29‏/2‏/2012

حسابات الدولة بين «البصلة وقشرتها»




عصي عونية في دواليب حلّ بري
 
المخالفات الحاصلة في إنفاق المال العام في لبنان منذ مطلع التسعينيات حتى اليوم ستتم «ضبضبتها»، هكذا تشي الأحداث. رئيس مجلس النواب يقترح تشكيل لجنة لإيجاد مخرج يتيح قطع حسابات الاعوام بين 2006 و2009. الكتل النيابية موافقة باستثناء «التغيير والاصلاح». سياسة النأي بالنفس بدأت تتسلل الى ملف الحسابات المالية. يبدو أن أحد «إنجازات» السلطة الحالية ستكون: الرئيس السابق فؤاد السنيورة الى البراءة
رشا أبو زكي
عدّاد الاعوام يعد. 6 سنوات وحكومات لبنان تنفق بلا أي موازنة تحدد النفقات والايرادات. عجيبة العجائب مستمرة، وأحجيات الجميع غير قابلة لـ«الفكفكة». الحكومة الحالية تقول إنها تلتزم الأصول في عملية الانفاق، لكنها لم ترسل حتى الآن موازنة 2012، الا أنها تقدمت بطلب فتح اعتماد استثنائي بقيمة 8900 مليار ليرة الى مجلس النواب لتغطية الانفاق الاضافي لعام 2011. تحاول الحكومة التملّص من تهمة المخالفة، الا أن مجلس النواب ممسوك من تيار المستقبل، والتيار «يمنعنا من السير وفق القوانين لكي يبرر مخالفات رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بين عامي 2006 و2009».
في المقابل، يدعي السنيورة أنه اذا ارتكب مخالفة، فالحكومة الحالية ترتكب مثيلتها. يشرح أن الانفاق الحالي لا يرتبط بأي قاعدة قانونية، فالـ8900 مليار ليرة لم تمر حتى الآن في مجلس النواب. يشرح شخصياً حيناً وعبر نوابه أحياناً أن اقفال مجلس النواب أجبره على تخطي القاعدة الاثني عشرية، ويسأل: «ما الذي يدفع الحكومة الحالية لتخطي القاعدة الانفاقية هذه؟». يظن المواطن الباحث عن جواب في ما يتعلق بماله العام وكيفية انفاقه، انه وقع «بين البصلة وقشرتها»، بحيث لا يربح اجابة من أي طرف من الطرفين، وانما رائحة مخالفات تدفع للبكاء. وفي الضفة الأخرى، او الأعلى، يهمس العارفون أن «طبخة» ما بدأت تُعد على نار سياسية حامية. «طبخة» عناصرها كل من «البصلة» و«قشرتها». و«الطبخة السحرية» ستكون المخرج من أزمة الارقام التي تغرق البلاد منذ العام 1993 حتى الآن. ماذا يعدّ رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي مع الرئيس السابق فؤاد السنيورة؟
الاجتماعات قائمة بين بري وميقاتي والسنيورة، يقول النائب عن تيار المستقبل جمال الجراح. البحث عن حل مشترك ليس مستبعداً أبداً، فالحل لمصلحة البلد في ظل ما يحصل من انكماش اقتصادي داخلي واضطرابات تحيط بلبنان. يرى الجراح انه حتى الآن يوجد حلول عدّة، منها اقتراح قانون يشمل الموافقة على اعتماد الـ8900 مليار ليرة و11 مليار دولار، على ان تقوم الاجهزة الرقابية بدورها في ما يتعلق بالتدقيق في الحسابات المالية عن السنوات الماضية. يؤكد الجراح انه حتى الآن لم يتم التوصل الى اتفاق، لأنه «يوجد فريق يريد أن يحمل قميص عثمان ليبرر فشله في الاداء الحكومي والوزاري».
غير أن ما يقوله الجراح تنفيه مصادر بري وميقاتي، اذ تلفت مصادر الاخير إلى أن لا اجتماع حصل بين ميقاتي والسنيورة وبري بعد جلسة مجلس النواب الاخيرة. وتشرح ان الرئيس ميقاتي يؤكد ضرورة ايجاد حل لهذه المسألة بحيث لا يجوز أن تبقى عالقة على حالها، ولفتت الى أن ميقاتي أشار في أكثر من مناسبة الى أن بري سيعمل على ايجاد الحل وسيدعمه ميقاتي في ما يجده مناسباً. كما اشار الى ان الصيغة التي طرحها بري لجهة تشكيل لجنة وزارية ونيابية للبحث في الانفاق بين اعوام 2006 و2009، يمكن ان تكون حلاً «اذا تشكّلت».
مصادر بري تؤكد أن لا اجتماعات حصلت مع السنيورة بعد جلسة مجلس النواب. وتشرح ان رئيس مجلس النواب لن يقدم الحلول، وانما هذا عمل اللجنة البرلمانية ــ الوزارية التي دعا إلى تشكيلها. وتلفت هذه المصادر الى أن الاجتماعات التي يعقدها بري مع رؤساء ومقرري اللجان تشير الى اجماع على تفويض بري بإيجاد الحلول في هذا الملف. وترى ان الانطباع العام ايجابي، ولا يوجد حتى الآن اتفاق على الاسماء التي ستتضمنها اللجنة، بحيث إن الاسماء المطروحة في الاعلام حالياً ليست مؤكدة. وتشرح المصادر نفسها أن رؤية بري هي أنه يجب ان يكون هنالك تجانس في السياسة وتحييد لبنان بالقدر الممكن عن الازمات المحيطة، وانه يوجد موقف النأي بالنفس الذي يستلزم انسجاماً بين الحكومة ومجلس النواب، وتعزيز هذا المناخ الهادئ يتطلب التفاهم السياسي، ومع التأكيد أن حكومة السنيورة بتراء، يجب ازالة النقطة الخلافية المتمثلة بتلك الحقبة، من خلال دراسة كيفية انفاق الـ11 مليار دولار، لتقرها اللجان النيابية المختصة، ومن ثم المجلس، «وبذلك نكون قد انتهينا». وتسأل مصادر بري: «كيف يمكن اقرار موازنة 2012 بلا قطع حسابات الاعوام بين 2006 و2009؟». وتؤكد ان هذا الحل ليس تسوية، أما الاعتراض على هذا الطرح فهو قائم، ولن يتم السير به الا بموافقة جميع الكتل. وتقول: «الكتل تعرف تفاصيل انفاق الـ8900 مليار ليرة، وهذه الميزة تجعل الموضوع مختلفاً عن موضوع الـ11 مليار دولار».
غير أن الكلام السائد في أروقة مجلس النواب أن رئيس تكتل التغيير والاصلاح ميشال عون يرفض تشكيل هذه اللجنة من أساسه، من منطلق أن هذا الرفض هو مواجهة للتسوية، بحيث لا يمكن للجنة كهذه الوصول الى خواتيم صحية في ظل عدم وجود جهات رقابية فاعلة ولا مجلس نواب متعاون بكل أطرافه. ويؤكّد رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان ان لا علاقة بين الـ11 مليار دولار والـ8900 مليار ليرة. ويشرح: « بين عامي 2006 و 2009 كان الانفاق على اساس مشاريع موازنات غير مصدقة من مجلس النواب، وقد وقعت المخالفة الدستورية، ونظام الطائف لا يضع المسؤولية على الحكومة مجتمعة، إذ إن القرار المالي بيد رئيس الحكومة الذي يمضي كل المراسيم وكذلك وزير المال». ويلفت الى أن الحكومة الحالية تألفت في منتصف تموز 2011، وفي 18 آب اقرت الحكومة مشروع الاعتماد الاضافي بقيمة 8900 مليار ليرة وارسلته الى مجلس النواب، وبذلك احترمت الحكومة مجلس النواب وطلبت اجازة الانفاق، ومنذ آب 2011 يجري الصرف وفق الاعتماد. ويلفت الى أن المادة 12 من قانون المحاسبة العمومية تتيح للحكومة الصرف وفق سلفات خزينة في حال تقدمت باعتمادات استثنائية الى مجلس النواب. ويشرح ان موازنة 2011 لم يستحق بعد موعد قطع حسابها (حتى نهاية آذار 2012)، في حين ان الصرف بين 2006 و2009 ليس لديه اي قطع حساب حتى اليوم. والسؤال الكبير اين قطع الحساب للاعوام السابقة؟ ومن يعطل قانون الـ8900 مليار ليرة لكي يمنع الحكومة من الالتزام بالقانون؟ ويقول كنعان إن هذا التعطيل هو للوصول الى القول ان قضية الـ8900 مليار ليرة مشابهة لقضية الـ11 مليار دولار.


4 في المئة
من سلفات الخزينة التي أنفقت بين أعوام 1993 و2009 غير مسددة حتى اليوم. وتبلغ قيمة هذه السلف ما يفوق الـ10 آلاف مليار ليرة بحسب النائب ابراهيم كنعان، في حين ان السلفات التي تصرفها الحكومة الحالية موجودة ضمن اعتماد الـ8900 مليار ليرة

«سرقة» أم «صرف نفوذ»؟
يقول الوزير السابق شربل نحاس انه يجب التمييز بين «السرقة» التي يمكن أن تكون حاصلة خلال الاعوام 2006 الى 2009 ويمكن أن لا تكون، وبين مسألة أخرى اسمها «صرف النفوذ». ويشرح ان مسألة صرف النفوذ السياسي يجب أن يكون محور النقاشات الدائرة حالياً. فإنفاق كهذا يحقق مردوداً سياسياً ويلحق الضرر بالانتظام العام، وما حصل في الـ11 مليار دولار يأتي في هذا السياق. ويشير الى وجوب سحب الحقوق السياسية من الجهة التي قامت بهذه الممارسات. اما الحكومة الحالية فهي «مخالفة» لكونها لم ترسل حتى اليوم موازنة العام 2012.
اقتصاد
العدد ١٦٤٧ الاربعاء ٢٩ شباط ٢٠١٢

