المعلوماتية المعتمدة في مديرية الخزينة والدين العام. تاريخ المذكرة: 20 تشرين الثاني 2008. أما مضمون المذكرة فيتعلق بمخالفات مرتبطة بأن «البرنامج المعد من المركز الآلي في وزارة المال والمعتمد من الخزينة لإثبات ومعالجة عمليات القبض والدفع والتحويلات بين الحسابات... التي تقوم بها الخزينة، يسمح، خلافاً لأبسط قواعد الضبط والأصول المحاسبية المقررة في التصميم العام للمحاسبة وغيره من النصوص القانونية، بإضافة أو إلغاء قيود سبق تدوينها، الأمر الذي يتيح إمكان إخفاء انحرافات أو أخطاء أو مخالفات يمكن أن تستدعي الملاحقة». وقد دعت المذكرة إلى «وضع الضوابط اللازمة للبرنامج المعتمد في المركز الآلي... لحماية المال العام من الأخطاء والانحرافات الممكن وقوعها أو ارتكابها...».
المستند الثالث مختلف في الشكل كما في المضمون. يتعلق بحديث أدلى به مدقق الحسابات الأول في ديوان المحاسبة؛ إذ قال الآتي: «إن الحسابات التي وصلتنا من وزارة المال بتاريخ 1991 و1992 هي عبارة عن بيانات لا تنطبق عليها صفة الحساب. أما حسابات الأعوام 1993، 1994، 1995، 1996 فقد وصلتنا غير مكتملة وليس فيها موازين دخول لحساب الصندوق والمصرف فأعادها ديوان المحاسبة إلى مصدرها بعد أن أصدر قرارات قضائية مؤقتة بكل حساب».
وكانت وزيرة المال السابقة ريا الحسن، قد أقرّت رسمياً، في «خطة عمل تدقيق الحسابات المالية العائدة لسنوات 1993 ـــــ 2010»، بعدم إعداد وتدقيق قطع الحساب وحسابات المهمة في كل هذه الأعوام؛ إذ طلبت الاستعانة بـ 120 مراقباً للقيام بهذه المهمة في فترة تمتد على ثلاث سنوات... وهنا يطرح التساؤل: «لماذا الآن؟ أين كانت وزارة المال خلال السنوات الماضية؟ ولماذا أغفلت القيام بهذه المهمة؟».
الوثائق المتاحة حتى الآن تظهر الكثير من المخالفات. تتحدث عن تلاعب بالأرقام، عن عدم تطابق في الحسابات، عن مشكلات محاسبية قائمة. قصة الأموال العامة، وكيف صرفت خلال السنوات الماضية هي لغز اليوم. لكن يمكن طرح سؤال في هذا السياق: «إلى متى سيبقى اللغز لغزاً؟ وهل سيشهد لبنان عملية تدقيق فعلية توصل السائلين إلى إجابات عن آلية الإنفاق وإدارة الشؤون المالية للدولة خلال السنوات الماضية؟».


63 مراقباً
هو عدد المحاسبين ورؤساء المحاسبة الذين طلبتهم وزيرة المال ريا الحسن لإنجاز عمليات تدقيق حساب المهمة من عام1997 حتى عام 2000 إضافة إلى 5 محاسبين ورئيس محاسبة لتأليف لجنة لجرد مستودعات مديرية الخزينة

قرارات قضائية تفيض بالمخالفات
في وثيقة تبليغ صادرة عن ديوان المحاسبة لوزارة المال في عام 2002، قرر الديوان اعتبار حساب المهمة العائد لعام 1994 «غير صحيح وغير قابل للبت بالطريقة التي قدم بها، وبالتالي إعادته إلى المحتسب المركزي لوضع حساب متفق مع المستندات والقيود اللازمة. فيما تشير وثيقة أخرى صادرة في عام 2005 عن الديوان كذلك، أن حساب المهمة العائد لعام 1996 غير صحيح، وهو غير قابل للبت وفق قانون تنظيم ديوان المحاسبة، وخصوصاً مع وجود فارق في الصندوق. وقد أشار أمين صندوق الخزينة في رده على الديوان أن هذا الفارق يأتي في سياق «احتمالات الأخطاء
اقتصاد
العدد ١٥٩٥ الثلاثاء ٢٧ كانون الأول ٢٠١١

23‏/12‏/2011

الهيئات الاقتصادية: تحركات تصعيدية و«غير مسبوقة»



الهيئات الاقتصادية ترفض مرسوم تصحيح الأجور بالمطلق. التهويل بتحركات غير مسبوقة متوقف على رأي مجلس شورى الدولة، مع توقعات أن «الشورى» لن يوافق على ضم بدل النقل الى صلب الأجر
رشا أبو زكي
قرار تصحيح الاجور الى المعركة مجدداً. الهيئات الاقتصادية أعلنت الحرب، وآليات عملها لوقف تنفيذ القرار واضحة: طعن لدى مجلس شورى الدولة في حال موافقته على القرار من دون تعديل، اضرابات وتحركات تصعيدية، وصولاً الى العصيان المدني. التهويل هذا استباقي، فالتعويل، كل التعويل على مجلس شورى الدولة. في متن رأي مجلس الشورى الرافض لقرار الحكومة الاول في تصحيح الأجور، نص يراه ممثلو الهيئات الاقتصادية واضحاً: «إن تدخل السلطة التنفيذية لأجل تحديد أو تعديل بدل النقل اليومي للمستخدمين والمنح المدرسية عن أولادهم، يخرج عن نطاق التفويض المعطى لها من المشترع بموجب المادة 6 من القانون الرقم 36/67. ويدخل في نطاق ممارسة حرية التفاوض الجماعي التي كفلتها اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تحديد الحد الادنى للأجور لسنة 1970، كما يدخل ايضاً في إطار ممارسة حرية التعاقد التي كفلها الدستور». هذا النص، يريح الهيئات الاقتصادية «من المستبعد أن ينقلب مجلس الشورى على آرائه، فبدل النقل لا يجب أن يكون ضمن مرسوم الأجور، فكيف اذا كان المرسوم يتضمن ضماً لبدل النقل في صلب الأجر؟» يقول رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس. يرى الأخير ان قرار الحكومة غير قانوني بالمطلق، وبالتالي لن يلقى موافقة مجلس الشورى. منطلقات الرفض الأخرى متشعبة. فبالاضافة الى المنطلق القانوني المتعلق ببدل النقل، هنالك منطلقات «اجتماعية». اذ «لأول مرة في تاريخنا الاقتصادي تتوصل الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام الى وثيقة موقعة ترضي الطرفين، واذا بالحكومة «تتحشر بأمر لا يعنيها»، تبطل ما تم الاتفاق عليه وتفسد العلاقة بين شريكي الانتاج».
آليات التعبير عن رفض مرسوم الاجور ستتخذ خطاً تصاعدياً. في البدء انتظار رأي مجلس الشورى. اذا رفض المرسوم، يبقى على الحكومة الالتزام بالقانون، اذا وافق، يصار إلى تقديم الطعن، وصولاً الى العودة للقواعد التمثيلية للهيئات الاقتصادية، ثم تنفيذ تحركات على الارض. ومن الممكن عقد مؤتمرات مثل ذلك الذي عقد في البيال، ولكن بعد رأس السنة.
لماذا بعد رأس السنة؟ يجيب رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام بأن الهيئات الاقتصادية ارتأت الحفاظ على الهدوء في الاسواق، الى حين انتهاء موسم الأعياد. الا أن العام 2012 سيبدأ بأجندة عمل مركّزة. «اذا رفضت الحكومة الأخذ برأي مجلس شورى الدولة في حال رفضه للمرسوم، فسنبدأ سلسلة تحركات لم يشهد لبنان مثيلاً لها في السابق»، يوضح افرام. اذ تسيطر الهيئات الاقتصادية على مفاصل العمل الاقتصادي في لبنان، واذا لم ينفع الاضراب، يجري تعطيل العمل الاقتصادي بالمطلق. يستغرب افرام صدور مرسوم معاد للإنتاج «اتفاقنا مع الاتحاد العمالي لا يفرق عن مشروع نحاس سوى بادخال الأخير بدل النقل في صلب الراتب». هذه النقطة تحديداً سترفع من اكلاف العمل في لبنان. العامل لن يشعر بأي فرق أو تغيير فعلي في راتبه «فقد طرحنا في ورقة التفاهم مع الاتحاد العمالي زيادة الحد الادنى للأجور الى 675 ألف ليرة، وقيمة الزيادة 175 ألف ليرة. في حين ان مشروع نحاس رفع الحد الادنى الى 868 ألف ليرة، أي ان الفارق عن ورقة الاتحاد العمالي والهيئات الاقتصادية يتعلّق فقط بموضوع زيادة بدل النقل اليومي وضمه الى صلب الراتب، وهذان البندان في مرسوم الأجور يعتبران مخالفة قانونية».
يشرح افرام أن ضم بدل النقل «مؤلم». إذ يكلف المؤسسات إنفاقاً اضافياً كبيراً بلا مساعدة العمال. ومن جهة اخرى، يرى رئيس جمعية الصناعيين أن في اصدار قرار كهذا مشكلة بنيوية وغير منطقية. في العامين 2000 و2002 تم تطبيق قرارات موجعة بحق القطاعات المنتجة في لبنان، وهي إلغاء الرسوم الجمركية على المستوردات، هذه القرارات جعلت الانتاج الوطني بلا حماية، وكان المبرر أن لبنان يتبع الاقتصاد الحر. اليوم، يتخذ مجلس الوزراء قراراً يدل على ان النظام الاقتصادي في لبنان ليس حراً، وهذا القرار سيزيد من الاعباء على الانتاج الوطني، وبالتالي ستقع الصناعات اللبنانية بين شقي عدم الحماية بحجة الاقتصاد الحر، وزيادة اكلافها تحت غطاء الاقتصاد المسيّر من قبل الدولة. ويسأل: «أين المنطق الاقتصادي في قرار كهذا؟». يوضح افرام أنه لو كان الانتاج في لبنان يحظى برعاية حكومية، لكان أمكن فتح النقاش في زيادة الاعباء، لكن في ظل هذا الواقع، يصبح قرار زيادة بدل النقل أزمة فعلية. يقدر الزيادة التي سيدفعها صاحب العمل عن كل عامل الى الضمان بنحو ألف دولار سنوياً، من دون احتساب الزيادة اللاحقة على الأجر. اما رفض اصحاب المؤسسات السياحية لمرسوم تصحيح الاجور، فهو بسبب «تعارضه مع الإنماء المتوازن في القطاع السياحي». اقرار مرسوم الأجور وفق اقتراح وزير، وليس وفق اتفاق بين اطراف الانتاج، لا يمكن وضعه سوى في خانة النكايات السياسية، يقول رئيس اتحاد النقابات السياحية بيار اشقر. يشرح أن المؤسسات السياحية خارج بيروت تعدادها بالآلاف. هذه المؤسسات توفّر لموظفيها نقلاً خاصاً، او مكاناً للمبيت ضمن الفندق، وضم بدل النقل الى الأجر يجبر هذه المؤسسات على دفع تكاليف النقل مرتين. ويرى أن قرار الضم مرفوض، وخصوصاً انه لا يستثني المؤسسات التي توفّر نقلاً خاصاً لموظفيها من مفاعيله، (علماً أن هناك امكانية لاسترداد كلفة هذه الخدمة من الموظّف بحد اقصى يبلغ 140 الف ليرة شهرياً).
وإن كان التجار والصناعيين قد حددوا «مواطن الخلل» و«آليات التحرك»، فإن بيان الهيئات الاقتصادية وصف مرسوم الأجور بـ«الخطيئة» والذي يجب ابطاله. وإن قرار الحكومة جاء نتيجة انقلاب موصوف على الاتفاق الرضائي الموقع في القصر الجمهوري والذي كان قد جرى التوصل إليه للمرة الاولى في التاريخ الاقتصادي الحديث، بين طرفي الانتاج، أي أصحاب العمل والعمال، بعد حصيلة مشاورات مضنية، قبل جلسة مجلس الوزراء. وأعلنت الهيئات انها «مضطرة الى عدم تطبيقه لأن أضراره لن تطول أصحاب العمل فقط، بل العمال أيضاً، بسبب الإقفال الذي سيطول عدداً كبيراً من المؤسسات الانتاجية».
سياسة
العدد ١٥٩٣ الجمعة ٢٣ كانون الأول ٢٠١١

