28‏/4‏/2012

لمن يشتكي العمال؟


مرسوم المجالس التحكيمية في دهاليز الحكومة منذ 9 أشهر!


مجالس العمل متوقفة بسبب الخلافات السياسة (هيثم الموسوي)
 
آلاف الشكاوى الناتجة من صرف العمال من المؤسسات اللبنانية لم تُبتّ منذ 9 أشهر. فمنذ تموز من عام 2011 انتهت صلاحية المرسوم الذي يعيّن مندوبي العمال وأصحاب العمل في مجالس العمل التحكيمية، ومنذ ذلك الحين توقف عمل المجالس نهائياً. أما سبب عدم إصدار المرسوم، فهو الخلاف بين المراجع السياسية لمندوبي العمال
رشا أبو زكي
يوم أمس، زاد عدد الشكاوى المقدمة إلى مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان؛ فقد قرر حبيب نزال أن لا يتراجع عن حقه، حتى لو بقيت ليرة واحدة في ذمة صاحب عمله. إلا أن حبيب فوجئ بأن مجالس العمل التحكيمية متوقفة في لبنان منذ 9 أشهر. اكتشف أن لا مكان يلجأ إليه ليحصّل حقه وفق القانون. قصة حبيب صارخة؛ فقد طالب صاحب العمل بأن يشتري فاناً لتوزيع الطعام «ديليفري» في الشتاء، بدلاً من الدراجة غير المصرح عنها قانوناً، وكذلك اتقاءً للمطر. صاحب العمل لم يفعل، فاضطر حبيب إلى توزيع الطعام خلال فصل الشتاء على الدراجة، ورحلاته كانت تصل إلى ريفون وعجلتون ومناطق أخرى بعيدة عن بيروت، إلى أن تعرض لحادث سير بسبب المطر.
لم يستطع حبيب (غير المسجل في الضمان رغم أنه يعمل منذ عام تقريباً في المحل) أن يحتمل ظروف العمل، فقدم استقالته، فإذا بصاحب العمل يمتنع عن دفع راتبه الأخير، وأعلمه بأنه أصلح الدراجة على نفقته (أي نفقة حبيب) ولم يبق من راتبه سوى 85 دولاراً. فاوضه صاحب العمل ليوقّع براءة ذمة، رفض حبيب، فكان رد صاحب العمل عدم دفع المبلغ الباقي لحبيب. «إنها قصة مبدأ» يقول حبيب، «كنت سأقدم الشكوى، وسأحصّل حقي بالقانون، إلا أن عدم وجود محكمة تبت شكواي كان صدمة فعلية، لمن سأشتكي الآن؟».
الرد الوحيد على سؤال حبيب هو أن ما يعانيه ينطبق على آلاف العمال؛ إذ في مجالس العمل التحكيمية في جميع المناطق اللبنانية آلاف الشكاوى المعلقة منذ نحو 9 أشهر، إضافة إلى آلاف الشكاوى الأخرى التي سحبها العمال نتيجة عدم إصدار الحكومة لمرسوم تعيين ممثلي العمال وأصحاب العمل كمندوبين في هذه المحاكم.
قانوناً، يجري تعيين هيئة مجالس العمل التحكيمية بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العمل. الأخير يستطيع أن يستأنس بآراء ممثلي العمال وأصحاب العمل، لوضع اقتراحه ورفعه إلى مجلس الوزراء لإقراره. يضاف إلى هؤلاء قضاة استئناف وتمييز ومفوضين عن الحكومة. ويجري إصدار مرسوم تعيين ممثلي أصحاب العمل والعمال في مجالس العمل التحكيمية كل 3 سنوات، وقد انتهت صلاحية المرسوم الأخير في 15 تموز من عام 2011، إلا أنه حتى اليوم لم يصدر مرسوم جديد عن الحكومة، ومنذ ذلك الحين مجالس العمل التحكيمية معطلة بالكامل، ولم تستطع بتّ أي شكوى عمالية.
يشرح ممثل أصحاب العمل في مجالس العمل التحكيمية المحامي سامي أبو جودة، أن مجالس العمل التحكيمية أُنشئت بعد الثورة الفرنسية لتنظيم دعاوى العمال وإصدار الأحكام السريعة في الشكاوى المقدمة، ما يعفي العمال من انتظار الإجراءات المطولة للمحاكم العادية. إلا أن واقع مجالس العمل التحكيمية في لبنان أصبح أسوأ من حيث فترة الانتظار من المحاكم العادية، بسبب وجود عوائق عديدة لإصدار الأحكام السريعة. «أما الموضوع المخجل، فهو عدم إصدار مرسوم تعيين مندوبي أصحاب العمل والعمال بتأخير أكثر من 8 أشهر، بسبب الاختلاف على أسماء المندوبين». يلفت أبو جودة إلى أن العديد من الاقتراحات قُدِّمت إلى الجهات المعنية لتعديل القانون وتمديد مرسوم التعيين إلى حين إصدار مرسوم آخر، وذلك، في حال استقالة الحكومة أو وزير العمل أو حصول خلاف على الأسماء كما يحصل حالياً، تستمر المحاكم في عملها الطبيعي من دون توقف. يشدد أبو جودة على أنه في حال الصرف التعسفي خلال فترة توقف مجالس العمل الحالية، على العمال أن لا يكتفوا بتقديم شكاوى في وزارة العمل؛ إذ إن هذا النوع من الشكاوى يمرّ عليه الزمن خلال شهر واحد من قرار الصرف، وبالتالي فإن الشكوى لدى وزارة العمل لا توقف مرور الزمن، لذلك على العامل أن يقدم فوراً شكوى أمام مجالس العمل التحكيمية، إلى جانب الشكوى في الوزارة، لضمان نفاذها. أما بت هذه الشكاوى فلن يحصل إلا بعد إصدار المرسوم عن مجلس الوزراء.
ممثل العمال في مجالس العمل التحكيمية مارون الخولي يشرح أن القانون يفرض على مجالس العمل إصدار أحكام بالدعاوى المقدمة إليها خلال 3 أشهر في حد أقصى، ولأنها محاكم مستعجلة، استُغني عن مرحلة البداية، وأُبقيت مرحلتا الاستئناف والتمييز. إلا أنه رغم ذلك تتراكم الدعاوى بسبب النقص في غرف المحاكم، والتأخير في إقرار مراسيم التعيين، إضافة إلى أن هيئة المجالس تجتمع مرة واحدة في الأسبوع، فيما يفترض تعديل القانون لكي تجتمع 3 مرات أسبوعياً. كذلك تطرأ أحياناً مشاكل في التعيينات القضائية. يلفت خولي إلأى أن ما يحدث هو سابقة في لبنان منذ ما بعد الحرب الأهلية؛ إذ حصل تأخير في إصدار المراسيم في السنوات الماضية، إلا أنه لم يتعدّ الـ 3 أشهر، لكن أن تمر 9 أشهر من دون إصدار المرسوم، هو أكبر انتهاك لحقوق العمال. لا بل إن هذا التأخير يُظهر انحياز الحكومات ورضوخها لأصحاب العمل الذين يستفيدون من غياب المحاكم لصرف آلاف العمال من دون أي محاسبة. يلفت الخولي إلى أن مرسوم التعيين تعرض لمشكلة خلال ولاية وزير العمل السابق شربل نحاس، الذي تضمّن 3 مندوبين عن العمال من اليساريين، فيما كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، يطالب بمندوب عن طرابلس يعينه شخصياً، وهذا الخلاف أدى إلى عدم إصدار المرسوم، وحين استقال نحاس، أرسل جريصاتي المرسوم وفق اللوائح المقدمة من الاتحاد العمالي وهيئات أصحاب العمل من دون تعديل، ومن دون إضافة اسم المندوب الذي يريده ميقاتي، فعاد المرسوم ليتوقف في رئاسة الحكومة.
أما مفوض الحكومة في مجالس العمل التحكيمية عادل ذبيان، فيؤكد أن المرسوم تحول من رئاسة الحكومة إلى وزارة المال، وهو عالق في الوزارة من دون بتّه لإعادة إرساله إلى وزارة العدل. يشرح أن مجالس العمل تستقبل حالياً الشكاوى، إلا أنها غير قادرة على بتّ أي شكوى بسبب عدم اكتمال أعضاء الهيئة.
ويشير أحد القضاة في مجالس العمل في البقاع إلى أن المجالس معطلة، رغم أن عدد الشكاوى مرتفع جداً؛ إذ وصل في شهر واحد إلى 200 شكوى!


80 في المئة
هي نسبة الدعاوى المقدمة إلى مجالس العمل التحكيمية والتي تنتهي لمصلحة العمال، إلا أن تأخير بتّ هذه الدعاوى يقلل من قدرة العمال على الإفادة من التعويضات بعد أن ينفقوا ما يفوق قيمتها على المحامين

مجزرة بحق العمال
يشدد ممثل العمال في مجالس العمل التحكيمية مارون الخولي على أن تعطيل مجالس العمل التحكيمية حالياً يدخل ضمن سلسلة من الإجراءات التعطيلية الأخرى، إذ إن كل وزير عمل تسلم الوزارة قدم إلى مجلس النواب مشروع تعديل لقانون العمل، إلا أن هذه التعديلات اختفت من دون بتّها، فيما الحكومة تعمل على تأخير مراسيم التعيين، في المقابل فإن الاتحاد العمالي العام الذي يجب أن يجعل المحاكم من أولى أولوياته لا يحرك ساكناً في هذا الملف. ويلفت إلى أنه خلال الأشهر التسعة الماضية، ارتكب أصحاب العمل مجازر بحق العمال، بسبب العدد الكبير للمصروفين من العمل تعسّفاً، وأن تأخير المرسوم يندرج في إطار منع العمال من تحصيل حقوقهم.
اقتصاد
العدد ١٦٩٥ السبت ٢٨ نيسان ٢٠١٢

26‏/4‏/2012

سرقة رغيف من الفقراء




رغيف الخبز سيصبح «شفّافاً» بعد أن انخفض وزن الربطة 40 في المئة مقارنة بالعام 2005 (هيثم الموسوي)

طالب أصحاب الأفران بزيادة سعر ربطة الخبز 125 ليرة، فإذا بالحكومة اللبنانية تهدي الأفران 25 ليرة إضافية وترفع سعر الربطة 150 ليرة عبر خفض 100 غرام من وزنها. واختارت الحكومة يوم 1 أيار موعداً لتطبيق قرارها خطف رغيف من ربطة الفقراء، إنجاز جديد يضاف إلى سلسلة من الإنجازات التي حققتها الحكومة على صعيد الأجور والتغطية الصحية الشاملة والبنزين والكهرباء...

رشا أبو زكي

الحكومة اللبنانية قررت المسّ مجدّداً بالأمن الغذائي للمواطنين. 150 ليرة أضافتها الحكومة على سعر ربطة الخبز. إنه الحل الذي اجترحه وزير الاقتصاد والتجارة، نقولا نحاس، بالاتفاق المسبق مع نقابة أصحاب الأفران، قضى بخفض زنة الربطة 100 غرام، أو ما يعني خطف رغيف إضافي من الربطة عبر خفض وزنها من ألف غرام إلى 900 غرام. ويأتي هذا الإجراء بعد سحب متكرر لأرغفة الخبز، لينخفض وزن الربطة 600 غرام أي من كيلوغرام ونصف في عام 2005 الى 900 غرام حالياً. كل ذلك من دون إجراء أي دراسة عن كلفة صناعة الرغيف، ولا إعلان خلفيات هذا القرار بالأرقام، وتحديد نسب أرباح أصحاب الأفران لتبيان خسائرهم التي يدّعونها، علماً بأن الدوائر الرقابية، على ضعفها، كشفت في أكثر من تقرير سابق أن معظم الأفران لا تلتزم بالوزن الرسمي المحدد لربطة الخبز...

أما الأسوأ، فهو أن الحكومة بقرارها هذا قدمت «هبة» لكارتيل الأفران بقيمة 588 مليوناً و500 ألف ليرة شهرياً، وذلك عبر منح الأفران 25 ليرة إضافية عن كل ربطة خبز فوق المبلغ الذي كان يطالب به الكارتيل، إذ كان الكارتيل يريد رفع سعر ربطة الخبز الى 2000 ليرة، في مقابل زيادة رغيفين الى الربطة ليصبح وزنها 1250 غراماً، وبذلك كان على المواطنين دفع 125 ليرة إضافية. إلا أن الحكومة قررت خفض زنة الربطة من 1000 إلى 900 غرام، والإبقاء على سعرها 1500 ليرة، بحيث أضافت 150 ليرة إضافية على المواطنين، أي بزيادة 25 ليرة عن مطلب أصحاب الأفران. وكون لبنان ينتج 23 مليوناً و540 ألف ربطة شهرياً، فإن عملية حسابية بسيطة تظهر أن الدولة وهبت من جيوب اللبنانيين آلاف ملايين الليرات لمصلحة أصحاب الأفران كأرباح تضاف الى أرباحهم الخيالية غير الخاضعة لأي نوع من أنواع التدقيق أو الرقابة.
إذاً، لم تعد مسؤولية سلب خبز الفقراء على عاتق نحاس وحده، فقد أصبحت مسؤولية كل وزير وافق على السير بهذا الإجراء، كل وزير فكّر بمصالحه الانتخابية قبل أن يفكر بآلاف اللبنانيين الذين يشحذون «اللقمة». هؤلاء المرميون تحت خط الفقر لم تكن لعيونهم أي التفاتة من النائين بأنفسهم عن كل فعل أو موقف أو سياسة اقتصادية أو اجتماعية جامعة. نسبة هؤلاء وفق الإحصاءات «البائتة» الرسمية 28 في المئة، من بينهم 8 في المئة يعيشون في الفقر المدقع. أي أن حوالى مليون و129 ألف لبناني غير قادرين على تأمين حاجاتهم الأساسية، ستزيد أزمتهم أزمة. في حين أن 341 ألف لبناني يعيشون في فقر غير محتمل تعرضت الحكومة لرغيفهم دعماً لأصحاب المليارات ومالكي النفوذ في كارتيل أصحاب الأفران.
من الناحية القانونية، يؤكد المحامي والعضو في جمعية المستهلك محمد درويش أن قرار خفض زنة ربطة الخبز هو قرار مخالف للقانون. يشرح أن قانون المستهلك الذي صدر في عام 2005، يجعل من المستهلكين شركاء في صناعة القرارات التي تعني حياتهم المعيشية. إلا أن وزير الاقتصاد اجتمع مع التجار وخلص معهم الى اتفاق يطال المجتمع بأسره، من دون الرجوع الى جمعيات المستهلك. يقول درويش إن قانون المستهلك ينص على وجوب انعقاد المجلس الوطني لحماية المستهلك برئاسة وزير الاقتصاد، وهذا المجلس له دور استشاري في الحفاظ على صحة المستهلك وسلامته وحقوقه وتأمين سلامة السلع والخدمات وتحسين جودتها. لكن وزير الاقتصاد لم يدع الى اجتماع هذا المجلس منذ توليه الوزارة، رغم المشكلات العديدة التي تعرض لها المستهلك اللبناني خلال الفترة الماضية. وبالتالي، يلفت درويش الى إمكان الطعن بالقرار الحكومي لدى مجلس شورى الدولة من قبل المتضررين من القرار، لافتاً الى أن الجمعية تدرس الآليات القانونية لتقديم الطعن، وأنه يمكن لأي لبناني تقديم طعن بالقرار أيضاً.
وإزاء كل هذا، حاول وزير الاقتصاد نقولا نحاس التخفيف من وطأة الحدث، معلناً أن عدد الأرغفة سيبقى على حاله مع خفض في وزن الربطة من 1000 غرام الى 900 غرام، وذلك على الرغم من أن رغيف الخبز وزنه 100 غرام! ويشرح رئيس اتحاد نقابات الأفران والمخابز كاظم إبراهيم أن العمل بقرار الحكومة خفض وزن ربطة الخبز يبدأ اعتباراً من الشهر المقبل لأن آلية العمل منذ أول نيسان إلى نهايته ارتكزت على دعم الطحين. وقال إنه في ظل الزيادات التي حصلت، رفضت نقابات الأفران زيادة سعر ربطة الخبز، «وكنا نريد تحديد 1200 غرام بـ 2000 ليرة. وعندما بحث وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس مع أعضاء الحكومة لم يتفقوا على الأمر، لذلك تم الاتفاق اليوم على خفض وزن الربطة بدل زيادة السعر». ولفت ابراهيم الى أن «أسعار المواد الداخلة في صناعة الرغيف ارتفعت، لكن الحكومة اتخذت قراراً بعدم رفع السعر، «لذلك بالطبع هناك ظلم، لكننا رضينا بالأمر لأن الرغيف لا يمكن اللعب به كل لحظة»!
هكذا، سيتم تطبيق القرار الحكومي في الأول من أيار، أي في عيد العمال العالمي، وسيكون للعمال اللبنانيين مناسبة احتفالية أمام رغيفهم النحيف، وأمام سلسلة من الحقوق التي هدرتها هذه الحكومة، من الزيادة الهزيلة للأجور، وعدم إدخال بدل النقل الى صلب الأجر، وعدم إقرار التغطية الصحية الشاملة، وتعطيل مجالس العمل التحكيمية بسبب الخلافات السياسية على التعيينات فيها، ما يسد أبواب الشكاوى أمام العمال المصروفين تعسفاً، مروراً بصفيحة البنزين التي يتراقص سعرها بين 39 و40 ألف ليرة، وضرائب ورسوم تدخل في كل نفقة استهلاكية، وصولاً الى اتحاد عمالي عام وحركة نقابية تهدد بالقيام بتحركات ضد قرارات حكومية إفقارية، بعد أن تقرها الحكومة لا قبل...