25‏/2‏/2012

نحّاس بين الشيوعيّين: مرسوم فتوش انقلابي




بعدما استعاد الوزير شربل نحاس، رسمياً، موقعه في صفوف «الرفاق»، اجتمع الشيوعيون أمس في قصر الأونيسكو معه، في جلسة كانت محددة منذ ما قبل الاستقالة. اللقاء المنظم من «الاتحاد الوطني للعمال والمستخدمين في لبنان» تحوّل إلى لقاء تضامني مع نحاس
رشا أبو زكي
أمس، كان قصر الأونيسكو يعج بالشيوعيين. «جَمعة» غريبة موجودة هنا. من هم ضد قيادة الحزب الشيوعي، ومن هم مع القيادة لـ«الموت». من هم مع النظام السوري، ومن هم ضده. من هم داخل الحزب، ومن هم خارجه طرداً أو هرباً أو تغيّراً في الايديولوجيا. ليست الـ «جَمعة» للمّ الشمل، ولا للتباحث أو الاتفاق على برنامج اقتصادي تغييري. وليست لوضع خطة تحرك ضد السلطة «البرجوازية» ولا لمحاولة الإجابة عن سؤال: «ما العمل؟»، أو «أين نحن من كل ما يحدث؟» مثلاً، أو لمعرفة سبب النفور الداخلي في ما بينهم، والخارجي منهم. وبالطبع، ليست للاتفاق على موقف من الوضع السوري.
باختصار، لم يكن اجتماع الشيوعيين بكل أطيافهم وألوانهم من أجل هدف «داخلي» ولا «خارجي». فقد حشد الشيوعيون أنفسهم في قاعة في قصر الأونيسكو لإعلان الدعم والتضامن مع وزير العمل شربل نحاس، في اليوم الثاني لتقديم استقالته. كأنما الشيوعيون اعتادوا «الدعم» كما «التضامن»، كأنهم خارج سياق الواقع، يراقبون «السيرورة التاريخية» عن بعد، ليخطّوا في ما بعد مجلدات نظرية لوصف المرحلة، ومن ثم القول نحن نراقب ليموت النظام وحده. وعلى حد قول أحدهم «إن تدخلنا فسيصلح النظام من بعض آفاته، وسيصبح أقل استفزازاً للطبقات الشعبية، وبالتالي سيدوم أكثر».
«كل نظرية تقول إن الوضع ماشي هيك، ولا حاجة لتغييره باطلة» قال نحاس. شرح أنه عندما تتغير الظروف الاجتماعية القائمة ستتغير نظرة المجتمع إلى نفسه. رأى أن هدفه الأساس في الحكومة كان كسر النمط الاقتصادي القائم، وتلطيفاً «تعديله». فتغيير النمط وارد في البيان الوزاري، فيما رئيس الحكومة أكد أنه يريد الحفاظ على هوية لبنان الاقتصادية. يضحك نحاس ويقول: «وكأن للبنان هوية اقتصادية».
استغرب المرسوم الذي وقعه وزير العمل بالوكالة نقولا فتوش أول من أمس، والمتعلق ببدل النقل، والذي يأتي في رأسه عبارات غريبة، منها أن المرسوم صادر بناءً على الاتفاق بين الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام، او أنه ضروري للحفاظ على الأمن الاجتماعي، وبناءً على اقتراح رئيس الحكومة. وسأل نحاس: «هل هناك حالة طوارئ ليتدخل رئيس الحكومة في هذا الموضوع؟»، مشيراً إلى أن هذا المرسوم هو انقلاب على الأسس الدستورية للدولة. أما عدم إدخال بدل النقل الى صلب الأجر كما يأتي في سياق اقتراح القانون الذي قدمه النائب نبيل دو فريج، فهو مصمم خصيصاً لإعفاء أصحاب العمل من دفع اشتراكات للضمان الاجتماعي على اساس القيمة الزائدة على الأجر، أي بدل النقل. ورأى أن هذا الاقتراح يشرعن «سرقة» ٣ آلاف مليار ليرة من الأجراء الى جيوب أصحاب العمل.
يشدد نحاس على أن تصحيح الأجور وزيادة الحد الأدنى ليسا عبئاً اقتصادياً، بل محرك للاقتصاد، إذا اقترنا بمشروع الأجر الاجتماعي. فالدولة تجبي الضرائب، وعلى هذه الضرائب أن تتحول الى خدمات اساسية للمواطنين، من نقل وصحة وتعليم، مشيراً إلى أن هذه النظرة البعيدة عن المستوى المحاسبي المحدود، تنعكس تحسناً في المؤشرات الاجتماعية، وانخفاضاً في معدلات البطالة والهجرة.
يرى نحاس أن تواطؤ الدولة مع الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام، وتحوّل السلطة التنفيذية الى كاتب عدل يوقّع على أوراقهما، «يضربان» مفهوم الدولة، وخصوصاً من ناحية تصحيح الاختلال في ميزان القوى الاجتماعية، وإخراج البلد من المسار التدميري القائم. يلفت نحاس الى أن في لبنان 600 نقابة و52 اتحاداً نقابياً، الا أن قدراتها التمثيلية ضعيفة وواهنة، مشيراً إلى أنه لو كان لهذه النقابات فاعلية، لتحوّل مسار النقاش في موضوع الأجور من نقاش في الأرقام، الى فرض رؤية اجتماعية واقتصادية جديدة. رد نحاس على اتهامه بالـ«حدّة» كذلك، وقال إنها كانت موجودة فعلياً لديه في طرح مشاريعه، وهي مقصودة للرد على الانحلال والتحلل في مجتمعنا وحياتنا السياسية.
عدّد نحاس المراحل التي مر بها موضوع تصحيح الأجور من ألفه الى يائه. فقد كانت هناك فسحة لإعادة توزيع الثروة في لبنان، من خلال اقتطاع الضرائب على الأرباح الريعية، والعمل في المقابل على فرض الأجر الاجتماعي من دون أن يكون لذلك عبء محاسبي على المؤسسات، مشيراً إلى أن المشروع الذي كان يطرحه من المفترض أن يمثّل تغيراً جوهرياً في بنية الاقتصاد اللبناني، بحيث يجري تحسين الإنتاجية وتكبير حجم الاقتصاد، والوصول الى واقع اجتماعي واقتصادي يتلاءم مع طاقات، كما طموحات اللبنانيين. رد نحاس على من يتهمه بالطوباوية، لافتاً الى أن هذا المشروع يمكن تحقيقه، الا أنه لا الاتحاد العمالي العام ولا الهيئات الاقتصادية يمثلان أطراف الإنتاج، كما أن الدولة لا تريد القيام بدورها الناظم والمحقق للتوازن الاجتماعي. يصف نحاس التقاء الاتحاد العمالي والهيئات الاقتصادية على رقم واحد «زهيد» هو التقاء بين من «بيبيعوا وبيشتروا» ومن «يباعون ويُشترون». يؤكد نحاس أن بدل النقل أجر، ويجب أن يكون من ضمن مكونات الأجر، إذ لا مبرر لوجوده إلا في هذا السياق.


اتحاد «ع ـ مالي»
انتقد الوزير شربل نحاس تقدُّم كل من الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية بشكويين ضده الى منظمة العمل الدولية. فأشار الى أن الشكويين نسخة طبق الأصل الواحدة عن الأخرى «فلم يتعذبوا بتغيير الصياغة حتى». وأشار الى أن هاتين الشكويين سثمثّلان سابقة في تاريخ منظمة العمل، إذ لم يحصل منذ حوالى 100 سنة أن تقدّم من يدّعون أنهم ممثلو العمال وأصحاب العمل بشكوى مشتركة ومتطابقة الى هذه الهيئة الدولية.
سياسة
العدد ١٦٤٤ السبت ٢٥ شباط ٢٠١٢

21‏/2‏/2012

باسيل يتهم «الكل» بهدر 139 مليون دولار




ملف دعم المازوت إلى «حلبة» الصراع... والتحقيقات تعد بـ«فضائح»
رشا أبو زكي
لم تعد «الفضيحة» كبيرة، بل أصبحت بحجم حكومات. ليس الهدر الفعلي في ملف دعم المازوت الأحمر 15 مليون دولار، بل 139 مليوناً و334 ألف دولار. ليس المتهم بالهدر جهة أو مسؤولاً، بل جهات ومسؤولون. ليس الموضوع استثنائياً، فقد كان ولا يزال نمطاً ابتدعته السلطة المتجددة لتوزيع المغانم على المحسوبيات والأقرباء. ما يعرف بـ«فضيحة» المازوت الأحمر ليس سوى نسق «محاصصاتي» متوارث. «فُتح الملف الغلط» يقول أحد المتابعين. فمن أراد توجيه رسالة إلى رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون، عبر صهره وزير الطاقة جبران باسيل، «ضرب» على الوتر الخطأ. وإن كان باسيل متورطاً بالتواطؤ أو الضلوع بـ«الفضيحة»، فإن أحداً من الأفرقاء السياسيين، حلفاء كانوا أو خصوماً، لن يسلم من رائحة المازوت المطبوعة بختم واضح على يديه.
فقد وجه باسيل أمس سهماً واضحاً. إن أردتم البحث في توزيع المازوت الأحمر في ولايتي، فلنسأل عن التوزيعات التي كانت قائمة في ولاياتكم الوزارية منذ عام 2004. إلا أن اللافت أن الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة خلال الحكومات السابقة منذ عام 2004 كلهم وزراء «الحلفاء». بدءاً بالوزير أيوب حميد (حركة أمل)، مروراً بالوزير محمد فنيش (حزب الله) والوزير محمد الصفدي بالوكالة (التكتّل الطرابلسي سابقاً)، وصولاً إلى الوزير آلان طابوريان (الطاشناق) وأخيراً باسيل (التيار الوطني الحر)، الذين تعاقبوا على الوزارة منذ عام 2008 حتى اليوم. فهل من فتح هذا الملف هم «حلفاء» باسيل، لتصبح العبارة الموسومة على السهم: «ومن بعدي الطوفان...»؟
فقد أعلن باسيل تأليف لجنة تحقيق من وزارة الطاقة «لتنظر في مسألة الهدر الكبير بموضوع المازوت، الذي تصل قيمته إلى نحو 209 مليارات ليرة لبنانية منذ عام 2004 حتى اليوم». باسيل وجه الاتهام إلى «كل الناس، حتى من هم في قلب المنشآت ومصلحة حماية المستهلك وبين النواب وفي مجلس الوزراء». وحيّد باسيل تكتل «التغيير والإصلاح» عن حقل الرماية «قبل أن أصبح وزيراً للطاقة سنة 2008 رفع اقتراح قانون بإزالة الـ«TVA» عن المازوت، وهذه الوسيلة الوحيدة التي تقوم بدعم كامل للمازوت من دون هدر للأموال العامة»، مشدداً على أنّ «من المعروف لدى الجميع عندما أتيت وزيراً للطاقة كنت ضد موضوع دعم المازوت».
حدد باسيل أكثر. قال إن المسؤول عن كل ما حصل بملف المازوت بعض النواب والكتل السياسية. حدد أكثر «الدولة وبعض الشركات يتشاركون مافيا سياسية ونفطية تساعدهم للقيام بعملية الهدر من المال العام من خلال تخزين المادة وبيعها بعد انتهاء الدعم».
ولفت باسيل إلى أن «هناك 215 شركة توزع المازوت، ومن الممكن أن يكون هناك شركات تعمل بشكل صحيح فلا يجوز أن نظلمها».
أضاف باسيل: «نريد أن نرى من هي السلطة السياسية التي لم تتجاوب معنا، سواء كانوا أصدقاء أو خصوماً، ولا يكفي أن يقولوا داخل الجلسة إن وزير الطاقة ضد الدعم وفي الخارج يتكلمون عنا بطريقة مغايرة». حدد باسيل أكثر قائلاً: «يحق للمواطن أن يعتبر أن هناك فساداً داخل الحكومة».
وفيما لا يزال نواب 14 آذار يدعون إلى «كشف المستور» في ما يتعلق بدعم المازوت، أعلن رئيس ديوان المحاسبة القاضي عوني رمضان أن «الديوان ماضٍ إلى النهاية في ملف «المازوت الأحمر» وأن التقرير الخاص في هذا الملف الذي أنجزه الديوان، أصبح في حوزة النيابة العامة في الديوان، وسيحال على الغرفة المختصة ليصار إلى محاكمة المقصرين والمهملين». وأشار رمضان إلى أن النيابة العامة أوصت باسترداد مبلغ دعم المازوت من الشركات البترولية في الأيام الثلاثة الأخيرة.
وأوضح رمضان «أن محاكمة المعنيين ستبدأ في القريب العاجل بعدما حددت المسؤوليات»، وقال: «إن البحث يجري بصورة جدية في هذا الملف، وما حصل في اجتماع لجنة المال والموازنة النيابية، وأهمية حضور وزراء المال والطاقة والاقتصاد ونواب من فريقي المعارضة والموالاة، حيث إن الجميع باتوا في أجواء ملف المازوت كاملاً».
فقد عقدت لجنة المال والموازنة النيابية جلسة برئاسة النائب إبراهيم كنعان وحضور باسيل والصفدي ووزير الاقتصاد نقولا نحاس ورئيس ديوان المحاسبة القاضي عوني رمضان، رئيس التفتيش المركزي جورج عواد، المدير العام لمنشآت النفط في طرابلس والزهراني سركيس حليس، المدير العام المعاون لمنشآت النفط في الزهراني أحمد بلوط، المدير العام المعاون لمنشآت النفط في طرابلس معين حامدي، من وزارة المال مدير الدراسات لؤي الحاج شحادة والمدعي العام لديوان المحاسبة بالإنابة القاضي بسام وهبة.
اللجنة التي كان من المفترض أن تؤدي دورها البرلماني المحاسب، خصصت للاستماع إلى عرض باسيل بشأن موضوع هدر المازوت الأحمر، وذلك لأن «اللجنة لم تتسلم بعد إلا تقرير وزارة الطاقة مع المستندات المتعلقة بهذا الموضوع» وفق كنعان. لماذا إذن استمرت الجلسة؟ يقول كنعان إنه لم يعمل على تأجيل الجلسة؛ «لأننا اعتبرنا أن هذه القضية يجب ألا تلفلف وتحصل فيها مزايدات لأنها تتعلق بكرامات أشخاص وبحياة المواطن وبالمال العام». ولفت إلى أنه جرى التوصل، بنتيجة العرض الذي قدمه باسيل، إلى أن وزارة الطاقة، بحسب محاضر مجلس الوزراء رفضت الدعم، وهذا الرفض لم يكن عابراً بل استراتيجياً. وقال كنعان: «إذن، الفكرة من الأساس والمتبعة منذ عام 2004 حتى اليوم، تفسح في المجال لانتفاع شركات محظية على ما يبدو ومدعومة». ولفت إلى أنه أعطى الأطراف المعنية بالملف فترة أسبوع لتقديم التقارير المتعلقة بهذا الملف إلى اللجنة.
اقتصاد
العدد ١٦٤٠ الثلاثاء ٢١ شباط ٢٠١٢

