31‏/5‏/2012

حكومة «المقاطعجية» في مـواجهة «عامية» المياومين


علي عاصي يحاول إحراق نفسه والحكومة تردّ: سنفرض هيبتنا
حاول علي عاصي إحراق نفسه بالبنزين احتجاجاُ على ظلم المياومين (الأخبار)
 
اعتصام مياومي الكهرباء مستمر. دوائر المؤسسة كلّها ملتزمة بالإضراب والاعتصام. علي عاصي، الذي حاول إحراق نفسه، نجا من النار، إلى أن سمع قراراً عجيباً: «سنفرض هيبتنا» قال الوزراء ورئيس الجمهورية. تم إصدار مذكرات استنابية بحق المياومين على اعتبار أنهم مخربون. جدّد الوزراء التزامهم بمشروع وزير الطاقة جبران باسيل. لافتة رفعها أحد المياومين: «احذروا الفقير إذا جاع»

رشا أبو زكي
طبعاً، فورة وزير الطاقة والمياه جبران باسيل على «رقيق» الكهرباء البالغ عددهم حوالى 2300 مياوم ليست «إصلاحاً» ولا «تغييراً». سكوت الوزراء من جميع الكتل السياسية أمام المجزرة الإنسانية التي تهدد مياومي الكهرباء ليست عتهاً. عدم تلقي المياومين ولو اتصالاً واحداً يسأل عن صحة علي عاصي، الذي حاول إحراق نفسه صباح أمس أمام مؤسسة الكهرباء، ليس انعزالاً اجتماعياً.
يشرح أحد المياومين أن الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أطلق عبارة «رقيق» على مياومي الكهرباء منذ أشهر، مجاهراً عبر عدد من نقاببيه وعبر الوزير «النجم» غازي العريضي بدعمه لحقوق المياومين، يلتزم اليوم الصمت «المخزي» أمام أكبر جريمة ترتكب بحق العمال في لبنان منذ ما بعد الحرب الأهلية. حركة أمل، التي وعد زعيمها نبيه بري المياومين بتثبيتهم منذ يومين، التزم وزراؤه الصمت في جلسة مجلس الوزراء أمس، ورؤوسهم تميل نزولاً أمام اعتبار باسيل المياومين مخربين. حزب الله، الذي غصّ سيّده حسن نصر الله من على المنبر منذ يومين وهو يتكلم على الحقوق الاقتصادية والمعيشية للمواطنين، جلس وزراؤه حول الطاولة، بلا كلمة أو موقف. أمّا وزراء التيار الوطني الحر فلا حاجة إلى شرح موقفهم، فهم وراء قائد الأوركسترا جبران باسيل، الذي ما انفك يسيء بموقفه ضد العمّال الى كل خطاب يمتّ بصلة الى «التغيير والإصلاح». لا يمكن تصور جلسة «الأصنام» إلا هكذا، وخصوصاً بعدما خرج مجلس الوزراء مجتمعاً ليعلن أن المياومين «تعدّوا حدودهم»، داعياً الى ملاحقتهم في استنابات قضائية بحجة التعدي على مؤسسة عامة. عفواً، رئيس الجمهورية سقط سهواً في تعداد المواقف. فقد تحدث عن «هيبة الدولة». أسقط نفسه سهواً بعد عبارة كهذه. هيبة الدولة، المفقودة أمام كل ما يحدث، انتفضت لتغتصب صرخة المياومين المهددين بالصرف بالجملة، على أن يتبع صرفهم توظيفات سياسية ـــ طائفية في المؤسسة، عشية الانتخابات النيابية.
الشركات الخاصّة الثلاث التي دفعت جبران باسيل الى وضع جعبته القتالية على خاصرته ليعلن المعركة على العمال، دفعته أيضاً الى الإعلان عبر محطة تلفزيونية أن مؤسسة الكهرباء أصبحت «محتلة» من قبل المياومين: الشركة الأولى هي شركة «دباس» كشريك رئيسي، وSteg International كملتزم ثانوي. وشركة دباس، صاحبها اسمه روبير دباس المعروف في كل العهود! الشركة الثانية «خطيب وعلمي للهندسة» كشريك رئيسي، وKharafi National KSC (JV)- Televent, Vattenfall, Mrad contracting JV. شركة خطيب وعلمي معروفة في كل العهود! أما شركة بيوتك فهي الشركة الثالثة، وصاحبها اسمه نزار يونس، والمرشح المفترض على لائحة التيار في البترون عام 2013. وكما يشاع، فإن يونس، وهو رجل أعمال ومعروف، ربما يكون من المموّلين الأساسيين لحملات باسيل الانتخابية. علاقة حميمة تجمع باسيل بالشركات الثلاث، فهو قد صرّح بأنه اشترى 3 ملايين لمبة من «شركة دباس» بملايين الدولارات. ولزّم خطيب وعلمي الكثير من الدراسات. وأعلن باسيل قبل أشهر أن أرخص سعر قدمه في ما يتعلق ببواخر الكهرباء هو نزار يونس. أما في ما يتعلق بالأحزاب التي تحلّقت حول طاولة الحكومة أمس، فلكل منها حصتها، جهاراً أو سراً من الـ 850 مليون دولار المخصصة للشركات الثلاث، فضلاً عن أن ممثلي الأحزاب يتصرّفون كما لو أنهم مطمئنون الى أن جماعاتهم هم الذين سيفوزون في المباريات المحصورة والمفتوحة لتوظيف 700 مياوم في الملاكات.
الأكلاف التي ستضاف على مؤسسة كهرباء لبنان في ما يتعلق بتقديم الخدمات، ستكون بمعدل 3 أضعاف بحد أدنى مقارنة مع الأكلاف الحالية. يشرح جاد الرمح أن الشركات الثلاث الفائزة ستشغل عدداً من الشركات الثانوية، وهذه الشركات الثانوية عادت لتشغل المتعهدين العاملين اليوم في المؤسسة. وبالتالي لا يوجد تغيير فعلي في إدارة عملية تقديم الخدمات. في المقابل، تفضح لوائح الأكلاف وجود أرقام خيالية في عدد كبير من الأعمال التي ستقوم بها الشركات. مثلاً، كلفة صيانة الشركات لمكتب مساحته 4 أمتار، هي 1200 دولار عن كل متر مربع. كلفة الكشف على محطات الكهرباء في الطرقات التي يقوم بها عمال المتعهد اليوم من دون مقابل، ستنفذها الشركات بـ 620 دولاراً عن كل محطة. كلفة تركيب عمود الكهرباء يكلف حالياً 360 دولاراً، ستركّبه الشركات بحوالى 600 دولار. كلفة محول الكهرباء (400 ك ف أ) يكلف 7800 دولار، في حين أن لوائح الشركات أوردت كلفته بـ 10 آلاف و9 دولارات. تطوير برنامج الكومبيوتر للجباية الذي يقوم به أي متخصص بكلفة تصل أقصاها الى 1000 دولار، ستقوم به الشركات بـ 30 ألف دولار...
كل هذه المعطيات يعرفها الوزراء، كما يعرفها المياومون. يشدّدون على سلمية تحركهم. يشرحون أن يوم أمس بدأ بمنع دخول المياومين الى المؤسسة، فكان أن تجمّع المياومون على الطريق، ليتحول تجمعهم الى اعتصام وقطع للشارع. وبعدها حاول المياوم علي عاصي إحراق نفسه، بحيث جاء بالبنزين من المحطة، ورماه على جسده، وحرق دولاباً مقرراً أن يضع نفسه داخله. تنبّه زملاؤه، أبعدوه عن النار لينقل الى المستشفى. حينها، ثار المياومون، فتقدموا من باب المؤسسة محاولين الدخول، فتم فتح البوابة ليدخلوا. يصنع أحد المياومين مسدساً ورقياً، يضحك على اتهامات باسيل، ويقول: «هذا سلاحنا». أحمد شعيب يحمل المكنسة، ويطلب من زملائه تنظيف القاعة. الألفة هنا، لن تعكرها الجولات الانتقامية التي ترد الى المياومين عبر الإعلام. عدد من المتضامنين مع المياومين يتقاطرون الى المؤسسة. «شويّ شويّ» هنا، يصرخ أحد المياومين. إنه أكرم سلمان مراسل برنامج «شي أن أن». يقف على طاولة، ويشدد على تضامنه مع المياومين. يأتي خبر من رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال كاسترو عبد الله، بحيث تم تقديم شكوى الى وزارة العمل تحت الرقم 1618/3 ضد وزير الطاقة والمياه والمدير العام لمؤسسة الكهرباء، وموضوعها التعدي على الحريات النقابية وتدخل القوى الأمنية غير المشروع، وحق المياومين بالتثبيت استناداً الى قانون العمل، إضافة الى تقديم شكوى الى منظمة العمل الدولية تتطرق الى تهديد الوزير باسيل حياة المياومين في أكثر من مؤتمر صحافي... الشيء اللافت أن أحداً من المعتصمين ليس موهوماً إلى حد السؤال: أين غسان غصن؟ أين الاتحاد العمّالي العام؟