282 مليون دولار

ما ينفقه اللبنانيون على الخبز سنوياً، أي 23 مليوناً و540 ألف دولار شهرياً وينتج لبنان يومياً نحو 785 ألف ربطة خبز


40 في المئة

تراجع وزن ربطة الخبز منذ عام 2005 حتى اليوم نتيجة 6 قرارات اتخذتها الحكومات منذ عام 2005 حتى اليوم


45.9 في المئة

أرباح الأفران من كل ربطة خبز وفق عاملين في القطاع، ويصل معدل الربح الوسطي للفرن الواحد إلى 408 آلاف دولار


قرار 1 أيار

أصدر وزير الاقتصاد والتجارة، نقولا نحاس، قرار تطبيق خفض وزن ربطة الخبز. وهنا نص القرار: «إن وزير الاقتصاد والتجارة، يقرّر ما يأتي: المادة الأولى: خلافاً لأي نص آخر، يحدّد سعر مبيع ربطة الخبز زنة 900 غرام كحدّ أدنى بألف وخمسمئة ليرة لبنانية كحدّ أقصى. المادة الثانية: ينشر هذا القرار ويبلّغ حيث تدعو الحاجة، ويُعمل به ابتداءً من 1/05/2012 وينشر على لوحة إعلانات وزارة الاقتصاد والتجارة».

اقتصاد
العدد ١٦٩٣ الخميس ٢٦ نيسان ٢٠١٢

24‏/4‏/2012

ربطة الخبز بـ 2000 ليرة


نحاس يعيد اقتراح زيادة سعر الربطة مع رغيفين اضافيين


سعر الخبز ينتظر قرار الحكومة (هيثم الموسوي)

انتهى الاجتماع بين وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس وممثلي أصحاب الافران أمس باتفاق على اعادة اقتراح الوزير زيادة سعر ربطة الخبز الى ألفي ليرة في مقابل زيادة رغيفين على الربطة خلال الجلسة المقبلة للحكومة. الطرفان مقتنعان بالحل، والبديل الذي تقترحه الأفران هو التوقف عن انتاج الرغيف بهدف الضغط!

رشا أبو زكي

ربطة الخبز مهددة. الاتجاه نحو رفع سعرها الى ألفي ليرة ينتظر قرار مجلس الوزراء غداً. الكل يخفف من وطأة الحدث، ولو كان ينطوي على استسهال يمكن ان يودي بما تبقى من أمن اجتماعي او معيشي... فرغم من سوء نوعية الرغيف واطراد انحداره، يريد «كارتيل» المطاحن والافران المزيد من الارباح على حساب كل المواطنين. اما الحكومة فتريد «السترة»، لتمضي بولايتها من دون اضطرابات اضافية قد تنجم عن ضغوط اصحاب المطاحن والافران الاقوياء، مطمئنة الى شعب غاف لن يتحرك دفاعاً عن رغيفه، وحركة نقابية لن تهتز بلا عصا سياسية.
الاتجاه نحو زيادة سعر الرغيف عبّر عنه وزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس بوضوح، اذ قال لـ «الأخبار»: «نعمل وفق سياق واضح، سنعلن عن معادلة جديدة لسعر ربطة الخبز ووزنها وعدد الارغفة فيها، بحيث تكون مقبولة للمستهلك». لم ينته الحديث: «ولكن سيكون هناك زيادة على السعر نظرا الى عوامل التضخم وغيره من العناصر التي ساهمت في ارتفاع كلفة انتاج الخبز، وفي جلسة مجلسة الوزراء الاربعاء (غداً) سنطرح الحل، وسيكون وفق قاعدة تقضي بتنازل من عنّا شوي (الوزارة) ومن عندن شوي (الأفران والمطاحن)».
لا يتردد رئيس نقابة أصحاب الافران علي ابراهيم في الاعلان عن فحوى الاتفاق الذي توصل اليه مع نحاس خلال اجتماعهم به أمس. يقول ابراهيم «نحن اليوم نبيع ربطة الخبز زنة 1000 غرام بـ 1500 ليرة، الاقتراح الذي سيرفعه نحاس الى الحكومة يقضي بأن نزيد زنة الربطة 250 غراماً لتصبح 1250 غراماً، على أن نزيد السعر الى 2000 ليرة». وبذلك، وفق ابراهيم، يرتفع سعر الخبز بالنسبة الى المواطن 125 ليرة، بعد تنزيل سعر الـ 250 غراماً التي ستضاف الى زنة الربطة. يؤكد ابراهيم ان نحاس أبلغهم موافقته واقتناعه بهذا الحل، وأن تحرير سعر ربطة الخبز حل يؤذي المواطنين. لماذا؟ يقول ابراهيم: «لأنه من الممكن أن تتفق الافران في ما بينها وترفع سعر الخبز الى 3 الاف ليرة»! اما سياسة الدعم فهي أيضاً مؤذية. لماذا؟ «لأنه في سياسات الدعم تحصل سرقة وإهدار للأموال العامة».
يلفت ابراهيم الى أن اصحاب الافران لا يستطيعون أن يطالبوا بزيادة سعر الربطة الحالية 125 ليرة لتصبح 1625 ليرة، اذ لا يوجد تعامل بعملة الـ 100 أو الـ 25 ليرة في السوق اللبنانية. وبالتالي ليس هناك حل الا بزيادة السعر والوزن او استمرار الدولة في دعم طن الطحين بقيمة 70 ألف ليرة. شارحا أن الوزارة أعلنت انها ستدعم كل طن طحين بـ 70 الف ليرة بدءاً من الاول من نيسان الجاري الى حين ايجاد حل لسعر ربطة الخبز، ويعتبر ابراهيم ان استمرار هذه السياسة يمكن أن يكون حلاً. ولكن ماذا عن فرضية عدم قبول الحكومة باقتراح نحاس؟ يعلن ابراهيم أن الأفران ستذهب الى اضراب أكيد! ويضيف: «المشكلة ليست عندنا»، فسعر الطحين يرتفع، وكذلك اسعار جميع مكونات الخبز العربي. فقد زاد سعر المازوت، كذلك السكر والنايلون والخميرة والملح، فضلا عن اكلاف استهلاك الماكينات ومولدات الكهرباء. وبالتالي لا يمكن ابقاء سعر ربطة الخبز كما هو!
ينتج لبنان يومياً نحو 785 الف ربطة خبز، اي زهاء 23 مليوناً و540 ألف ربطة من الخبز شهرياً. (كل طن من الطحين ينتج 1070 ربطة من الخبز، ويستهلك لبنان قرابة 22 ألف طن شهرياً من الطحين بحسب احصاءات نقابة اصحاب الافران). أي أن اللبنانيين ينفقون شهرياً 23 مليوناً و540 ألف دولار على الخبز (سعر ربطة الخبز اليوم 1500 ليرة أي نحو دولار واحد). وفي حال موافقة مجلس الوزراء على قرار زيادة ربطة الخبز الى 2000 ليرة، يرتفع انفاق اللبنانيين على الخبز الى 31 مليوناً و387 ألف دولار شهرياً. علماً أن ارباح الافران تصل الى 10 في المئة على الطن، والمطاحن بحدود 3% على الطن، وفق وزير الاقتصاد السابق محمد الصفدي (http://www.al-akhbar.com/node/41422). في المقابل، تقوم الدولة حالياً بدعم كل طن من الطحين بمعدل 70 ألف ليرة عن كل طن.
بعد احتساب هذه الأرقام، لا بد من العودة الى التقارير الرسمية. فخلال فورة الدعم السابقة، صدرت تقارير متناقضة حول كميات القمح المستخدمة في صناعة الخبز العربي. اذ قالت المطاحن أن 90 في المئة من كميّة القمح التي تستوردها تُستخدم في صناعة الخبز الأبيض، فيما أكد أصحاب الأفران أن هذه النسبة هي 30 في المئة، وتنخفض في تقارير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الموثّقة إلى 20 في المئة فقط. وبرغم التناقضات الصارخة، وبرغم من امكان وجود إهدار كبير للمال العام في موضوع دعم الطحين، فضلا عن تحميل الفقراء دائما كلفة زيادة ارباح المطاحن والافران عبر سياسة خفض زنة ربطة الخبز تدريجياً منذ العام 2005 حتى اليوم، فإن هذا التفصيل لم يستدع دراسة رسمية واحدة تحدد حجم القمح المستخدم في صناعة الرغيف، ولا حجم ارباح الافران والمطاحن.
يشرح رئيس الاتحاد اللبناني لحماية المستهلك وجدي الحركة أن المستهلك اللبناني يدفع فعلياً 2250 ليرة ثمن ربطة الخبز، وليس 1500 ليرة. المعادلة الحسابية التي يتبعها الحركة هي تقليص زنة الربطة من 1500 غرام الى 1000 غرام. بذلك ارتفعت الكلفة الفعلية على المستهلك 750 ليرة. واعتبر الحركة ان سياسة الدعم هي إهدار للأموال العامة والتجارب السابقة أكبر دليل على ذلك، في حين ان خفض زنة الربطة هو استخفاف بعقول اللبنانيين.
ففي 21 شباط من العام 2005، خفّضت الحكومة زنة ربطة الخبز من 1500 غرام الى 1400 غرام، بسعر 1500 ليرة. بعد عام، اي في 17 ايار من العام 2006، عادت وخفضت زنة الربطة الى 1300 غرام وأبقت السعر نفسه. في نهاية العام 2006 عادت الحكومة لتخفض زنة الربطة الى 1170 غراماً، وفي 6 حزيران من العام 2007 خفّضت الزنة الى 1120 غراماً، لينخفض مجدداً الى 1000 غرام. وبذلك، خفضت الحكومة زنة ربطة الخبز بين 2005 و2007 حوالي 500 غرام، أي ان زنة الربطة انخفضت في عامين أكثر من 25 في المئة، فهل ستستمر الحكومة في سياسة معاداة الفقراء عبر اقرارها الزيادة الى ألفي ليرة؟

1,540 مليون دولار

هو ما ستدفعه الدولة الى اصحاب المطاحن في شهر نيسان عبر دعم طن الطحين بـ 70 ألف ليرة، علماً بأن الحكومة دفعت 60 مليون دولار كلفة دعم القمح خلال سنة ونصف في السابق، وقد وصلت تقديرات الإهدار الى 12 مليون دولار بسبب التوزيعات السياسية

استقال؟ لم يستقل؟

أعلنت نقابات اصحاب الافران رفضها استقالة رئيس الاتحاد كاظم ابراهيم التي تقدّم بها فور قرار الإتحاد تعليق التحرك الذي كان من المزمع تنفيذه في 20 من الجاري بفعل الإتفاق مع وزير الإقتصاد والتجارة على دعم سعر الطحين بـ70 ألف ليرة. ولفتت الى أنه تم «بالإجماع التمني على ابراهيم أن يعدل عن الاستقالة كونه اباً للافران والاب لا يتخلى عن ابنائه في الزمن الرديء، ونحن على ثقة بأنه سيلبّي نداءنا. هذا ما عوّدنا إياه وله الشكر سلفاً». الا أن ابراهيم رفض يوم أمس الاجابة عن سؤال «الأخبار» مؤكداً استقالته من الاتحاد!

اقتصاد
العدد ١٦٩١ الثلاثاء ٢٤ نيسان ٢٠١٢

21‏/4‏/2012

أسعار الغذاء إلى الإرتفاع... الحق على المحروقات




الكل يترقب أسعار المحروقات (أرشيف - بلال جاويش)
أسعار الغذاء إلى ارتفاع. زيادة أسعار المحروقات تؤدي الدور الأساسي، إن كان على صعيد السلع المستوردة التي تزيد أسعارها مع ارتفاع كلفة الشحن، أو على صعيد السلع المنتجة محلياً نتيجة الأكلاف الإضافية التي تتكبدها المؤسسات على الطاقة. نسب الزيادة ستراوح بين 4 إلى 12 في المئة على المواد الغذائية المحلية، أما أسعار المواد المستوردة فستبقى ثابتة حتى شهرين إلى ثلاثة أشهر...
رشا أبو زكي
مستويات جديدة من التضخم يمكن أن يسجّلها لبنان خلال هذا العام. المتغيّر الأساسي هو أسعار النفط التي ترتفع، ولا يبدو أنها ستنحو انخفاضاً حتى نهاية الصيف (باستثناء بعض التذبذب الذي يخفض الأسعار بمستويات متدنية مقارنة مع الارتفاعات اللاحقة). أسعار المواد الغذائية ستكون من أبرز السلع تأثراً، حيث ستزيد بين 4 و12 في المئة خلال الشهرين المقبلين. المواد الغذائية المصنّعة محلياً ستكون أكثر تضرراً من تلك المستوردة.
فإضافة إلى كلفة نقل هذه المواد وتوزيعها، هناك كلفة الإنتاج، التي تمثّل الطاقة منها بين 4 و5 في المئة، لترتفع وفق نوع المواد وحجم استهلاكها للطاقة. هذه المؤشرات ستعمل على خفض القدرة الشرائية للمواطنين، وتزيد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية القائمة. والخضّات المتوقعة في ما يتعلق بالحصار النفطي على إيران في حزيران وردود الفعل التي يمكن أن تنشأ نتيجة الحصار، ستسرّع ارتفاع الأسعار، وستضاعف نسب الارتفاعات أضعافاً. كل ذلك سيحدث قبل أن يفعل الاحتكار فعله، فقد اعتادت الأسواق اللبنانية سلوكيات تجارية تقوم على معادلة الانعكاس المضاعف للتضخم العالمي على التضخم المحلي، فإذا ارتفع السعر 3 في المئة عالمياً يصل إلى 11 في المئة لبنانياً (سبق أن حدث ذلك في عام 2008). بالطبع لا يتوقع أحد أيّ تدخل من الحكومة «التاريخية»، فلا ضبط الأسعار سيتحقق، ولا الرقابة الفاعلة، ولا القيام بأي إجراء لتخزين المحروقات تحسّباً للأسعار المرتفعة المرتقبة، ولا المباشرة بأي خطة تحصينية للسوق الداخلية.
يشرح الرئيس السابق لنقابة مستوردي المواد الغذائية جوزيف عور أن ارتفاع الأسعار يحصل على مستويين: الأول يتعلق بالصناعات الغذائية المنتجة محلياً، وهي الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار المحروقات. فبفضل التقنين الكهربائي، تشغّل المصانع المولدات الخاصة، وبالتالي يؤثر ارتفاع أسعار المازوت مباشرة على كلفة الإنتاج. كذلك تستهلك هذه المصانع مادة البنزين لنقل منتجاتها وتوزيعها في السوق المحلية، ما يضاعف تأثرها. أما المستوى الثاني فيتعلق بالمواد الغذائية المستوردة، وهي تتأثر بانعكاس أسعار المحروقات على كلفة النقل البحري، أو نقل البرادات براً، أو النقل الجوي، ومن ثم تتأثر بكلفة النقل الداخلي. ويشرح عور أن هذه الدورة تترجم ارتفاعاًَ في كلفة الإنتاج، التي يعوضها المستوردون كما المنتجون عبر رفع الأسعار. ويقول إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية المستوردة لن يحصل على المدى القصير، لأن الأسواق «تعبانة» حالياً، والتجار يريدون تصريف بضائعهم خوفاً من الكساد، وبالتالي قد يستغرق الارتفاع شهرين إلى ثلاثة أشهر ليتحقق. ويلفت إلى أن التقارير الدولية كافة تؤكد أن أسعار المحروقات لن تنخفض، وهناك تحذير جدّي من كارثة على صعيد أسعار المحروقات في حال تطبيق الحصار على إيران في حزيران، وبالتالي يمكن هنا القول إنه لا مناص من ملاحظة ارتفاعات فورية في أسعار المواد الغذائية. ويشدد عور على أن الارتفاع يطاول المواد المستوردة كافة من دون تخصيص وبنسب متقاربة. ويشرح أن سعر صفيحة البنزين سيقفز عن الـ40 ألف ليرة اليوم، وهذه القفزة تعني ارتفاعاً في الكلفة في شركته مثلاً، إذ لديه 200 موظف لتوزيع البضائع، وهؤلاء يتنقلون عبر قسائم البنزين، ما سيزيد من أكلافه بديهياً.
يلفت رئيس نقابة مستوردي المأكولات والمشروبات عادل أبي شاكر إلى أن المحروقات تمثّل كمتوسط بين 2 و3 في المئة من كلفة الاستيراد. يضاف إلى ذلك كلفة النقل الداخلي، بحيث يوجد في أصغر شركة استيراد بين 100 إلى 120 سيارة للتوزيع الداخلي، وبذلك تدخل المحروقات عنصراً أساسياً في احتساب الكلفة. ويؤكد أبي شاكر أن المستوردين يتريثون في رفع الأسعار، فإذا كان التغيّر في أسعار المحروقات أسبوعياً، فإن من المستحيل على المستورد أن يرفع الكلفة على التاجر بالوتيرة الزمنية نفسها، على الرغم من أن كلفة النقل داخلياً تكون قد ارتفعت عليه. ويشرح أبي شاكر أنه يوجد حوالى 40 شركة استيراد مسجلة في لبنان، وتمثّل بين 70 إلى 75 في المئة من السوق، وهذه الشركات تعاني دورياً من أزمة المحروقات.
ويلفت رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي إلى تأثيرات مباشرة للمحروقات على كلفة الإنتاج في لبنان. ويشرح أن أصحاب المصانع مضطرون إلى رفع أسعار السلع التي يُنتجونها نتيجة ازدياد أسعار المحروقات، وتختلف نسب الارتفاع مع اختلاف نوع السلع ونوع المحروقات المستخدمة وحجم المصنع. إلا أن المؤكد أن أسعار المواد سترتفع بين 4 و12 في المئة، حيث إنه إضافة إلى أكلاف النقل والإنتاج، يتأثر حوالى ألفي مصنع غذائي في لبنان بارتفاع أسعار الكرتون والبلاستيك، إذ إن هاتين المادتين اللتين تدخلان في دورة الإنتاج تتأثران بنسبة 30 في المئة بارتفاع أسعار المحروقات، وما لذلك من تأثير مباشر على كلفة إنتاج الصناعات الغذائية في لبنان.
يشير رئيس جمعية المزارعين أنطوان حويك إلى أن الأسعار لم ترتفع كثيراً خلال هذا الموسم. بالنسبة إلى الخضر، لا يمكن اعتبار أسعارها متدنية، ولكنها ليست مرتفعة كثيراً على المستهلك، إلا أنه ارتفع سعر البندورة بالجملة من 400 ليرة للكيلوغرام إلى 800 ليرة، لترتفع الأسعار من 1500 إلى 2500 ليرة واصلة إلى المستهلك بحسب البعد عن مصدر الإنتاج الزراعي. أما الفاكهة، فلا تزال الأسعار مقبولة، فيما الليمون والموز لا تزال أسعارهما منخفضة على الرغم من أن موسمهما شارف على الانتهاء، وذلك بسبب توقف التصدير إلى سوريا. ويشرح حويك أن المحروقات تسهم في رفع الأسعار، لكونها تدخل في الكلف الزراعية، إن كان عبر مضخات المياه العاملة على المازوت، أو الفلاحة بالتراكتورات أو كلفة نقل البضائع إلى الأسواق. ويلفت إلى أن هذا التأثير يختلف بين صنف زراعي وآخر، باستثناء كلفة النقل التي تزيد الأسعار بنسب ثابتة، إذ إن نقل المزروعات من البقاع إلى بيروت مثلاً يحتاج إلى 120 ألف ليرة على الأقل ثمناً للبنزين، من دون أجرة السائق، وكلما ارتفع سعر المحروقات تزيد هذه الكلفة، لتنعكس على المستهلك مباشرة.
اقتصاد
العدد ١٦٨٩ السبت ٢١ نيسان ٢٠١٢