20‏/2‏/2012

مقابلة/ محمد الصفدي




15% ضريبة عقارية وزيادة TVA 1% تدقيق الحسابات المالية يُنجز خلال 3 أشهر

(تصوير مروان طحطح)
موازنة 2012 في نسختها الثانية أصبحت منجزة. حجم الإيرادات الضريبية سيصل إلى نحو 15 ألفاً و800 مليار ليرة. أهم الإجراءات المطروحة: استحداث الضريبة العقارية بنسبة 15% وزيادة الـ TVA إلى 11% والضريبة على الفوائد المصرفية إلى 8%. هذا ما قاله وزير المال محمد الصفدي في مقابلته مع «الأخبار»
رشا أبو زكي 
1- ما هي أبرز نقاط المشروع الثاني لموازنة العام 2012 الذي سترفعه إلى الحكومة؟
عندما ارسلت مشروع الموازنة الاول لم يُنظر الى شقه الايجابي، وجاءت التعليقات على المشروع بطريقة وكأن المشروع كله ضرائب. على اي حال، طلبت استرجاع المشروع لأسباب عديدة اهمها تضمين موازنة العام 2012 الزيادات التي طرأت على الأجور وهي بقيمة 1500 مليار ليرة. كذلك اضفنا بعض البنود التي جاءت ضمن اقتراحات الوزراء ومقاربة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وقد اصبح المشروع بصيغته الجديدة جاهزاً إن كان لجهة الافكار او لجهة الارقام، وسيتضمن زيادات ضريبية لن تطاول ذوي الدخل المنخفض.

2- ما هي هذه الزيادات؟ اي ضرائب ستطال؟ وما هو جحم الايرادات المتوقع منها؟
تتوزع الضرائب على عناصر مختلفة، اذ سنقترح وضع ضريبة على التحسين العقاري بنسبة 15 في المئة، وانا مع زيادتها اكثر ولكن بطريقة تدريجية، اما ايرادات هذه الضريبة فستكون حوالى 350 مليار ليرة. وللتوضيح، هذه الضريبة تصيب فقط المضاربين وتجار الاراضي وليس الشركات العقارية. وسنقترح زيادة ضريبة الربح المقطوع على البناء من 10 الى 15 في المئة. كذلك، سنقترح زيادة الضريبة على ارباح الفوائد البنكية من 5 الى 8 في المئة وهذا بند يدخل ضمن قناعاتنا، ولا يمكننا استثناء المودعين الاجانب من هذا الاجراء بسبب السرية المصرفية، ومن المفترض ان يؤمن هذا الاجراء ايرادات بقيمة 400 مليار ليرة. وأيضاً، سنقترح زيادة الضريبة على القيمة المضافة TVA بنسبة واحد في المئة (من 10% الى 11%) لتؤمن ايرادات بقيمة 350 مليار ليرة. وسنقترح زيادات ضريبية على بعض السلع التي تعتبر من الكماليات والتي ستؤمن ايرادات بحدود الـ100 مليار ليرة.
من جهة اخرى سنقترح خفض ضريبة الدخل على الصناعيين الى نحو ثلث الضريبة الحالية، فنحن لا نستطيع كوزارة الدخول في مشروع خفض الضرائب على التصدير لأننا حسابياً لا يمكننا معرفة كلفة الصناعة التي تصدّر وتلك التي تباع داخلياً.
الخفض الضريبي الثاني سيطاول الفنادق خارج بيروت الكبرى التي تعاني الكثير، بحيث سنقترح إلغاء ضريبة الدخل كلياً او خفضها بنسب كبيرة لمدة 5 سنوات، بحيث نساعدها على استعادة نشاطها وتحريك المناطق الواقعة فيها. 


3- هل هذه الاجراءات ستؤمن توازناً بين المدفوعات والايرادات في العام 2012؟
كلا، فمع كل هذه البنود حجم الموازنة سيكون 21 الف مليار ليرة مع انفاق «مبهدل» على الاستثمار، وسنعمل خلال النقاشات في مجلس الوزراء على بحث امكان خفض الانفاق في بعض البنود لزيادتها على ارقام الاستثمارات. اذ سيبلغ العجز في المشروع الذي سنقدمه 5300 مليار. حيث لدينا 5353 مليار ليرة خدمة الدين العام، و7277 مليار ليرة رواتب وأجوراً، 3161 ليرة عجز كهرباء. اما مداخيل الدولة مع كل الاجراءات الضريبية المقترحة في مشروع موازنة 2012 فهي 15800 مليار ليرة. 

4- هل توافق على اقرار الموازنة قبل قطع حساب السنوات الماضية، وفق ما ورد في الرؤية التي طرحها الفريق الإقتصادي لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي حول موازنة 2012؟
لست مع ما طرح في هذه المقاربة والمتعلق بأن تضع الحكومة مشروع قانون استثنائياً يجيز لمجلس النواب إقرار موازنة 2012 قبل إجراء قطع الحسابات القانونية على الموازنات السابقة، نحن نرى انه يوجد فرصة لتصحيح حسابات الدولة، ويمكننا القيام بهذه الخطوة حتى لو تأخر اقرار
الموازنة. الوزارة تقوم بجهد كبير لتصحيح الحسابات المالية منذ العام 1993 حتى العام 2010، ونسعى إلى ارساء نظام يؤمن ديمومة في انتظام هذه الحسابات، وهذا الجهد ينبغي أن يستكمل لا أن يتعرض لأي اهتزاز.
وأنا لا أقول إن طرح فكرة القانون الاستثنائي تتقصد وقف هذه العملية، وأعلم أن إقرار الموازنة يسهل العمل وخاصة على وزارة المال، وقد سارعت إلى تقديم الموازنة ضمن المهلة القانونية، ولكن أنا عملياً مع تصحيح الحسابات، ووقف المسار السابق في اعداد الحسابات والتدقيق بها. 


5- هل عدم قيام اي وزير مال في السابق بالتدقيق في الحسابات المالية، له خلفيات تتعلق بالاستفادة من الفوضى القائمة؟
يمكن القول ان من الاسهل على الوزير الذي يمتلك امكانات وحزبه لديه امكانات أن يأتي الى الوزارة بكادر من الموظفين التابعين له للعمل في الملفات الوزارية بدلاً من العمل على تحسين الادارة الموجودة، في حين أنني مقتنع بأن من واجب الوزير أن يقوم بتحسين اداء الوزارة واعادة بناء قدراتها... هذا ما لم يحصل في السنوات السابقة. حالياً قمنا باختيار افضل 50 موظفاً في المحاسبة المالية من ادارات عدة تابعة للوزارة من اجل العمل على انجاز مهمة التدقيق المالي في الحسابات منذ العام 1993. وقد طلبنا من البنك الدولي ومؤسسة خاصة ( اوراكل) اجراء دراسات تقييمية للمركز الآلي في الوزارة، وقد صدر تقريران متشابهان من مصدرين مختلفين، كلاهما يؤكدان أن طريقة العمل على الحسابات خلال السنوات السابقة حتى اليوم تسمح للقيام بأعمال مخالفة وبكل سهولة. وقد رفعنا التقريرين الى مجلس الوزراء، وطلبنا من ديوان المحاسبة الاطلاع على العمل الذي نقوم به لمواكبتنا. ليس من مهمتنا القول انه يوجد متهمون ومستفيدون من الفوضى التي كانت سائدة، فقد اعلنا أن احتمال حصول مخالفات موجود، ويوجد اخطاء محاسبية، تبدأ منذ العام 1993 أي حين الاعلان عن تصفير الحسابات، أما مهمة تحديد المسؤولين والمخالفين فهي تعود الى المدعي العام المالي لا إلى الوزارة. 

6- متى ستعلن الوزارة الانتهاء من التدقيق في الحسابات؟ وماذا بعد هذه الخطوة؟
نتوقع أن ننتهي من التدقيق في الحسابات خلال شهرين او ثلاثة أشهر حداً أقصى. اما بالنسبة الى ما بعد هذه الخطوة، إن مجلس الوزراء قام بخطأ عدم الموافقة على مشروع وزارة المال الذي يجيز عقد اتفاق مع شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز» لتحسين أداء الممارسات المحاسبية. فالوزارة بلا آليات اجرائية للقيام بالحسابات المالية، ويمكن القول انه لا يوجد احد مسؤول، ولا يوجد فعلياً مدقق مالي. وبالتالي وزارة المال لم يكن لديها مدقق مالي داخلي بسبب غياب الآليات الاجرائية لمتابعة سير العمل. وبعدما اوضحنا الموضوع في مجلس الوزراء، تراجعت الشركة عن القبول بالتعاقد مع الوزارة لكونها لا تريد الدخول في اي صراع سياسي، وهذا الرفض انسحب على كل الشركات التي يمكنها القيام بالعمل ذاته. في الخلاصة، نحن سائرون في عملية التدقيق المالي وسنصدر الارقام الصحيحة، ولكن بعد انتهاء التدقيق، من الممكن ان يعود العمل الى الفوضى إذا لم يسمح لنا بالحصول على الادوات اللازمة لتنظيم هذه الوزارة. 

7- كيف يمكن اقرار موازنة العام 2012 ما دامت الحسابات قيد الاعداد وبالتالي لا يمكن اجراء قطع حسابات السنوات الماضية؟
نعمل على تدقيق الحسابات بين اعوام 2004 و2010 لعرضها على مجلس النواب. وبذلك سأقوم بعرض مشروع الموازنة في مجلس الوزراء، وسنجهد في الوزارة لإنجاز حسابات الاعوام السابقة، ويمكنني القول ان التدقيق في هذه الحسابات يتطلب جهداً كبيراً وعملاً دقيقاً جداً.