5036 وظيفة
هو عدد الوظائف المفترض أن تكون متوافرة في مؤسسة الكهرباء، في عام 1975 كان عدد عمال وموظفي مؤسسة الكهرباء 5700، وكان هناك 300 ألف مشترك في الكهرباء.

3561 مركز شاغر
هو عدد المراكز الشاغرة اليوم في مؤسسة الكهرباء، في حين أن المياومين عددهم أكثر من 2391. أما الذين تتوافر لديهم شروط التثبيت فعددهم 1406 مياومين، يريد باسيل تثبيت 700 منهم فقط.

من عوني إلى عوني
خليل جرجس يعمل منذ 11 سنة مياوماً في مؤسسة الكهرباء. يصلح وحده سيارات الشركة البالغ عددها 500 سيارة. عمره 39 سنة، «منذ عام 1988 أناضل في صفوف التيار الوطني الحر مع عائلتي». يقول جرجس «كتبت بيدي على كل الحيطان عبارة «عون راجع»، ولم أتوقع يوماً أن يقف ضدي، أو أن يقول وزير الطاقة جبران باسيل إننا بلطجية».
اقتصاد
العدد ۱۷۲۰ الخميس ۳۱ أيار ۲۰۱۲

29‏/5‏/2012

الكهرباء... «ولعانة»

■ باسيل: اشكروني ■ المياومون: التصعيد من اليوم
خلال احراق النفايات في الباحة الخلفية لمؤسسة الكهرباء (مروان بو حيدر)
 
تشهد مؤسسة كهرباء لبنان تحركاً غريباً من نوعه، تحركاً يجمع كافة المناطق، في وحدة عمالية مطلبها واحد: «لا لصرفنا من العمل، نعم لتثبيتنا». 2500 مياوم أعلنوا أمس تصعيد تحركاتهم السلمية. المياومات أصواتهن ارتفعت مع الزملاء، تحلقن حول النار التي اشتعلت في حرم المؤسسة وخارجها. «نون» الكهرباء رفعت الصوت ضد الظلم. فهل من يسمع؟ 

رشا أبو زكي
سؤال وُجِّه إلى راﺋﺪ فضاء، عن أجمل مشهد رآه في كوكب الأرض، أجاب: «لبنان». سألوا باستغراب: ليش؟، ردّ رائد الفضاء: «ﻟﺒﻨﺎن من الفضا ﻣﺘﻞ ﺷﺠﺮة الميلاد ٥ دﻗﺎﺋﻖ بيضوّي و ٥ دﻗﺎﺋﻖ بيطفّي».
(عن صفحة فرح جمال الدين على الفايسبوك)

وزارة الطاقة والمياه في لبنان ظالمة. تظلم 4 ملايين لبناني منذ عشرات السنوات، بتقنين كهربائي امتصّ مليارات الدولارات من جيوب الناس، بلا أي جدوى. تظلم 2500 مياوم لم تعمل على تثبيتهم منذ عشرين عاماً، تحرمهم الضمان الاجتماعي، الراتب الشهري، الاستقرار الوظيفي، وتهددهم بالصرف بعد أشهر من الآن لمصلحة الشركات الخاصة. يلتفت وزير الطاقة والمياه جبران باسيل يمنة ويسرى. يحاول إيجاد من يسانده في «ثورته» على مياومي الكهرباء، من يسانده في صرفهم «على السكيت».