17‏/12‏/2011

247 ألف دولار خسارة الكهرباء كل ساعة





10 مليارات دولار خسائر الاقتصاد من مشاكل الطاقة (ارشيف ـ بلال جاويش)
أزمة الكهرباء في لبنان ليست بأسطورة تاريخية لا يمكن تغيير مجراها، وليست مشكلة مستعصية لا يمكن استئصال مسبباتها. إنها مجرد قرار، ينقل مؤسسة خاسرة إلى مرفق عام ناجح. يخفض خسائر مليارية تتراكم على الدولة. خسائر تنعكس ارتفاعاً في الدين العام وانخفاضاً في النمو الاقتصادي وتفاقماً للأزمة الاجتماعية المرتبطة
رشا أبو زكي
ليست مشكلة الكهرباء في التقنين فقط. انعكاسات الأزمة الكهربائية في لبنان تمثّل حلقة متكاملة. حلقة تؤثر على ضعف النمو الاقتصادي، على ارتفاع كلفة الدين العام وخدمته، على ارتفاع العجز في الموازنة، على استمرار نهج علاجي ذي أفق ضيق. يمكن أن تكون الأرقام المتعلقة بالكهرباء صادمة. يمكن أن تكون أكثر مما يتوقعه أكثر الممتعضين من الانقطاع الدائم للكهرباء. مثلاً، قيمة خسارة الدولة في كل ساعة واحدة من إنتاج الكهرباء تبلغ 273 ألف دولار. وبما أن الإنتاج يصل إلى 8500 كيلواط/ساعة في السنة، تبلغ الخسارة السنوية، بسبب عدم إصلاح قطاع الكهرباء وعدم الانتقال في الإنتاج من الفيول إلى الغاز، مليارين و320 ألف دولار. إنها كارثة فعلية، وليست خسارة عادية.
لنوسّع «البيكار». يُعَدّ إنفاق الدولة على الكهرباء من الأعلى في أبواب الإنفاق في الموازنة العامة. النسبة التقريبية لهذا الإنفاق تبلغ نحو 20 في المئة من إجمالي الإنفاق العام. فاتورة الإنفاق على الكهرباء منذ منتصف التسعينيات حتى الآن تمثّل 40 في المئة من إجمالي الدين العام المتراكم. المدهش في ذلك، أن الدولة أنفقت نحو 25 مليار دولار خلال هذه الفترة على هذا القطاع. إلا أن أقل من 10 في المئة من هذا المبلغ أُنفق لتحسين القطاع، بحيث لا يتعدى الإنفاق على الإنشاءات نحو مليارين و500 مليون دولار!
عجائب الكهرباء حضرت على طاولة مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية في ندوة بعنوان «الكهرباء المستدامة لكل لبنان». محاضرون رموا الأرقام على رؤوس الحضور، فكانت عبارات الاستهجان والاستغراب تُطلق عند كل رقم يُعلن. وزير الطاقة والمياه، جبران باسيل، أكد أن كلفة الكهرباء التقديرية المباشرة على الاقتصاد اللبناني (من دون احتساب الخسائر غير المباشرة) تبلغ 6 مليارات دولار سنوياً، فيما الناتج القومي هو 40 مليار دولار. ما يعني أن هذه الكلفة تمثّل نحو 15 في المئة من الناتج القومي. إذا أُضيف موضوع المحروقات والتكاليف التي يتكبدها الاقتصاد نتيجة غياب سياسة طاقوية ورؤية واضحة في البلاد، يصبح هنالك 4 مليارات دولار خسائر إضافية من شراء المحروقات ومن أكلاف النقل مباشرة. الحصيلة أن أزمة الكهرباء وذيولها تكبّد لبنان نحو 10 مليارات دولار، أو نحو 25% من الناتج القومي، وإن هذا الرقم منفرداً يؤكد مدى كبر المشكلة بنيوياً على الاقتصاد نتيجة عجز الكهرباء ومشكلة الطاقة في لبنان. الكهرباء أصبحت كارثة حقيقية، يقول باسيل. استمرار الوضع سيؤدي إلى الانفجار، اجتماعياً واقتصادياً. ها هم المواطنون يدفعون ملياراً و700 مليون دولار للمولدات الخاصة. يتكبد المواطنون كذلك خسائر مباشرة من جراء الأعطال الكهربائية بنحو مليار و500 مليون دولار من حيث تأثير انقطاع الكهرباء على المواد الغذائية وتعطيل للقطع الكهربائية والصناعات والزراعات وغيرها.
هذه الوقائع تنقل الأزمة إلى الضفة الثانية. كيف تتعاطى السلطات المعنية مع ملف الخسائر هذا؟ تبدأ المشكلة بعدم وجود سلطة سياسية ترمي إلى الإصلاح في هذا القطاع، بحسب رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، بحيث لا يتوافر أي إمكان لمراقبة تنفيذ مشاريع الوزراء المتعاقبين على الكهرباء، ولا لمتابعة تفاقم الأزمة الكهربائية؛ إذ ترتفع كل المؤشرات السلبية في لبنان لتجعل كلفة إنتاج الكهرباء من الأعلى، وخصوصاً من ناحية الإنفاق العام. فإن يصل هذا الإنفاق إلى 40 في المئة من إجمالي قيمة الدين العام المتراكم، فهذا يُعَدّ «كفراً». وإن جرى التغاضي عن الحلول العملية للأزمة، فهذه أزمة بحدّ ذاتها؛ إذ إن تعرفة الكهرباء مجمدة منذ أكثر من 15 عاماً. في المقابل، لا جرأة لطرح مشاريع مكلفة قليلاً، لكنها توصل إلى نتائج. تشير دراسة أعدها مركز البحوث لمصلحة البنك الدولي إلى أن نحو 58 في المئة من اللبنانيين يلجأون إلى المولدات الخاصة، فيما الذين يستهلكون 5 أمبير من هذه المولدات (أي المحدودو الدخل) هم الأكثر قابلية واستعداداً لدفع تعرفة أعلى مقابل توفير كهرباء مستدامة.
يشرح حمدان عن عقلية سائدة تقول إن الاصطدام بعراقيل إصلاحية يجب أن يعوض باستثمارات جديدة. هذه العقلية هي نقطة الانطلاق التي جعلت الحكومات المتعاقبة بعيدة عن الاستثمار في صيانة معامل الإنتاج، وعن الاستثمار في العامل البشري، ما أدى إلى تفاقم المشكلة.
وبين عجيبة وأخرى، تظهر أسباب العجز الكهربائي ومسبباته؛ إذ يرتفع سعر البترول بنسبة 25 في المئة سنوياً خلال الأعوام 2009 و2010 و2011. في المقابل، تشهد أسعار الغاز انخفاضاً. المعامل الإنتاجية التي صممت للغاز لا تزال تستخدم الفيول. «هنا سبب المشكلة الأساسي» يقول رئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام. فسعر الكيلواط/ ساعة إلى المواطن يبلغ 11 سنتاً، فيما كلفة إنتاج الكيلواط هي 20 سنتاً. بما أن مؤسسة الكهرباء تجبي 60 في المئة فقط من قيمة ما تبيعه من كهرباء، ترتفع كلفة إنتاج الكيلواط إلى 34 سنتاً. وهكذا تخسر الدولة 247 ألف دولار في إنتاج كيلواط واحد كل ساعة. بالتالي، ترتفع الخسارة إلى مليارين ونص مليار دولار نتيجة إنتاج المؤسسة 8500 كيلواط/ ساعة سنوياً. هذه الأرقام مبنية على أساس سعر برميل البترول 95 دولاراً! فماذا سيحدث حين يرتفع عن هذا المعدل؟ حينها سيرتفع الدين العام إلى 85 مليار دولار في عام 2015، مع ارتفاع في عجز الموازنة يصل إلى 18 في المئة! يشرح افرام أن استيراد الغاز لتشغيل المعامل لا تتعدى كلفته 500 مليون دولار، إلا أنه يخفض من كلفة الإنتاج أضعافاً.
اقتصاد
العدد ١٥٨٨ السبت ١٧ كانون الأول ٢٠١١