لست في أيّ فريق
انا من فريق الحكومة الاقتصادي ولست من ضمن الفريق الاقتصادي لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي. أما الورقة او الموازنة او المقاربة التي قدمها الفريق الاقتصادي التابع لرئيس الحكومة فقد جاءت من دون تنسيق مباشر مع وزارة المال، وقد طرحت عليّ بعد اعلانها في الصحف.
اقتصاد
العدد ١٦٣٩ الاثنين ٢٠ شباط ٢٠١٢

17‏/2‏/2012

موازنة 2012 خلال أسبوع




ميقاتي يسوّق ورقته... والصفدي يذكّر بصلاحياته

مجلس الوزراء مقفل... الى حين (أرشيف) 
على طاولة مجلس الوزراء عدد من الأوراق والاقتراحات والمقاربات المتعلقة بالموازنة، بعضها متآلف والبعض الآخر متنافر. الأوراق هذه لا تخفي عورة الحكومة الأساسية، إذ إنه لا أحد على طاولة مجلس الوزراء يريد أن يتوافق مع أحد. وزير المال محمد الصفدي أكد أن مشروع موازنة 2012 بمسوّدته المعدّلة سيُنجز خلال أسبوع في حدّ أقصى، فيما الوزراء منهمكون في بحث ورقة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي!
رشا أبو زكي
«أين أصبح مشروع موازنة عام 2012؟» ربما السؤال لا يأتي في سياق منطقي حالياً، فعلامات الاستفهام والتعجب تلازم عبارة: «أين جلسات الحكومة؟!» إلا أن فترة النقاهة الحكومية لم تلازم مسار المهلة الدستورية لإقرار الموازنة. فقد مضى على هذا الاستحقاق حوالى 4 أشهر ونصف الشهر (آخر موعد لإقرار الموازنة في مجلس الوزراء في تشرين الأول من كل عام) ولا يزال أعضاء السلطة التنفيذية يتباحثون في البنود والبدائل والصيغ لتقديم مسوّدة نهائية لمشروع موازنة 2012 على طاولة مجلس الوزراء. العجن الكلامي لا يزال قائماً.
أوراق تعد، وأوراق مضادة ترد. كل له نظرته الخاصة في تحديد كيفية إنفاق الأموال العامة. الاقتراحات التعديلية المتنافرة لم تقتصر على مكونات الحكومة المتصارعة، لا بل دخلت إلى عناصر المكون الواحد، فإذا بوزيرين من الكتلة ذاتها يرفعان ورقتين مختلفين إلى مجلس الوزراء، واحدة باسم تكتل التغيير والإصلاح طرحها وزير العمل شربل نحاس، وأخرى باسم وزير السياحة فادي عبود بصفته الشخصية، لتضاف إلى «كدسة» الأوراق هذه ورقة أعدّها «الفريق الاقتصادي لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي (راجع ملخص هذه الورقة المنشور في «الأخبار» في العدد ١٦١٩ الخميس ٢٦ كانون الثاني ٢٠١٢، أو عبر الرابط http://www.al-akhbar.com/node/33608)، هي الأخرى لا تزال قيد البحث، وبخلاف التعميمات الإعلامية، لم يحصل حتى اللحظة الاتفاق على بنود هذه الرؤية التي يصفها فريق ميقاتي بالمقاربة «الجديدة». وفي معركة الأوراق، بدأت تلوح قضية أخرى. فقد كان لافتاً ما صرّح به وزير المال محمد الصفدي أمس، بأن «وزارة المال هي من دون سواها صاحبة المسؤولية والصلاحية والقرار في تقديم مشروع الموازنة الى مجلس الوزراء». ويأتي هذا التصريح بعد إعلان الفريق الاقتصادي لرئيس الحكومة رؤية ميقاتي وطرحه المتعلق بموازنة عام 2012. يوضح الصفدي لـ«الأخبار»: «لا أريد اعتبار تصريحي مرتبطاً بإعلان ورقة الرئيس ميقاتي، لكن وسائل الإعلام ضاعت في الجهة الصالحة لبحث هذا الموضوع. أردت التذكير بأن وزارة المال هي المسؤولة عن الموازنة». يضيف «رئيس الحكومة مشكور على مقاربته، وله الحق في المساهمة، ونحن لن نعرض الموازنة قبل طرحها معه، ولكن تبقى المسؤولية الأساسية تقع على عاتق وزارة المال». يشرح الصفدي أنه في آخر جلسة لمجلس الوزراء تطرقت إلى الموازنة، أعلن للوزراء أنه سيرسل الموازنة بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع متضمنة التعديلات، وخصوصاً في ما يتعلق بالإنفاق الإضافي المترتب على تصحيح الأجور. ويلفت الى أن المسوّدة الأولى تضمنت الكثير من الاهداف المهمة، إلا أنه لم يجر النظر إلا الى الضرائب، وجرى التغاضي عن هذه الاهداف. يؤكد الصفدي أن وزارة المال ستعلن عن انتهاء إعداد مشروع الموازنة خلال أسبوع في حد أقصى. فقد جرى تحديد الافكار والارقام، وكلها أصبحت واضحة، وقد جرى الأخذ بعدد من الاقتراحات القابلة للتطبيق من معظم الاوراق المقدمة، لافتاً الى أنه سيجري التركيز على عدم زيادة العجز، في مقابل فرض ضرائب تطال بنحو أساسي ذوي الدخل المرتفع.
أوساط رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أشارت الى أن الورقة التي أعدها ميقاتي، والتي من المفترض أن تأخذ في الاعتبار كل الاقتراحات المطروحة من قبل الوزراء والكتل الوزارية، لم تصل بعد الى مرحلة التوافق، إذ لا تزال قيد البحث على نطاق ضيق. وتوضح أن النقاشات لا تزال ضمن الفريق الاقتصادي لميقاتي بالتنسيق مع الصفدي. وتشرح أن اللقاء الذي حصل مع وزير العمل شربل نحاس جاء لأخذ رأيه في بعض جوانب الورقة. الأوساط فضّلت عدم الإجابة عن سؤال بشأن توسع الفريق في لقاءاته إلى وزراء آخرين، لافتة الى أن ورقة ميقاتي موضوعة على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقد اطّلع عليها الجميع وتنتظر انعقاد أولى جلسات الحكومة لعرضها، على أن يحدد مجلس الوزراء مجتمعاً موقفه منها. ماذا عن هذه الجلسات؟ وإلى متى سيدوم تعطيلها؟ تشرح هذه الأوساط أن النقاشات لا تزال في إطار المراوحة، على أمل أن تُحلّ الأمور العالقة لتعود الحكومة الى الالتئام.
وزير مقرّب من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يؤكد أنه يجب الاتفاق على منهجية الموازنة وآليات إعدادها، لأن سبب الخلاف على إقرارها غير واضح حتى اليوم، فيما يجب أن يسير الجميع وفق معايير واضحة ومنهجية معروفة تؤمن إقرار الموازنة. ورغم أن الوزير يرى أن هناك إمكانية لتحقيق خرق ما على مستوى إقرار الموازنة، إلا أنه لا يعطي موعداً لذلك في القريب العاجل، «لأن الخلافات حول مرسوم واحد مستعصية الحل، فكيف حول إقرار موازنة كاملة؟».
وزير التنمية الإدارية محمد فنيش يشرح أن الفريق الاقتصادي لرئيس الحكومة سبق أن اجتمع معه، وقد عقد اجتماع مشترك مع وزير العمل شربل نحاس، وجرى طرح عدد من البنود الخلافية، وحصل نقاش، وعُرضت الاقتراحات، ولكن حتى الآن لم تفض الاجتماعات هذه الى توافق، وخصوصاً البند الذي عرضه وزير الاقتصاد نقولا نحاس في الاجتماع (وهو بند في ورقة ميقاتي) والمتعلق بأن تضع الحكومة مشروع قانون استثنائي يجيز لمجلس النواب إقرار موازنة 2012 قبل إجراء قطع الحسابات القانونية على الموازنات السابقة، على أن يتضمن فترة محددة لإتمام كل العمليات القانونية المتعلقة بموازنات الأعوام السابقة، أي أن تجري الموافقة بتحفّظ حتى يصدر ديوان المحاسبة رأيه في ما يتعلق بقطع حساب الموازنات السابقة، على أن يعرض مجدداً على مجلس النواب للتصديق النهائي. ولفت إلى أنه جرى طرح فكرة أن يقر مجلس النواب موازنة عام 2012 ولكن لا يتم نشرها في الجريدة الرسمية قبل إيجاد حل لقطع الحسابات، ولم يلق الاقتراح هذا توافقاً عليه. أما عن موقف كتلة الوفاء للمقاومة من ورقة ميقاتي، فقد شدد فنيش على أن الحزب لم يبلغه حتى الآن التوجه، إذ إن هذا الموضوع سيُطرح على صعيد الحزب، ومن ثم يُعلن موقف واضح منه.
يعلّق أحد الوزراء بسخرية: «الفترة المرتقبة لإنهاء قراءة الأوراق والاقتراحات المقدمة قد تحتاج الى نهاية عام 2013، أما الاتفاق على بنود الموازنة فقد يمتد حتى نهاية 2016، ومن المؤكد أن موازنة 2012 سيجري إقرارها قبل منتصف عام 2020»... هذا «التفاؤل» نابع من الخلافات المتجددة داخل الحكومة، وعدم قدرة مكوّناتها على الاتفاق على معظم المشاريع المطروحة... فهل ستتحقق هذه الرؤية؟


1500 مليار ليرة
هي قيمة النفقات الإضافية التي سترد في المسودة الثانية لمشروع موازنة 2012، بحسب الصفدي، وهي قيمة الزيادة التي ستطاول الأجور في القطاع العام، ويلفت الى أن هذه الزيادة ستمنع تضمين الموازنة أي استثمارات إضافية

لا موازنة قبل الحسابات
يؤكد رئيس لجنة المال والموازنة، إبراهيم كنعان، أنه لا يمكن إقرار الموازنة قبل إجراء قطع حساب الأعوام بين 2006 و2009. ويشرح أن هذا موجب دستوري لا يمكن التنازل عنه ولا القيام بإصلاح إلا عبره. ويشدد على أن موقف تكتل التغيير والإصلاح واضح في هذا الإطار، إن كان من ناحية التمسك بالدستور أو اعتماد آليات شفافة في عمليات الإنفاق، وإلا «رح يبقى الملقّ فالت». ويرى كنعان أن موقف التكتل يرتبط بصلب العمل النيابي والوزاري. ويضيف «بدلاً من إعلان المقاربات والأوراق، فليعملوا على دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد، لمناقشة مشروع موازنة 2012 تميهداً لإقرارها.
اقتصاد
العدد ١٦٣٧ الجمعة ١٧ شباط ٢٠١٢

15‏/2‏/2012

موظفو مستشفى رفيق الحريري وأطباؤه: «قصتنا مش قصة معاش»