باسيل لا يوقّع والشركات تصمت




غريب أن وزير الطاقة لم يوقع حتى الآن جدول اسعار المحروقات، أما المدهش فهو سكوت الشركات واستمرارها في التوزيع
رشا أبو زكي
3 أيام مرّت، ولا يزال وزير الطاقة والمياه جبران باسيل يمتنع عن توقيع جدول اسعار المحروقات. اللبنانيون اعتادوا سلوكيات الوزير. الاعلاميون اعتادوا منه كذلك عدم الاجابة عن أسئلتهم حول سبب عدم التوقيع. لكن ماذا عن صمت القطاع النفطي عن عدم توقيع الجدول؟ تضع أوساط مطلعة خطوة باسيل في الاطار السياسي، اذ إن باسيل الذي يتحاشى أن يصل سعر البنزين الى ما يزيد على 40 الف ليرة خلال هذا الأسبوع، وضعه في جلسات استجواب الحكومة لا يحتاج الى مادة اضافية للمساءلة، ولقب: «وزير البنزين» ليس مستحباً على مرمى أشهر من الانتخابات النيابية.
لكن جلسات المساءلة انتهت الخميس، وباسيل لم يوقع الجدول أمس كذلك، فهل من قطبة مخفية؟ وخصوصاً أن الشركات تلوذ بالصمت عن عدم توقيع الجدول، وتستمر في التوزيع وفق جدول تركيب الاسعار للأسبوع الماضي، على الرغم من خسارتها (المفترضة) في كل صفيحة 300 ليرة، وهي القيمة التي كان من المفترض أن تضاف الى سعر الصفيحة لو أن باسيل وقّع الجدول.
يشرح المطلعون عن اتفاق ضمني بين باسيل والشركات، يبعد الأخيرة عن احداث «أزمة بنزين» حتى لو بقي الجدول بلا توقيع الوزير. مضمون الاتفاق سيعرف خلال الأيام او الاسابيع المقبلة. لكن لا شك في أن فعل باسيل وردّ فعل الشركات المهادنة يطرحان علامات استفهام كثيرة. يقول مصدر نفطي إن سعر البنزين سينخفض الاسبوع المقبل بشكل طفيف، في حين سيحقق سعر المازوت انخفاضاً بمعدل 600 ليرة. وبذلك، تقوم الشركات حالياً بتصريف كامل مخزونها قبل اعلان خفض سعر الصفيحة الاربعاء المقبل. هذا ما يفسر استمرارها في التوزيع، ولكن لا يفسر سكوتها عن باسيل. وإن كانت الوزارة بموظفيها لا تعلم ماذا ينوي وزيرها، يبدو رئيس تجمع شركات النفط مارون شماس واثقاً من أن باسيل لن يوقع الجدول هذا الاسبوع. لكن لما تصمت الشركات عن هذا الموضوع؟ يجيب مارون: «فتحنا صفحة جديدة مع الوزير، وقدمنا دراساتنا حول حجم الزيادة على الجعالات». لكن هل تتبرع الشركات بـأرباحها وتفدي الوزير بخسائرها؟ يجيب مارون: «نحن نخسر 300 ليرة حالياً عن كل صفيحة، وقد بعنا 5 مليون ليتر من البنزين (اي أن الخسارة حوالي مليون دولار أميركي)، ونترقب ما سيقرره الوزير».
اقتصاد
العدد ١٦٨٩ السبت ٢١ نيسان ٢٠١٢

19‏/4‏/2012

نحاس يدعو الشباب إلى التمرد على «زلم» النأي بالنفس




بنبرة تحريضية، دعا الوزير السابق شربل نحاس، شباب لبنان إلى التمرد؛ إذ إن 50 في المئة من كل جيل شاب أصبح سلعة معدة للهجرة، سلعة يوفر النظام الآليات كافة لإبقاء هذه الدورة. فهل من أمل في التغيير؟ يقول نحّاس: نعم
رشا أبو زكي
تحت عنوان «وظّفك؟»، ألقى وزير العمل السابق شربل نحّاس محاضرة، بدعوة من نادي حقوق الإنسان والسلام في الجامعة الأميركية في بيروت، شرح فيها أن الجهات نفسها التي فككت المجتمع في الحرب الأهلية، تسلمت السلطة بعد الحرب، وارتضى الناس هذه المعادلة من منطلق اليأس والاعتقاد أن هذا الحل يوقف الحرب. وأشار إلى «أن لبنان أعلن سياسة النأي بالنفس في عام 1969 عندما وقّع اتفاق القاهرة ووضع المسلحين الفلسطينيين في العرقوب على أساس أن بيروت بعيدة عن هذه المنطقة»، مشيراً إلى أن «هذه السياسة أنتجت الحرب (بالإضافة إلى العوامل البنيوية الأخرى المعروفة)، وجرى التخلي عن المسؤوليات. وهو ما يشبه تماماً ما يقوله «زلم» النأي بالنفس اليوم».
وقال: «يتحدثون عن عدم ملاءمة الاختصاصات التعليمية لسوق العمل، إلا أن هذا الكلام «كذب»؛ فالمسألة أبسط من ذلك؛ إذ إن المؤسسات اللبنانية، إن كانت عامة أو خاصة، لا تريد اليد العاملة اللبنانية. البراهين واضحة أيضاً؛ إذ إن طلبات استقدام اليد العاملة الأجنبية المقدمة إلى وزارة العمل وصلت إلى 250 ألف طلب، في مقابل 200 طلب فقط تلقتها المؤسسة الوطنية للاستخدام لتشغيل اليد العاملة اللبنانية». وأضاف:«يبدو أنه لا حاجة للشعب، بحيث يُستبدَل باللبنانيين العمال الأجانب وفق ما يتلاءم مع النمط الاقتصادي القائم. ولهذه النظرية مؤشراتها:
1 _ يهاجر 50 في المئة من الشباب ممن تراوح أعمارهم بين 20 و 40 عاماً، وتُستورَد يد عاملة أجنبية بأعداد موازية. وهذه اليد العاملة موقتة، وذلك لضمان استمرارية عمل «الكفلاء».
2 _ ينفق اللبنانيون (دولة وشعباً) على التعليم العالي أموالاً هي الأعلى عالمياً، والسبب هو تخصص لبنان بتصدير سلعة، هي الشباب. ولضمان استمرارية هذه التجارة وازدهارها، حصل «تفقيس» الجامعات الخاصة.
3 _ أكثر من نصف الطلاب في لبنان هم من النساء. ورغم ذلك، فإن معدل تشغيل النساء في سوق العمل متدنٍّ جداً.
4 _ زيادة دفق التحويلات القادمة من السلع البشرية اللبنانية المصدّرة إلى الخارج تستخدم في تمويل الاستهلاك ووقف أي عمل إنتاجي، ما يؤدي إلى رفع الأسعار، وخصوصاً الأراضي، لتتلاقى بذلك عوامل الجذب إلى الخارج والطرد من الداخل.
5 _ تدخل التحويلات الخارجية إلى الجهاز المصرفي، ومن ثم إلى المديونية العامة، ويحصل التنازع في ما بعد بين «الزعامات» لتغطية الجماعات التي تمثلها كإقطاع في ما يسمى الدولة اللبنانية.
6 _ تتكامل هذه العوامل مع التسويق للمفهوم النيوليبرالي الذي يتحدث عن «سوق العمل»، وكأن العمل سلعة تجارية، ويُمنع عن الناس الدفاع عن كيانهم وكرامتهم الإنسانية.
وأكد نحاس أن البدائل موجودة؛ «إذ إن النجاح في كسر حلقة من حلقات النمط الاقتصادي يمكن أن يؤدّي إلى كسر بقية الحلقات، وهذا ما حاولنا أن نقوم به عبر مرسوم الأجور وبدل النقل ومشروع التغطية الصحية الشاملة».
ورأى أنه في البدء يجب تنمية شعور الكرامة، «لا ترضوا برئيس للجمهورية يمتنع عن توقيع مرسوم الـ 8900 مليار ليرة بحجة مخالفة القانون، وكان يريد إلزامي بتوقيع مرسوم مخالف للقانون، لا ترضوا بمن يقول إنه خفض سعر استقدام بوارج الكهرباء بعد أن كان يريدكم أن تدفعوا من ضرائبكم ومن المال العام فائض السعر، لا ترضوا بوزراء ومسؤولين وممثلين عنكم يحملون جنسية ثانية وثالثة. ارفضوا كل من يسخّف القضايا الاجتماعية، واختاروا ساحات المواجهة، وافرضوا مفاهيمكم، مرتكزين على ربط المسببات بالنتائج».
ولفت نحاس إلى أن من حاربوا مشروع الجيل الثالث من الاتصالات «يجأجئون مع نسوانهم وأولادهم» عبر خدمات الجيل الثالث «في حين أن أموال البلديات تواجه مخاطر داهمة لتوظيفها في التوزيعات السياسية. أما الحسابات العامة فلا تتوقف على سرقة خزنة، وإنما على استخدام المال العام لتنمية مواقع سياسية. إنه دين جائر، وأنتم غير ملزمين بدفع دين جائر».
ينظر نحاس إلى جمهوره الشاب ويقول: «ابدأوا معركتكم للانتقال من الفرد إلى المواطن، من مجتمع يصدر أبناءه إلى دولة مسؤولة عن مواطنيها».
سياسة
العدد ١٦٨٧ الخميس ١٩ نيسان ٢٠١٢

14‏/4‏/2012

الدولة لن تجرؤ على عدم دفــع الرواتب




يؤكد الدستوريون أنه لا يحق للحكومة وقف الرواتب، والا فإن بنيان الدولة سينهار، ولن يبقى لرئاسة الجمهورية والسلطتين التشريعية والتنفيذية أي مبرر لوجودها
رشا أبو زكي
رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام لن تتوقف في أيار. هذا ما تؤكده أوساط وزير المال محمد الصفدي. وهذا ما تلزم به النصوص الدستورية والقانونية السلطة التنفيذية. فمبرر وجود هذه السلطة هو تسيير المرافق العامة في الدولة. لكن المخالفات الدستورية والقانونية لا تتوقف على «مرسوم تشوبه مخالفات» كما نقلت وسائل الاعلام عن رئيس الجمهورية تبريراً لعدم توقيعه على مرسوم سلفة الـ8900 مليار.
فالمخالفة الدستورية الأساس هي السير حتى الآن وفق القاعدة الاثني عشرية نفسها، وعدم اجراء قطوع حسابات للسنوات الماضية وعدم تحويل موازنة العام 2012 الى مجلس النواب. فالمادة 86 من الدستور واضحة وتشدد على أنه اذا لم تقر الموازنة، يمكن الصرف وفق هذه القاعدة في شهر كانون الثاني فقط لا غير. أما كل ما صرف خلاف ذلك، فهو مخالفة، ومن ضمنها الـ8900 مليار ليرة التي صرفتها الحكومة ولم تنل حتى اليوم اجازة من مجلس النواب. صحيح أن الدستور وقانون المحاسبة العمومية يشددان على أنه لا يمكن الصرف من دون إجازة، الا أن واجب الحكومة هو صرف الرواتب، والا فلا مكان لها في تركيبة الدولة.
رفع ورقة رواتب الموظفين غير مجدية، وهي لمجرد الضغط السياسي بين الأقطاب المتخاصمين، هذا ما يشدد عليه القانونيون. يجزم رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر أنه «لا يحق لأي حكومة ولا لأي جهة عدم صرف رواتب الموظفين مهما كانت المبررات. هذه دولة وليست شركة خاصة، ولا يمكنها اعلان افلاسها». يشدد على أن المشكلة هي ان الأساس «أعوج»، والأساس هو عدم وجود موازنات منذ العام 2005».
يؤكد القاضي يوسف سعد الله الخوري ان «لا عمل من دون أجر»، انه مبدأ تم تكريسه اجتهاداً يجعل من رواتب الموظفين والاجراء في القطاع العام أساساً لاستمرار عمل المرافق العامة وبالتالي الدولة. يتابع الخوري: «عدم دفع الرواتب هو من مسؤولية الدولة، وإن لم تفعل، فالقضاء سيحكم بتعويض الموظفين اضافة الى دفع فائدة لهم عن كل تأخير في الدفع، الا أن هذا الامر لا يمكن ان يتم اطلاقاً لأن ذلك يعني انهيار كاملاً للدولة بعد أن تتوقف المرافق العامة عن العمل». كذلك يشدد على دور السلطة التنفيذية في تسيير المرفق العام والحرص على انتظامه، والا فلا مبرر لوجود هذه السلطة. يشدد الخوري على أن رئيس الجمهورية غير ملزم بتوقيع مرسوم الـ8900 مليار، اذ إن المادة 58 من الدستور واضحة في هذا الإطار.
وكان الصفدي قد ذكر في مقابلته التلفزيونية في «كلام الناس»، حرفياً: «لا نستطيع دفع الرواتب دستورياً، لكن الكل مسؤول عن ايجاد الحل من الآن حتى نهاية الشهر الجاري»، فيما أكدت أوساطه أمس أنه «ليس من الممكن ألا تدفع الرواتب، وهذا أمر غير مطروح. ولا يمكن للدولة إلا أن تجد حلاً لهذا الموضوع، وخصوصاً أن الحلول متوافرة وهي: إما ان يوقع رئيس الجمهورية على المرسوم، او أن يصدر مجلس الوزراء قراراً بمنح وزارة المال سلفة خزينة».
وتشرح مصادر مالية انه لا يمكن الانفاق من دون اصدار قانون يجيز ذلك، وبالتالي يوجد خياران، وهما: إما ان ترتكب الحكومة المخالفات التي كانت ترتكب سابقاً والصرف وفق مشروع موازنة العام 2012، أو ان يوقع رئيس الجمهورية مرسوم الـ8900 مليار ليرة. إلا أن المصادر ذاتها تؤكد ان بنود الموازنة ليست بالجملة، وبالتالي فإن الكلام عن موعد محدد لوقف دفع الرواتب هو سياسي، اذ ترصد اعتمادات لرواتب الموظفين والعاملين في كل ادارة على حدة. ويعني ذلك انه في حال انتهى اعتماد موظفي وزارة السياحة مثلاً في أيار، فإن ذلك لا يعني ان اعتماد موظفي وزارة الصحة ينتهي في أيار أيضاً، اذ يمكن أن تنفذ اعتمادات بعض الادارات في ايار وليس كلها. من جهة أخرى يعمل في الادارات عدد من كبير المياومين والمتعاقدين الذين تم توظيفهم بعد العام 2005، وبالتالي فإن موازنة الـ2005 التي تعتبر المرجع في الصرف وفق القاعدة الاثني عشرية لا ترصد لهؤلاء أية اعتمادات، وبناءً على ذلك، يمكن القول إن هؤلاء يمكن أن تتوقف امكانية دفع رواتبهم في وقت متزامن. الا أن الفكرة الأخيرة تطرح سؤالاً: «ان كانت موازنة الـ2005 لا ترصد اعتمادات لهذه الفئة من العاملين في القطاع لعام، فكيف قامت الحكومة الحالية بصرف رواتب هؤلاء منذ مطلع العام 2012 حتى اليوم؟».
سياسة
العدد ١٦٨٤ السبت ١٤ نيسان ٢٠١٢