13‏/12‏/2011

جثث أمام وزارة الصحة خليل: الضمان الشامل قريباً



(تصوير مروان طحطح)
انطلقت حملة «حقي عليي» في باكورة اعتصاماتها من أمام وزارة الصحة. مطلبها إقرار الضمان الشامل لجميع اللبنانيين. وزير الصحة علي حسن خليل ترك وزارته ليناقش المعتصمين. الحوار بين الطرفين دام نحو ساعة. أكد خليل أنه يُعدّ لخطة متكاملة لتحقيق هذا المشروع، فيما أعلن المعتصمون أن محطاتهم المقبلة هي وزارتا العمل والمال، والاتحاد العمالي وهيئة التنسيق النقابية
رشا أبو زكي
منذ أيام، ادّعى عدد من الشباب في حملة «حقي عليي» أنهم مرضى. وزارة الصحة كانت مقصدهم. دخلوا كلّ على حدة. بعد أسئلة عديدة، أجابهم أحد الموظفين: «لنتحدث بصراحة. بما أنكم غير خاضعين للضمان الاجتماعي، لا يمكنكم الدخول إلى المستشفى بتغطية من وزارة الصحة إلا عبر الواسطة». كانت هذه العبارة حافزاً إضافياً لإقرار الاعتصام الأول للمجموعة الشبابية أمام وزارة الصحة تحت عنوان «دقيقة موت أمام وزارة الصحة. نحو إقرار الضمان الشامل لجميع اللبنانيين». وهذه العبارة، أيضاً، قالها جنيد (شاب في الحملة)، كما هي، في وجه وزير الصحة العامة علي حسن خليل الذي قرّر الانضمام إلى الشباب في اعتصامهم، لمحاورتهم.
حوار استمر نحو ساعة، فوق نحو 10 جثث (اصطناعية) ترمز إلى موت عدد من المواطنين غير المضمونين على أبواب المستشفيات الرافضة لاستقبالهم. عينا خليل اللتان كانتا تلاحقان الشعارات المرفوعة في الاعتصام، نطقتا قبل أن ينطق. قال إن السلطة السياسية بكاملها مسؤولة عن غياب هذا المطلب الاجتماعي الأساسي، «وقد يكون فريقنا السياسي مسؤولاً أيضاً». شبه الإقرار هذا لم يرض المعتصمين، فسارعوا إلى الهتاف «لا ثقة، لا ثقة».
صمت الوزير لحظة. سأله أحد المعتصمين: «كيف تكون وزيراً في السلطة، وفي الوقت ذاته تشاركنا مطلبنا، منتقداً السلطة؟ هل من أحد في العالم يعتصم ضد نفسه؟». تنتقل العيون إلى معتصم آخر: «حضرتك تطرح خطة أخرى للتغطية الصحية تقوم على خصخصة هذا القطاع عبر تسليمه إلى شركات التأمين. تريد من كل مواطن أن يدفع 60 دولاراً شهرياً لكي يحصل على حق الاستشفاء؟ أليس هذا حقاً مجانيّاً للمواطن مقابل ما يدفعه من ضرائب للدولة؟».
يتأهّب خليل للسؤال، مُهيّئاً الإجابة الصعبة: نحن في السلطة صحيح، ولكن تنفيذ مشروع كالتغطية الصحية الشاملة يحتاج إلى بنى تحتية. إن المشروع الذي تطرحه هو حق لكل لبناني، إلا أن النظام السياسي الطائفي حال دون تطبيقه. يدعو خليل الشبان إلى عدم بناء آرائهم على افتراضات غير واقعية يطلقها البعض وفق مصالحهم الضيقة. خطة وزارة الصحة لم تعلن بعد، ولم أقل يوماً إنني سألزّم التغطية الصحية لشركات التأمين. هناك فريق عمل في الوزارة يعمل على خطة متكاملة لتأمين ضمان صحي شامل، وهو يعمل على تفصيل الآليات التنفيذية للمشروع. خلاصة الخطة هي الآتية: على عكس الخطة التي طرحت على مجلس الوزراء (من قبل وزير العمل شربل نحاس) والتي تحمّل المواطن اللبناني 15 في المئة من كلفة الاستشفاء، الخطة التي سنطرحها ستؤمن تغطية صحية 100% ومن دون أي تكاليف إضافية يتحمّلها المواطن. ينتفض أحد المعتصمين، فقد شعر بأن الوزير يلمّح إلى أن الاعتصام مسيّس. يحمل المذياع، يقف في مواجهة خليل، ويقول: «يا معالي الوزير، تحاول تصنيفنا كما يُصنّف كل من يطالب بحق. نحن لا وزير يدعمنا، ولا جهة سياسية تقف خلفنا. نحن مواطنون نطالب بحق، ولا نقبل بأيّ منّة من أحد. وإن فشلت في مهمتك، فعليك الاستقالة. أما نحن، فسننتزع هذا الحق انتزاعاً».
صوت يصرخ من خلف خليل: «كيف ستموّلون هذه الخطة؟ من الضرائب على الفقراء؟». يحاول خليل الالتفات إلى الصوت، إلا أنه يكتفي بتعديل وقفته، يستكمل شرحه: «التمويل على عكس الخطة المطروحة على مجلس الوزراء التي تعفي أصحاب العمل من اشتراكات الضمان تحت شعار تأمين استمرارية عمل الأجراء. كذلك فإن خطتنا، على عكس الخطة الآنفة الذكر أيضاً، لن تتمحور حول تأمين مصالح المستشفيات الخاصة. سنبحث عن تمويل من الأثرياء، من زيادة الضرائب على الربح العقاري، وعلى الودائع المرتفعة، وعلى التعامل بالأسهم». يصفّق البعض لما طرحه خليل، صوت يرتفع: «لا ثقة، جرّبناكم، الآن تريدون إقناعنا بأنكم استفقتم لحقوقنا؟ ماذا كنتم تفعلون في السنوات الثلاثين الماضية؟». يهتف عدد من الشبان «جرّبناكم، جرّبناكم». يبتسم خليل، ينظر إلى المعتصمين، وبلهجة واثقة يؤكد: «أنا أدعوكم إلى الحوار. استمعوا إلى خطتي قبل أن تحكموا عليها. الخطة سترفع إلى مجلس الوزراء قبل 15 كانون الثاني. وحينها لكم القرار».
الحوار بين الشباب والوزير انتهى على وقع انتظار الخطة الموعودة. على جانب الطريق، يوزع شبان بيان صادر عن حملة «حقي عليي» على أصحاب السيارات. يشرح البيان أهداف الاعتصام، يفنّد المطالب، وموجبات التحرك. «لأن الفاتورة الصحية تأكل رواتب الموظفين وغير الموظفين. لأن أكثر من 50 في المئة من المواطنين غير مشمولين بالتغطية الصحية. لأن هذه السلطة تتحمل مسؤولية الجرائم التي ترتكب أمام أبواب المستشفيات الرافضة للمرضى. لأن كلفة الصحة في لبنان يمكن أن تنخفض 30 في المئة. لأن تغطية وزارة الصحة للاستشفاء تأتي على شكل تقدمة إلى المحتاجين».
بخط عريض يكتب المعتصمون مطلبهم: «بدنا نقول إنو نحنا أصحاب حق، مش محتاجين، وإنو الصحة حق مش امتياز...». ويحدد البيان الاستهدافات المقبلة لاعتصامات الحملة: «وزارة العمل، وزارة المال، الاتحاد العمالي العام وهيئة التنسيق النقابية». معتصم مشاكس تكاد ابتسامته تغطي ملامح وجهه. يحضن صديقه كمن اكتشف أنه فاز في لعبة اللوتو منذ لحظات. «صديقي، على الرغم من عددنا القليل، استطعنا أن نجذب اهتمام وزير الصحة. هل لاحظت في كلمة الوزير أنه ظهر كمن ينافس وزير العمل على تأمين التغطية الصحية؟ قال إنه سيؤمن تغطية صحية 100%، «منيحة»، فليتنافسا على هذا المطلب، أعتقد أننا سنُفاجأ بأحدهما يدفع من جيبه لينتصر على الآخر. «منيحة»، لعل الضمان الشامل يتحقق على أيامنا».
مجتمع
العدد ١٥٨٤ الثلاثاء ١٣ كانون الأول ٢٠١١