رشا أبو زكي
مستشفى رفيق الحريري الجامعي يواجه كارثة التدهور. الموظفون والأطباء والممرضون أعلنوا الإضراب منذ أسبوع، رافعين مطالب عديدة، أهمها توفير اللوازم الطبية المفقودة، وصرف الرواتب المستحقة لهم منذ أكثر من شهرين. المولود الاستشفائي الجديد الذي افتتح في عام 2004 تعثّر باكراً. لا حكومة تسأل، ولا وزارة تحاسب، ولا جهات معنية تراقب. الجسم الطبي في المستشفى سيرفع اليوم شعاره الجديد: «قصتنا ليست فقط قصة معاش». فهم يطالبون بلجنة تحقيق لمعرفة أسباب التدهور الحاصل في المستشفى. البعض يلمّح إلى الهدر، والبعض إلى سوء الإدارة، والبعض إلى عدم اكتراث الحكومة بمستشفاها. كل التلميحات لا تخفي واقعة واحدة: مستشفى بيروت في حالة احتضار... ولا من يسأل!
يقول عضو لجنة الدفاع عن حقوق الموظفين علي شمص، إن أزمة المستشفى ليست مستجدة. يشرح أنه يوجد تأخير شهري في صرف الرواتب، وأن إدارة المستشفى عقدت صفقة مع مصرفي لبنان والمهجر والبحر المتوسط، على أساسها يحصل الموظفون على قروض مصرفية بقيمة الراتب الأساسي، وقد دخل نحو 60 في المئة من الموظفين في هذه العملية، فيما 40 في المئة من الموظفين لم يستطيعوا الحصول على القروض، إما بسبب عدم اقتناعهم بالخطوة، أو بسبب اقتراضهم في السابق، ما يمنع عليهم الحصول على قرض ثان. إلا أن الفريقين لا يحصلان على رواتبهما بانتظام. حالياً، هناك تأخير لدى الفريق الأول بنحو 15 يوماً، ولدى الفريق الثاني شهرين و14 يوماً. القضية لا تنحصر بالرواتب. يشرح شمص أنه يوجد نقص فادح في المعدات واللوازم الطبية «والمرضى يتبهدلون». يلفت إلى أن نقص اللوازم الطبية وصل إلى فقدان الأمصال، و«التلزيق»، حتى الشاش استبدل بالمحارم. يرى شمص أن المسؤول عن هذه الأزمة ليس جهة واحدة، بل الإدارة والحكومة ووزارة الصحة، ويلفت إلى أنه لا أحد يلتفت إلى مطالب الجسم الطبي وموظفي المستشفى، «ربما لأننا من جميع الأطياف السياسية ولسنا مع جهة ضد أخرى». يسأل: «لماذا لا تغطي وسائل الإعلام تحركاتنا؟ أإلى هذه الدرجة أصبحت حياة الناس رخيصة؟». يدعو شمص باسم جميع الموظفين الجهات الرقابية إلى تأليف لجنة تحقيق لمعرفة أسباب تدهور المستشفى.
عضو لجنة أطباء المستشفى، الناطق باسم الأطباء المقيمين والمتمرنين محمد ناصر، يلفت إلى النقص الفادح في المواد الطبية من أمصال وأدوية والصور، وإلى عدم توافر الأجهزة الكافية لعمل الأطباء داخل المستشفى. يقول: «هذه المشكلة الأولى. أما الثانية، فهي التعديات والتهديدات التي تطاول الطاقم الطبي كله. فقد فتح أحد الأشخاص قنبلة في المستشفى، وآخر اعتدى بالضرب المبرح على طبيب، فيما دخل عدد من المسلحين إلى المستشفى، واعتُدي جسدياً على طبيب في قسم الطوارئ، إضافة إلى حالات تهديد عديدة يتلقاها عدد كبير من العاملين في المستشفى. المطلب الثالث هو وضع حل جذري لأزمة المستشفى. الرابع، تأليف لجنة لمتابعة كل المطالب، والتحقيق في أسباب المشكلة الموجودة في المستشفى. أما شعار التحركات المقبلة فهي: «قصتنا مش قصة معاش»؛ «إذ إن البعض يصورون أن مشكلتنا محصورة بالرواتب، وهذا ليس صحيحاً؛ فقصة الرواتب جزء من مشكلة أكبر».
أما رئيس مجلس الإدارة، المدير العام للمستشفى، وسيم الوزان، فيقول: «أي شخص يطالب براتبه معه حق، ومطالبه مشروعة ويحتاج إلى ضمانات. لكن ما يحدث من احتجاجات سلبية طالت عن المعتاد، والقصة تتعلق بسياسة الدولة بحيث يوجد روتين إداري في الدولة وسياسة للمؤسسات العامة لا نستطيع تجاوزها، وهذا يحدث لدينا وفي مستشفيات أخرى». يلفت إلى أن رئيس الحكومة ووزير الصحة صرفا 6 مليارات ليرة لدفع مستحقات الموظفين. ويرى أن النقص الحاصل في اللوازم الطبية هو نتيجة النقص المالي الحاصل. شرح أن كلفة الخدمة أغلى من التعرفة الموضوعة، لكن المستشفى ملتزم التعرفات، والمرضى هم من الفقراء. وبالتالي، يجب وضع سياسة عامة في الحل، يمكن أن تكون عبر التغطية الصحية الشاملة أو تحسين التعرفات أو غيرهما من الحلول.
اقتصاد
العدد ١٦٣٥ الاربعاء ١٥ شباط ٢٠١٢

13‏/2‏/2012

استطلاع | حوار اجتماعي في لبنان؟ «وينك وين»!

ديكتاتوريات حزبية تسيطر على الحركة النقابية




كلا، لا يوجد حوار اجتماعي في لبنان، بل صراع حقيقي بين أطراف الإنتاج من جهة، وأطراف الإنتاج والحكومة من جهة أخرى. فقد مثّل تطييف الحركة النقابية ضربة قاضية سدّدها النظام في وجه أكثر الأطراف فاعلية في الحوار، ليُصبح في أحيان متماهياً معها
رشا أبو زكي
 
ألبير داغر
الأستاذ في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال الدكتور ألبير داغر: موضوع الحوار والصراع مرتبط بطبيعة النظام السياسي، وهذا النظام قائم على صراع وتناحر افراد الطبقة السياسية، والذي لا يمكنه ان يوصل المجتمع الى بيئة حوار اجتماعي جدي. طبيعة النظام تفرز الصراعات السلبية، يقابله مجتمع مدني مغرّب عن قضاياه منذ بداية الحرب الاهلية حتى اليوم، ليس غير موجود واقعاً وانما استزلاماً للسياسيين، اذ نرى الطبقة السياسية تختلف على اي موضوع، وفي المقابل يوجد اصطفاف من قبل الناس المتضررين من الصراع المستمر خلف القيادات التي لا تمتلك اي اجندات او سبب للوجود الا عبر التناحر والصراع.
ومن الملاحظ انه منذ العام 2005 حتى الآن اصبح يوجد استراتيجية افتعال النزاع، وهذا طاغ على النقاش العام وعلى نوع هذا النقاش. هذا لا يعني انه لا يوجد اي هامش حواري، لكن الطاغي هو التناحر والصراع الذي ليس له طابع اجتماعي او طبقي وانما يمكن ان نقول إنه صراع زعماء. لا شك في ان هذا النظام يستفيد من تفتيت الحركة النقابية وفض اي قدرة لتمثيل المجموعات المتضررة بما يتخطى الصراعات القائمة.
فاديا كيوان
مديرة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف، الدكتورة فاديا كيوان: الحوار الاجتماعي حلقة مفقودة في لبنان. الاهتمام اللازم والملحّ بالقضايا الاجتماعية مفقود من التداول السياسي، لا بل يأتي أداةً للصراع السياسي، لا هدفاً. المفروض أن الحوار الاجتماعي له إطار، وهو المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي يُعَدّ مطلباً من مطالب الحركة، ولكن أهمل وتطيّف وانتهت مدة ولايته ولم يجددوا له، وهذه «جرصة». ليست كل الهيئات التمثيلية وضعها ضعيف؛ فالنقابات والروابط المتعلقة بالأساتذة والمعلمين لديها دور متقدم. أما الحركة العمالية، فهي ضعيفة؛ فقد وضعت السلطة يدها على الحركة النقابية في التسعينيات، ورخّصت لنقابات عمالية شكلية، وطيّفت العمل النقابي، إضافة إلى الانزلاق السياسي للقيادات العمالية. فالعمل النقابي سياسي، لكن من نوع آخر؛ إذ يجب أن تغلب أجندة تحسين ظروف العمل ومطالب العاملين في قطاعات العمال. لكن في لبنان الوضع معكوس؛ إذ يوجد استزلام من بعض قيادات الاتحادات العمالية ومحاولة احتواء من بعض القوى السياسية لبعض القيادات العمالية. وهذه حلقة مفرغة وموجعة.
بول سالم
مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، الدكتور بول سالم: لا يوجد حوار اجتماعي، بل صراع ضمني مبطّن. النظام السياسي والانتخابي يفرز قوى طائفية، والصراع الاجتماعي يصبح ضمن كل طائفة، لكن لا يعبَّر عنه تعبيراً جامعاً. خلال السنوات العشرين الماضية قمع النظام النقابات، وذلك بعد 16 سنة من الحرب الأهلية، ما يعني أنه بين الحرب والنظام السائد بعد الحرب، عانت الحركة النقابية والأحزاب اليسارية الضعف الشديد؛ إذ كُوِّنت سلطة أمنية وسياسية متحالفة مع سلطة رأس المال. مزيج كهذا كبت جميع القضايا التي تعني الناس. ومن جهة أخرى، وفق نظام الطائف لا أحد يحكم، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة ولا الحكومة؛ إذ هناك مشكلة في عدم وجود حكم لمحاسبته. كذلك، لا يتيح النظام الانتخابي للمواطنين اختيار الحاكم، بل الطبقة السياسية تتفق في ما بينها لتعيين الحاكم. والشعب لا يستطيع محاسبة الحكام، بل طرف من الطبقة السياسية. وهنا يخلق عطل في الحكم وفي عمليات المساءلة التي تبقى ضمن الأطر الطائفية والمذهبية والحزبية. لذلك لا يوجد حياة نقابية فعلية مثل تلك التي كانت سائدة في الستينيات «وينك وين».
عصام خليفة
الرئيس الأول لاتحاد طلاب الجامعة اللبنانية، الدكتور عصام خليفة: يُعَدّ لبنان بلداً ديموقراطياً نسبياً مقارنةً بالأنظمة الاستبدادية في المحيط العربي، وكان من الممكن أن يكون المجتمع اللبناني في صلب الحوار الاجتماعي، إن كان على مستوى قوى الإنتاج، أو من خلال المشاركة السياسية. لكن السلطة السياسية بمختلف تلاوينها أهملت هذا الاتجاه. مثلاً، ثمة تعطيل للمجلس الاقتصادي الاجتماعي، رغم أن الدولة تستأجر مبنىً لهذا المجلس بمئات آلاف الدولارات.
من جهة أخرى، يشهد العمل النقابي تراجعاً كبيراً، وذلك على الرغم من أهمية الحركات النقابية، ودورها المكفول في الاتفاقيات الدولية لمفاوضة الحكومة ومجلس النواب في مختلف القضايا التي تعني المواطنين مباشرة. لا يمكننا القول إنّ في لبنان حواراً اجتماعياً، بل هناك حد أدنى من الحوار غير الجدي، فيما كان يمكن هذا الحوار أن يكون ممأسساً.
الوضع العام ليس طبيعياً، من النقابات مروراً بالمؤسسات الدستورية التي تتعطل ومجالس النواب والحكومات، الواقع أنه يوجد قوى تعتبر نفسها فوق القانون والدستور.