13‏/4‏/2012

بلى... الحكومة تستطيع خفض سعر البنزين





أسعار البنزين الى ارتفاعات قياسية (مروان بو حيدر)
إن كان اللبنانيون قد أنفقوا ملياراً و500 مليون دولار على البنزين في 2011، فحجم الإنفاق سيرتفع بديهياً في الـ 2012. الأسعار لن تنخفض خلال الأشهر الأربعة المقبلة. الحصار المحتمل على إيران قد يجعل سعر البنزين عند مستوى قياسي. الحلول موجودة ولا أحد يسأل، وعلى قلب المواطنين والنقابات أجمعين «متل العسل»
رشا أبو زكي
كلا، لن تنخفض أسعار البنزين. في 1 حزيران من المتوقع أن يفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حصاراً على إيران. النتيجة انخفاض في حجم العرض، وارتفاع في الطلب. السعودية تصرح بأنها قادرة على سد النقص الذي سيسببه الحصار على إيران، وهذه الأخيرة تؤكد أنها ستغلق مضيق هرمز (فإيران لن تقف متفرجة على استبدال نفطها بالنفط السعودي)، ليتوقف حينها ضخ النفط السعودي إلى الأسواق.
وبالتالي قد نشهد مستويات تاريخية في نقص العرض النفطي في الأسواق العالمية، ما سيرفع الأسعار أضعافاً. هذا السيناريو ليس مزحة، قد يتحقق خلال شهرين من الآن. لكن مع فرضية أن الحصار «ما صار»، فإن أسعار البنزين تشهد ارتفاعات متواصلة بين 15 آذار و15 آب من كل عام بفعل تزايد الطلب في فصل الصيف، وبالتالي قد يصل سعر صفيحة البنزين إلى 50 ألف ليرة في الصيف المقبل، وبكل سهولة. الأربعاء المقبل، سيرتفع مستوى السخط لدى المواطنين، فالبنزين سيتخطى الـ 40 ألف ليرة. كذلك تشير دراسات تحليلية نشرتها «cnn» أخيراً إلى إمكان وصول سعر برميل النفط إلى ما بين 230-320 دولاراً للبرميل في غضون السنوات الـ 15 المقبلة، إذا تطورت الأزمات الحالية على مستوى العالم أو على مستوى المنطقة العربية خصوصاً، باعتبارها الحجر الأساس الداعم لإنتاج النفط في العالم... قد يخرج مسؤولون، ومنهم وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، ليعلنوا أن السعر المحلي مرتبط بالسعر العالمي، وبالتالي «لا حول ولا قوة». قد يطرح باسيل أيضاً مشروع «السيارات على الغاز»، ليقول إنه البديل. فهل هذا بديل فعلي؟ وهل الحكومة ستنأى بنفسها أيضاً عن تحييد لبنان عن ارتفاع الأسعار، بدعوى أن الأمر ليس بيدها؟
مشروع سيارات الغاز هو «ترف» وليس حلاً؛ إذ إن عملية نقل «موتورات» السيارات من البنزين إلى الغاز تكلّف المواطن 1800 دولار في الحد الأدنى، (طبعاً قبل أن يسيطر الاحتكار على تجارة هذه المحرّكات)، كذلك إن عملية التحويل اختيارية وليست ملزمة، فيما لا مراكز تخزين لهذا النوع من الغاز، ولا محطات خاصة لضخ الغاز إلى السيارات. يقول الخبير النفطي ربيع ياغي إن الحلول في مكان آخر، موجودة ومتوافرة، لكن لا يوجد من ينفذها. فلنفند ما يطرحه ياغي على الحكومة المدعية العجز:
1 _ يجب إعادة النظر في جدول تركيب أسعار المحروقات؛ إذ يجب أن تُّحدد الأسعار على أساس شهري لا أسبوعي. فاستقرار السعر يؤدي إلى استقرار في السوق، ويكون أخف وطأة على المستهلك. كذلك يجب استبعاد الضرائب الجمركية وإلغاء الـ TVA عن البنزين وأنواع المحروقات كافة؛ لأن المحروقات مواد استراتيجية وحاجة أساسية للمواطنين. كذلك يجب فتح باب الاستيراد الحر، وأن تدخل الدولة في عملية استيراد البنزين (وتخزينه) لخلق نوع من المنافسة. لكن إلغاء الضرائب طرح غير واقعي في ظل عدم وجود موازنة وعدم قدرة الحكومة على فرض ضرائب أخرى لتغطية انخفاض إيراداتها؟ يجيب ياغي: «إلغاء الضرائب عن المحروقات هو الطرح الواقعي، أما غياب الموازنة فهو ما يمكن اعتباره غير واقعي». إضافة إلى ذلك، تعتمد فرنسا مازوتاً صديقاً للبيئة لسياراتها، يمكن استيراده ليصبح خياراً متاحاً أمام المستهلك اللبناني.
2 _ أي بلد في العالم غير منتج للنفط ومستورد بالمطلق للمشتقات البترولية كافة ترتبط أسعاره المحلية بأسعار النفط العالمية مباشرة؛ إذ إن البنزين والمازوت والغاز ووقود الطائرات... تأتي من عملية تكرير النفط الخام وتصنيعه. في لبنان مصفاتان للتكرير في الزهراني وطرابلس، ولكنهما اليوم خردة وغير قادرتين على التكرير. لذا، يجب أن يكون المشروع الأول للحكومة وضع استراتيجية الأمن «الطاقوي» عبر توفير مصفاة تكرير بـطاقة 150 ألف برميل يومياً، وهي تستطيع توفير الاحتياجات النفطية كافة للسوق المحلية حتى 15 عاماً. والمصفاة مشروع استراتيجي وأساسي لتوفير الإمداد بالمحروقات وتجنب تقلبات السوق العالمية. علماً بأن بناء مصفاة في لبنان يحتاج إلى ما بين 18 إلى 24 شهراً، لأن البنى التحتية متوافرة.
3 _ يجب أن يكون هناك مخزون بنزين استراتيجي إلزامي للشركات ووزارة الطاقة. الأخيرة تملك أكبر قدرة تخزينية بنحو 600 ألف طن في خزانات طرابلس والزهراني، وهذه القدرة يجب أن تستخدم. كذلك يجب أن تلزم الدولة الشركات بالتخزين وفق قواعد وأسس واضحة؛ فهذه الشركات تستأثر بالسوق اللبنانية، والسوق لها حق على هذه الشركات بتوفير مخزون استراتيجي إلزامي لـ 30 يوماً على الأقل، بهدف تجنب تقلّب الأسعار العالمية.
تشرح دراسة للباحث النفطي العراقي وليد نزهت نشأت، أن دول العالم غيرت سياستها تجاه الطاقة تغييراً جذرياً بعد أزمة 1973 النفطية، وما عاناه كل بلد على درجات؛ إذ قررت الحكومات الصناعية في ذلك الوقت تنويع مصادر الطاقة وتنويع مصادر شراء البترول والغاز. وخصوصاً اليابان وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وغيرها... وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي جاد شعبان إلى أن الأُسر اللبنانية تدفع بين 30 إلى 40 في المئة من ميزانتيها على النقل، بسبب غياب النقل العام. وتنفق الأسر 20 مليون دولار سنوياً على الأمراض الناتجة من التلوث، نتيجة غياب خطة النقل كذلك. ومن ناحية أخرى، يؤثر ارتفاع سعر البنزين على المواد الاستهلاكية كافة؛ فلبنان بلد مستورد لا منتج، وعمليات نقل البضائع تحتاج إلى وسائل النقل، التي تعتمد أساساً على البنزين. كل ذلك يؤدي إلى زيادة التضخم وتدهور في المستوى المعيشي. كذلك تدفع الدولة 400 مليون دولار سنوياً كبدلات نقل لموظفي القطاع العام. كل هذا الإنفاق سببه واحد: عدم إقرار خطة النقل العام، وعدم صياغة أي استراتيجية نفطية في لبنان. ويرى شعبان أن تأمين الدولة مخزوناً استراتيجياً من البنزين، يساعدها في التدخل بالسوق المحلية لخفض سعر هذه المادة على المواطنين حين يرتفع السعر عالمياً. أما عدم القيام بهذه الخطوة، فله مبرر واحد: القطاع الخاص هو الدولة، وشركات النفط المسيطرة على السوق يملكها نواب ووزراء أو مقربون منهم، وبالتالي لن يخزّن لبنان ولن يكرر ولن يستورد، ما دامت الدولة فيه يسيطر عليها كارتيل النفط.
اقتصاد
العدد ١٦٨٣ الجمعة ١٣ نيسان ٢٠١٢

10‏/4‏/2012

سعر البنزين يزحف نحو الـ 40 ألف ليرة

رشا أبو زكي

سعر صفيحة البنزين مستمر في الارتفاع. ومن المتوقّع أن يرتفع غداً الأربعاء 400 ليرة، ليصبح سعر الصفيحة بـ 39 ألفاً و500 ليرة، على أن يستمر بهذا المنحى التصاعدي نفسه خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، بحسب مصادر شركات تجارة المشتقات النفطية. وتشدد هذه المصادر على أن لبنان سيشهد سعراً قياسياً جديداً في أسعار البنزين، ليناهز خلال نيسان الجاري الـ 40 ألف ليرة. وتأتي هذه الارتفاعات على الرغم من الانخفاض البطيء لأسعار النفط العالمية؛ إذ إن جدول تركيب الأسعار الذي تعتمده وزارة الطاقة والمياه لا يتأثّر مباشرة بتغيّر الأسعار العالمية، لأنه يقوم على احتساب متوسط الأسعار المحققة عالمياً لأربعة أسابيع سابقة، ويضيف إليها عناصر الأكلاف المختلفة والأرباح والجعالات المقررة رسمياً، وتؤّدي هذه الآلية إلى تحديد السعر المحلي.
وقال رئيس تجمع مستوردي النفط في لبنان مارون شماس لـ«الأخبار» إن القطاع النفطي علّق إضرابه الذي كان مقرراً في 4،3،2 نيسان، فاتحاً المجال للمزيد من التفاوض مع وزارة الطاقة والمياه في شأن المطالب المرفوعة لزيادة الجعالات، لافتاً إلى أن القطاع رفع دراسة إلى وزارة الطاقة توضح سبب المطالبة بزيادة 825 ليرة على جعالات شركات الاستيراد والنقل والمحطات. وتشرح الدراسة تأثير غلاء المعيشة على سعر البنزين، إضافة إلى عناصر أخرى.
ولفت إلى أن القطاع ينتظر رد وزارة الطاقة، رافضاً الحديث عن إمكان استكمال الإضراب بعد انتهاء فترة الاعياد إن لم تصل المباحثات مع الوزارة إلى تحقيق المطالب، وقال: «لا نريد استباق الأمور في ما يتعلق باستمرار تعليق الإضراب أو تنفيذه».
هذا وقد شهدت أسعار التعاقدات الآجلة للنفط الخام انخفاضاً بدولار واحد يوم أمس، بعد موافقة إيران على محادثات مع الولايات المتحدة وحلفائها بشأن برنامجها النووي لتهدئة المخاوف إزاء تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط.
وتراجعت الأسعار تحت وطأة القلق بشأن نمو الطلب إثر صدور بيانات أميركية تظهر أن عدد العمالة الجديدة التي وظفت في آذار أقل بكثر من الشهور السابقة. وقالت وزارة العمل يوم الجمعة الماضي إن وتيرة نمو الوظائف في أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم تباطأت إلى 120 ألفاً، وهي أقل زيادة منذ تشرين الأول. وهبط سعر عقد أقرب استحقاق لمزيج برنت (المعتمد في جدول تركيب الأسعار في لبنان) إلى 122.44 دولاراً. وتراجع سعر النفط الأميركي 1.14 دولار إلى 102.17 دولار بعد انخفاضه إلى 102.03 دولار.
وفي الإطار ذاته، قال وزير النفط العراقي عبد الكريم لعيبي، أمس، إن منظمة أوبك تسعى إلى تحقيق توازن في أسعار النفط العالمية، لكن عدم الاستقرار السياسي لعوامل الإنتاج هو ما يؤثر على سعر السوق. وأبلغ لعيبي الصحافيين بأن أوبك تبذل قُصاراها لضخ ما يكفي من الخام لتلبية الطلب. وقال إنه يتوقع أن تبلغ صادرات النفط العراقية 2.3 مليون برميل يومياً أو أعلى بقليل في نيسان.
وكذلك، قال الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية فاروق الزنكي، إن الكويت بحثت أكثر من سيناريو تحسباً لإغلاق مضيق هرمز، ومن بينها تخزين النفط خارج الخليج، لكن لم يُتَّخَذ قرار بعد، وذلك بعد أن أعلنت إيران في كانون الأول الماضي أنها ستوقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز إذا فرضت عقوبات على صادراتها من النفط الخام.
اقتصاد
العدد ١٦٨٠ الثلاثاء ١٠ نيسان ٢٠١٢