لا يجد أحداً، سوى بعض السياسيين الذين ربّتوا أكتاف من سبق باسيل إلى هذه الوزارة، مُثنين على جهودهم في قهر المياومين.
يوم أمس، كان الدخان الأسود يتصاعد من داخل مؤسسة كهرباء لبنان في كورنيش النهر. كلا، لا يوجد إحراق للدواليب. فهنا، يوجد بعض القمامة، قابلة للاحتراق أيضاً. باسيل، الذي رفض حتى الاجتماع بلجنة ألّفها المياومون أمس، لم يجد أي رادع لوصم المياومين بالمشاغبين والخارجين عن القانون. استفاض ليدعو العمال إلى شكره؛ فهو _ بحسب تعبيره _ أول من فكر بتسوية أوضاعهم. علماً بأن ما يطرحه هو إدخال 700 مياوم من أصل 2500 إلى الملاك، من خلال مباراة لمجلس الخدمة المدنية. مباراة تضع المياوم الذي مضى على خدمته مؤسسة الكهرباء 20 عاماً وترك الجامعة منذ عشرات السنوات، في مواجهة متخرجين جدد وأصحاب «الواسطات». استفاض وزير الطاقة والمياه كثيراً، ليعتبر أن انتفاضة المياومين لحقوقهم «تلحق ضرراً بمؤسسة الكهرباء»، لا بخططه وبواخره التي لم تعرف حتى اليوم أن تصل إلى مرفأ لبناني. واستفاض أكثر، ليدعو المياومين إلى أن «يشكروا من كذب عليهم ووعدهم بالتثبيت»؛ فهو «الصادق» الذي وعدهم بالصرف. استفاض ليعتبر أن تحرك المياومين «يهزّ الأمن» بعد أن صرح بأن خيمهم شبيهة بـ«خيم طرابلس»، وكأن الأمن الاجتماعي لهؤلاء لا مكان له في نظريات الإصلاح والتغيير التي يتغنى بها.
أمس، في باحة مؤسسة الكهرباء التي يلفها الدخان الأسود، كان المياومون الذين «يهزون الأمن» متكاتفين والمطلب واحداً: التثبيت. وكان قرار لجنة متابعة مطالب المياومين حاسماً: نحو التصعيد السلمي. كانوا أمس من شتى الأطياف السياسية والمذهبية والطائفية. كانت النساء أقرب إلى الدخان من الرجال. صوتهن يرتفع مع الأصوات الداعية إلى فك الظلم. باختصار، كان المشهد النسائي لافتاً. فاطمة رضا، عمرها 37 عاماً، عضو في مفوضية جبل لبنان في التيار الوطني الحر، «نريد التثبيت» ترفع صوتها بالمطلب الشهير. توجه رضا تحية إلى «رفيقها» في التيار جبران باسيل: «تأملنا بك خيراً، وبدلاً من أن تنصفنا، فإذا بك تتحول سكّيناً». رضا تعمل منذ 9 سنوات مياومة في مؤسسة الكهرباء: «نحن أبناء عائلات. نحن لدينا كرامات، ولدينا خبرات لسنوات في عملنا. إن ما يقوم به الوزير باسيل هو ظلم، ومطالبنا محقة». رضا تخرجت من الجامعة منذ نحو 15 عاماً، وتصر على إدخال جميع المياومين إلى الملاك كأجراء موقتين، «وبعدها، فلنخضع لمباراة محصورة، لكي نتطور في عملنا ونتقدم في الفئة والدرجة، لا أن نُرمى خارج المؤسسة بلا أية تعويضات أو بدائل وظيفية».
مضى على إضراب المياومين 29 يوماً، أي إن المضربين لن يحصلوا على راتب خلال هذا الشهر، «وعلى الرغم من ذلك سنستمر إلى أن تتحقق مطالبنا»، تقول أمل أمهز. تصر أمهز على أن ننقل عنها العبارة الآتية: «نحن ننتخب في سن الفيل، عائلتنا مكونة من 450 صوتاً، انتخبنا مرشحي الجنرال، وهذه الدورة الانتخابية لن نفعل». تقول أمهز إنها تعمل مياومة إدارية في أمانة السر منذ 3 سنوات، وبدلاً من أن يسعى وزير الطاقة لتحصين حقوق من قدم الكثير لهذه المؤسسة وحمايتها، يهددهم بلقمة عيشهم. تؤكد أنها لن تتوانى عن المشاركة بأي تحرك، مهما بلغت درجة التصعيد، لا من أجل حقها فقط، بل من أجل جميع زملائها. نسرين الحلبي، أمضت عشر سنوات من عمرها الذي لا يتجاوز 28 عاماً في العمل في مؤسسة الكهرباء كمياومة. «لا ضمان، ولا استقرار ووعود دائمة بالتثبيت»، هذا هو حال عملها. تتقاضى نسرين 700 ألف ليرة، وترى أنه لا إمكان في الحصول على المطالب إلا من خلال تصعيد التحركات «سنقفل الأبواب، كما تقفل وزارة الطاقة أبواب العمل في المؤسسة في وجهنا». الوضع المسيء ذاته تتعرض له لينا سرور (36 عاماً)، التي تعمل منذ 10 سنوات في المؤسسة من دون أية ضمانات أو تثبيت. تلفت إلى أنها بدأت العمل في عمر صغير، وكبرت في المؤسسة، «أين سأجد عملاً في بلد البطالة الآن؟ وهل توجد وظائف فائضة لكي يكون وزير الطاقة بهذه الحماسة لطردنا؟». أما سميرة فحص، فهي تعمل منذ 14 عاماً في مؤسسة الكهرباء مياومة في قسم الفواتير. تشدد على أن مطلبها الأساسي هو الدخول إلى ملاك المؤسسة، مع جميع زملائها المعتصمين، وتعتبر أن ما يتعرض له المياومون هو فعل غير إنساني، «أين الوطنية وأين الإنسانية في رد جميل عمال يضحون بحياتهم بكل ما للكلمة من معنى، عبر رميهم خارج عملهم بدلاً من تثبيتهم؟». تشدد على أن المحسوبيات والنقاط الحمراء التي سيضعها باسيل على المياومين لن تسمح لهم بالنجاح في أية مباراة، وتؤكد أن مصير الجميع هو الصرف. تستغرب إنصاف بدير أن يكون الإصرار على صرف المياومين من وزارة الطاقة والمياه، «نحن عماد هذه المؤسسة، نعمل في كل شيء، من الإدارة إلى الجباية إلى كنس الأرض، هذه المؤسسة تقوم على المياومين، والآن يريدون صرفنا؟». تشير بدير إلى أنها تعمل منذ 10 سنوات في المؤسسة، أي منذ أن كان عمرها 24 عاماً، «نتقاضى 800 ألف ليرة، فيما كل واحد منا يقوم بعمل موظفين اثنين، نتيجة سياسة عدم التوظيف، هل هذا هو جزاؤنا؟».


12 شهيداً
هو عدد المياومين في مؤسسة الكهرباء الذين استشهدوا احتراقاً أو صعقاً بالكهرباء، إضافة إلى 45 مياوماً تعرضوا للتشويه، بينهم 4 حالات من التشوه الشديد. كذلك تعرض 3 مياومين لإعاقات دائمة، وكل هؤلاء لم يحصلوا على أي تعويضات أو طبابة على حساب مؤسسة الكهرباء.

تكرار لأحداث «معمل غندور»!
في عام 1972، قام 1200 عامل من معامل غندور للحلويات بتحركات هزت الشارع اللبناني. مطلبهم كان مشابهاً لمطالب مياومي مؤسسة الكهرباء، وعددهم أقل. حينها سقط 3 شهداء، وجرح 14 آخرون برصاص الأمن. حينها نظمت تظاهرات تحت شعار «99 لص و17 حرامي» (على عدد نواب المجلس وأعضاء الحكومة). تتشابه الأحداث، يقول أحد المياومين، ويده على رأسه. يهددنا الوزير جبران باسيل، ويتوعدنا، ونحن لسنا سوى طالبي حق. نسرين الحلبي (الصورة) تقول إن الوضع لم يعد يطاق. فقر وإهانة وتهديد بالصرف. تسأل: «هل يريد المسؤولون أن نصعّد؟ إلى أين يريدون إيصالنا؟».
اقتصاد
العدد ١٧١٨ الثلاثاء ٢٩ أيار ٢٠١٢