أنطوان مسرّة
الأستاذ الجامعي الدكتور أنطوان مسرة: اليوم يوجد صراع اجتماعي ولا يوجد حوار اجتماعي. والسبب الأساسي لغياب الحوار هو ضعف الحركة النقابية منذ الثمانينيات؛ إذ كانت الحركة النقابية في لبنان من أكثر الحركات النقابية حيوية في العالم العربي، ولها تاريخ زاخر، وخاصة في سنوات الحروب. وقد كانت لها مواقف متباينة مع قوى الأمر الواقع المسلحة، وكان من المستحيل تطييفها. لكن منذ الثمانينيات ضُربت هذه الحركة، وتنامت التنظيمات الحزبية، وتراجع التوازن الاجتماعي بين النقابات والأحزاب. وقد شهد لبنان خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر الماضية تصادماً تمثل باختلاف بين الجهات السياسية في قضايا عمالية واجتماعية، وأدت النقابات أدواراً في هذا المجال خارج الحوار الاقتصادي والاجتماعي. ثمة خطر في كل العالم بسبب الديكتاتورية الحزبية التي تتناقض مع العمل النقابي، وهي تنحو إلى التسلط، في حين أن توافر الحركات النقابية القوية يعطي التوازن في هذا الإطار. من جهة أخرى، نجد تعطيلاً للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو أحد أهم بنود اتفاق الطائف، وقد انطلق بإمكانات ضئيلة، ليعود الآن إلى الظل.
فهمية شرف الدين
الباحثة الاجتماعية الدكتورة فهمية شرف الدين: الجواب معروف، لا حوار ولا ثقافة حوار في لبنان، بل يوجد صراع بين المجموعات السياسية وكذلك الاجتماعية. ولنذكر ما حصل بشأن الحد الأدنى للأجور؛ حيث تبين أنه لا يوجد حوار، «هل من القليل أن يصدر 4 مراسيم متناقضة عن مجلس الوزراء؟». إنه صراع فعلي، يوجد مجتمع غريزي، وحكومات يحكمها الصراع ما بين مجموعات سياسية تعكس وسائلها على المجتمع. الاتحاد العمالي لا يمثل كل العمال. كذلك، يبدو العمال والأجراء موافقين على أن يفاوض الاتحاد باسمهم، حيث لم تخرج مجموعات كبيرة إلى الشارع لتعلن عدم موافقتها على ذلك. الهيئات التمثيلية مثل الهيئات السياسية التمثيلية؛ إذ إن تمثيلها غير مستوفٍ للشروط الديمقراطية، وخصوصاً في ما يتعلق بالمساءلة. من حيث المبدأ الهيئات التمثيلية هي التي تقود المجتمع؛ لكونها حاملة لهمومه، لكن في لبنان تغيب هذه النظرية لمصلحة الهيمنة السياسية.
اقتصاد
العدد ١٦٣٣ الاثنين ١٣ شباط ٢٠١٢

9‏/2‏/2012

الاكتشاف الثاني بعد الأبجديّة: اتحاد عماليّ ضدّ العمّال




نحّاس سيحيل مشروع قانون النقل إلى الحكومة فور معاودة جلساتها
رشا أبو زكي
الوجوه جديّة بمعظمها. غلبة ملحوظة للطالبات. تثاؤب. ابتسامة رضى. عيون من الواضح أنها تريد أن تستوعب المقال، ولا تنجح. رأس ينخفض، موافقة ... موزاييك شبابي كان حاضراً في ندوة قطاع الشباب في الحزب الشيوعي في الجامعة اللبنانية. الضيف لا يشجع على ملء القاعة، إذ إن وزير العمل، شربل نحاس، «يتحدث اقتصاد، والاقتصاد صعب» تقول طالبة كانت تهمّ بالمغادرة. العيون تراقب انفعالات نحاس الواضحة على وجهه، وأسلوب صوغه العبارات. يسابق نحاس الأسئلة. يشرح المراحل التي مرت بها مراسيم الأجور الأربعة. مقاطعة رئاسة الاتحاد العمالي العام لجلسات لجنة المؤشر، شكلت افتتاحية الندوة. «قاطعوا الجلسات احتجاجاً على تضمين وزير المال زيادة الـ TVA في الموازنة، فإذا بالقيادة ذاتها تجتمع مع وزير المال ورئيس الحكومة والهيئات الاقتصادية للاتفاق على صيغة لتصحيح الأجور».
يكرّ نحاس سبحة المراسيم. يتحدث عن مشروعه الرامي الى ضم «ما يسمى بدل النقل» الى صلب الأجر، ليصبح الحد الأدنى للأجور 868 ألف ليرة. «بعد اكتشاف الأبجدية، حقق الاتحاد العمالي ظاهرة جديدة في تاريخ البشرية، فقد أصر على زيادة الحد الأدنى الى 675 ألف ليرة بدلاً من 868 ألف ليرة، واقفاً في وجه مصالح من يمثلهم، عجيبة». والعجيبة الأخرى، هي أن أصحاب العمل الذين أعلنوا تمسكهم ببدل النقل، اتضح أنهم قدموا 32 طعناً الى مجلس الشورى بمراسيم بدلات النقل منذ عام 1995 حتى اليوم. أما العجيبة الثالثة، فهي «أن اصحاب العمل قرروا السير بآلية بدل النقل التي قدموا بها طعوناً، الى حين إقرار مشروع قانون بدل النقل».
مشروع قانون نحاس يحمل عنوان «حماية الأجر وصونه»، ويحدد بالتفصيل التقديمات التي يجوز عدم اعتبارها جزءاً من الأجر، «ما يعيد الانتظام العام الى سياقه». ويقول نحاس إن «إقرار المشروع في انتظار انعقاد مجلس الوزراء لإحالته».
مسألة الأجور تناقش من مستويات ثلاثة. يصنف نحاس المستويات، (مطعّماً شرحه بتجربة نشوء الولايات المتحدة الأميركية وتحولها الى مركز اقتصادي عالمي، ومقصد لأصحاب الكفاءات من طالبي الأجور المرتفعة): مستوى محاسبي، بحيث يحتسب الأجير قيمة الزيادة على أجره، وصاحب العمل قيمة الكلفة الإضافية التي سيدفعها (وهي الغالبة). مستوى اقتصادي، بحيث يتم الحديث عن مفاعيل تصحيح الأجور على التوازن الاقتصادي العام الذي ينعكس على الإنتاجية والاستثمار في آن. أما المستوى الثالث فهو ذو بعد أوسع وأشمل، بحيث يصبح تصحيح الأجور مسألة مفصلية وخياراً مجتمعياً يتخطى الاعتبار المحاسبي والاقتصادي الى اعتبارات أخرى، منها تأمين فرص العمل وخفض معدلات الهجرة، والاستفادة من الكفاءات الشبابية لتحسين إنتاجية الدولة ...
ينتقل النقاش الى الواقع المعيش. «فور تخرجكم ستبحثون عن عمل، ستجدون عراقيل عديدة، ومنها الأجر المتدني، والسبب هو اتكال القطاعات على اليد العاملة الأجنبية الزهيدة الأجر، أتلقى شخصياً عشرات الاتصالات والضغوط للموافقة على استقدام العمال الأجانب»، إلى مسألة أخرى «منذ 5 سنوات، كان عدد مغاسل السيارات الآلية أكثر من اليوم، إذ يعتقد أصحاب المحطات أن تشغيل يد عاملة أجنبية أقل كلفة من شراء الآلات وتشغيلها، كما يسود مفهوم مغلوط بأن اللبنانيين لا يعملون في بعض القطاعات».
انتهت المحاضرة. حان وقت أسئلة الطلاب. يحاول الوزير مخاطبة الشباب بلغتهم. يتوجه اليهم بـ«يا خيّي (أخي)». يتهكّم أحياناً. يقلّل من أهمية بعض الأسئلة الخارجة عن سياق موضوع الندوة. السؤال الأول بديهي ومركّب من 4 أسئلة: «لماذا تقبل بالضغوط لاستقدام العمال الأجانب؟ لماذا هناك أجانب يستلزم وجودهم في لبنان إقامة، وآخرون لا يحتاجون الى إقامة؟ لماذا لا تفرض ضريبة على العمال الأجانب كما في جميع الدول؟ حكومة لون واحد لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فكيف إذا كانت لونين؟».
يجيب نحاس عن السؤال ببعض الارتباك: «في ما يتعلق بالعمال الأجانب، الضغوط التي تمارس علينا قادمة من حاجة فعلية إلى هؤلاء العمال، إذ إن هناك بنية اقتصادية قائمة، ويمكن توقع انهيار بعض القطاعات في حال وقف دفق العمالة الأجنبية، مثل محطات البنزين وقطاع البناء والزراعة، والانتقال من مرحلة الى أخرى ليس بسيطاً، كما أن موافقتنا على الطلبات ليست بهذه السهولة. ونحن نعمل على تعديل القانون المتعلق بالرسوم والضرائب على العمال الأجانب لكونه عنصرياً، ونحاول تثبيت بعض الحقوق البديهية للعمال الأجانب، أما في ما يتعلق بالحكومة فهي ليست لوناً واحداً بتاتاً».
أسئلة أخرى تتوالى، بعضها يسأل عن مصير الحكومة، عن مواضيع سياسية. لا يستسيغ نحاس الرد «شو هالأسئلة، موضوع الأجور مهم أكتر». يطرح الطلاب أسئلة أخرى: «إذا كانت الحكومة فاشلة، فلماذا لا تزال فيها؟ لماذا بعض الحلفاء صوّتوا ضدكم؟ كيف يمكن حماية عامل من الصرف في حال رفع شكوى لدى وزارة العمل؟ كيف يمكن محاسبة صاحب العمل إذا قرر صرف عماله؟».
يُشعِر نحاس الحضور بأن الاسئلة لا ترتقي الى ما يريد، يجيب: «أحياناً، هناك حالات صرف فردية مبررة، كأن يكون العامل ثقيل الدم (!) أو كسولاً، وهناك حالات غير مبررة وهي تعتبر تعسفية، وقد حاولنا حماية العمال من هذا النوع من الصرف، إلا أن قيادة الاتحاد العمالي العام وقفت ضدنا. أما بالنسبة إلى الحلفاء، أستطيع أن أقول لكم: اسألوهم لماذا صوّتوا ضد مشروعي، لكن هناك الكثير من الناس الذين ينظرون الى المسألة على قاعدة «إذا القاضي راضي» (في إشارة الى الاتفاق بين العمالي والهيئات الاقتصادية) ...
اقتصاد
العدد ١٦٣١ الخميس ٩ شباط ٢٠١٢

7‏/2‏/2012

المستثمرون العرب «قلقون»