6‏/4‏/2012

«برّا!» أنتم مصروفون من العمل




أجراء لبنان بلا حماية: الكل يناصر المؤسسات

العمال بلا حماية وبلا أصوات تطالب بحقوقهم (مروان بو حيدر)
«سهلة» أن يلجأ صاحب مؤسسة الى صرف الاجراء جماعياً. يبحث عن المادة 50 في قانون العمل، يُعجب بفكرة «الصرف لاسباب اقتصادية». يعلن أنه يعاني من خسائر. يلجأ الى وزارة العمل (أحياناً). يدفع تعويضات زهيدة. يوظّف من جديد برواتب أقل. يمكن للأجير المتضرر أن يلجأ الى محاكم العمل، يقبع ملفه اعواماً. عذراً، حتى محاكم العمل معطّلة من زمان
رشا أبو زكي
ربما، لو كان في لبنان رقم احصائي دقيق، لكان ممكناً تتبّع وتيرة الارتفاع في عدد العاطلين من العمل. العديد من المؤسسات تتذرّع بأسباب اقتصادية لتبرير صرف عشرات العمال، فيما المعطيات تؤكّد أن هذه المؤسسات لا تشهد افلاسات فعلية. صورة بدأت تتكوّن: أجراء مصروفون بحجّة «افلاس» المؤسسات، فيما عدد المؤسسات العاملة في لبنان ثابت.
ترسم ريشة الصراعات السياسية خلفية لهذه الصورة: أبواب مجالس العمل التحكيمية موصدة منذ أكثر من عام في وجه أي شكوى من أي عامل. تمتزج الألوان. تتداخل الصور. الى اليمين صورة باهتة لممثلي الحركة النقابية، وعلى أفواههم لاصق سياسي. والى اليسار صورة فاقعة لأحزاب وسياسيين أصبحوا جزءاً من مؤامرة الصمت، أو مشتركين في جرائم اقفال المحاكم، حماية المؤسسات وهضم الاتحادات النقابية. يكتمل المشهد. عمال لبنان مشاريع عاطلين من العمل، ولا من يسأل.
قانون العمل اللبناني، الذي تشوبه ثغر عديدة، يتضمن مادة تجيز الصرف الجماعي للأجراء. انها المادة 50 الشهيرة. في هذه المادة توجد الفقرتان «واو» و«ز». تجيز الفقرة «واو» لصاحب العمل «إنهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل (...)». اما الفقرة «ز» فتقول حرفياً: «يتمتع العمال المصروفون من الخدمة تطبيقاً للفقرة السابقة ولمدة سنة تبدأ من تاريخ تركهم العمل بحق أولوية (أفضلية) في العودة إلى العمل في المؤسسة التي صرفوا منها إذا عاد العمل فيها إلى طبيعته وأمكن استخدامهم في الأعمال المستحدثة فيها».
يشرح المحامي نزار صاغية كيف يحصل التعامل مع هاتين الفقرتين كحجة لصرف الموظفين بلا أي مسوّغ قانوني، ومن دون اعادتهم الى العمل حتى لو عادت المؤسسة الى نشاطها. ففي قضايا الصرف الاقتصادي «لا توجد آلية تضمن حقيقة الاستناد الى الفقرة «واو» من المادة 50 من قانون العمل. يجري الكلام بنحو مبسط حول الموضوع، من دون تدقيق فعلي، وبالتالي فإن المادة تحتاج الى تعديل بحيث لا تستعمل خارج السياق، كما يجب أن تعطي ضمانات اكثر للأجراء. ويشرح صاغية أن هذه الفقرة أصبحت ذريعة للصرف من دون اي سبب. اما المشكل الاضافي في نص هذه الفقرة فهو تعطيل مجالس العمل التحكيمية منذ حوالي سنة، بحيث لا يوجد اي حماية للاجراء، ولا يوجد أي مرجع يستقبل وينظر بالشكاوى المقدمة من العمال. النتيجة: «أصبحت وزارة العمل التي لا يمكنها سوى القيام بوساطات بين صاحب العمل والأجير، تنصح الأجراء بقبول عروض اصحاب العمل بتعويضات هزيلة بسبب غياب مجالس العمل التحكيمية. أما المشكلة الأكبر، فهي ان لا أحد يتحدث عن الموضوع، لا النقابات العمالية ولا نقابات المحامين ولا أي جهة.
يقول مصدر مطلع في وزارة العمل إن الوزارة لا يمكنها سوى القيام بوساطات لحل القضايا «حبياً». في حالات الصرف الاقتصادي، اذ تقوم الوزارة بتحقيقات مع الأجراء وأصحاب المؤسسات، وفي بعض الحالات تذهب الى مكان العمل للاطلاع على حقيقة ما تقدمه المؤسسة من بيانات حول ازمتها الاقتصادية. كذلك، تقدم المؤسسة ميزانيتها عن ثلاث سنوات ماضية لإثبات وجود الخسائر، وأحياناً تستعين الوزارة بخبراء محاسبة للكشف عن هذه البيانات. وتلفت هذه المصادر الى أن المؤسسات التي تلجأ الى وزارة العمل لتطبيق الفقرة «واو» هي من قطاعات اقتصادية مختلفة. غالباً ما تنتهي القضايا «حبياً»، واذا أصر الأجراء على مطالب معينة، يلجأون الى مجالس العمل. الا أن مصادر مطلعة على ملفات وطلبات الصرف الاقتصادي، تؤكد أن الوزارة لا تتابع فعلياً معظم القضايا المتعلقة بهذا النوع من الصرف، ولا يتم التأكد مما إذا كانت المؤسسات تنطبق عليها الشروط الثلاثة الموجودة في الفقرة «واو»: «تقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل» إلا في حال القضايا الكبيرة، والتي تثير «ضجة» في البلد.
انتقالاً الى الفقرة «ز»، يؤكد المحامي ايلي بيطار أن هذه الفقرة التي تلزم المؤسسة باعادة تشغيل الأجراء المصروفين في حال معاودتها العمل، لا تطبق بشكل مطلق، اذ لا يصار إلى متابعة الاجراءات التي تقوم بها المؤسسة لا من قبل الوزارة ولا المحاكم. السبب: «لم نصل بعد الى هذه الدرجة من الوعي». الأسوأ: أن أي حكم قضائي لم يصدر باعادة العمال المصروفين. اذ في حال استند احد الاجراء الى الفقرة «ز» ورفع شكوى الى مجلس عمل تحكيمي، يخرج الحكم مخالفاً لمضمون هذه الفقرة. انه قصور في تطبيق القانون، يقول بيطار. وعلى مجالس العمل التحكيمية ان تعود الى العمل، فالوزارة ليس لها سلطة الامر والزجر. كما أن قانون العمل يفرض على المجلس التحكيمي اصدار حكم بقضايا العمل خلال 3 اشهر كحد أقصى، الا أن هذه القضايا تبقى في المحاكم لفترات طويلة تصل الى 5 سنوات واكثر في بعض الحالات.
ويشرح بيطار أن المؤسسة التي تستند الى الفقرة «واو» لصرف أجرائها، ملزمة وفق القانون بدفع تعويض بين شهرين و12 شهراً، اذ تنص المادة 50 على انه إذا كان الفسخ صادراً من قبل صاحب العمل يقدّر التعويض على أساس نوع عمل العامل وسنّه، ومدة خدمته، ووضعه العائلي والصحي ومقدار الضرر، ومدى الإساءة في استعمال الحق، على أن لا ينقص التعويض الذي يحكم به عن بدل أجرة شهرين وان لا يزيد على بدل أجرة اثني عشر شهراً، وذلك بالإضافة إلى ما قد يستحقه العامل من تعويضات قانونية تتعلق بنهاية الخدمة.
الا أن قيمة التعويض تعتبر هزيلة جداً، يقول صاغية، اذ إن المؤسسات تسعى إلى دفع الحد الأدنى من التعويض، وقليلاً ما تصل قيمة التعويض الى 5 أشهر مثلاً، وبالتالي فإن عدم تحديد قيمة التعويضات وفق معايير صارمة، يجعل من السهل على المؤسسات صرف عمالها في مقابل تعويضات هزيلة، لاستبادلهم بأجراء آخرين يحصلون على رواتب أدنى، مستفيدين من عدم تطبيق الفقرة «ز» من المادة 50.


7 أشهر
السقف الأعلى لتعويض الصرف التعسفي الذي أصدرته مجالس العمل التحكيمية، في حين أن هذا السقف يصل قانوناً الى 12 شهراً، ويشرح المحامي إيلي بيطار أن القانون يشير الى أن تحديد سقف التعويض له معايير متعلقة بعمر الأجير وفترة مزاولته العمل وغيرها

القانون «الملغوم»
يشرح المحامي نزار صاغية أن قانون العمل يشوبه الكثير من الإشكالات. هناك بنود تحتمل اجتهادات متناقضة. مثلاً، على صاحب العمل القيام بإجراءات في وزارة العمل إذا أراد الاحتكام الى الصرف الجماعي، وفي هذا الموضوع تختلف الاجتهادات، منها ما يعتبر أن عدم قيام صاحب العمل بهذه الإجراءات يفقده حقه بالاحتكام الى الفقرة «واو» المتعلقة بالصرف الاقتصادي، ومنها ما يعتبر هذا الاحتكام يبقى قائماً. كما بإمكان صاحب المؤسسة اتهام الأجير بمخالفات معينة تجيز له الصرف، من دون أن يكون للأجير أي حق بالدفاع عن نفسه ...
اقتصاد
العدد ١٦٧٨ الجمعة ٦ نيسان ٢٠١٢

5‏/4‏/2012

علبة السجائر بـ 8250 ليرة


من يجرؤ على تحدي شركات التبغ لزيادة الضريبة؟

نسبة المدخنين (بين 13 الى 15 سنة) ارتفعت من 7،5% في 2001 الى 11،3% في 2011 (مروان طحطح)
120 مليون دولار إضافية يمكن أن تحققها الخزينة إذا رُفعت الضريبة على استهلاك السجائر إلى 73 في المئة. ويمكن كذلك زيادة العائدات الضريبية 150 في المئة إذا رُفع سعر العلبة إلى 8250 ليرة. الإجراء الأخير يؤدي إلى خفض الاستهلاك بنسبة 22 في المئة في لبنان. فمن يجرؤ على مواجهة إمبراطوريات السجائر؟
رشا أبو زكي
يمكن أن تصبح إيرادات الضرائب على التبغ في لبنان نصف مليار دولار. يمكن أن يتراجع استهلاك السجائر إلى مستويات قياسية. يمكن أن تنخفض النفقات على الصحة بمعدلات عالية. يمكن أن يصبح لبنان بمصاف الدول العربية المحيطة على الأقل في ما يتعلق بسعر علب السجائر ونسبة المدخنين. يمكن الكثير، إلا أن وكلاء الشركات العالمية للسجائر في لبنان، كما أقرباء النواب العاملين في كبرى أقسام التسويق في كبرى شركات التبغ في الشرق الأوسط، هم الأقوى. يمكن الكثير، إلا أن السياسيين مشغولون بقضايا أكبر، قضايا تزيد تشبثهم بمواقعهم لزيادة رقعة فسادهم. يمكن الكثير، لو أن اللبنانيين يعون ماهية حكّامهم. وبما أن الإمكانات كثيرة واليد قصيرة، فإن نسبة المدخنين لمن تراوح أعمارهم بين 13 إلى 15 سنة ارتفعت من 7،5 في المئة من إجمالي المدخنين في لبنان عام 2001 إلى 11،3 في المئة في عام 2011، فيما ترتفع النسبة إلى 46 في المئة لدى الذكور فوق الـ 24 عاماً، و31 في المئة لدى النساء من الفئة ذاتها، والأرقام عن مدير البرنامج الوطني لمكافحة التدخين جورج سعادة.
الحلول موجودة، فقد خلص فريق بحثي من الجامعة الأميركية في بيروت، بعد دراسة استمرت عاماً كاملاً، إلى أن زيادة الضرائب على المنتجات التبغية ستؤدي إلى خفض نسبة المدخنين وستدرّ على خزينة الدولة أرباحاً مهمة. أُعلنت هذه النتيجة خلال لقاء نظمته في السرايا الحكومية مجموعة البحث للحد من التدخين، التابعة لكلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت. وقد موّل هذه الدراسة المركز الكندي لبحوث التنمية الدولية، وأشرف عليها كل من الباحثين: ريما نقاش، جاد شعبان، نسرين سلطي (الأعضاء في مجموعة البحث للحد من التدخين).
ماذا تقول الدراسة؟ اللبنانيون يستهلكون 12،4 علبة سجائر في الشهر وهي من أعلى المعدلات في العالم، بحيث تبلغ في في سنغافورة 1،7 علب، 3،5 علب في الأردن، 4،4 علب في سوريا، 3،7 علب في فرنسا. الإنفاق الإجمالي على السجائر وصل إلى 553 مليون دولار عام 2010 منها 512 مليون دولار على 307 علب سجائر مستوردة في العام المذكور، و41 مليون دولار على السجائر المحلية و600 ألف دولار على تنبك النرجيلة. ويبلغ متوسط سعر علبة السجائر المستوردة 1،67 دولار، وللمحلية 0،5 دولار، والتنبك دولارين.
إيرادات الضرائب على التبغ تصل في لبنان إلى 230 مليون دولار سنوياً؛ إذ تصل الضريبة على السجائر المستوردة 51 في المئة وترتفع إلى 52 في المئة على السجائر المحلية لتنخفض إلى 30 في المئة على التنباك. وهي أدنى من نسبة بلدان الدخل المتوسط بحيث تبلغ الضريبة 70 في المئة. كذلك تقدر نسبة التهريب عبر الحدود بـ 15 في المئة من الإيرادات.
في المقابل، إن كل زيادة بنسبة 10 في المئة على أسعار السجائر المستوردة تسجل خفضاً في الكمية المستهلكة بنسبة 2،2 في المئة، و1،54 في المئة انخفاض على طلب السجائر المحلية و1،45 في المئة على التنباك. لكن زيادة سعر السجائر المستوردة بنسبة 10 في المئة ستزيد كمية استهلاك تنباك النرجيلة بنسبة 1،5 في المئة.
إن ضريبة جديدة على كل المنتجات التبغية يمكن تخصيص عائداتها لمشاريع تخدم الصحة العامة، والمطلوب زيادة 250 ليرة على علبة السجائر المحلية، 1500 ليرة على المستوردة و500 ليرة على التنباك. كذلك إن رفع أسعار السجائر المستوردة من 2500 ليرة كمعدل وسطي إلى 4750 ليرة يصبح أكثر تماشياً مع الأسعار الدولية، وتؤدي كذلك إلى انخفاض استهلاك السجائر المحلية بنسبة 92 في المئة، والمستوردة بنسبة 7 في المئة والتنباك بنسبة 26 في المئة، في حين أن ارتفاع حصة الضريبة من سعر البيع بالتجزئة من 51 في المئة إلى 73 في المئة على السجائر المستوردة يولد زيادة على ضرائب التبغ 127 مليون دولار من العائدات العامة الإضافية، أي أكثر بـ 52 في المئة تقريباً من الإيرادات الحالية.
وكذلك، يمكن زيادة العائدات الضريبة 150 في المئة إذا رُفع سعر العلبة إلى 8250 ليرة، ما يؤدي إلى خفض الاستهلاك بنسبة 22 في المئة.
وبالخلاصة، تؤدي زيادة الضرائب بنسبة لا تقل عن 70 في المئة من أسعار التجزئة إلى خفض الاستهلاك والحد من انتشار التدخين. كذلك تنتج إيرادات إضافية للدولة، حتى مع افتراض الزيادة الكبيرة في التهريب. كذلك إن المدخول الإضافي للدولة، وهو على الأقل 127 مليون دولار، يعتبر أكثر من عائدات الضريبة على الأملاك المبنية، ما ينتج ادخاراً في الإنفاق الصحي على المدى الطويل.
أما في ما يتعلق ببعض المغالطات والأكاذيب، فيشرح الدكتور جاد شعبان أبرزها:
*عبارة: «مش وقتها هلأ في مشاكل أهم بالبلد»، إن التدخين هو أهم الأخطار في لبنان بحيث يقتل 2700 لبناني ويسبب 1000 حالة سرطان جديدة سنوياً.
*عبارة: «زيادة الضريبة ستضر الفقراء»، إن الحد من التدخين يخفف الإنفاق على الصحة، ما يحسن أوضاع الأسر الفقيرة.
*عبارة: «زيادة الضريبة ستقضي على زراعة التبغ»: إن 40 في المئة من مزارعي التبغ يعتمدون على مصادر أخرى للدخل، كذلك إن مدخول المزارعين من هذه الزراعة لا يتجاوز ثلث معيشتهم.
يعقّب وزير المال محمد الصفدي على الدراسة. يشرح أنه كلما ارتفعت الضرائب على السجائر ارتفعت نسبة التهريب، وبالتالي تصبح الدولة أمام معضلة زيادة أرباح المهربين من دون الوصول إلى نتيجة فاعلة في موضوع الحد من التدخين والحصول على المزيد من الإيرادات الضريبية من هذا البند. ولفت إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تعاني الكثير في هذا الموضوع؛ إذ بعد رفعها الضرائب على التبغ، زادت نسبة التهريب من كندا بمستويات خارج أي قدرة على الضبط. وشرح الصفدي أنّ من الممكن الوصول إلى حلول في هذا الإطار، وذلك عبر إجراء دراسات متخصصة لبحث الآليات الممكنة والتي تجعل من الضرائب على التبغ فاعلة في خفض معدلات التدخين.
يطرح الحاضرون الكثير من علامات الاستفهام. تنتهي الندوة بلا وعود. في بعض الأحيان، الضرائب لا تكون ذات منفعة. وخصوصاً إن كان المستفيد هو المواطن بشكل أساسي.

53%
من الرضّع في لبنان مدخّنون سلبيّون ومعرّضون لكل أنواع الأمراض التي يسبّبها التدخين، في حين أن نسبة المدخّنات في لبنان هي الأعلى في المنطقة

60%
من المراهقين اللبنانيين يتعاطون نوعاً من أنواع التبغ، وخصوصاً النرجيلة، في حين أن 90% منهم يتأثرون بإعلانات منتجات التبغ

اتفاقية في الجارور
يشرح الخبير الاقتصادي جاد شعبان أن لبنان صدّق على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ في شباط 2005، ورغم ذلك، لم يتم حتى الآن وضع أي سياسة وطنية تستلزم زيادة الضرائب على التبغ، كما هو منصوص عليها في الاتفاقية. ولم يتم حتى الآن إجراء أي دراسة تتناول مفاعيل زيادة الضرائب على منتجات التبغ وتأثيرها على المجتمع والمالية العامة
اقتصاد
العدد ١٦٧٧ الخميس ٥ نيسان ٢٠١٢

3‏/4‏/2012

كلفة الموت




تكاليف الموت كثيرة وتثقل حياة الفقراء (هيثم الموسوي)

الفقراء ملزمون بدفع ألفي دولار... والأثرياء حتى 20 ألفاً!
الموت في لبنان كما الحياة فيه، غال، والغلاء له عوامل عديدة من أسعار الأراضي الى ارتفاع كلفة الخدمات واللوازم المستخدمة لدفن الموتى، وكما في الحياة كذلك في الموت، إذ إن التكاليف المرتفعة تجعل الفقراء في موقف محرج، فطقوس الموت مفروضة ولوازمه كذلك، إلا أن الكلفة الأدنى لإحياء هذه المناسبة الحزينة لا تقل عن ألفي دولار... الفقراء ممنوع عليهم حتى الموت!