12‏/12‏/2011

१०جرحى لفتح الطريق لموكب مقبل



يوم السبت الماضي، نفذت مجموعة من الهيئات الشبابية والنقابية اعتصاماً أمام مصرف لبنان في مناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان. اللافتات كانت رافضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. الرد من القوى الأمنية كان قاسياً. الحصيلة: 10 جرحى و 8 شبان اعتقلوا ثم أُفرج عنهم
رشا أبو زكي
أمام مصرف لبنان ضجة. لعل هذا الحدث وحده يثير غضب رجال الأعمال، وخصوصاً أولئك الموجودين في الحكومة، فكيف إذا كانت الضجة «يقترفها» متضررون من السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة؟ حينها، يضيق صدر السلطة ذرعاً بمجموعة من الشباب تبحث عن حق اجتماعي ضائع أمام معلم اقتصادي يكتسي ثوب القداسة. أما أن يقف موكب نائب رئيس الحكومة سمير مقبل، مثله مثل «الناس العاديين» في زحمة السير ــــ وهي، بالمناسبة، زحمة سببها عناصر قوى الأمن الذين أقاموا سياجاً بشرياً حول المعتصمين ــــ فإن هذه إهانة ما بعدها إهانة.
حينها، تتحرك البنادق والهراوات وينتفض مرافقو «الريّس» للانقضاض بالضرب وتكسير أضلع نحو 10 معتصمين، واعتقال ما بقي من أجساد شابة لم تستملها مغريات الهجرة بعد. «عسكر على مين؟»، يهتف المعتصمون.
تردّ الهراوات وأعقاب البنادق: «عليكم، بدها سؤال؟». لا تنفع الهتافات، ولا الأصوات الداعية إلى التهدئة. ضربة البندقية في معدة فتاة معتصمة، وضربة الهراوة على رأس آخر، تختصر المشهد.
لا تقلل مناسبة الاعتصام اليوم العالمي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان من عنف القوى الأمنية؛ إذ إن المجموعة تضم عدداً من الهيئات الشبابية والنقابية والاجتماعية التي قررت أن تطالب بحقوقها الإنسانية ــــ الاجتماعية في هذا اليوم.
مناسبة أخرى للاعتصام: تحركات عالمية لمناهضة الرأسمالية تنظم بالتزامن في جميع دول العالم. مناسبتان تشكلان إطاراً منطقياً للاحتجاج على «الأزمة الاقتصادية الراهنة»، تحت شعار «رفضاً للسياسات المالية والاقتصادية المتبعة، وتزامناً مع التحركات العالمية لمناهضة الرأسمالية».
وقد حمل المعتصمون لافتات تندد بالسياسات الاقتصادية المجحفة، ورددوا هتافات تدعو إلى التغطية الصحية الشاملة والضمان الاجتماعي وحماية الليرة وتصحيح الأجور والسياسة الضرائبية العادلة... قبيل انتهاء الاعتصام، حاولت القوى الأمنية فكه بعنف، تسهيلاً لمرور موكب مقبل. أقدمت على حصار المتظاهرين وضربهم بالهراوات وأعقاب البنادق، ما أوقع أكثر من عشر إصابات في الرأس والرقبة والكتف، واعتقل أكثر من ثمانية أشخاص أُطلقوا في ما بعد.
هذا العنف استدعى بياناً من وزير العمل شربل نحاس، قال فيه إن ما حصل أمام مصرف لبنان «يثير القلق حيال رهان البعض على أنّ خليطاً من الترهيب والترغيب، من القمع والرشوة، قادر على إحباط توق اللبنانييّن، ولا سيّما الشباب، إلى استعادة كرامة المواطن ومنعة الدولة». وشدّ على أيدي الشابّات والشبّان، وعبّر عن تضامنه مع تحركاتهم الديموقراطيّة، معرباً عن اعتذار الدولة لهم من تصرفات أصابتها بقدر ما أصابتهم. فيما أعلن المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني «شجبه واستنكاره» للهجوم غير المبرر على المتظاهرين، ودعا إلى تحقيق فوري واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمحاسبة الفاعلين ومعاقبتهم.
وفي مؤتمر صحافي، استنكر المنظمون «الاعتداء الوحشي وغير المبرر من قبل القوى الأمنية على المعتصمين». وألقى رئيس اتحاد الشباب الديموقراطي علي متيرك بياناً استنكر فيه «السلوك المشين لعناصر قوى الأمن الداخلي، واعتداءهم بالشتم والضرب على المتظاهرين والتعرض للصحافيين (...) وذلك كله من أجل فتح الطريق لمرور نائب رئيس الحكومة سمير مقبل». بدوره، أدان رئيس نقابات العمال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبد الله «الاعتداء الوحشي على المتظاهرين». كذلك كانت كلمة لهاني عضاضة باسم «مجموعة من الشباب الناشطين على وسائل الاتصال الإلكتروني الحديثة»، دعا فيها إلى إعادة النظر في السياسات المالية المجحفة والسياسات النقدية التي يمارسها المصرف المركزي.
عدل
العدد ١٥٨٣ الاثنين ١٢ كانون الأول ٢٠١١

9‏/12‏/2011

إسقاط زيادة الأجور مجدّداً




هيئة التنسيق نحو الإضراب ... و«العمالي» حتى نهاية الشهر!