الخروج ليس سهلاً... لكن المشاريع الجديدة مجمّدة

المخاوف من الاستثمار في لبنان تتزايد (مروان بو حيدر) 
القلق يسيطر على الواقع الاستثماري في لبنان. الأوضاع العربية، وخصوصاً السورية منها، رفعت من منسوب الحذر من السوق اللبنانية، فيما «المنكّهات» المحلية للمخاطر تزيد مرارتها يوماً بعد يوم. عدد من الاستثمارات العربية توقفت خلال الأشهر الماضية، والبعض الآخر أحجم عن التوسع. أسئلة بدأت تشغل «بال» المتابعين، أهمها: هل ستؤدي الخلافات العربية ــ اللبنانية الى خروج المستثمرين العرب من لبنان؟
رشا أبو زكي
هل ثمة مخاوف من هروب الاستثمارات العربية من لبنان تبعاً لامتداد الأزمة السورية الى أراضيه؟ هل سيتخذ «المستثمرون» قرارات سياسية بترك السوق اللبنانية، رداً على مواقف لبنان السياسية المتعلقة بالوضع السوري؟ أسئلة بدأت تتسلل الى عقول عدد من الاقتصاديين والمستثمرين. فحجم الاستثمارات العربية في لبنان ارتفع بين عامي 1993 و2010 بوتيرة متسارعة، على الرغم من أن غالبية الاستثمارات العربية تنحصر في القطاعين العقاري والمالي، إضافة الى الاستثمارات السياحية والتجارية...
«المخاوف لا تزال على مستوى فردي»، يقول عدد من المتابعين للملفات الاستثمارية. والوضع لم يتطور الى ذعر أو قرار حتى الآن، إلا أن المستثمرين العرب قلقون من السوق اللبنانية. يؤكد البعض توقف عدد من المشاريع الاستثمارية، وخصوصاً السياحية منها خلال الأشهر الماضية، مشاريع تقدّر قيمتها ببضعة مليارات من الدولارات. وبذلك، يصف المتابعون الوضع الاستثماري بالـ«حذر». وهذا الحذر ينعكس تراجعاً في النمو الاستثماري الذي وصل الى ملياري دولار بين عامي 2010 و2011، وفق تقرير اونكتاد الأخير.
فقد أظهر تقرير سابق لمصرف لبنان أن الحجم الإجمالي للاستثمارات العربية في لبنان بلغ حوالى 12 مليار دولار بين عامي 1985 و2008. وقد احتلت السعودية قائمة المستثمرين، وتبعتها الإمارات، الكويت، قطر، سوريا فالأردن. إلا أن إحصاءات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار تشير الى أن حصة لبنان من تدفق الاسستثمارات العربية البينية بين عامي 1995 و2010 وصلت الى 14،8 مليار دولار. أما جنسية المستثمرين، فهي: سعودية، إماراتية، كويتية، سورية، عراقية.
حتى الآن ليس هناك هروب للرساميل والاستثمارات العربية من لبنان، يقول الخبير الاقتصادي ايلي يشوعي، لكن ثمة تراجع في نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي. يصف الوضع الاستثماري بالـ «حذر»، لافتاً الى جمود استثماري واقع، من دون أن يعني ذلك انتهاء الحالة الاستثمارية الجاذبة للسوق اللبنانية. يرى يشوعي أن عدداً من القطاعات لا يزال مرغوباً، ومنها القطاع العقاري والمصرفي والسياحي والصناعي، لكن الأوضاع السورية تؤثر في ارتفاع نسبة المخاطر في لبنان، والعلاقة المترابطة بين البلدين تنعكس بطبيعة الحال على الواقع الاستثماري في لبنان.
تبين تقارير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن الاستثمارات الإماراتية في لبنان تتوزع بين مشاريع خاصة واخرى حكومية، وهي ترتفع بقيمتها عن 3 مليارات دولار، فيما بلغت قيمة الاستثمارات السعودية في لبنان حتى الآن نحو خمسة مليارات و330 مليون دولار، بحسب ما صرح به سابقاً رئيس مجلس الأعمال السعودي ـــــ اللبناني عبد المحسن الحكير، وتتركز في العقار ثم السياحة وبعض الصناعات الأخرى (علماً أن هذا التصريح القديم استُتبع بتشكيك في حجم الاستثمار السعودي في لبنان). كذلك، تصل الاستثمارات الكويتية التي تتركز في القطاعات العقارية والسياحية والخدماتية الى ملياري دولار، وأيضاً تصل الاستثمارات القطرية في لبنان الى ملايين الدولارات.
«توزيعة» استثمارية كهذه يمكن أن تثير خوفاً أكيداً، بحسب الخبير الاقتصادي مازن سويد. وهذا الخوف، لم يبدأ هذا العام، بل عام 2010، مع ارتفاع حدة التوتر السياسي الداخلي، لتظهر مفاعليه عام 2011 انخفاضاً كبيراً في النمو الاستثماري في لبنان. ويمكن الاستدلال على حالة التخوف السائدة من خلال حركة ودائع المصارف. فهذه الحركة تباطأت في العام الماضي من حيث النمو، فيما حصل عجز في ميزان المدفوعات بعدما حقق فائضاً خلال السنوات الماضية، إضافة الى تراجع تدفقات الاستثمارات العربية، بحيث سينخفض حجمها عن ملياري دولار هذا العام. وبحسب سويد، فإن قطاعي العقارات والسياحة تضررا كثيراً بفعل الأزمة المحلية والاضطرابات العربية.
«الوضع ليس كارثياً» يقول سويد، الا أن الجمود القائم حالياً في لبنان يبدو أنه سيستمر، ولذلك انعكاسات سلبية اقتصادياً واجتماعياً. فالقاعدة التي يتبعها الاستثمار هي: «حين ترتفع المخاطر، لا بد من الانسحاب». حالياً لم يشهد لبنان انسحابات استثمارية، بل ضعفاً في التدفق، مجهول المصير في المستقبل.
والمفارقة، أن لبنان الذي كان يستفيد من أزمات المنطقة، عجز عن القيام بذلك حالياً، «فالمخاطر الموجودة في السوق المحلية كبيرة أيضاً».
وقالت مصادر في شركة عقارية لـ«الأخبار» إن الحالة لم تقتصر على جمود. فقد توقف عدد من الاستثمارات العربية في لبنان. منذ سنتين تقريباً، بدأ العمل على مشروع أوتيل الحياة، وهو استثمار سعودي في بيروت، قيل إن هذا المشروع سيؤمن 500 فرصة عمل، الا أنه بعد الوصول الى المراحل الختامية فيه، قرر المستثمر منذ 6 اشهر وقف العمل نهائياً فيه. هذا الواقع، انسحب كذلك على عدد من المشاريع السياحية الأخرى.
في المقابل، قرر عدد من المستثمرين من الجنسيات القطرية والسعودية والكويتية والإماراتية عدم المباشرة باستثمارات جديدة، كان يمكن أن تصل قيمتها الى حوالى 7 مليارات دولار. علماً أن هؤلاء أنجزوا الدراسات المتعلقة بهذه المشاريع.
وإن كان المشروع الاستثماري يقاس بحجمه، أو بالصدى الإعلامي الذي يخلّفه، فإن الاستثمارات العربية تأخذ أشكالاً أخرى في السوق اللبنانية. ويشرح رئيس غرفة بيروت وجبل لبنان محمد شقير أن المستثمرين الخليجيين موجودون في كل القطاعات الحيوية في لبنان. فهم مساهمون في شركات صناعية وعقارية ومصرفية، كذلك، فإن عدداً كبيراً من المجموعات الخليجية تعدّ من الوكلاء الأساسيين لعدد كبير من السلع الأجنبية المطروحة في السوق اللبنانية، وخصوصاً في مجال بيع التجزئة، وفيما كان يُعلَن دخول مجموعات استثمارية جديدة الى لبنان سنوياً، فإن هذا العام شهد اختفاءً مطلقاً لهذه المجموعات.
شقير يرى أنه ليس من السهل على المستثمرين العرب الخروج من لبنان، بسبب الأموال الضخمة التي أُنفقت على المشاريع، الا أن الأكيد أنه لا توسيع للأعمال، ولا استثمارات ضخمة جديدة ستدخل الى لبنان. فالسوق اللبنانية تحمل حالياً مخاطر فعلية على رأس المال.


165 مليار دولار
هو حجم
التدفقات الاستثمارية العربية البينية بين عامي 1995 و2010، وفق المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، بمتوسط سنوي 10.3 مليارات دولار، ويحتل لبنان المرتبة الثالثة بعد السعودية والسودان.


ماذا عن الاستثمارات اللبنانية؟
تعاني الاستثمارات اللبنانية في الدول العربية خسائر ومشكلات عديدة، فقد تضرر عدد من المشاريع في الدول التي تشهد اضطرابات، الا أن أياً من هذه الإشكالات لم يتخذ طابعاً سياسياً، وفق رئيس الاتحاد اللبناني الدولي للأعمال روبير جريصاتي. أما في الدول الخليجية، فلا تزال الاستثمارات اللبنانية محافظة على ثبات نسبي. الاستثناء هو في البحرين، حيث الاستثمارات رهن التطورات. فيما الحركة الاقتصادية في السوق السورية تراجعت 50%، وفق رئيس غرفة التجارة في بيروت محمد شقير، ما انعكس خفضاً في عدد الموظفين.
اقتصاد
العدد ١٦٢٩ الثلاثاء ٧ شباط ٢٠١٢

2‏/2‏/2012

الكهرباء: العرقلة «منها وفيها»




11 مشروعاً من أصل 22 مشروعاً أساسياً... عالقة في «الدراسات»