25‏/5‏/2012

بعد تهديدات باسيل... خيمة المياومين في الكهرباء باقية


رشا أبو زكي
صباح أمس، داهم عدد كبير من العناصر الأمنية اعتصام عمال المتعهد وجباة الإكراء في باحة مؤسسة كهرباء لبنان في كورنيش النهر. مئات العناصر حاولوا إزالة الخيم التي نصبها العمال رفضاً لقرارات وزارة الطاقة والمياه صرفهم من العمل من خلال تعاقدها مع شركات خاصة، وفق عقود تتيح للشركات صرف العمال بعد 3 أشهر من «تجريبهم». المياومون العاملون منذ عشرات السنوات في المؤسسة تابعوا ما صرح به وزير الطاقة والمياه، جبران باسيل، أول من أمس، من تهديد ووعيد بحقهم. وراقبوا يوم أمس مداهمة القوى الأمنية لاعتصامهم بناءً على طلب باسيل، الذي ساوى من يطالب باستمرارية عمله بـ«الذين نصبوا الخيم في طرابلس». إلا أن القوى الأمنية، بعدما تأكدت من سلمية الاعتصام، عادت وسمحت للعمال بإبقاء خيمة واحدة.
صفحة المياومين على «الفايسبوك» غصت بالشكاوى، علماً بأن هذه الصفحة أنشأها العمال لكي يقللوا من مصاريف التواصل في ما بينهم على الهاتف. «ليتنا قادرون على إغلاق الطرقات في جميع المناطق، لكننا عمال، وليس هناك من أحزاب تحمينا، أو تنظر في معاناتنا». عبارة أخرى تكتبها إحدى العاملات في المؤسسة «مبنى مؤسسة كهرباء لبنان أصبح ثكنة عسكرية. أكثر من ٣٠٠ عسكري من الجيش والدرك والفهود ومخابرات الجيش والمعلومات والدفاع المدني والإسعاف. ترى ألم يعلموا أن شادي (المولوي) ليس بيننا؟». «نطلب عدالتك يا الله، فانصفنا وليس لنا بعدالة أهل الأرض _ آمين»، الى ناصر الذي كان ينزل مقاطع من فيديو حلقة الفساد التي عرضت قضيتهم على الصفحة، فإذا به يفاجأ بأن «الكهرباء انقطعت يا شباب، بكرا الصبح بتكون إجت وبرجع بنزّل المقاطع التانية»...
وقد أعلنت لجنة عمال المتعهد وجباة الإكراء في مؤسسة كهرباء لبنان استمرارها في الاعتصام السلمي الذي ينفذه نحو 2500 مياوم في مراكز مؤسسة الكهرباء على امتداد المناطق اللبنانية كلها. وقد جاء هذا الإعلان كرد على ما ورد في المؤتمر الصحافي لوزير الطاقة والمياه جبران باسيل ودعوته القوى الأمنية إلى قمع الاعتصام السلمي الذي ينفذه هؤلاء العمال في كل فروع ومراكز مؤسسة كهرباء لبنان، والإيعاز لشركة مقدمي الخدمات بدء عملها.
وشدد البيان على «إصرار لجنة عمال المتعهد وجباة الإكراء أكثر من أي وقت مضى، على المضيّ بتحركها السلمي لتحقيق هدفها الأساس، ألا وهو إدخال جميع عمال المتعهد وجباة الإكراء ممن يستوفون الشروط إلى ملاك المؤسسة، وهي إذ تناشد الرؤساء الثلاثة التدخل لحسم هذا الموضوع قبل فوات الأوان، نظراً إلى ما شاب المؤتمر الصحافي للوزير من مغالطات واتهامات تؤجج الصراع المذهبي على مستوى الوطن وتحرم ما يقارب 2500 عائلة من حقها في الحياة».
كذلك دعا البيان الاتحاد العمالي العام ووزارة العمل الى القيام بدورهما، وجميع الاتحادات والنقابات والمكاتب العمالية على مستوى الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية كافة الى إعلان تأييدها لمطالب المياومين. ودعت لجنة عمال المتعهد وجباة الإكراء جميع المعتصمين الى البقاء على «تحركهم السلمي والتعامل مع القوى الأمنية، وهم أهلنا وإخوتنا بمحبة وضبط الأمور بما يتناسب وتحركنا المشرف». وتمنت على لجنتي الإدارة والعدل والمال والموازنة الموافقة على اقتراح القانون المقدم لها «لإنصافنا».
كذلك، طالبت اللجنة باسيل بأن ينشر نص الاتفاق المبرم بينه وبين شركات مقدمي الخدمات، ولا سيما البنود المتعلقة بعمال المتعهد وجباة الإكراء، بالإضافة الى المقارنة بين أسعار الأمس وأسعار اليوم لهذه الشركات وباللغة العربية وليس بالانكليزية وما يشوبه من فرق بالأسعار.

اقتصاد
العدد ١٧١٦ الجمعة ٢٥ أيار ٢٠١٢

21‏/5‏/2012

تحذيرات السفارات: مخاوف أمنية أم حصار اقتصادي؟

قطر البحرين والإمارات، ثلاث دول حذرت رعاياها من المجيء الى لبنان، وطلبت من الموجودين في هذا البلد، مغادرته. وزير السياحة فادي عبود يعدّ هذه التحذيرات بمثابة «حصار اقتصادي»، فيما يردها العاملون في القطاع الى تدهور الحال الأمنية والسياسية. أما انعكاس التحذيرات اقتصادياً، فلا يمكن قراءته قبل هدوء الأوضاع
 