خلال احد الاعتصامات المطلبية للاساتذة (أرشيف ــ مروان طحطح)
مثل قصة ابريق الزيت، هكذا تحوّل قرار تصحيح الأجور في لبنان. الحكومة تصدر القرار الرقم 1. جزء من ممثلي العمال يرفض. تعيد الحكومة الصياغة، فتعلن القرار الرقم 2 وتفصّله على قياس الهيئات الاقتصادية. يتعزز الرفض ليشمل جميع الاتحادات والنقابات العمالية. وفي هذه الأثناء، يعلن التجار بدء المزاد. يرفعون الأسعار أضعافاً، في ظل غياب رقابي مفضوح. والمواطنون يراقبون بصمت، ويسألون: من سيكتب نهاية هذه القصة؟
رشا أبو زكي
إنه قرار مذلّ ومهين واستخفاف بعقول الناس. توصيف موحد خرجت به جميع التكتلات والاتحادات النقابية أمس. وبعكس الانقسام العمالي ـــــ السياسي الذي لف القرار السابق للحكومة (زيادة 200 ألف ليرة على الأجور ما دون مليون ليرة، و300 ألف ليرة على الأجور ما بين مليون ليرة ومليون و800 ألف ليرة)، خرج كل من الاتحاد العمالي العام وهيئة التنسيق النقابية والاتحادات النقابية المستقلة بقرار موحّد: لا لقرار الحكومة الأخير لزيادة الأجور.
هذه الـ«لا» ترجمتها هيئة التنسيق بإعلان الإضراب والتظاهر يوم الخميس المقبل، تحت شعار «رفض القرار المذل والمهين لتصحيح الرواتب والأجور». رئيس الاتحاد العمالي، غسان غصن، فاض شعارات «ثورية» وأعلن تنفيذ الإضراب والتظاهر ... لكن في نهاية الشهر الجاري. وعلى الرغم من أن هيئة التنسيق النقابية نزعت من مطالبها فقرة «تطبيق الضمان الشامل لجميع اللبنانيين»، إلا أن غصن اعتبر أن هيئة التنسيق تسير وفق إشارات لها بالتحرك العاجل، «في حين أن الاتحاد يحتاج الى وقت لكي تعقد النقابات والاتحادات العمالية المنضوية فيه الجمعيات العمومية اللازمة للتحضير للتحركات».
وبعيداً عن الإشارات التي يغمز منها غصن، خرجت أصوات نقابية لتفصّل أساس رفضها للقرار الحكومي، إذ عمدت الحكومة عبر قرارها الى خلق التباس كبير في تحديد النسب المئوية للزيادة على الشطور. إذ لا يمكن تحديد نسبة الزيادة على الشطر الأول بـ 30 في المئة، ومن ثم يحدد القرار نفسه سقف الزيادة بـ 200 ألف ليرة. فزيادة 30% على راتب قيمته مليون ليرة، تعني فعلياً زيادة 300 ألف ليرة، لا 200 ألف ليرة. وأكثر، فإن تحديد نسبة الزيادة بهذه الصيغة يرفع قيمة الإيجارات القديمة وفقاً لهذه النسبة، لا وفق الزيادة الفعلية التي حصل عليها العمال ... ثغرات كثيرة تفيض من القرار الحكومي. ثغرات ردها البعض الى «الخطأ المقصود» لكي يعود القرار الى مسرح المماطلة والرفض والأخذ والرد ... فكيف كان الحراك النقابي أمس؟
خرجت الجمعيات العمومية المشتركة للأساتذة والمعلمين في القطاعين الرسمي والخاص، وفي مراحل التعليم الأساسي والثانوي وفي التعليم المهني والتقني والموظفين الإداريين وسائر موظفي القطاع العام، بإجماع على بندين: 1ـــ تنفيذ الإضراب العام والتظاهر يوم الخميس في 15/12/2011 في جميع الثانويات والمدارس الرسمية والخاصة وفي معاهد ومدارس التعليم المهني والتقني وفي الإدارات العامة.
2ـــ دعوة الأساتذة والمعلمين في القطاعين الرسمي والخاص وفي مدارس ومعاهد التعليم المهني والتقني الرسمي وفي الإدارات العامة إلى المشاركة الكثيفة في التظاهر عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر في يوم الإضراب عينه، انطلاقاً من تقاطع بشارة الخوري ـــــ السوديكو، وصولاً إلى السرايا الحكومية، وذلك من أجل تصحيح الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص بما يتناسب ونسبة التضخم منذ عام 1996 على أساس 60% للشطر الأول و40% للشطر الثاني و20% للشطر الثالث، مع التأكيد على جملة شروط بالنسبة إلى الزيادة في القطاع العام.
الاجتماع السريع للهيئة، قابله هدوء مريب كالعادة للاتحاد العمالي العام. فقد شرح غصن لـ«الأخبار» أن الاتحاد يرفض بالمطلق القرار الحكومي المتعلق بتصحيح الأجور. «إنه إهانة، وخروج عن التزامات الحكومة في قرارها السابق، وانتقاص من حقوق العمال». وحدد غصن (قبل اجتماع المجلس التنفيذي للاتحاد اليوم!) موعد الإضراب والتحركات التي سينفذها الاتحاد بين 24 و28 كانون الأول. تأجيل ينطبق عليه مثل «سيكون حينها من ضرب ضرب ومن هرب هرب».
تصريح غصن جاء إثر لقاء جمع الأخير بوفد من الهيئات الاقتصادية زاره في مقر الاتحاد العمالي العام. يرفض غصن تسميته «اللقاء الاسترضائي»، ويبرره بأنه «اجتماع نتج منه رسالة حملها الوفد الى رئاسة الحكومة والوزراء، تشير الى أسباب رفض الاتحاد للقرار الوزاري، وللآليات الممكن اتباعها في إيجاد المخارج والحلول».
رئيس اتحاد المصالح المستقلة ورئيس نقابة عمال الكهرباء شربل صالح كان له موقف آخر. فهو عضو في الاتحاد العمالي العام «ولكن إذا لم يقر الاتحاد موعد التحرك اليوم، فسنعود الى اتحاد المصالح المستقلة، ونقرر الخطوات الواجب اتخاذها». يعتبر صالح أن قرار الحكومة جاء متوافقاً مع طروحات الهيئات الاقتصادية بالكامل، من دون الأخذ برأي ممثلي العمال. يشرح أن هذه الزيادة مجحفة، ولا تتوافق مع نسب غلاء المعيشة، في ظل غياب الرقابة عن التجار الذين يرفعون الأسعار من دون حسيب أو رقيب. سأل: «كيف أقرّت الحكومة الحد الأدنى للأجور 600 ألف ليرة، في حين أن الهيئات الاقتصادية نفسها وافقت على زيادته الى 700 ألف ليرة سابقاً؟». يرى صالح أن عدم زيادة بدلات النقل يزيد من طين الإجحاف بلة. «هل انخفض سعر البنزين لكي لا تتم زيادة بدلات النقل؟». فهذا القرار تسوية بين الحكومة وأصحاب العمل على حساب العمال. إنه مسّ بحقوق العمال، ويخرج عن كل القوانين والمراسيم المتعلقة بتصحيح الأجور في لبنان.
أما رئيس اتحاد موظفي المصارف جورج الحاج فقد اعتبر أن القرار الحكومي هو استخفاف بعقول الناس. «كيف يمكن تحديد نسب الزيادات على الشطور، ومن ثم يتم تحديد سقوف للزيادات؟ إنها ظاهرة فريدة في تاريخ لبنان قامت بها الحكومة الحالية». الزيادة السابقة التي أقرتها الحكومة كانت أفضل، يقول الحاج، فقد غاب عن متن القرار الحالي بدل النقل والزيادات العادلة على الحد الأدنى للأجر، والتصحيح العادل للأجر. لا بل تمادت الحكومة في صلب قرارها لتعتبر أن الزيادات التي لحقت العمال خلال عام 2010 مشمولة بالزيادة الحالية، مشدداً على أن أي زيادة إدارية لا علاقة لها بزيادة غلاء المعيشة، يؤكد الحاج أن القرار الحكومي بمعظم بنوده غير قانوني، ويختم «يا ريت ما فتحوا موضوع تصحيح الأجور من أساسه!».
رئيس نقابة عمال ومستخدمي مياه الشمال، كمال مولود، رأى أن القرار الحكومي «منقوص». يشرح أن الجميع يتساءلون عن مصير زيادة بدل النقل.


36%
هي نسبة الزيادة التي حرم منها العمال نتيجة قرار الحكومة الأخير في زيادة الاجور وفق وزير العمل شربل نحاس. وشكك في التزام المؤسسات بهذا القرار لكونه سيزيد نحو 60 في المئة من الأعباء عليها.

تحرك معيشي السبت
دعا الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان كافة القوى النقابية إلىا لتحرك والتصدي لقرار الحكومة «الذي ينفذ رغبات الهيئات الاقتصادية في عملية تصحيح الأجور». وطالب الحكومة بتصحيح الاجور وفق اقتراحات هيئة التنسيق النقابية والاتحاد الوطني، وبإقرار مشروع وزير العمل شربل نحاس (الصورة) «الذي يعيد للعمال بعضاً من حقوقهم المسلوبة». وكذلك، دعا الى المشاركة في اعتصام امام مصرف لبنان يوم السبت المقبل دفاعاً عن لقمة العيش.
اقتصاد
العدد ١٥٨١ الجمعة ٩ كانون الأول ٢٠١١

5‏/12‏/2011

«شو حقّك؟ حقك عليي!»