رشا أبو زكي

الحياة في لبنان مكلفة، لا بل مكلفة جداً، والفوارق الطبقية واضحة، لا بل واضحة جداً، ومن يبحث عن السكن هو أكثر العارفين، السكن يعني أمتاراً تشترى من أرض لبنان، هي أمتار يحتاج إليها المواطن لتكون ملجأه، لكن ماذا عن كلفة الموت؟ ماذا عن المتر ونصف المتر التي تعد أرضاً إجبارية يدفن فيها المواطن جسده؟ يمكن القول ان كلفة الموت لا تقل عن كلفة الحياة، وشراء بضعة أمتار للقبر مرهق إرهاق شراء بضعة أمتار للحياة، أما الفوارق الطبقية بين الأموات، فهي مدهشة حقاً، فالفقير في لبنان يجب ألّا يموت، وإن مات، فالبلاء يقع على من يتكفل بلوازم الدفن وسعر القبر وأجرة المشايخ والمطارنة والخوارنة

، أما الأثرياء، فهم يتفننون بالموت، يزخرفون القبور ويستوردون النعوش وينفقون آلاف الدولارات لضمان صورتهم أمام الأحياء قبل الأموات... إنه لبنان، لا الحياة تفتح ذراعيها للفقير، ولا الموت يريحه من شقائه!
فلنبحث عن سوق دفن الموتى في لبنان، عن حجم العمالة، عن المصاريف، عن الأكلاف، والتفاوت الطبقي في الموت.. حتى الموت.

سوق الدفن... ناشطة

حين يهوي الاقتصاد بسبب الحروب تنشط، حين تتراجع الخدمات الاجتماعية والصحية تنشط، فسوق دفن الموتى تبقى في حراك مستمر، فكيف ببلد لا يكلّ من الحروب ولا يمل من ضرب الرقابة على كل ما يستهلكه المواطنون من دون توفير الحد الادنى من الخدمات الاجتماعية؟ ففي لبنان الموت عادة، فتتنافس شركات تأمين لوازم الدفن والجنائز بشدة في ما بينها، ولمجاراة الطلب الذي يزيد لعوامل عدة، قامت هذه الشركات بتقديم سلة خدمات جديدة، بحيث تتولى كل ما يتعلق بألفباء الجنائز والمآتم، ولكل شيء سعره.
وحتى عام 2011، وصل عدد شركات دفن الموتى الى أكثر من مئة شركة في جميع المناطق اللبنانية، برزت منها نحو 10 شركات محترفة، ولا تتطلب هذه المهنة التي تشغّل نحو 1000 عائلة في لبنان رخصة خاصة لمزاولتها، وبالتالي يشير عدد من اصحاب شركات دفن الموتى لـ«الأخبار» إلى أن الخصائص الاساسية التي يجب أن تكون متوافرة لدى العاملين في المهنة هي «طول البال» والصبر والتأقلم مع الزبائن في حزنهم. ويلفتون الى أن هذه المهنة فيها الكثير من الأرباح، بحيث لا توجد اسعار موحدة بل تتفاوت اسعار الخدمات المقدمة بحسب القدرات المادية لأهالي الموتى، وبالطبع بحسب الخدمات المطلوبة. أما أكثر الإشكالات التي تواجه هؤلاء فهي اسعار اعلانات الوفيات في الجرائد التي ترتفع بطريقة متواترة وتعد «غالية». ومع اختلاف العادات بين الطوائف اللبنانية، تختلف الخدمات المقدمة في هذه المناسبات، في حين أن بذخ المال على المآتم والجنائز ظاهرة موجودة بكثرة في المجتمع اللبناني، وفي المقابل يرمى الفقراء في المدافن بطريقة تذلهم حتى حين يموتون!

تكاليف الموت لدى الطوائف

وبسبب تطور الخدمات، تطورت الطقوس الاجتماعية ولوازم الدفن، وأصبح هنالك متطلبات جديدة تعمل الشركات على تأمينها... وفي رصد لأكلاف الموت في لبنان، تظهر فروق بين الطوائف، وفروق بين موتى الطائفة نفسها، لكن الأكيد أن كلفة الموت لا يمكن أن تقل عن 2000 دولار لدى العائلات الفقيرة، فيما تصل الى 5 آلاف دولار لدى العائلات المتوسطة، وصولاً الى 20 ألف دولار لدى العائلات الميسورة. ويعلّق أحد أصحاب الشركات قائلاً «في لبنان كلفة الجنازة مثل كلفة الزواج، والمشترك أن كليهما يشكوان من أسعار الأراضي المرتفعة».
والخدمات الأساسية المستخدمة في مناسبات الحزن هي: سيارة لنقل الموتى، عمال لحمل النعش ولتوزيع القهوة وغيرهما من الخدمات، اوراق النعي، زهور، كراسي، اعلانات في الجرائد، خوارنة أو مطارنة او مشايخ، استئجار او شراء أماكن الدفن، اضافة الى التوابيت (لدى الطائفتين المسيحية والدرزية).
وإن كان لكل طائفة أكلاف موتها، فكلها تتطلب عدداً من الخدمات المشتركة، اذ لنقل الموتى سيارة خاصة لا يمكن الفقير كما الغني الاستغناء عنها، أما إيجارها فلا يقل عن 150 دولاراً داخل بيروت ليرتفع السعر بحسب المسافة ان خارج بيروت. أما الزهور المستخدمة كأكاليل فهي تبدأ بـ20 دولاراً وترتفع بحسب نوع الزهور والورود المستخدمة لتصل الى 500 دولار. وتأتي أكلاف متفرقة لا تقل كلفتها عن 500 دولار للفقراء لتصل الى آلاف الدولارات لدى الميسورين، منها مثلاً إكراميات لغسل الموتى، وثياب جديدة للموتى (لدى بعض الطوائف)، وكراس لاستقبال المعزين في المنازل، وطبع اوراق النعي وتوزيعها...
اما النعوش التي يستخدمها كل من الطائفة المسيحية والمذهب الدرزي، فهي تصنف الأموات طبقياً كذلك، إذ يبدأ سعر التابوت من 300 دولار ليصل الى 10 آلاف دولار، وذلك بحسب حجم النعش ونوع الخشب المستخدم، والزخرفة المنقوشة عليه، وإن كان هذا النعش محلي الصنع او مستورداً...
ولإعلانات الجرائد قصة أخرى، اذ إن النعي أصبح يُعمّم عبر استخدام الجرائد عادة، الا أن كلفة الإعلان لا تقل عن 55 ألف ليرة لخمسة أسطر في الجريدة لليوم الواحد، ويزيد السعر كلما يزيد عدد الأسطر، اضافة الى اختلاف السعر اذا ترافق الخبر مع صورة. ويروي أحد أصحاب شركات دفن الموتى، أن إحدى العائلات طلبت وضع اعلان وفاة في 7 جرائد لمدة 5 أيام، فإذا بها تفاجأ بأن كلفة الإعلان وصلت الى 4000 دولار. واشار الى أن العائلة لم تكن تتوقع أن تكون اسعار الاعلانات مرتفعة الى هذه الدرجة!

بين المدافن ورجال الدين!

يختلف المثوى الأخير للموتى بحسب اختلاف الطوائف، الا أن المشترَك هو الكلفة الخيالية للدفن وما يستتبعه من أماكن للصلاة وغيرها... ويشير صاحب احدى مؤسسات دفن الموتى في الأشرفية إلى ان أجرة صالون الكنيسة لا تقل عن 200 دولار لليوم، لترتفع الى 700 دولار في الكنائس الكبيرة، علماً أن استئجار قاعات الكنيسة يكون لثلاثة أيام، اي نهار الدفن ويومين بعده. أما الكهنة الذين يصلّون في الكنيسة فيتقاضون أيضاً أتعابهم، إذ يأتي ثلاثة خوارنة يتقاضى كل منهم ما لا يقل عن 100 أو 150 دولاراً، في حين أن العائلات الثرية تطلب مطراناً للصلاة، وهو لا يتقاضى أقل من 700 دولار، وترتفع القيمة الى 1200 دولار عادة. كذلك تنفق العائلة ما لا يقل عن 60 ألف ليرة لكل عامل يقدم القهوة والطعام. إذ يترافق الجناز مع عرض الطعام على المعزين، وتراوح الكلفة بين 400 دولار للسندويشات العادية وصولاً الى 4000 دولار لمن يشتري مآدب من المطاعم، وبالطبع ترتفع هذه الكلفة إذا كان المطعم معروفاً.
اما المدفن، فهي كارثة حقيقية، إذ إن أرخص مدفن في مقبرة في بيروت بمساحة 3/3 أمتار يكلف 15 ألف دولار، بحيث يتم شراء الارض لحفرها ووضع التابوت، وترتفع هذه القيمة بحسب اسعار العقارات في المناطق، في حين ان متوسطي الحال يلجأون الى ما يسمى «الجوارير» بحيث يوضع الموتى في «جارور» خاص مرتفع عن الارض، وكلفة الجارور بين 2000 و3000 دولار... لكن ماذا عن الفقراء الذين لا يملكون هذه المبالغ؟ الحل هو مدفن عمومي يستأجر لمدة سنة تقريباً بـ200 دولار، حيث يوضع الموتى معاً، وفي نهاية العام يزال الرماد ويحرق ليتسع المدفن للموتى المقبلين!
أما لدى الطوائف الاسلامية، فلا مفر من رسم المدفن وهو 500 دولار اضافة الى 800 ألف ليرة لتعمير القبر ووضع البلاطة، فيما تتقارب التكاليف الأخرى مع تلك التي يدفعها المسيحيون بحيث يتقاضى الشيخ الذي يصلي في الحسينية مبلغاً يبدأ بـ100 ألف ليرة، ويزيد بحسب قدرة الأهل على الدفع، وكذلك يلقي الشيخ ما يسمى «الشهادة» للمتوفى قبل دفنه ويتقاضى 50 ألف ليرة تزيد بحسب ما يريد الأهل. وفي العادات الاسلامية يضطر اهالي الفقيد الى توزيع الأكل والدخان والقهوة «عن روح» المتوفى على المعزين، وتبدأ كلفة الطعام بـ300 دولار وتزيد بحسب الأصناف المعروضة.
أما لدى المذهب الدرزي فيوجد من 4 الى 5 شيوخ يصلّون عن روح المتوفى في دار الطائفة الدرزية، أو في القاعات المخصصة لذلك في القرى، فيما يحضر الأهالي «ندابين» وهم من فرق الزجل، وتصل أجرة غالبيتهم الى 1500 دولار ترتفع الى 3000 دولار بحسب شهرة الفرق، وكذلك يدفعون «حسنات» الى المعزّين بحيث توضع هذه الحسنات في دوائر الطائفة للمعزين كل بحسب منطقته، وأقل مبلغ يدفع للحسنات هو 1000 دولار يرتفع بحسب قدرة الاهل على الدفع... كذلك يدفع الاهالي رسماً للقاعة في دار الطائفة يبدأ بـ300 دولار ويصل الى 1000 دولار كل حسب قدرته، فيما تتوافر مدافن قديمة للموتى من المذهب الدرزي من دون مقابل.
ويروي أصحاب مؤسسات دفن الموتى غرائب في ما يتعلق بالمآتم والجنائز، بحيث إن الأغنياء كثيرو التطلب، وهم مستعدون لإبقاء الموتى في برادات المستشفيات الى أن يجدوا توابيت بألوان محددة وبأنواع معينة من الخشب، كما يهتمون بشكل الورد ونوعه، وتزيد مطالبهم من ناحية عدد العمال الذين يحتاجون إليهم للمساعدة، ويهتمون بتفاصيل غريبة مثل تنسيق اكاليل الزهر على التابوت مع الاكاليل التي توضع قرب
القبر...


20 ألف دولار

هي القيمة الأدنى للرأسمال المفترض ان يتوافر لدى الراغب في افتتاح شركة لتأمين لوازم وخدمات دفن الموتى في لبنان، ويضاف الى هذه الكلفة ايجار المحل وتسجيله وغيرها من المصاريف التي لا تتعلق بالمواد والبضائع المستخدمة.


صفحات الوفيات في الجرائد

كثيراً ما يشكو أهالي المتوفين من ارتفاع كلفة وضع اعلان للوفاة في الجرائد، الا أن الإعلان المبوب في الجرائد يعد ذا سعر زهيد جداً نسبة الى الاعلانات التجارية. إذ أن تكلفة 100 اعلان وفية تساوي تكلفة اعلان تجاري واحد، وتلفت الى أن اعلان الوفية يعدّ بالنسبة الى الجرائد خبراً يستقطب القراء وله جمهور خاص، كما أنه مصدر دخل اضافي للجريدة. وتشير الى أن رفع سعر إعلان الوفاة يترافق اجمالاً مع زيادة كبيرة تحصل على اكلاف الطباعة والرواتب وغيرها، الا أنه لا يوجد حالياً أي اتجاه لدى الجرائد لزيادة الأسعار.

اقتصاد
العدد ١٤٥٧ السبت ٩ تموز ٢٠١١

إهمال الصناعة في البيان الوزاري

غياب الخطط وآليات التنفيذ... والاكتفاء بالشعارات القديمة


كلمات رنانة في البيانات الوزارية ولدى نيل الثقة تختفي الوعود! (أرشيف ــ هيثم الموسوي)

الحكومة الحالية تضمّ عدداً لا يستهان به من الصناعيين الذين أصبحوا وزراء فعليين، إلا أن هذا الأمر لم يترجم اهتماماً خاصاً بالقطاع الصناعي في البيان الوزاري، بل طغت على البند المتعلّق بالصناعة التزامات عامّة لا معنى حقيقياً لها، وذلك على الرغم من أن تراجع الصادرات الصناعية خلال الفترة الماضية كان الشغل الشاغل للاقتصاديين... والسياسيين!