رشا أبو زكي
 
ثلاثة بيانات صدرت عن 3 دول عربية تحظر السفر الى لبنان، وتدعو رعاياها الموجودين، الى المغادرة: قطر، البحرين والإمارات. وزارة الخارجية القطرية، أوردت على موقعها الإلكتروني بياناً، عزا فيه دعوتها هذه «الى الأوضاع الأمنية غير المستقرة، وما قد يترتب عليها من تداعيات». الخارجية الإماراتية أعادت السبب أيضاً الى «توتر الأوضاع الأمنية»، فيما رأت الخارجية البحرينية أن لبنان أصبح «بلداً غير آمن»، وبينما ترددت معلومات عن أن السفارة السعودية أصدرت تحذيراً مماثلاً، فإنّ أي بيان رسمي لم يصدر عنها في هذا الإطار.
«عدد رعايا هذه الدول الثلاث قليل فعلياً نسبة الى العدد الإجمالي للسياح في لبنان»، يقول وزير السياحة فادي عبود. يوضح أن هؤلاء يمثّلون أقل من 5 في المئة من عدد السياح. ويرى أن التحذيرات سياسية. «لفرض نوع من الحصار الاقتصادي على لبنان»، إذ على الرغم من أن الوضع الأمني في لبنان يعدّ «طارداً» سياحياً، الا أن أي دولة لم تدع رعاياها الى مغادرة البحرين، مثلاً، رغم أن الوضع فيها دقيق جداً. يستغرب عبود هذه المواقف، ويأسف لـ «الحصار الاقتصادي»، ويقول: «الإشكالات الأمنية محصورة في مناطق محددة، ولا تستدعي خروج السياح»، لافتاً إلى أنه على رغم قلة عدد الوافدين من الدول الثلاث، الا أن أثر البيانات التحذيرية يطاول جميع دول العالم، بحيث تترك «آثاراً نفسية غير مستحبة».
عودة الى الأرقام. وصل العدد الإجمالي للوافدين الى لبنان منذ كانون الثاني حتى نيسان الماضي الى 436 ألفاً و860 وافداً، بينهم 180 ألفاً و593 عربياً، أي ما يمثّل نسبة 41 في المئة من عدد الوافدين الإجمالي. في المقابل، كان عدد الوافدين في الفترة نفسها من العام الماضي 475 ألفاً و534 ألفاً، بينهم 155 ألفاً و96 عربياً، بنسبة 32،6 في المئة من اجمالي عدد الوافدين في الأشهر الأربعة الأولى من 2011. ما يعني أن عدد الوافدين العرب الى لبنان شهد تطوراً في الأشهر الأولى بين عامي 2011 و2012. إلا أن اللافت، خلال احتساب عدد الوافدين العرب، أن لا الإمارات ولا قطر ولا البحرين تحتل أياً من المراتب الأساسية. ففي كانون الثاني من العام الحالي، احتل الوافدون السعوديون المرتبة الأولى، من ثم العراقيون فالأردنيون. وفي شباط، احتل العراقيون المرتبة الأولى، من بعدهم الأردنيون فالسعوديون. وفي آذار احتل السعوديون المرتبة الأولى يليهم العراقيون فالأردنيون. وفي نيسان احتل العراقيون المرتبة الأولى يليهم الأردنيون فالسعوديون، فيما توزعت المراتب الأدنى بين المصريين والكويتيين.
يشرح الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية في لبنان جان بيروتي أن القطاع السياحي لم يشهد أي إلغاء للحجوزات حتى الآن إلا بنسب بسيطة. ويلفت الى أن ذلك يعود الى طبيعة العلاقة السياحية بين لبنان والدول العربية، إذ إن السياح العرب لا يقدمون على الحجز في لبنان الا قبل 10 أيام الى 15 يوماً من موعد قدومهم. وبالتالي، ليس هناك حجوزات كثيرة لصيف 2012. والانعكاسات الأمنية، إضافة الى ردود الفعل على البيانات التحذيرية التي أصدرتها الدول الثلاث، يمكن تتبعها خلال الأشهر المقبلة. ويشير بيروتي الى أن «استمرار الوضع الأمني على ما هو عليه هو الأساس في تحقيق كارثة اقتصادية في لبنان، إذ إن الهدوء سينعكس عدم التزام بالتحذيرات، فيما استمرار الأزمة الأمنية والسياسية سيزيد من الحذر ومن المخاوف». ويشدد بيروتي على أن عدد السياح من قطر والبحرين والإمارات ليس كبيراً نسبة الى العدد الإجمالي للسياح، «الا أن ذلك ليس مقياساً، فالأساس هو حجم الإنفاق الذي يحققه هؤلاء، وخصوصاً أن معظمهم من المستثمرين الذين ينفقون على نحو خاص في الأسواق التجارية والقطاع العقاري».
طبعاً، يصعب قياس حجم إنفاق السياح في لبنان، كما يصعب تحديد مجالات الإنفاق. إلا أن شركة «غلوبال بلو»، التي تعد دراسات تقديرية حول حجم الإنفاق، نسبة الى قيمة الضريبة على القيمة المضافة التي يستردها المغادرون من لبنان، تظهر بعض جوانب الإنفاق السياحي. وتظهر الدراسة التي أعدت عام 2011، أن عدد السياح لا يمثّل مؤشراً فعلياً إلى قياس الإنفاق الحاصل من قبل السياح، إذ مثّل الإنفاق السياحي السعودي 20 في المئة من مجموع الإنفاق السياحي عام 2011. وحلّ الإماراتيون في المرتبة الثانية من حيث الإنفاق (11 في المئة) فالكويتيون (10 في المئة)، ومن ثم السوريون (8 في المئة) والمصريون (6 في المئة).
كذلك، ازداد إنفاق السياح الإماراتيين بنسبة لافتة خلال عام 2011 (20 في المئة) يليهم الفرنسيون (10 في المئة) والسوريون (8%) فالكويتيون (4%) والقطريون (2%)، فيما تراجع إنفاق المصريين بنسبة 12 في المئة ثم الأردنيين (3-%) والسعوديين (2-%). وقد حلت أصناف الموضة والملابس في طليعة السلع التي شهدت إنفاقاً سياحياً (74%)، تلتها الساعات (9%) ليتوزع ما تبقى على العطور ومواد التجميل وأدوات الحدائق وزينة المنازل وغيرها. ويمكن من خلال هذه الإحصاءات تبيان الآثار السلبية التي ستحدثها البيانات التحذيرية للسفارات الثلاث على الاقتصاد اللبناني على نحو عام، وعلى القطاع السياحي خصوصاً. ويمكن توقع انحسار في عمل الأسواق التجارية، وخصوصاً في بيروت، التي تعدّ المقصد الأول لإنفاق السياح (84% من الإنفاق الإجمالي عام 2011 وفق دراسة «غلوبال بلو»)، تليها منطقة المتن (12%) فكسروان (2%) وبعبدا (1%).

سياسة
العدد ١٧١٢ الاثنين ٢١ أيار ٢٠١٢

17‏/5‏/2012

عمال "إرهابيون" في كهرباء لبنان؟

اعتصام جباة وعمال الإكراء في المؤسسة ينحو إلى التصعيد 


«ارهابي» أم مطالب بحقه؟ (مروان طحطح)
ماذا ينتظر وزير الطاقة والمياه، جبران باسيل، ومعه مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء (وبقية السلسلة) من عمال يعملون كالرقّ في المؤسسة منذ أكثر من عشر سنوات، من دون تثبيتهم ولا إدخالهم في الضمان الاجتماعي؟ لا بل ماذا ينتظرون بعدما تعاقدت الوزارة مع شركات وأدرجت في العقود إمكان صرف 2500 مياوم بعد 3 أشهر من «تجريبهم»؟ على الأقل، يجب ألاّ ينتظروا الورود! 