خلال تحرك اسقاط النظام الطائفي في لبنان (أرشيف ــ هيثم الموسوي)
حملة شبابية للمطالبة بالنقل والصحة وفرص العمل
«شو حقّك؟»، سؤال أثار العديد من التساؤلات المترابطة. فعبارة «كم يبلغ ثمنك؟» في لبنان، تعني الكثير. الأبرز هي الرشى، «الواسطات»، وإنفاق المرشحين على الناخبين اللبنانيين. «شو حقك؟» هو شعار حملة تضيئ على الحقوق الاجتماعية المهدورة في لبنان: نقل، صحة، فرص عمل، احتكارات وغلاء وضرائب. «سلة اجتماعية» ستكون عنوان تحركات باكورتها في 12 الجاري، للمطالبة بـ«الضمان الصحي لجميع اللبنانيين»
رشا أبو زكي
كانت 5 قصص واقعية، محور اللقاء الذي نظمته مجموعة من الشابات والشباب الناشطين عبر «الفايسبوك» ضمن حملة «لبنان عاصمة عالمية للفساد». وقف 5 منهم على مسرح بابل في الحمراء. سردوا قصصهم الواقعية أمام نحو 200 شاب وشابة لبّوا الدعوة الى اللقاء. اسم مجموعتهم «مواطنات ومواطنون». حزبهم: «لا حزب. نحن غير مدعومين من أي جهة أو طرف». مطلبهم: سلة حقوق اجتماعية: «الصحة، العمل، النقل، نظام ضريبي عادل، وقف الاحتكارات». عنوان حملتهم: «شو حقك؟ حقّي عليّي».
*القصة الأولى: سيارة مسرعة أمام إحدى الجامعات صدمت فتاة. سارع هاشم إليها، ونقلها إلى أحد مستشفيات بيروت. الفتاة غير مضمونة ولا يغطيها أي صندوق تأميني. امتنعت إدارة المستشفى عن استقبال الفتاة، رغم إصابتها الخطرة. «اتصلنا بالزعيم الفلاني والعلاني، وصلنا إلى «واسطة» مع إدارة المستشفى التي عادت واستقبلت الفتاة»، يشرح هاشم ويضيف: «الضمان يجب أن يغطي جميع اللبنانيين، إلا أن 50 في المئة فقط من المواطنين مشمولون بتغطية صحية دائمة. الضمان الصحي حق لنا». يطرح هاشم البديل: «نظام التغطية الصحية الشاملة يجب أن يغطي جميع اللبنانيين المقيمين، بمعزل عن وضعيتهم في العمل، إن كانوا أُجراء، عاملين لحسابهم، مزارعين، سائقين أو عاطلين من العمل».
*القصة الثانية: محمد يعرف تاجراً لبنانياً. التاجر وجد مسحوقاً للغسيل مشهوراً جداً في لبنان وبأسعار مخفوضة جداً في أحد الأسواق الأوروبية. قرر التاجر استيراد هذا المسحوق؛ لأنه لا يخضع للحصرية التجارية وبيعه في لبنان بسعر يقل عن السعر المعتمد حالياً بنحو النصف. وصلت الشحنة إلى المرفأ، ووُزِّعت على تجّار المفرق. علم الوكيل بالأمر، فإذا بأجهزة الدولة تتحرّك وتدهم التجّار بحثاً عن مسحوق «مزوّر»، ثم يتصل الوكيل بهؤلاء التجّار ويحذّرهم: هذه المرّة انقضت من دون إقفال محالكم، في المرّة الثانية سترون ما سيحل بكم... يعلّق محمد: تعاني أكثر من ثلثي الأسواق اللبنانية من احتكار القلة. معظم نسب الارتفاع في الأسعار ناتج من هذه الاحتكارات. البديل بحسب محمد: «تطبيق قانون مكافحة الاحتكار وحماية المستهلك، إلغاء قانون حماية الوكالات الحصرية فوراً ووضع قانون للمنافسة».
*القصة الثالثة: إيفان تخرجت من الجامعة بإجازة في إدارة أعمال. منذ أن تخرجت لم تعمل يوماً في مجال اختصاصها. سنوات مضت وهي تبحث عن عمل في اختصاصها من دون أمل. اضطرت إلى القيام بعمل آخر، وحتى اليوم لم يُصرَّح عنها إلى الضمان. توضح إيفان قائلة: «لست الوحيدة؛ إذ إن متوسط مدة البحث عن عمل في لبنان يصل إلى 24 شهراً. المتعلمون هم الشريحة الأكثر عرضة للبطالة التي ترتفع عند الإناث. فيما نسبة البطالة عند المعوقين وصلت إلى 80%، رغم شهاداتهم العلمية». البديل بحسب إيفان «إقرار حق تأسيس النقابات في القطاعين العام والخاص، وعدم إخضاعها لنظام التراخيص المسبقة، إقرار حوافز تؤمن العمل الأول للشباب».
*القصة الرابعة: بين توفير دفعة أولى لشراء منزل بواسطة المؤسسة العامة للإسكان وامتلاك سيارة، اتجهت كيندا نحو الخيار الأول. ولأنه لا وجود لنقل عام في لبنان، وقعت كيندا في مصيبة التنقل من المنزل إلى العمل. تقول: «المستفيدون من غياب خطة للنقل العام كثر، وأهمهم مستوردو السيارات، الكارتيل النفطي، أصحاب شركات النقل الخاص، والمنتفعون من هدر الأموال العامة في الوزارات المعنية بالنقل. أما المتضرر من غياب هذه الخطة، فهو كل لبناني «مش غني»، والبديل بحسب كيندا «إقرار خطة وطنية فعّالة وحديثة للنقل العام،
*القصة الخامسة: وسيم كان مواطناً فرنسياً. قرر العودة إلى «وطن النجوم». هناك كان يدفع الكثير من الضرائب، إلا أنه كان يتمتع بحقوق، وتوفّر له الدولة خدمات في مقابل الضرائب التي يدفعها. جاء إلى لبنان، فإذا به يدفع حجماً ضخماً من الضرائب بلا أي مقابل اجتماعي. يشرح: «تساوي الضرائب والرسوم على الاستهلاك في لبنان نحو 80% من الإيرادات الضريبية. في المقابل، فإن 70% من الاستثمارات هي في قطاعي البناء والعقارات، فيما الأرباح المتأتية من المتاجرة بالعقارات معفاة من أي ضريبة؛ فالمواطن اللبناني يموّل بضرائبه ارتفاع أرباح تجار العقارات، ويموّل من جيبه إجراءات ترفع أسعار السكن عليه». البديل بحسب وسيم «إعادة هيكلة الضريبة للتوصل إلى نظام ضريبي عادل يخفف الأعباء عن الاستهلاك والإنتاج، اعتماد سلة بدائل ضريبية على الربح العقاري والأملاك البحرية والسجائر والكحول والضرائب البيئية وإعلانات الطرق...».
انطلاقاً من شعار «حقّي عليي»، انضم عشرات الشباب من الجمهور إلى المجموعة التي انطلقت بفكرة الحملة. ألفوا 5 مجموعات للعمل على تحركات في مواضيع «السلة الاجتماعية»، وأعلنوا أول تحرك في 12 /12/ 2011. لا يعوّل الشباب على مشاركة عدد كبير من المواطنين، «لذلك سيكون تحركنا نوعياً، وسنوصل الرسالة التي نريدها، ونفتتح باكورة تحركاتنا بمطلب الضمان الصحي لجميع اللبنانيين».
وكان في اللقاء مداخلة لرئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان عن الضمانات الاجتماعية للمواطن اللبناني، عن حق جميع اللبنانيين من دون استثناء في الضمان الصحي، وعن حق الوصول إلى نقل عام وإعادة هيكلة النظام الضرائبي المعتمد ليصبح عادلاً. وقدم الباحث الاقتصادي جاد شعبان ورقة مقتضبة ربط خلالها موضوع الاحتكارات التي تسيطر على مفاصل الاقتصاد اللبناني بارتفاع الأسعار غير المنطقي في جميع الأسواق اللبنانية. وتأثير هذا الارتباط على القدرة الشرائية لدى المواطنين وتراجع فرص العمل لفئة الشباب. «شو حقك؟» سؤال توجه به الشبان إلى المحامي نزار صاغية. جوابه: «حقي هو أن أصبح مواطناً، وأن يصبح كل اللبنانيين هم وسط المدينة، وهم مركز القرار، وحقوقهم هي الأولوية، لا سلاح ولا محكمة دولية. حقي أن يوجد في لبنان أطر نقابية ليست خاضعة للسياسيين الذين يتحكمون بالسلطة. حقي أن تكون حقوق المواطنين هي أساس التحركات في الشارع، لا حقوق طرف سياسي على حساب طرف آخر».

2.5 نقاط
هو تصنيف لبنان في مستوى الفساد، بحسب منظمة الشفافية الدولية التي تقوّم الفساد في 182بلداً، فتراوح النتيجة بين صفر (فاسد للغاية) و١٠ (غير فاسد). لبنان يقترب من مستوى «فاسد للغاية»، محتلاً المرتبة الـ١٣٤ عالميّاً، و١٦ إقليميّاً لعام ٢٠١١.

اعتصام أمام مصرف لبنان
تداعت مجموعات إلى الاعتصام أمام مصرف لبنان عند 12.30 السبت المقبل، تزامناً مع التحركات العالمية المناهضة للرأسمالية. وقالت أنها مجموعة مستقلّة، قرّرت عدم الصمت، وأن لا تعطي «مصرف لبنان والمصارف الخاصة والاحتكارات الكبرى الراحة التي يأملونها». أما مطالبهم، فهي: «إلغاء الدين العام الذي سُدّد مضاعفاً بالفوائد الجائرة على سندات الخزينة. فرض ضرائب تصاعدية على الثروات والأرباح والفوائد. إلغاء ضريبة الـtva. استخدام الضرائب لتمويل التغطية الصحية الشاملة والتعليم الرسمي والنقل العام. دعم القطاعات المنتجة. وضع سلم متحرك للأجور».
اقتصاد
العدد ١٥٧٨ الاثنين ٥ كانون الأول ٢٠١١