رشا أبو زكي

ظهرت في الحكومات السابقة أساليب جديدة للتعاطي مع القطاع الصناعي، منها مثلاً دعوة الصناعيين للهجرة الى الخارج، أو تسييس مطالبهم، أو استخدامهم للتسلق الى الكراسي بوصفهم يمثّلون ما بقي من بورجوازية تقليدية... في الحكومات السابقة أيضاً، كان وزراء «المعارضة حينها» يعدّون أوراقاً مطلبيّة لا تُحصى ولا تعد، يغرقون أجهزة التلفزة والجرائد بأصواتهم المعترضة على تهميش القطاع ومحاربته. أما وقد صار معارضو الأمس أكثرية الحكومة اليوم، بُحّت الأصوات، وجفّت المحابر، فلم يبق للبيان الوزاري للحكومة التي تضم أكثر من 4 وزراء صناعيين سوى 5 أسطر، تكرارية عامة وغير جدّية، 5 أسطر لا أكثر لا تلزم الحكومة الجديدة بأي شيء فعلي، فلا تحديد لأهداف واضحة محددة ولا جداول زمنية لإقامة مدن صناعية مثلاً، ولا توضيح لماهية عبارة «تأمين طاقة بديلة»، ولا تفصيل للقوانين القطاعية التي تحتاج الى تحديث، وإن كان البند المتعلق بالقطاع الزراعي استلزم 10 دقائق لصياغته، فإن بند الصناعة لم يستدع كاتبه حتى أن «يحك» رأسه... ولسان حال عدد من الصناعيين يردد «البيان الوزاري للحكومة الجديدة هو حبر على ورق»، وكما تقول فرقة الطفار: «حبر ع ورق مو قانون»...
«جرّبناك جرّبناك، من أعطاك هذا السر؟ من سمّاك؟ من أعلاك فوق جراحنا ليراك؟»، هذا ما يقوله محمود درويش في إحدى قصائده، فمكونات حكومة ما يسمّى اللون الواحد، كانت موجودة في الحكومات السابقة «بالمفرق»، وما من تغيّر واضح في السياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة بعدما صارت «بالجملة»، التجارب علّمت الصناعيين أن لا يثقوا بأي حكومة لا تعلن في بيانها الوزاري، كما في سلوكياتها اليومية، عبارة واضحة من دون أي التباس: «أنا، الحكومة اللبنانية، أريد القطاع الصناعي»، هذه العبارة تحديداً هي نقطة البداية، وفق رئيس تجمّع صناعيي كسروان نقولا أبي نصر. فمنذ الاستقلال وحتى اليوم، لا تزال الحكومات، وفق أبي نصر، تكتب كلمات رنانة في بياناتها الوزارية عن القطاع الصناعي، إلا أنه حين تنال الثقة تختفي الوعود عن ساحة التنفيذ، «فالبيانات الوزارية لم تعد ذات صدقيّة»... وتشير الحكومة الجديدة في بيانها الوزاري في الفقرة 34 إلى ما يأتي: «إن الحكومة عازمة على إعطاء القطاع الصناعي الاهتمام الكافي والرعاية المناسبة، وذلك عبر تحديث القوانين والأنظمة لدعم القطاع الصناعي ومساندته، واستحداث هيئة إنشاء وإدارة مراكز التجمع الصناعي وإيجاد مناطق ومدن صناعية حديثة ببناها التحتية وخدماتها المتطورة، والعمل الحثيث على تأمين مصادر الطاقة البديلة، والتمويل اللازم لإنشاء الصناعات اللبنانية وتطويرها، وستشجع الحكومة على إقامة المعارض للإنتاج اللبناني، وتعمل على ربط البرامج الأكاديمية والمهنية باحتياجات السوق الصناعية».
وهنا يقول أبي نصر «إذا كانت الحكومة جدية في ما تقوله، كان عليها تحديد القوانين التي تحتاج الى تحديث أو تغيير. فمعظم القوانين المتعلقة بالصناعة تعود الى العهد العثماني. أما المستجدّ منها فهو سيئ ومدمّر للقطاع، فمثلاً تفرض ضريبة متساوية على المستهلكين إن ابتاعوا سلعاً محلية أو مستوردة، فيما الضريبة على القيمة المضافة مثلاً يجب أن لا تتعدى 5 في المئة على الإنتاج المحلي لتشجيع المواطنين على استهلاكها. كذلك لا بد من دراسة عدم فرض رسوم تأمينية باهظة على عمليات تطوير محطات الكهرباء الخاصة بالمصانع، وبالطبع تحديد نوع الضرائب التي تستوفيها البلديات من المصانع. أما بالنسبة الى المناطق الصناعية فهي موجودة في جميع البيانات الوزارية منذ التسعينيات، إلا أنه حتى الآن لم تقم أي حكومة بخطوة واحدة في اتجاه إنشائها». ويستغرب أبي نصر عبارة «إيجاد مصادر الطاقة البديلة» المذكورة في البيان، ويسأل: «هناك عدد كبير من أنواع الطاقة البديلة، ماذا تقصد الحكومة بما تقوله؟ إنه تنظير لا أكثر».
ويقول أبي نصر إن أولوية الصناعيين ليست إقامة معارض للإنتاج اللبناني في الخارج، إذ يوجد في وزارة الصناعة مبلغ مرصود للمعارض، لكن الأهم هو خفض كلفة الإنتاج. فعندما يعرض الصناعيون اللبنانيون سلعهم تكون أسعارها متقاربة مع تلك التي تعرضها الدول المجاورة والعربية، ويلفت الى أن لبنان يستورد كل شيء، على الرغم من أن الدول الأخرى تحمي قطاعاتها لأن هناك سياسة انفتاح وتشجيع للاستيراد، لا للتصدير.
بدوره، يرى رئيس تجمع صناعيي الضاحية الجنوبية أسامة حلباوي أن المشكلة الأساسية التي تطرّق إليها البيان الوزاري هي المناطق الصناعية، بحيث إن لبنان يفتقر الى هذه المناطق، كما كان على البيان أن يتضمن إعادة درس الاتفاقات بين لبنان والدول العربية، وخصوصاً تلك التي تلغي الرسوم الجمركية في عملية انتقال البضائع، بحيث إن السلع اللبنانية غير قادرة على منافسة تلك الواردة من الدول العربية حتى في السوق المحلية، ويقول: «وكيف لا، إذا كان سعر الكهرباء في لبنان هو 20 ضعف السعر في السعودية مثلاً؟»، لافتاً الى أهمية دعم الصناعات ذات الاستخدام الكثيف للطاقة، بحيث توضع رسوم جمركية على السلع المشابهة المستوردة من الخارج... ويقول حلباوي «بعض الأحيان تتضمن البيانات الوزارية الكثير من الكلام، لكن ليس هناك تطبيق، ونحن سنتابع كيف ستسير الأمور»، لافتاً الى أن المشكلة ليست بوزراء الصناعة، بل بالحكومات مجتمعة بحيث تمتنع عن اتخاذ أي قرار داعم للصناعة.
وإن كانت الصناعة كقطاع قد ذكرت في البيان الوزاري، إلا أن الصناعات الغذائية التي تتصدّر لائحة الصادرات الصناعية اللبنانية لم تذكر أصلاً في البيان الوزاري، على الرغم من الإشكالات العديدة التي تواجهها. ويشير رئيس نقابة الصناعات الغذائية جورج نصراوي الى أن كلاً من القطاع الصناعي والزراعي لم يحظَ باهتمام فعلي في البيان الوزاري، وتداخل هذين القطاعين ينتجان الصناعات الغذائية، لافتاً الى أن ما ذكر في الفقرة المقتضبة عن الصناعة في البيان الوزاري يعدّ عناوين حقيقية لتطوير القطاع، إلا أنها تتردد مع كل بيان وزاري وتبقى حبراً على ورق، وأن العبرة دائماً في التنفيذ...


82843 عاملاً صناعيّاً

في القطاع الصناعي، منهم 8100 من مالكي المصانع، بينما 4560 عاملاً موسمياً. ويشير المسح الصناعي الى أن ما يقارب 78 في المئة من المؤسسات الصناعية توظف ما بين 5 و19 عاملاً، بينما تمثل المنشآت التي توظف أكثر من 100 عامل 3 في المئة فقط من مجموع المنشآت


الحكومة السابقة: وعود

ضمّت الحكومة السابقة عدداً من الوزراء في الحكومة الجديدة، وقد وعدت بتطوير القطاع الصناعي ولم تف. وجاء من ضمن وعودها: تفعيل دور المجلس اللبناني للاعتماد وهيئة إنشاء وإدارة مراكز التجمع الصناعي. إنشاء جهاز من القطاعين العام والخاص يعمل باستمرار على تنفيذ قانون حماية الإنتاج الوطني. المساعدة على تعزيز القدرة التنافسية للصناعات اللبنانية، ولا سيما تلك التي تعتمد على استخدام كثيف للطاقة. زيادة الصادرات المحلية من خلال تفعيل إنتاجية القطاع وتحسين جودة المنتجات الصناعية وتشجيع الصناعات الجديدة ذات القيمة المضافة التي يستطيع لبنان المنافسة بها على نطاق إقليمي وعالمي.

اقتصاد
العدد ١٤٥٥ الخميس ٧ تموز ٢٠١١

البيان الوزاري: زراعة «ما في»!

فقرة مختصرة جداً تتضمن أخطاءً وأفكاراً عامّة


المزارعون سيبقون على هامش الاهتمامات الحكومية (مروان بو حيدر)

بعد صراخ المعارضة السابقة، الذي ضجّت به وسائل الإعلام والمنابر، رفضاً للسياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات «الحريرية»، ها هي تتسلّم السلطة التنفيذية، فيخفت صراخها في بيانها الوزاري، وتعلن عبر فقرة صغيرة، لا رؤية فيها ولا أمل، متابعة نهج تهميش القطاع الزراعي!

رشا أبو زكي

باختصار، يمكن القول إن الفقرة المتعلقة بالقطاع الزراعي في البيان الوزاري لحكومة «كلنا للوطن، كلنا للعمل» كُتبت في عشر دقائق على أبعد تقدير، فهذا القطاع الذي يؤثر في آلاف العائلات التي تعيش في قرى بعيدة عن الإنماء والاهتمام الرسمي، حُددت أهداف إصلاحه بفقرة لا يمكن أن تشي سوى بفكرة واحدة: الحكومة الحالية، كما سابقاتها، تعدّ القطاع الزراعي هامشياً، ومن يعملون فيه هامشيين... فقرة شديدة الاختصار الى درجة عدم الحاجة إلى مقارنتها بالبيان الوزاري للحكومة السابقة!
حكومة «كلنا للعمل»؟ أيّ عمل؟ إنتاجي؟ إنمائي؟ إصلاحي؟ أم العمل على استكمال نهج اقتصادي لا رؤية فيه ولا هدف سوى استكمال ما سبق؟ «الأخبار» طرحت هذه الأسئلة على عدد من الخبراء الاقتصاديين والباحثين المتخصصين في القطاع الزراعي، فكانت الصياغة العمومية للفقرة الزراعية الأكثر بلاغة، إضافة الى تساؤلات عديدة عن أخطاء غريبة جاءت في نص صغير لا يحتمل الأخطاء!

جمل إنشائية وثُغر

يختصر البيان الوزاري للحكومة الجديدة أهداف تطوير القطاع الزراعي في الفقرة الـ32 من البيان، ويقول حرفياً «في المجال الزراعي، فإن الحكومة تتعهد الاستمرار في العمل على النهوض بالقطاع الزراعي كأحد القطاعات الاقتصادية الأساسية تأميناً لفرص العمل ومصادر العيش الكريم للمواطنين في المناطق الريفية، وتوفيراً للأمن الغذائي وسلامة الغذاء والتوازن البيئي. وستستمر الحكومة في العمل على تطوير القطاع الزراعي والبنى التحتية وتفعيل الإرشاد والرقابة واتخاذ الإجراءات الآيلة لتعزيز الصادرات الزراعية وتطوير الغرف والمؤسسات الزراعية والحفاظ على الموارد الطبيعية، ولا سيما الغابات والمياه، وإيجاد أطر للتسليف الزراعي وملف الأضرار الناتجة عن الكوارث الطبيعية».
ويتضمن البيان الوزاري للحكومة الجديدة ثغرة لافتة، فهو إضافة الى أنه عامّ جداً وغير واضح في معظم بنوده، لا يضع البنود وفق أولويات العمل الحكومي، فيأتي قطاع الكهرباء مثلاً في البند الـ29 رغم أهميته، والقطاع الزراعي في البند الـ32... فيما كان على الحكومة أن تضع المواضيع الأساسية التي تهم المواطنين في البنود العشرة الأولى للإشارة الى أهميتها، ومن هذا المنطلق يرى الخبير الاقتصادي لويس حبيقة أن الفقرة التي أشارت الى آلية عمل الحكومة الجديدة في القطاع الزراعي هي «لتلتة» لا أكثر، وفنّد حبيقة بنود الفقرة: إذ تشير الحكومة في مطلع الفقرة الزراعية في البيان الى أن هدفها تطوير القطاع الزراعي، لكنها لم تحدد آلية هذا التطوير ومدة مشروعها التطويري وطرق تمويله، لتعيد وتكرر الفكرة نفسها في عبارة أخرى، كما تتضمن الفقرة حديثاً عن توفير سلامة الغذاء، ويسأل حبيقة «كيف؟ بأية آليات؟». وكذلك كان لا بد من الإشارة الى كيفية تفعيل الإرشاد الزراعي والرقابة مثلاً، وفي أي مناطق وأية نطاقات. ويلفت الى أن البيان الوزاري يشير الى دعم الصادرات الزراعية، كأنّ من صاغ البيان الوزاري لا يعلم أن برنامج دعم الصادرات الزراعية قد انتهت مفاعيله هذا العام. أما العبارة الأكثر ضبابية، التي تتضمن خطأً فعلياً، فهي تلك التي تشير الى «تطوير الغرف والمؤسسات الزراعية»، إذ إنه من المعلوم أنه ليس هناك غرف زراعية في لبنان، رغم المطالب العديدة في هذا الإطار، التي تمتد الى عشرات السنوات الماضية! ويشدد حبيقة على أن الفقرة الزراعية في البيان لا تتعدى كونها جملاً إنشائية لا تعني أي شيء، ما يدل على أن الحكومة الحالية ستسير وفق النمط المتبع سابقاً في التعاطي مع القطاع الزراعي.

استراتيجية مفقودة

وبحسب رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا بسام همدر فإن ما جاء به البيان الوزاري في ما خص القطاع الزراعي إذا طبق فسينهض بالقطاع من وضعه الضعيف الى حالة أقوى، لكن دائماً النوايا أفضل من الأفعال. ويرى أن أهم ما كان يجب تضمينه في البيان الوزراي هو إيجاد فرص استثمارية وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في القطاع، والعمل على إيجاد أسواق داخلية وخارجية للمنتجات الزراعية، إضافة الى تبني الدولة على نحو جدي وعملي وواقعي لهذا القطاع، حتى تتميز هذه الحكومة عن سابقاتها في ما خص الزراعة، وإلا فسيذهب بها الأمر، كما الحكومات السابقة، الى نوايا حسنة، لكن دون أفعال.
وأشار همدر أن هذا القطاع كالمرأة العجوز التي لا تنجب ولا تتحرك، إذ إن عمر أشجار الحمضيات مثلاً في لبنان لا يقل عن 30 عاماً، ولا يزال لبنان يتّكئ عليها في إنتاجه وصادراته، فيما تنتج دولة كإسرائيل مثلاً 3 مواسم للحمضيات، وعمر أشجارها لا يتجاوز الثلاث سنوات، وحين تتعدى هذا العمر تُقطع لزرع أشجار جديدة، بحيث يُحافَظ على جودة الإنتاج والتنافسية السوقية لسلعها. وفي الجانب العملي فإن كل ما جاء في البيان الوزاري هو عنوان عام عليه أن يكون مبنياً على سياسة زراعية وبرنامج تنفيذي وأهداف وموازنة واضحة. ويشدد همدر على أنه لا بد من الخروج من النمط الاقتصادي المعتمد على الربح السريع من خلال التركيز على القطاعات الخدمية والسياحية، فيما تقوم صلابة الاقتصادات على القطاعات الإنتاجية، وعلى إيجاد توازن في ما بينها وبين الاقتصاد الخدمي والسياحي، بحيث لا ننتهي باقتصاد هش معرض للمخاطر مع كل هزة سياسية داخلية أو خارجية.

حساسة وضرورية

بدوره، يلفت رئيس اللقاء الدوري للهيئات الزراعية جهاد بلوق الى أن بعض النقاط المطروحة في الفقرة الزراعية في البيان الوزاري تعدّ حساسة وضرورية، إلا أنه لا يجوز البحث عن أطر للتسليف الزراعي فيما هناك مشروع لإنشاء مصرف للتسليف الزارعي، ينتظر التفعيل وتطوير العلاقات مع المصارف لإيجاد التمويل اللازم له. ويرى أن عمل وزير الزراعة استثنائي، إلا أن العمل الحكومي العام ليس مشجعاً، إذ ثمة العديد من المشاريع التي تحتاج الى عدد من الوزارات للسير بها، إلا أنها تقف عند حدود معينة ولا تصل الى التنفيذ.


4.8 في المئة

هي نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الحسابات الوطنية لعام 2009، وقد سجّلت تراجعاً بواقع نقطة مئوية واحدة مقارنةً بعام 2008 عندما كانت تبلغ 5.8%.


تراجع أم «استعجال»؟

إضافةً الى العموميات التي ترد في الفقرة المتعلقة بالزراعة في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، فإن الأخيرة أسقطت من أجندتها عدداً من المشاريع الأساسية التي كانت مذكورة في البيان الوزاري للحكومة السابقة، وأهمها 4 مشاريع كان لا بد لحكومة تدعي الإصلاح أن تتبناها: 1ـــــ وضع آلية عملية للتسليف الزراعي وتطوير قانون المصرف الوطني للإنماء الزراعي. 2ـــــ استحداث التأمين على المخاطر والكوارث الطبيعية التي تصيب القطاع الزراعي. 3ـــــ واستحداث مشاريع دعم جديدة لمساعدة صغار المزارعين والصناعات الغذائية. 4 ـــــ تقويم وإعادة تفعيل دور التعاونيات الزراعية.

اقتصاد
العدد ١٤٥٢ الاثنين ٤ تموز ٢٠١١

الإصلاح المالي في البيان الوزاري: سيّارة بلا دواليب



عادةً تكتب الحكومات بياناتها الوزاريّة بطرق عجائبيّة، فيظنّ القارئ أن لبنان سيتحول الى جنّة على أيدي الوزراء الجدد، إلا أن الدخول إلى الجنّة الافتراضيّة لحكومة «كلنا للوطن كلنا للعمل» ضبابي ومشكوك فيه
رشا أبو زكي

حتى في الشعارات، فشل البيان الوزاري لحكومة ما يسمى اللون الواحد في مجاراة البيانات الوزارية السابقة، إذ بقي عامّاً، مكرراً تعابير إنشائية سقطت وعوداً على اللبنانيين من دون أن تنفذ، حتى في ترتيب البنود، بقي مضمون الشق المتعلق بالإصلاحات المالية على حاله، متشابهاً الى حد بعيد مع البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية السابقة، مع تعديلات طفيفة، وإضافة شعارات مبهمة وغير محددة، حمّالة للعديد من الأوجه إذا وصلت الى مرحلة التطبيق. وحين التوجه بأسئلة الى عدد من الخبراء والباحثين الاقتصاديين والماليين عن رأيهم بالشق المالي المطروح في البيان الوزاري، كانت الأجوبة متقاربة، إذ إن الصبغة العامة للملفات المطروحة للعلاج كانت الأكثر وضوحاً، إضافة الى عدم اللجوء الى عبارات تحدد بدقة الهدف المنشود والوسيلة التي سيجري اعتمادها لتحقيقه... والتشبيه الأقرب الى حال هذا البيان أنه كالسيارة التي تفتقر الى الدواليب!