رشا أبو زكي
في حرب الكبار، لا يموت إلا الصغار. هذه حال عمال جباة الإكراء والعمال المياومين (يتقاضون رواتبهم عن كل يوم عمل) في مؤسسة الكهرباء. الزعماء السياسيون يختلفون على الحصص فوق، فيبقى 2500 عامل منذ ما بين 10 سنوات إلى 20 سنة بلا أي ضمانات اجتماعية، تحت التهديد بالصرف الجماعي في نهاية حزيران المقبل. شائعة ظهرت على إحدى شاشات التلفزة، مفادها أن المياومين يهددون بحرق المركز الرئيسي لمؤسسة الكهرباء.
تتوالى البيانات الحزبية (نقابية الصيغة) لتعلن وجود طابور خامس في صفوف المعتصمين، وتحذر من انزياح الاعتصامات السلمية نحو العنف. نحو المؤسسة نسير بخطوات بطيئة، احتمال ظهور أحد «الإرهابيين» لإحراقنا وارد، نظراً إلى طبيعة البيانات الحزبية _ النقابية الصادرة. وصولاً إلى باب مؤسسة الكهرباء «الجو» عادي. عدد من رجال الأمن يحيطون بالمؤسسة. الباب موصد بجنزير حديدي كبير. يفتح العمال المعتصمون الباب. ندخل إلى أرض «الموقعة». رائحة النار المشتعلة لم تصل إلى أنوف أحد. أكثر من 500 جابٍ ومياوم يعتصمون أمام صناديق خدمة الزبائن في إطار خطة تصعيد تحركهم...
«أين من يهدد بحرق المؤسسة؟»، سؤال يُضحك العمال، والإجابة تُحزن من يضحك: «لا يوجد من يريد حرق المؤسسة، وإنما من يريد حرق نفسه». يتقدم حسين علام، يلقي 45 عاماً من عمره خلف ظهره المحدودب. عشرات السنوات قضاها في خدمة المؤسسة. راتبه لا يتعدى 450 دولاراً، إيجار منزله 300 دولار، وأولاده الأربعة في المدرسة. «أعمل على سيارة الأجرة ليلاً لأستطيع ضمان استمرارية عائلتي». يأسه يوشي بقابلية فعلية على الانتحار حرقاً. لا يستغرب استغراب من حوله، فهو ابن الهرمل، الحرمان يسابق سنين عمره. «الآلاف استشهدوا بالقصف الإسرائيلي عام 2006، وأنا أرى أن جوع أولادي أشد وطأة عليّ من إسرائيل. سأحرق نفسي في حال صدور قرار صرفي من العمل. لعلي أوصل صوتي وصوت زملائي إلى آذان المسؤولين». يعوّل علام على التحركات التي ينفذها المياومون في جميع المناطق، فاقداً الأمل بالسياسيين «في لجنة الإدارة والعدل من له مصلحة مباشرة بإدخال شركات خاصة إلى المؤسسة، الشركات التي ستصرفنا بعد 3 أشهر، ونائب من النواب، الذين أحترم مرجعيتهم السياسية، له علاقة بإحدى هذه الشركات، يبيع 2500 عامل من أجل مصلحته».
لعلاّم زملاء ماتوا وهم يعملون. يذكر أحد المعتصمين 17 مياوماً قضوا على أعمدة الكهرباء، وأكثر من 40 مصاباً غالبيتهم غير قادرين على العمل بسبب الإعاقة الدائمة التي أصابتهم، إضافة إلى عدد من الذين ترسم التشوهات ملامح غريبة على أجسادهم. آخر شهداء المياومين اسمه مجبور مجبور، توفي في الشمال، خلال قيامه بصيانة أحد الأعمدة. حيدر إسماعيل، وهو المياوم منذ 18 عاماً في المؤسسة، يقول إن العدد ليس 17، إذ إن 2500 مياوم هم فعلاً شهداء أحياء، ولا يعرفون الساعة التي تغدرهم فيها صعقة كهربائية. الغدر مضاعف، فالمياومون ليس مصرحاً عنهم لدى الضمان الاجتماعي، ويتقاضون رواتبهم بحسب أيام عملهم «حتى في 1 أيار، وهو عيد العمال، حسمت المؤسسة من راتبنا». إسماعيل لم يتزوج حتى الآن، فهو يتقاضى 28 ألفاً و500 ليرة عن كل يوم عمل، لتخلص النتيجة براتب شهري يقل عن الحد الأدنى للأجور.
طوني يونان، مياوم منذ 12 عاماً في مؤسسة الكهرباء، يتقاضى نحو مليون ليرة شهرياً. «يحسمون الضريبة على الدخل وضريبة على القيمة المضافة، نقوم بكل واجباتنا المالية تجاه الدولة، والأخيرة ترفض حتى إدخالنا إلى ملاك المؤسسة». لن يحصل طوني على راتب أعلى بكثير من الذي يتقاضاه في حال تثبيته، «أريد الدخول إلى الضمان الاجتماعي، وتثبيتنا في الوظيفة. علماً بأن الضمان الاجتماعي رفع شكوى وربحها، ومفادها أنه يريد 48 مليار ليرة من مؤسسة الكهرباء نتيجة عدم إدخالنا إلى الضمان». يضحك يونان من طرح باسيل المتعلق بالمناصفة في تثبيت المياومين بين المسلمين والمسيحيين. «أنا مسيحي، ولا أريد مناصفات، أريد أن يدخل زميلي المسلم إلى الملاك قبلي، كلنا نعيش تحت خطر الموت من دون تفرقة طائفية».
ما يقوله طوني، يكرره ادغار رزق، وهو المياوم منذ 9 سنوات في المؤسسة. يقول «لا نريد سوى تثبيتنا»، ويعتبر أن الحديث عن مناصفات ليس سوى كلام، فنحن نعمل كلبنانيين من دون تفرقة طائفية، وما يجمعنا هو البحث عن لقمة الخبز. ويرى أن خصخصة الخدمات في المؤسسة هو لصرف غالبية المياومين وتوظيف بعض المحظيين بتغطيات سياسية. وإن من يريد الخصخصة، من نواب ووزراء، هو من يريد «القبض من الشركات على حساب تطييرنا».
تتكرر المواقف على لسان المعتصمين. كلها تبحث عن أمان وظيفي وحد أدنى من الضمانات. في الطبقة الـ 13، فوق اعتصام الجباة والمياومين، اجتمع مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء. تمنى المجلس على وزير الطاقة والمياه الطلب من وزارتي الداخلية والدفاع اتخاذ الإجراءات الأمنية الفورية لفتح كل مداخل المؤسسة والطلب «من المديرية العامة أن تحتفظ مؤسسة كهرباء لبنان بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية كافة تجاه أي شخص يقوم بأعمال مخلة بالأمن». ورأى المجلس أن بعض المياومين يمارسون أعمال مخلّة بالانتظام العام في المؤسسة ومعرقلة لأعمالها، ولا سيما إقفال مداخل المبنى المركزي ومعظم الدوائر التابعة له (مثالاً: رأس بعلبك، جب جنين، حاصبيا، النبطية، رياق، حلبا، سير الضنية، الخ...).
وعلى بعد نحو كيلومتر من مبنى المؤسسة، اجتمعت اللجنة الفرعية في لجنة الإدارة والعدل النيابية مع لجنة تمثل المعتصمين. وقال عضو اللجنة المصغرة النائب إيلي عون لـ«الأخبار» إن اللقاء كان للاطلاع على مطالب المعتصمين، على أن يُعَدّ تقرير ويُرفَع إلى لجنة الإدارة والعدل يوم الاثنين. ويشير إلى أن جميع النواب يرون أن معظم المطالب محقة. يشرح أنه سيجري التشاور مع باسيل، على أن يُدرَج هذا الملف على طاولة لجنة الإدارة والعدل يوم الأربعاء المقبل. أحد أعضاء اللجنة الممثلة للمعتصمين، يلفت إلى أن الاعتصام مستمر اليوم، إلى أن تتحقق المطالب.