3‏/12‏/2011

الحوت يبتلع المطار





هناك من يوحي بأن الميدل إيست شركة عجوز وستفلس (أرشيف ــ بلال جاويش)
160 طياراً في MEA مستمرون في إضرابهم المفتوح عن العمل. يواجهون رئيس مجلس ادارة الشركة محمد الحوت ومن خلفه، ومن هم خلف خلفه. مطالبهم بسيطة: تراجع الحوت عن قراره بالحسم من رواتبهم كعقاب على الإضراب الذي نفذته نقابتهم. الحوت مصرّ، لا بل يهدد بصرف الطيارين خلال أيام. فهل يبتلع الحوت نفسه؟
رشا أبو زكي
«بيمون الوزير غازي العريضي»، قالها رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت بثقة أمس. المونة هنا قوية جداً. قادرة على توقيف قرار اتخذه الحوت بصرف 160 طياراً من الشركة. «المونة» ثلاثية. أقطابها: حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، العريضي والحوت.
كل منهم له يد طولى في إغداق التوظيفات السياسية والحزبية، والمشاريع المشتركة مع كبار نافذي السلطة. كل منهم محاط بحصانة سياسية من كل حدب وصوب. حصانة تجمع الأضداد، لتحوّل هذا الثلاثي الى ملوك حقيقيين على ممالك هي ملك للشعب أصلاً. 160 طياراً لا يزالون في إضراب مفتوح عن العمل. المطلب هو وقف الحوت قراراته القاضية بحسم 5 أيام من رواتبهم الشهرية كـ «قصاص» على تنفيذهم تحركاً نقابياً. الهدف أبعد طبعاً، فالمطلب هو منع الحوت من ابتلاع مكونات مطار بيروت الدولي. كل المكوّنات. وخصوصاً النقابية منها.
إلا أن «ملك ملوك لبنان»، بحسب وصف أحد الطيارين للحوت، وبدلاً من وقف هذه الحسومات، قرر أن يمنع 21 طياراً من الدخول الى حرم الشركة أمس، بحجة أنهم «مشاغبون». حصل الطيارون «المشاغبون» على قرار من قاضي الأمور المستعجلة يقضي بدخولهم النقابة. غير أن «فرمانات» الملك تطورت، فإذا به يرسل محامي الشركة لإغلاق مقر النقابة الموجود منذ عام 1978 في حرم الشركة، إغلاقاً تاماً، في سابقة تكتب في تاريخ «الشركة الوطنية». والغريب في هذا الإطار أن جهاز أمن المطار، الذي منع دخول الطيارين الى حرم الشركة، وأقفل مع المحامي مقر النقابة، امتنع عن تنفيذ قرار قاضي الأمور المستعجلة. امتناع مريب ينفذه جهاز يقع تحت إمرة وزارة الداخلية والبلديات. يبدو أن الحوت يبتلع السمك الصغير... والكبير.
طبعاً، كل هذا الانتهاك المفرط للعمل النقابي في مطار بيروت مر كنسمة هواء في أذن رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن. الأخير لم يصدر صوتاً، لا بياناً، لا تصريحاً، ولم يُجرِ حتى اتصالاً بأصحاب التحرك. علماً أن غصن عضو في اتحاد النقل الجوي. ومن عضويته هذه، اكتسب موقعه الرئاسي في الاتحاد العمالي منذ سنوات... وسنوات.
هذا الانتهاك المفرط دفع الطيارين الى عقد جمعيتهم العمومية للمرة الأولى خارج نقابتهم، وأعلنوا من مطعم الساحة أنهم يرفضون التراجع عن الإضراب، قبل تراجع الإدارة عن كل قراراتها.
وكان نهار الطيارين قد بدأ بفشل الوساطة التي قام بها وزير العمل شربل نحاس، بين إدارة الشركة والطيارين. رفضت الإدارة الحل الذي اقترحه نحاس بإلغاء متزامن للإضراب وإجراءات الحسم والطرد التي اتخذتها الإدارة، وذلك على نحو فوري كي تعود الأمور الى ما كانت عليه في 25 تشرين الثاني. أصرت الإدارة على الحسومات، أما تنازلها، فاقتصر على «وقف قرارات الصرف التي اتخذت بحق الطيارين، في حال عودتهم عن قرار الإضراب»، علماً بان أياً من الطيارين لم يتلق كتاب صرف من العمل!
من نحاس الى العريضي، انتقل الطيارون. هناك تكررت المطالب، وتصلّبت المواقف. «لن تتراجع إدارة الشركة عن قرار الحسم من الرواتب، كتعويض عن الخسائر التي لحقت بها من جراء الإضراب».
تعنت من قبل الحوت زاد من حدة المواقف. «يبدو أن الحوت يريد أن يفلس الشركة، فهو يدرك أن النقابة لن تتراجع عن مطلبها، لأن ذلك يعني ضرب العمل النقابي على نحو كامل في الشركة، بحيث لن يستطيع أي طيار المطالبة بأي حق اذا جرت الموافقة على مبدأ: الإضراب يقابله قصاص إداري»، على ما أفاد أحد المعنيين. علماً بأن حصرية الأجواء لمصلحة MEA ستنتهي في 2012، «وثمة اتجاه لدى العديد من الشخصيات، ومنها الحوت، إلى إنشاء شركات جديدة تستفيد من فتح الأجواء، ومن الحظر الجوي المفروض على سوريا».
اتهام قابلته اتهامات من الجانب الآخر. إذ رداً على سؤال عن المستفيد من إصرار الشركة على قراراتها الجائرة بحق الطيارين، في ظل فتح الأجواء العام المقبل، أشار أحد المقربين من الحوت لـ «الأخبار» إلى أن الطيارين «مدفوعون من جهات سياسية تريد إنشاء شركات جديدة، وهؤلاء يريدون تدمير شركة الميدل ايست لكي تستطيع هذه الجهات السياسية تنفيذ مشاريعها». لا بل اتهم هذا المصدر الطيارين بأنهم «يتاجرون بصحة الكابتن جوزف عياط لتحقيق مصالح سياسية، وإلحاق الضرر بالشركة الوطنية»!
إلا أن عدداً من المتابعين لقضايا المطار وشركة الميدل ايست أكدوا أن «لا خلفيات سياسية للطيارين في تحركهم، إذ إن مطلبهم بسيط جداً، وهو أن تتراجع الإدارة عن قرار الحسم من رواتبهم، وأن لا تتدخل في نقابة الطيارين، وأن توقف كل القرارات الجائرة المتخذة بحق الذين أضربوا عن العمل، بدءاً من السماح لهم بالدخول الى حرم الشركة، مروراً بإعادة مقر النقابة الى النقابيين، وصولاً الى الكف عن التهويل بصرف الطيارين في كل مرة يرفعون فيها مطلباً محقاً».
يذهب أحد المطلعين على «ملفات» الحوت أكثر من ذلك. يسأل «كيف لهؤلاء الطيارين، الذين يصل عددهم الى 160 طياراً، والذين ينتمون الى كافة المشارب الحزبية والسياسية من دون استثناء، أن يأتمروا بأوامر شخصية سياسية واحدة؟ وكيف يمكن أن يساق بحقهم هذا الاتهام في ظل المخالفات المتراكمة على الحوت، التي تشير الى أنه كالمنشار الذي يستفيد من كل شيء على الطالع والنازل؟». فالحوت طلب من مهندسي طائرات الشركة الفرنسيين صناعة الطائرات على شكل «حوت»، لا بل إن ملك الملوك أطلق على كل طائرة اسماً يعود الى زوجته وأبنائه، أو والده ووالدته. طائرة مسجلة باسم MAH، أي محمد عبد الحوت. وأخرى باسم RMH أي روضة محمد الحوت. وثالثة باسم MRT، أي محمد روضة طارق... قصة ملوكية أخرى. فقد دعا الحوت 50 شخصية للاحتفال بتخرج ابنه، وحضور مصارعة للثيران في إسبانيا، بينهم مدراء في الشركة، مع إقامة لـ5 أيام، استقلوا طبعاً طائرات الميدل ايست. الطائرات التي تسير بأموال اللبنانيين. والتكاليف كلها على حساب الشركة! والحوت يحب «الشخصيات»، فإذا به يدعو على نحو دائم عدداً من كبار الشخصيات النافذة والقضاة والضباط في القصر الجمهوري، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس النواب، وكبار الصحافيين في رحلات الى لندن وبلجيكا مع تحمّل حساب الشركة كافة التكاليف المتعلقة بالرحلة... ملفات كثيرة. ملفات تشير الى أن الحوت أصبح اسماً على مسمى. يتغذى من سكوت أركان السلطة عن مخالفاته. يكبر بزيادة نفوذه في الشركة ومطار بيروت الدولي.
اقتصاد
العدد ١٥٧٧ السبت ٣ كانون الأول ٢٠١١