ما هي النقاط التي طرحت؟

فقد طرح البيان الوزاري في البند رقم 28 عدداً من الملفات التي وعدت الحكومة الجديدة بتحقيقها، وهي: تأمين عوامل تحفيز النمو وضبط مستويات العجز في المالية العامة. وأشار البيان الى أن الحكومة ستعمل على اعتماد ضبط النفقات ذات المردودية الضئيلة وتحسين إيرادات الدولة وإعادة توزيع أعبائها بما يؤمّن تصحيح العجز البنيوي المتمادي ويحقق عدالة اقتصادية واجتماعية أفضل، ويعيد الاعتبار إلى مداخيل الإنتاج مقارنة مع مداخيل الريع، «وسوف تنظر» الحكومة في إعادة توزيع الأعباء هذه بشكل يراعي أوضاع ذوي الدخل المحدود. كذلك وعدت بإنجاز قانون موازنة عام 2012، محترمة الأسس القانونية والدستورية التي ترعى الموازنة، وإنجاز قطع حساب السنوات التي لم يقطع حسابها، والعمل على تدقيق حسابات الدولة المالية بحسب الأصول، وخفض عبء الدين العام على الاقتصاد وضبط خدمته وحجمه نسبةً إلى الإيرادات! والإفادة من موارد البلاد وممتلكاتها... كذلك لفت البيان الوزاري الى بدء العمل بفعالية في مديرية الدين العام في وزارة المال، وتفعيل الأجهزة الرقابية، ومراجعة القوانين والأنظمة وتحديثها من أجل وضع برنامج اقتصادي يلبي طموحات اللبنانيين، وإطلاق برنامج الإنفاق الاستثماري في قطاعات أساسية كالكهرباء والمياه والنقل العام، آخذة بالاعتبار الخطة الشاملة لترتيب الأراضي، وتأمين التمويل الاستثماري المطلوب ولا سيما عبر الاستعانة بالقطاع الخاص للإفادة من قدراته في الإدارة والتمويل.
وفي قراءة أولية للبيان الوزاري في شقه المالي، أشار الخبير الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان الى أن المضمون يعدّ جيداً، لكنه لفت الى أنه يجب تجزئة الدين العام الى دين فعلي وخدمة الدين العام، فالخدمة هي العبء الأساسي بحيث يدفع لبنان بين 7 إلى 8 في المئة كفوائد للمصارف، في حين أن اليونان التي تعدّ في أزمة اقتصادية ومالية كبيرة تدفع نسبة 7 في المئة على الفوائد، وبالتالي كان على الحكومة الانطلاق بإصلاحاتها عبر إعلان خفض الفوائد على خدمة الدين، وتحديد الآلية بالتفاوض مع المصارف اللبنانية. أما العبارة المتعلقة بالإصلاحات الضريبية فهي لا تشير الى آلية لتقليص الفجوة بين الطبقات الفقيرة والغنية عبر توزيع عادل للمداخيل، ولم يجر الحديث عن الضرائب غير المباشرة والمباشرة وكيفية ربطهما بالقدرة الشرائية، ولا التلميح الى تحقيق نظام ضرائبي كامل ومتكامل كما كان متوقعاً من هذه الحكومة، كما لم يتمّ الدخول الى التفاصيل، ولا الحديث عن ماهية الإصلاحات وماذا ستطال، وإن كان سيجري التطرق الى الضرائب على الأرباح العقارية مثلاً، إذ كان لا بد من توضيح هذه الفقرة لأهميتها.
بدوره، أشار الباحث الاقتصادي والاجتماعي جاد شعبان الى أن البيان الوزاري بشقه الاقتصادي والاجتماعي يظهر أنه حتى الآن لا يوجد في الطبقة السياسية أي مكوّن يمكن أن ينظر الى تطلعات الناس الحقيقية، ولفت الى أن الحديث عن النمو الاقتصادي وربطه بالتصحيح المالي يعدّ فارغاً إن كان غير مرتبط بالمؤشرات التنموية والاجتماعية. ولفت الى أن الاستمرار في إشاعة «مأساة» ارتفاع الدين العام لم يعد موفقاً، إذ إن الدين العام في لبنان ليس مرتفعاً، والدين العام الصافي يمثّل 95 إلى 100 في المئة من الناتج المحلي، وبالتالي فهذه النسبة قريبة من النسب المحققة في إيطاليا وتشيلي مثلاً، فكان لا بد من التركيز على خفض الفوائد المترتبة على الدولة اللبنانية في إطار خدمة الدين العام، التي يفيد منها المصارف حصراً. وهكذا، فإن الدين العام ليس المشكل الأساسي في لبنان وهو ليس هدفاً، بل هو نتيجة لسياسات معينة، إذ كان لا بد للبيان الوزاري من أن يتطرق الى الفساد وتوزيع الهدر على القوى السياسية عبر إنفاق الأموال على المشاريع الكبرى من دون أي جدوى اقتصادية أو اجتماعية، والحديث عن انخفاض القدرة الشرائية لما لذلك من تأثير على الحركة الاقتصادية. وأشار شعبان الى أن المشكلة في لبنان هي أن السياسيين يفكّرون لولايتهم فقط في الوزارة، والناس يفكرون في يومهم ولا يفكرون بالأمس، وعلى هذا الأساس بني البيان الوزاري.

من زمن آخر

بدوره، يقول الباحث الاقتصادي مازن سويد إن البيان الوزاري بشقّه المالي مليء بالعموميات، ولا يتضمن رؤيةً ولا فهماً للتحديات الحقيقية ولا طروحات جدية، وفيه تنظير وتعابير فارغة. ولولا بعض الإشارات الخجولة للقطاع الخاص لأمكن القول إن النص هو من زمن آخر. فما هي الإصلاحات الضريبية، وهل تعني زيادة ضريبة الدخل مثلاً؟ ما هي الاختلالات البنيوية؟ كيف سيجري قطع حساب الموازنات السابقة إن لم تقرّ هذه الموازنات؟ لماذا لم يجر التطرق الى الفائض في الميزان الأولي، وهو من أحد أهم المؤشرات للصلابة في المالية العامة للدول؟ لا بل كيف ستحقق هذه الحكومة النمو؟ ولفت الى أن المشكلة في لبنان ليست البنى التحتية وإنما البنى الفوقية عبر البيروقراطية والفساد والهدر... وأضاف «لقد مللنا البيانات الوزارية التي تتطرق الى نظريات عامة، نريد آليات تنفيذ».

اقتصاد
العدد ١٤٥١ السبت ٢ تموز ٢٠١١

القمح «المسوّس» دخل السوق!



المطاحن تحوي نوعاً واحداً من القمح فيما يجب ان تحوي نوعين، الطري والصلب (هيثم الموسوي)

الحاج حسن: نوعيّته سيّئة لكنّه ضمن المواصفات الصحيّة الدنيا
دخلت 25 الف طن من القمح الاميركي سيئ النوعية الى السوق اللبنانيّة أول من أمس، بعدما أعلن وزير الزراعة حسين الحاج حسن أنه «مسوّس»، والسبب أن التجار استطاعوا الحصول على أسوأ نوعية من القمح لكن ضمن الحد الأدنى من المواصفات الصحية! أبشروا أيها اللبنانيون

رشا أبو زكي

إنه العهر التجاري، هذا هو بالفعل الوصف الذي ينطبق على ادخال شحنة القمح الاميركي الفاسد الى السوق اللبنانية أول من أمس. عهر استطاع أن ينتصر على «الخطة» الاصلاحية التي يقوم بها وزير الزراعة حسين الحاج حسن، والشركاء كثر، منهم كارتيل الافران والمطاحن وبعض المتنفعين في السلطة اللبنانية!

فبعدما طربت عقول اللبنانيين خلال اليوميين الماضيين، للأخبار عن شحنة من القمح الاميركي أوقفها وزير الزراعة حسين الحاج حسن في مرفأ بيروت منذ 10 ايام، اذ أعلن أنها تحوي على قمح مسوس، وأكد أنه لا يستطيع محاسبة المخالفين وانما التضييق عليهم لا أكثر، إذ إنه «حتى الآن لم يحاسب أي شخص من الذين حُولت ملفاتهم الى القضاء»... هذا التصريح تأكد بالفعل لا بالقول فقط، إذ هبّ رئيس نقابة اصحاب الافران كاظم ابراهيم الى وسائل الاعلام أيضاً معلناً أن لبنان لا يمتلك قمحاً، ملوّحاً بأزمة رغيف مقبلة، محاولاً الضغط، عبر رغيف الخبز، كما اعتاد، على وزير الزراعة للموافقة على ادخال شحنة القمح المذكورة، تماما كما حصل في سوق اللحوم الحمراء في العام الماضي...
تهويل وتخويف، سوس وفساد، فما الذي جرى؟ لماذا أدخلت 25 ألف طن من القمح المشبوه الى السوق اللبنانية أول من أمس؟ وهل يتناول اللبنانيون خبزاً مجبولاً بالسوس؟ الجواب هو نعم!
فقد أعلن الحاج حسن لـ«الأخبار» أنه أوقف الشحنة بعد الاشتباه في نوعيتها، وبعد ارجاء الفحوصات، تبين أن نوعيتها سيئة، وقد ارسلت وزارة الاقتصاد بالتنسيق مع وزارة الزراعة عينات من هذا القمح الى مختبرات خارجية، فتبين أن تجار الأرواح لا القمح عمدوا إلى استيراد نوعية سيئة من القمح، الا أنه يدخل ضمن تصنيف «الحد الأدنى» في المواصفات المطلوبة، وقال: «عملوها على الحفة، ليستطيعوا ادخالها الى السوق اللبنانية»! ولفت الى أن بعض التجار يأتون بأسوأ البضائع للاستهلاك، ويحاولون التلاعب على المواصفات المطلوبة، فصحياً دخلت هذه الشحنة الى السوق، الا أن جودتها «تعيسة جداً»!
وأضاف الحاج حسن أن استخدام التجار وسائل الإعلام للضغط عليه لن ينفع، وقال «فليذهبوا لشراء قمح نظيف، وصحة الناس ليست لعبة بيد أحد، والأسلوب الذي يتبعونه يزيدني قناعة وصلابة ولن يؤثر على قراراتي»، وشدّد على أن اسعار القمح العالمية انخفضت كثيراً ولا مبرر لاستيراد انواع سيئة من القمح، وأضاف «إنه احتكار، وما يقومون به عبر وسائل الاعلام هو استخفاف بعقول الناس وصحتهم».
فقد سبق أن أوقف وزير الزراعة في نيسان من العام الماضي شحنة من القمح الاوكراني الفاسد المستورد من مصر عبر شركة «هاريكو» اللبنانية لصاحبها محمود الحريري، وقد بيّنت نتائج التحليلات المخبرية حينها أن هذه الشحنة غير صالحة حتى للاستهلاك الحيواني، وقد وجهت الوزارة حينها كتاباً الى المدعي العام التمييزي لملاحقة المستورد بتهمة الغش. كذلك وجهت كتاباً إلى إدارة الجمارك لإصدار قرار بمنع التاجر من استيراد القمح مجدداً ومنع إدخال الشحنة... لم ييأس تجار الارواح، فإذا بشحنة من القمح الاوكراني المستورد من مصر توقف الشهر الماضي في مرفأ بيروت أيضاً ويتبين انها تحوي قمحاً فاسداً، وقد اعلن الحجر الصحي في وزارة الزراعة عدم السماح لها بالدخول الى السوق اللبنانية، واتُّخذ قرار ترحيلها. وأشار الحاج حسن إلى أن هذه الشحنة مكثت في إحدى الدول العربية 7 أشهر قبل استيرادها الى لبنان!
ومنذ يومين، عادت قضية القمح الفاسد لتسيطر على الاجواء، فمنذ 10 ايام دخلت شحنة من القمح الاميركي استوردتها شركة «ضباعي» لصالح وزارة الاقتصاد والتجارة بحجم 25 ألف طن الى مرفأ بيروت، وبعد فحصها تبين وجود قمح ينخره السوس في الشحنة، وقد بينت التحاليل التي اجرتها وزارة الزراعة تفاوتاً في احدى النتائج، وبالتالي لجأت وزارتا الزراعة والاقتصاد الى مختبرين في فرنسا.
في هذه الاثناء، كانت الشحنة قد أفرغت في الاهراءات لكن منع دخولها الى السوق اللبنانية، وقد سافر الحاج حسن، فيما انتفضت نقابة اصحاب الافران لا المطاحن (وهنا المفارقة)، وأعلن رئيس اتحاد نقابات المخابز والأفران كاظم ابراهيم ان نوع القمح الموجود في لبنان لا يكفي لطحنه وتوزيعه على الافران، مشيراً إلى ان باخرة اميركية افرغت كمية من القمح في المرفأ لكن وزارة الزراعة منعت دخولها بسبب احتوائها على «سوسة زو». وحذّر ابراهيم من أن المطاحن في منطقة الشمال لن تستطيع تزويد المواطنين بالطحين، مناشداً وزارتي الاقتصاد والزراعة الاهتمام بالموضوع قبل ان يتحول إلى كارثة! وقال ابراهيم لـ«الأخبار» إن تصريحه جاء بعدما تبين أن المطاحن تحوي نوعاً واحداً من القمح فيما يجب ان تحوي نوعين، الطري والصلب، بحيث يُخلطان لإنتاج الخبز الأبيض. وتوجهت «الأخبار» بسؤالين الى ابراهيم: «ما هو نوع القمح الموجود في الشحنة الاميركية: طريّ أم صلب؟»، فأجاب ابراهيم: «لا أعلم». «ما هو نوع القمح الموجود إذاً في المطاحن؟» أجاب: «لا أعلم». «وكيف تقول وتؤكد أن لبنان يفتقد نوعاً من القمح، ماذا لو أن الشحنة الاميركية تحوي النوع نفسه الموجود في المطاحن؟»، فأجاب ابراهيم «نحن نعلم كل شيء، ووزارة الاقتصاد تستورد صنفاً آخر غير الذي تستورده المطاحن»!
وفي هذه الاثناء أعلنت وزارة الاقتصاد أن سحب عينات من بواخر القمح يحصل عند وصول الباخرة واثناء تفريغ حمولتها بانتظار انتهاء التحاليل اللازمة لوضعها بالاستهلاك. وأن الفحوصات التي اجريت وفقاً لمواصفات ليبنور الخاصة بالقمح جاءت مطابقة وبالتالي مطابقة لشهادات المراقبة الصادرة عن وزارة الزراعة الاميركية وBUREAU VERITAS العالمية. وأنه إذا لم تكن هذه الشحنة من القمح مطابقة للمواصفات المطلوبة فسيعاد تصديرها على نفقة البائع...
على أي حال، تبينت في هذه المعمعة ظاهرة غريبة، لماذا انتفض رئيس نقابة أصحاب الافران لا اصحاب المطاحن؟ فالأخيرة هي المعنية بهذا الحدث الجلل، وأشار عدد من اصحاب الافران إلى أنهم فوجئوا بتصريح رئيس نقابتهم بالتلويح بأزمة رغيف، في حين ان القمح بأصنافه وأنواعه موجود لدى وزارة الاقتصاد والتجارة، كما أنه لم ينفد من المطاحن.


370 دولاراً أميركياً

سعر القمح العالمي الذي على اساسه وُضع نظام الدعم للمطاحن وخفض وزن الربطة إلى ألف غرام، واستمر الدعم رغم انخفاض الأسعار العالمية إلى 260 دولاراً، وقال رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن إن ذلك يثير فضيحة تتصل بسياسة الدعم التي انتهجتها الحكومات السابقة


ابتزاز ونهب منظّم

قال رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن لـ«الأخبار» إن ما قام به اتحاد نقابات الافران هو استكمال لمسلسل التخويف نفسه، وطالب الحكومة في بيان، وخصوصاً وزارة الاقتصاد والتجارة، بأن تولي حماية المستهلك الأولوية القصوى، ودعا الحكومة الى استيراد القمح لحسابها وملء الأهراءات بالقمح العالي الجودة لحماية لقمة عيش المواطنين من تحكّم «كارتل» أصحاب المطاحن واستغلال تقلّب الأسعار لرفع سعر الطحين وابتزاز الدولة من خلال الدعم المالي الذي لا يعدو إلا نهباً منظماً لخزينة الدولة.

اقتصاد
العدد ١٤٥٠ الجمعة ١ تموز ٢٠١١