1700 مياوم
هو عدد المياومين الذين يمتلكون أهلية الدخول إلى ملاك المؤسسة من أصل 2500 مياوم، وذلك وفق لجنة ممثلي المعتصمين، ويطالب المعتصمون بالتعويض على من وصل إلى السن القانونية، وفق سنوات خدمتهم

4 مشاريع لقضية واحدة
أرسلت الحكومة مشروع قانون وضعه الوزير جبران باسيل إلى لجنة الأشغال يقضي بإدخال 700 موظف إلى ملاك المؤسسة بعد إجراء مباراة محصورة. رفضت اللجنة الاقتراح، ووافق أعضاءها على إدخال العمال والمياومين إلى الملاك. في لجنة الإدارة والعدل، تقدم النائب علي عمار بمشروع لإدخال 1400 مياوم فيبقى 1100 مياوم لمصيرهم المجهول. أما المؤسسة فكانت لها صيغتها، إدخال 700 مياوم بمباراة محصورة، و200 من حملة الشهادات بمباراة مفتوحة مع أفضلية بنسبة 15% للمياومين، و400 يبقون مياومين مع إدخالهم إلى الضمان، أما البقية فينتظرون قرار شركات مقدمي الخدمات بعد 3 أشهر من مباشرة عملها.
اقتصاد
العدد ١٧٠٩ الخميس ١٧ أيار ٢٠١٢

16‏/5‏/2012

انتفاضة المستأجرين


جميع المستأجرين وفق العقود الحرة في لبنان يعانون من عدم استقرار سكني (أرشيف)

المستأجرون القدامى على أعصابهم. لجنة الادارة والعدل النيابية تسرب بعض البنود التي تم الاتفاق عليها في مشروع قانون تحرير الايجارات القديمة. منها اضافة زيادات كبيرة على الايجارات خلال 6 سنوات، على أن يحق للمستأجر تجديد عقد الايجار وفق الاسعار المعتمدة في السوق لثلاث سنوات اضافية، وبعدها يمكن للمالك طرد المستأجر.
رشا أبو زكي
موضوع الايجارات القديمة شائك. حوالي 180 ألف وحدة سكنية (وفق لجنة الدفاع عن المستأجرين) تسكنها آلاف العائلات، عائلات معظمها من كبار السن، ونحو 65 في المئة منهم فقراء، يدفعون مبالغ قليلة جداً كبدل ايجار. أصحاب هذه المباني أيضاً مظلومون ببدل الايجار الزهيد الذي يحصلون عليه. ايجاد حل لمشكلة سكن المستأجرين في ظل الاسعار القياسية للشقق السكنية في لبنان، في مقابل انصاف المالكين، يقع على عاتق السلطة اللبنانية.
الا أن مجلس الوزراء أقر الايجار التملكي في العام 2006 (وهو حل مجتزأ لا يفيد المستأجرين بسبب عدم قدرتهم على الاقتراض نتيجة السن المتقدمة)، وحصل من وزير الشؤون الاجتماعية وائل بو فاعور على المراسيم التطبيقية للقانون منذ اسابيع، ولم يبحث حتى اليوم هذه المراسيم، ولم يطرح أي خطة اسكانية شاملة يمكن التعويل عليها، في حين أن لجنة الادارة والعدل النيابية تدرس تحرير الايجارات القديمة منذ سنوات، ولم تخرج حتى اليوم بمشروع يرضي الفريقين...
تجاه هذا الواقع، تحول المستأجر الى علامة استفهام متنقلة، لا يعلم نوايا وزرائه، ولا مآرب نوابه، باستثناء ما يسرب من اجتماعات اللجنة النيابية بين فترة وأخرى. احدى هذه التسريبات أن مشروع القانون يتضمن بند التحرير التدريجي للايجارات، على مدى 6 سنوات، بحيث يرتفع الايجار بزيادات تراكمية نسبتها 15 في المئة في السنوات الاربع الاولى، وفق الفارق بين بدل المثل (اي قيمة الشقة المماثلة وفق الاسعار المعتمدة حالياً) وبدل الايجار القديم.. لترتفع النسبة الى 20 في المئة في السنتين الأخيرتين. وبعد 6 سنوات، يستطيع المستأجر التعاقد مع المالك لمدة 3 سنوات وفق السعر المعمول به في السوق، أو اخلاء المأجور. ويتضمن المشروع كذلك انشاء صندوق خاص للايجارات السكنية يقدم مساعدات لذوي الدخل المنخفض لشراء مسكن أو شراء المأجور بالاتفاق مع المالك. الا أن اللجنة النيابية اعتبرت أن عدد المستفيدين من هذا الصندوق لا يتعدى الـ15 في المئة من اجمالي عدد المستأجرين القدامى. هذه التسريبات وصلت الى لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين القدامى، ويقول أمين سر اللجنة زكي طه أن المستأجرين القدامى لن يوافقوا على إقرار أي مشروع من دون اطلاق سياسة سكانية شاملة تمنع عنهم التشرد بعد 6 سنوات. ولن يوافقوا على أي زيادة ضخمة كتلك التي يطرحها المشروع والتي لا يستطيع المستأجرون تحملها. ويرفضون أي مشروع عشوائي يحقق مصالح المصارف وتجار العقارات على حسابهم.
الا أن أكثر من متابع للملف أكد أن اللجنة لن تصدر مشروع القانون قبل الانتخابات النيابية المقبلة، اذ إن المستأجرين كما المالكين هم عبارة عن آلاف الأصوات المتناثرة في جميع المناطق اللبنانية، واغضاب هاتين الفئتين سيدخل النواب وكتلهم في جحيم التبرير والمساءلة. عضو لجنة الادارة والعدل غسان مخيبر لا يؤكد ولا ينفي قرب الاتفاق على صيغة نهائية للتعديلات. يشرح أن المشروع الذي تبحثه اللجنة وصل الى مرحلة الصياغات النهائية، الا أن بعض البنود لا تزال قيد الدرس. مثلاً بند انشاء صندوق خاص للايجارات السكنية يحتاج الى تمويل، وينتظر ملاحظات وزارة المال عليه. يقول مخيبر إن اللجنة تجتمع كل اسبوع، تبحث بنود وتعلق أخرى، معتبراً ان اللجنة ستخرج بمشروع قانون يشكل جزءاً من خطة اسكانية شاملة. لكن متى اعلان انجاز المشروع؟ لا يحدد مخيبر موعداً محدداً، الا أنه يستبعد أن يتأخر الى ما بعد الانتخابات النيابية.
يلفت طه الى وجود ازمة سكن في لبنان، وكل الحكومات السابقة لم تقم بأي توجه لاقرار خطة سكنية لحل هذه الأزمة، مكتفية باصدار القوانين التي تنظم العلاقة بين المالك والمستأجر. يلفت الى أن الانجاز الوحيد للسلطة اللبنانية في الاطار السكني هو انشاء المؤسسة العامة للاسكان، هذه المؤسسة التي تعاني اليوم من مخاطر جدية لوقف عملها. يشرح طه أن المصارف استثمرت 30 مليار دولار في السوق العقارية، وبالتالي لم يعد لها مصلحة في استخدام جزء من احتياطها الالزامي لتمويل قروض الاسكان عبر المؤسسة، بعدما اصبحت جزءاً من اللعبة العقارية. ويرى أن للمصارف التجارية مصلحة كبيرة بتحرير الابنية القديمة، وخصوصاً أن 75 في المئة من الايجارات القديمة تتركز في بيروت وجبل لبنان، حيث تشهد اسعار العقارات ارتفاعات ضخمة.
يذهب طه الى أن أعضاء اللجنة النيابية وعدداً كبيراً من النواب في جميع الكتل النيابية، هم اما تجار عقاريون وإما مصرفيون، أو مستفيدون من هاتين الفئتين الاقتصاديتين، ما يخفض حظوظ اصدار قانون ينصف المستأجرين. يضيف طه أن حق السكن مقدس، والدولة هي المسؤولة عن ايجاد الحلول، لا بل إن ذلك هو من أولى مسؤولياتها. ويستغرب طه الاندفاع الحاصل لتحرير الايجارات القديمة، في حين أن جميع المستأجرين وفق العقود الحرة في لبنان يعانون من عدم استقرار سكني، ويخضعون كل ثلاث سنوات لارتفاع في الايجارات أو اخلاء لمساكنهم بطلب من المالكين، معتبراً أن على الدولة وضع حد للأسعار من جهة وضبط السوق العقارية والسكنية بشكل فوري.
ويشير الى أن مجلس النواب اقترب من اصدار هذا القانون، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تكثيف الاجتماعات في لجنة الادارة والعدل، والامعان في مناقشة البنود. لكنه يستبعد كذلك اصداره قبل الانتخابات النيابية. ويلفت طه الى أن المستأجرين سيعلنون مواقف موحدة من مشروع القانون قيد الدراسة خلال مؤتمر عام سيعقد في قصر الاونيسكو في 23 من الشهر الجاري، بحيث سيحضره المستأجرون وعدد من الفاعليات المهتمة بهذه القضية، وحينها، سيتم الاعلان عن الخطوات التي يمكن تنفيذها في حال اقرار المشروع في لجنة الادارة والعدل.