2‏/12‏/2011

سلامة والحوت ضدّ الطيّارين





رحلات MEA رهن قرارات مجلس الادارة (أرشيف ـ بلال جاويش)
161 طياراً لن يحلّقوا قبل تراجع إدارة MEA عن قراراتها الجائرة
تصرّ إدارة شركة طيران الشرق الأوسط (MEA) على معاقبة طياريها لتنفيذهم تحركاً نقابياً يدعم زميلاً لهم طُرد الأسبوع الماضي بسبب إصابته بمرض السرطان. العقاب يقضي بالحسم من رواتب الطيارين والامتناع عن صرف رواتب شهر تشرين الثاني. 161 طياراً يردّون بإضراب مفتوح. أرزة MEA لن تحلّق في سماء بيروت قبل أن تتراجع إدارة الشركة عن قراراتها الجائرة
رشا أبو زكي
«قرار الحسم من رواتبكم هو قراري ولن أتراجع عنه»، هذا ما قاله حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ليل أمس في اجتماع عقده مع طياري «شركة طيران الشرق الأوسط»، فسلامة قرر على ما يبدو أن يغطّي ممارسات من عيّنه على رأس شركة طيران الشرق الأوسط (MEA) المملوكة من الشعب اللبناني.
هذه التغطية لمخالفات رئيس مجلس إدارة الشركة محمد الحوت وممارساته غير القانونية وغير الإنسانية، دفعت بنقابة الطيّارين الى إعلان استمرار الاضراب حتى التراجع عن كل القرارات والتعاميم الجائرة، وقد تنضم الى هذا الاضراب نقابات أخرى تعمل في مطار بيروت الدولي، ما يهدد بتعطيل هذا المرفق العام الحيوي.
إذاً، هكذا، وبكل بساطة، أعلن سلامة أن كل الإجراءات الجائرة التي اتخذتها إدارة طيران الشرق الأوسط تحمل «بصمته». فقد وقف سلامة أمام أكثر من 161 طياراً ليقول لهم: «ممنوع الإضراب في شركة الميدل ايست، ومن يرد استكمال الاضراب فستنفذ بحقه تعاميم الحوت، أي الصرف من العمل». هكذا، وبكل بساطة، قرر سلامة أنه والحوت يقيمان دولة على حسابهما وينفّذان فيها قوانينهما الرجعية، من دون اي اعتبار للقوانين اللبنانية التي تصون العمل النقابي وتحمي النقابات في تحرّكاتها المشروعة. فقد قرر سلامة ان يستكمل التهويل الذي بدأ به الحوت، وقال للطيارين حرفياً إن «الشركة أصبحت عبئاً على مصرف لبنان، استمراركم بالاضراب يعني زيادة في الخسائر، سنسكّر الشركة وننشئ أخرى»! مرّة اخرى، لا يريد سلامة والحوت ان يقيما اي اعتبار لوجود الدولة وقوانينها، فهما يتصرفان كأنهما الحاكمان بأمرهما.
الطيّارون المتسلّحون بالوساطة لدى وزارة العمل، زادت التهديدات من اصرارهم على استكمال الاضراب المفتوح حتى صرف رواتبهم عن شهر تشرين الثاني، أولاً، والتراجع عن اي قرار يرمي الى حسم جزء من رواتب الطيّارين بذريعة تعويض خسائر الشركة.
إذاً، اليوم سيستمر الاضراب، الكثير من الرحلات ستتوقف. المطار سيكون مشلولاً. فالطيارون لن يرضخوا ولن يستسلموا أمام من يريد سلبهم حقوقهم النقابية.
وقد بدأت شرارة الأزمة يوم الجمعة الماضي. أقدمت ادارة شركة طيران الشرق الأوسط ممثلة برئيس مجلس الادارة محمد الحوت على فصل الطيار جوزيف عياط بسبب اصابته بمرض السرطان. القرار اتخذ بحق عياط اثناء اجازته المرضية. خالف الحوت حينها احكام قانون العمل، ولا سيما المواد 40 و44 و43 منه، بحيث توقفت الادارة عن دفع رواتبه الشهرية بحجة ان اللجنة الطبية لديها زعمت بعدم اهليته للطيران. هذه اللجنة ليست هي المعنية او المخولة بمنح اجازات الطيران، وفق ما يؤكد الطيارون، بل إن هذا الاجراء هو من اختصاص وصلاحية المديرية العامة للطيران المدني.
يشرح أحد الطيارين أن رئيس النقابة تواصل يومها مع ادارة الشركة لوقف الاجراء غير القانوني الذي تبلغ به الكابتن عياط. الادارة أجلت بحث المشكلة. خلال فترة «التأجيل» هذه، تم تبليغ عياط ورئيس النقابة رسمياً بانه لن يتم التراجع عن قرار توقيف الكابتن المريض عن العمل.
على الأثر، عقدت نقابة الطيارين جمعية عمومية، وأقرت تحركات ضاغطة نصرة للكابتن عياط. بدأت بتأخير رحلات الطيران لمدة ساعتين، وذلك على مدى ثلاثة أيام، أي حتى يوم الأحد، للضغط على ادارة الميدل ايست من اجل الالتزام بالقوانين المرعية الاجراء في ما يتعلق بمشكلة الكابتن عياط. انتهى التحرك ولم تتحرك الادارة باتجاه نقابة الطيارين.
يوم الاثنين، الحال هي نفسها، الادارة تتجاهل تحرك الطيارين، ما دفعهم الى تصعيد الموقف، فأعلنت النقابة الاضراب عن الاقلاع بالطائرات على نحو نهائي لمدة 48 ساعة من الساعة العاشرة من مساء الاثنين حتى العاشرة من مساء الاربعاء. نفذ 161 طياراً قرار النقابة يوم الثلاثاء، واستمر حوالى 19 طياراً بالإقلاع «كونهم يعملون في الشركة بصفة ادارية أيضاً». ويوم الثلاثاء، عقد اجتماع بين نقابة الطيارين والادارة، انتهى بإعطاء الكابتن عياط حقوقه التعويضية من جهة، وتشكيل لجنة طبية من مديرية الطيران المدني لتحديد اهلية عمل الطيار من جهة أخرى.
ظن الطيارون أن المشكلة حُلّت. العكس هو الصحيح. قررت ادارة الشركة معاقبة 161 طياراً من أصل 180 طياراً عاملاً في الشركة. التهمة: مشاركتهم في التحركات والاضراب خلال الاسبوع الماضي. «القصاص» رقم 1: حسم 5 أيام من رواتب الطيارين الى حين «تعويض الشركة ما خسرته خلال ايام الاضراب». «القصاص» رقم 2: في حال عدم عودة الطيارين الى عملهم، فمصيرهم الصرف من العمل. «القصاص» رقم 3: الامتناع عن صرف رواتب الطيارين عن شهر تشرين الثاني.
حينها، أصبح لتحرك الطيارين وجه آخر، «ضد القرارات التعسفية، القمعية، التي تمارس نوعاً من الارهاب الوظيفي على الطيارين». حينها تم اتخاذ قرار استكمال الاضراب الى حين تراجع ادارة الشركة عن الانذارات والتهديدات، والى حين صرفها رواتب الطيارين.
عادت المشكلة الى نقطة الصفر. الطيارون الآن في اضراب مفتوح. مطالبهم واضحة: «لا للعقاب، لا لمخالفة القوانين، لا للتهديدات». أما الادارة، فعلى موقفها، حتى الآن أصدرت 5 تعاميم، تضج بالتهديد والوعيد. بينها تعميم غريب، يحض الطيارين على الاستقالة من نقابتهم مقابل «تقديمات» من قبل الشركة.
لعبة الترغيب والتهديد تدور هنا إذاً. الطيارون لن ينصاعوا على ما يبدو. والتلويح وصل الى اعلان اضراب عام في المطار بمشاركة الطيارين الأرضيين والجويين وبعض النقابات الفاعلة في المطار ...
وقد سبق الاجتماع مع سلامة، محاولة من وزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي التوسط لإدارة الميدل ايست لدى النقابة. بعث «رُسله» الى عدد من الطيارين لعقد اجتماع معهم قبل لقائهم سلامة. الطيارون أكدواً للـ«رُسل» ان الاجتماع مع سلامة قد تقرر، وبالتالي «يمكن تأجيل الاجتماع مع العريضي».
كذلك جاء هذا الاجتماع، بعد تهديدات وصلت عبر الهاتف الى منازل الطيارين. تهديد بالصرف، ووعيد بأن «مكتوب» الطرد يتم اعداده في الادارة وسيصل الى «مستحقيه»! وفي سابقة مشهودة، اجتمع مجلس ادارة شركة الميدل ايست لبحث قضية اضراب الطيارين. الاجتماع انتهى بتعميم من الحوت يقول فيه إنه يحق للادارة فصل أي طيار يساهم في اضراب عن العمل. وقد اعتبر الطيارون هذا التعميم ضرباً مباشراً لحق التحرك النقابي، وضرباً مباشراً للعمل النقابي في المطار.


18
هو عدد الطيارين الذين لم يلتزموا بقرار الاضراب المعلن من نقابة الطيارين. وقد كان عدد هؤلاء 19 طياراً، الا ان ليل أمس شهد عودة أحد الطيارين عن قرار عدم المشاركة في الاضراب، وأعلن انضمامه الى صفوف الـ 160 طياراً المضربين عن العمل

«لا للطيارين، نعم للحوت»!
حضّر مدير العمليات في صيانة الطائرات عصام الحوت (وهو ابن عم محمد الحوت)، ورئيس دائرة المعلوماتية في الشركة أديب شريف (وهو عديل محمد الحوت)، لتنفيذ اعتصام شارك فيه 20 موظفاً في MEA، وحملوا لافتة كتب عليها «لا للطيارين، نعم للحوت»! وقد تلقى عدد من المشاركين تهديدات من الثنائي الحوت ــ شريف بالامتناع عن تقديم العلاوات في 20 من الشهر الجاري، وحرمان كل من لا يشارك في التحرك من بدل الخدمات الاضافية! وهكذا، نزل حشد كبير من المؤيدين لإضراب الطيارين في مواجهة اعتصام «تأييد الحوت»، وانتهى بفصل القوى الأمنية بينهما.
اقتصاد
العدد ١٥٧٦ الجمعة ٢ كانون الأول ٢٠١١