عراقيل الكهرباء كثيرة من الدراسات إلى الأوضاع الإقليمية مروراً بالسياسة (مروان بوحيدر)
البحث في التقرير الرابع الذي رفعه وزير الطاقة جبران باسيل إلى الحكومة أخيراً لمعرفة من هم معرقلو خطّة الكهرباء، يُظهر نتائج غير متوقعة؛ إذ إن 11 مشروعاً من أصل 20 مشروعاً أساسياً لا تزال عالقة في مؤسسة الكهرباء والوزارة نفسها: 5 مشاريع ــ يقول باسيل ــ إن الحكومة عرقلتها، أو مجلس النواب أو نواب 14 آذار عبر استجوابات نيابية، ومشروعان نتيجة عوامل خارجية، ومشروع تعرقله الشركة الماليزية. في ما يأتي جردة بهذه المشاريع
رشا أبو زكي
1 - استئجار البواخر: بحسب تقرير باسيل، في 15 تموز أطلقت الوزارة للمرة الثالثة استدراج عروض لبواخر منتجة للطاقة الكهربائية، في 18 تشرين الأول 2011 (أي بعد 3 أشهر) أرسلت الوزارة تقريراً تقنياً ـــــ مالياً إلى الحكومة يتضمن لائحة بأسماء الشركات المتقدمة والمؤهلة. في 10 تشرين الثاني وافقت الحكومة على اعتماد البواخر، على أن يُستَعان باستشاري دولي للمشاركة في التفاوض مع الشركات المؤهلة. في 20 كانون الأول أوصت الوزارة باعتماد شركة «بويري» بصفة استشاري، وفي 24 كانون الثاني 2012 رُفع التقرير النهائي إلى مجلس الوزراء.
المعرقلون: الحكومة التي تأخّرت في بتّ هذا المشروع.
2 - استجرار الطاقة: يقول تقرير باسيل إنه لم يحصل أي جديد في الملف بسبب الأوضاع المحيطة بلبنان وسوريا والمنطقة. لم نتلقّ أي رد من الجانب السوري، كذلك لم يحدث أي جديد بشأن استجرار الطاقة من تركيا، وقد توقف استجرار الطاقة من سوريا ومصر، ما يخفض التغذية الكهربائية ساعتين.
المعرقلون: الأوضاع المحيطة بلبنان.
3 - إنشاء معمل بقوة 700 ميغاوات: أنهت الوزارة إعداد دفاتر الشروط وتصنيف الشركات في 21 حزيران 2011. تأخر مجلس النواب في إقرار القانون الخاص، رغم إقراره في الحكومة ولجنة المال في موازنة عام 2010.
في مرحلة ثانية، أقر مجلس الوزراء مشروع قانون الـ700 ميغاوات في 7 أيلول 2011، ثم أقره مجلس النواب ونشر في الجريدة الرسمية في 13 تشرين الأول 2011. «لقد أصبح إطلاق المناقصة ممكناً الآن»، يقول باسيل في تقريره، وسبب تأخر هذه الإمكانية، بحسبه أيضاً، أن القانون الذي أقرّ حمل جملة من الأمور الظاهرة وغير الظاهرة التي تؤدي إلى التأخير، رغم جهوزية الوزارة. في 19 كانون الأول 2011، تقدم النائب بطرس حرب باستجواب يتعلق برفض باسيل عرضاً كويتياً لتمويل مشروع إنتاج الـ700 ميغاوات. وردّ باسيل في 19 كانون الثاني على الاستجواب.
المعرقلون بحسب باسيل (حتى تشرين الأول): مجلس النواب ومجلس الوزراء. المعرقلون من تشرين الأول حتى آخر جلسة للحكومة التي وافقت على التمويل من الخزينة لا الصناديق: «نواب 14 آذار».
4 - تأهيل معملي الذوق والجية وتطويرهما: أنهى الاستشاري وضع دفاتر الشروط وإعدادها في مطلع آب 2011، حتى 15 كانون الأول قامت الدوائر المختصة في المجلس بالتنسيق مع الصندوق العربي الممول للمشروع وفريق الوزارة بإعداد صيغته النهائية. «لا يزال الملف ينتظر موافقة الصندوق العربي عبر مجلس الإنماء والإعمار على دفتر الشروط النهائي لإطلاق المناقصة».
المعرقلون: الصندوق العربي.
5 - معمل الحريشة: أطلقت الوزارة استدراج عروض في 8 آذار 2011 لدراسة إمكان تأهيل المعمل، وفازت شركة «أف كولينكو» في 29 آب. أعدّت الوزارة العقد لإطلاق الدراسة، ومن المتوقع إتمامها بعد شهرين من تاريخ توقيع العقد. مدة العملية: 10 أشهر.
المعرقلون: وزارة الطاقة.
6 - تطوير معملي الزهراني والبداوي: لُزِّمَت عملية التطوير للمشغّل الجديد، شركة YTL الماليزية. لاحظت الوزارة منذ 19 أيار 2011 بوادر تقاعس من المتعهد في التزام بعض بنوده. لذا، عمدت الوزارة في 21 كانون الأول إلى إرسال كتابين إلى الشركة والسفارة الماليزية للتجاوب مع مطالب الوزارة ومؤسسة الكهرباء والتزام العقد.
المعرقلون: الشركة الماليزية.
7 - زيادة دائرة مركبة على التوربينات الغازية في صور وبعلبك: أنهت شركة GE الدراسة الأولية للجدوى الاقتصادية لزيادة الدوائر المركبة على توربينات معملي بعلبك وصور، وتبيّنت الإمكانية للقيام بذلك على أن يُعيَّن استشاري لوضع دراسة معمّقة لكل الاحتمالات ولإعداد دفاتر الشروط اللازمة لتمكين التلزيم لاحقاً. وقد أطلقت وزارة الطاقة والمياه استدراج عروض لوضع الدراسات، وقد فازت شركة POYRY، ومن المتوقع المباشرة بتنفيذ الدراسة في أواخر كانون الثاني 2012 (لم تُعلَن) والانتهاء منها في أواخر نيسان 2012.
المعرقلون: لا أحد حتى الآن.
8 - زيادة القدرة الإنتاجية بـ1500 ميغاوات للمرحلة الأولى: أفاد الاستشاري EDF بالكميات والأماكن الممكنة لزيادة الإنتاج من طريق الـIPP، وسيُعدّ المخطط التوجيهي للنقل للتمكّن من تحديد المواقع الألإضل لإنشاء هذه المعامل، ومن المنتظر أن ينتهي من إعداد دراسته في أيار 2012. يتطلب إنشاء المعامل الجديدة تعديل القانون 462، وقد رفع باسيل في 10 تشرين الأول 2011 طلباً إلى مجلس الوزراء لإقرار التعديلات، وفي 9 كانون الأول مسودة لتعديل القانون، وأعد في 27 كانون الأول مشروع قانون لإنشاء الطاقة.
المعرقلون: الدراسة لم تنته بعد
9 - زيادة إنتاج الطاقة المائية: يُعدّ الاستشاري SOGREAH المخطط التوجيهي العام للموارد المائية في لبنان، بما في ذلك تطوير المعامل المائية القائمة واستحداث أخرى جديدة. ومن المتوقع أن تنتهي هذه الدراسة في نيسان 2013 لكل الإمكانات، ما عدا بعض المعامل التي تدرسها CEDRO، ومن المتوقع أن تنتهي دراستها خلال عام 2012.
المعرقلون: الدراسات لم تنته.
10 *إنهاء ربط الـ220 ك ف في المنصورية: لا يزال في إطار التجاذب بين الوزارة والأهالي، مع وجود اقتراح جديد لشراء الأراضي الواقعة في حرم خط التوتر العالي.
المعرقلون: الأهالي.
11 - محطة كسارة 400 ك ف: إن كمية الاستجرار من سوريا ومصر عبر خط الـ 400 ك ف قد انخفضت ب،حو مأساوي منذ شهر تموز 2011، ولم يعالج الجانب السوري والمصري الأمر، رغم المراجعات والمراسلات.
المعرقلون: الأوضاع المحيطة.
12 - مشروع إنشاء مركز التحكّم الوطني: يعود التأخير الحاصل في وصل ما بقي من محطات تحويل رئيسية بالمركز إلى عدم إنجاز وصلة المنصورية التي تضم، إضافة إلى خط التوتر العالي، خطوط الألياف البصرية التي بدورها تعرقل استكمال التجارب النهائية وتجربة بعض خطوط المايكرووايف، إضافة إلى الحاجة لتوفير بعض الخطوط التأجيرية التي يجري التنسيق بخصوصها بين مؤسسة كهرباء لبنان والإدارات المعنية.
المعرقلون: عدم اكتمال الإجراءات التنسيقية من قبل مؤسسة الكهرباء.
13 - زيادة القدرة التحويلية لبعض محطات التحويل المركزية (ضمن بند تجهيز محطات وخطوط النقل الملحوظة في خطة الـ700 ميغاوات): تقوم الوزارة حالياً، إعداداً للمناقصة، بملاءمة دفتر الشروط مع متطلبات الإدارة العامة. وتُعدّ الوزارة كذلك ملف التصنيف للشركات، على أن تنتهي من هاتين العمليتين خلال كانون الثاني 2012...
المعرقلون: وزارة الطاقة.
14 - إنشاء أربع محطات تحويل رئيسية كبرى وتجهيزها (ضمن بند تجهيز محطات وخطوط النقل الملحوظة في خطة الـ 700 ميغاوات): تنتهي كهرباء فرنسا من إعداد دفاتر الشروط الفنية خلال آذار 2012، على أن تواكب الوزارة والمؤسسة إعداد دفتر الشروط الإداري وتحديد المسار المفترض للكابلات الجوفية...
المعرقلون: لا أحد.
15 - خطوط النقل 66 ك ف والكابلات الجوفية 66 ك ف (ضمن بند تجهيز محطات وخطوط النقل الملحوظة في خطة الـ700 ميغاوات): تُعدّ المؤسسة ملف استملاك خط مرجعيون ـــــ السلطانية 66 ك ف، إضافة إلى إعداد مسار الكابل الجوفي 66 ك ف بين محطتي عين المريسة والغربية في بيروت.
المعرقلون: مؤسسة الكهرباء.
16 *تجهيز مؤسسة الكهرباء المحطات الملحوظة:
1ـــــ محطتا صيدا وبعلبك: لم تحدد المؤسسة بعد أي تاريخ لتلزيم الأشغال.
2ـــــ تشغيل محطة فيطرون: يُنتهى من المرحلة الأولى وتشغيل المحطة في شباط 2012.
3ـــــ محطة بيت ملات ـــــ عكار: يُنتهى من الأشغال في شباط 2012.
لم يُعلَن انتهاء أي مشروع من هذه المشاريع.
المعرقلون: وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء.
17 - المخطط التوجيهي للنقل: تعمل مؤسسة كهرباء فرنسا على إنجاز المخطط، ويتوقع الانتهاء منه في أيار 2012.
المعرقلون: لا أحد
18 - التغذية الكهربائية في بيروت: أُوعز إلى مؤسسة الكهرباء إجراء الدراسة اللازمة لاعتماد أحد الأمرين: المساواة بالتغذية بين المناطق أو اعتماد التغذية بحسب نسب الجباية والهدر غير الفني. (أرسلت الوزارة في 18 كانون الثاني 2012 كتباً إلى مؤسسة الكهرباء، رئاستي مجلس الوزراء والجمهورية بشأن هذا الموضوع). منذ 2010 يعلن باسيل هذه المواقف ولم يطبق أي مشروع في هذا الصدد حتى الآن.
المعرقلون: وزارة الطاقة.
19 - مشروع مقدمي خدمات التوزيع: وافق مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء بتاريخ 28 تشرين الأول 2011 على دفتر الشروط وعلى عقد الصفقة نتيجة إجراء استدراج عروض. وافقت وزارة المال على التلزيم في 18 تشرين الثاني، وصدّقت على قرار مجلس الإدارة في 28 تشرين الثاني. كذلك وافقت وزارة الطاقة في 29 تشرين الثاني 2011. وُجِّهَت أسئلة نيابية عن هذا المشروع، وقُدِّمت شكوى لدى مجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة في شهر كانون الأول من عام 2011. وفي كتاب في 5 كانون الثاني 2012 أعلن الديوان أن صفقة التلزيم قانونية. إن مؤسسة الكهرباء بصدد إطلاق المشروع وإبلاغ الفائزين وإعداد انطلاق المشروع على أساس أن تبدأ الشركات عملها في آذار 2012.
المعرقلون: وزارة المال (شهر)، وزارة الطاقة (شهر ويوم)، شكوى النائب محمد قباني (شهر)، ومؤسسة الكهرباء من مطلع كانون الثاني حتى اليوم. والتأخير ينعكس على مشروع إدارة البرنامج الذي ينتظر انطلاق مشروع مقدمي الخدمات.
20 - تركيب وتحويل معامل الإنتاج على الغاز الطبيعي: إن معمل دير عمار يعاني من انقطاع الغاز الطبيعي بسبب توقف مصر عن تزويد لبنان به. إن انقطاع الغازي يؤدي إلى الخسائر حالياً رغم عدة مراسلات تقوم بها الوزارة ومنشآت النفط مع الجانب المصري من دون أي تجاوب حتى تاريخه.
المعرقلون: الأوضاع المحيطة.


255 مليار ليرة
هو المبلغ الذي أدرج في موازنة 2012 لبناء خطوط الغاز الطبيعي على طول الساحل اللبناني، وقد أنجزت شركة ER1 المسح البحري لمسار خط الغاز الساحلي، وحتى الآن لم يتم إقرار الموازنة، ما يستوجب عندها إعداد مشروع قانون برنامج خاص بإنشاء خط الغاز. لتصبح العرقلة: حكومية.

الغاز المسال ينتظر «الاستشاري»
في ما يتعلق بدراسة الجدوى وإطلاق بناء محطة استقبال الغاز السائل (LNG)، تعاقدت الوزارة عبر مجلس الإنماء والإعمار وبتمويل من البنك الدولي مع شركة «Poten & Partners» المختصة بالدراسات الاستراتيجية والإنشائية للغاز الطبيعي المسال، وحتى اليوم تم تنفيذ أربع مهام من أصل ست مطلوبة منها. أما المهمة الخامسة فسيتم تقديمها في نهاية كـ2 2012 (لم يعلن عنه) على أن يتم تسليم مسودة التقرير السادس في منتصف كانون الثاني 2012 (لم يعلن عنه) والنهائي في أواخر شباط 2012، لتقوم الوزارة من بعدها بالخيارات الفنية والاستراتيجية الملائمة لتزويد لبنان بالغاز المسال عبر البحر وربطه بخط الغاز الساحلي.
اقتصاد
العدد ١٦٢٥ الخميس ٢ شباط ٢٠١٢