1
هي مرتبة بيروت كأغلى عاصمة عربية في إيجار الشقق، فيما احتلت المرتبة الـ37 عالمياً والمرتبة الثالثة من بين 13 مدينة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وذلك وفق تصنيف شركة «كوشمان أند ويكفيلد» للاستشارات العقارية. وكانت بيروت قد احتلّت في مسح عام 2010 المرتبة الـ30 كأغلى مدينة عالميّاً.

إنها المضاربات العقارية القاتلة
لم يشمل قانون تحرير عقود الإيجارات في عام 1992 المستأجرين قبل عام 1992. وهؤلاء هم عبارة عن الآلاف من العائلات التي ستدخل في صلب أزمة الأسعار السكنية المرتفعة، ما سيزيد الأوضاع الاجتماعية السيئة، سوءاً. ويقول أمين سر لجنة المدافعين عن المستأجرين القدامى إن مشروع القانون الذي يُبحَث لا يشكل أي ضمانة للمستأجرين من عدم التشرد ويسأل: «من سيردعهم حينها من السكن عنوة في آلاف الشقق غير المأهولة التي تُعَدّ جزءاً من حركة المضاربات العقارية القاتلة؟».
اقتصاد
العدد ١٧٠٨ الاربعاء ١٦ أيار ٢٠١٢

15‏/5‏/2012

طرابلس: رحلة المئة عام بحثاً عن دولة


طرابلس تشبه مخيّماً كبيراً... هكذا تعاملت الدولة مع ثاني أكبر مدينة في لبنان، عززت عزلتها وقطعت اتصالها بالأسواق الداخلية الأخرى وحرمتها من البنى التحتية الأساسية التي تعدّ شرطاً من شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية
رشا أبو زكي
ما تشهده طرابلس بين الحين والآخر ليس معزولاً عن واقعها الاقتصادي ـــ الاجتماعي، فالمؤشّرات كلّها تدلّ على أن عاصمة الشمال ومناطق المنية والضنية وعكار هي الأكثر حرماناً في لبنان، وهذه المؤشّرات موثّقة في دراسات صادرة عن الدولة اللبنانية ومنظمات دولية ومؤسسات محلّية. وعلى الرغم من الوضوح الفائض الذي يعتري هذه الصورة، لم تتحرّك الدولة منذ نهاية الحرب حتى اليوم باتجاه دمج هذه المنطقة وتمكينها من المحافظة على حدّ أدنى من الاستقرار، بل تعامل معها بعض السياسيين باعتبارها خزّاناً للفقراء يستعيرون منه جنوداً لمعاركهم، التي، غالباً، لا يكون لها أي صلة بتحسين مستوى المعيشة وتحقيق مستوى مقبول من التنمية الضائعة.
غليان طرابلس، ليس ابن ساعته، وهو ليس نتيجة احتقان سياسي ظرفي. هو نتيجة سياسات اقتصادية همّشت المدينة وأهلها، وسط غياب الدولة عن ممارسة أبسط وظائفها. وتفرغها لخدمة «زعامات» أو «عصبيات» تمارس الاستلاب الاجتماعي والثقافي، وتكرس سيطرة فريق لا يمثل مصالح أهل المدينة.
يضم الشمال كله نحو 17 ألف مؤسسة، في مقابل 73 ألفاً في جبل لبنان، و72 ألفاً في بيروت، وفق إدارة الإحصاء المركزي. كما أن حصّة طرابلس من تسليفات المصارف للقطاع الخاص لا تتجاوز 2%، في مقابل 83% في منطقة بيروت وضواحيها. وبالتالي فإن مقولة تقليص دور الدولة لمصلحة القطاع الخاص لا تجد صداها هنا، ولا يقوم «السوق» بتأمين فرص العمل للشباب، ما يجعلهم رهائن «الحاجة»، وهو ما تبرهنه معدلات البطالة الأعلى بالمقارنة مع المناطق الأخرى، وكذلك معدّلات التسرّب الدراسي والأمية بين النساء ووفيات الأطفال وضعف شبكات الحماية الاجتماعية (الضمان الصحي تحديداً)... ليصبح عدد كبير من أبناء هذه المدينة خاضعاً لمؤسسات اجتماعية خيرية تابعة للزعامات السياسية القائمة.
تشير دراسة خريطة الفقر البشري الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الى أن محافظة الشمال تضم أعلى نسبة من الأسر الفقيرة جداً، إذ يقيم فيها نحو 30،5% من مجمل الأسر الفقيرة في لبنان، كما تحتل المرتبة الأولى لجهة الحرمان في مجالي التعليم (47.1% من الأسر المحرومة) والصحة (46.2% من الأسر المحرومة). وتحتل المرتبة الثانية في ميادين المسكن (26.3%). ووضع الأسرة الاقتصادي (65.8%). والكهرباء والماء والصرف الصحي (37.8%).
تقدّر نسبة الفقراء في طرابلس بنحو 57% من مجمل المقيمين في هذه المدينة، وهي ثاني أعلى نسبة في لبنان بعد منطقتي عكار والمنية ـــ الضنية (وفق دراسة «الفقر، النمو، واللامساواة في لبنان الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، وتقع منطقة جبل محسن ـــ التبانة في قلب بؤرة الحرمان الطرابلسية. ووفق ما تظهره الدراسة الميدانية التي أجراها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» وأطلقها في منتصف 2011 حول الوضع المعيشي والاقتصادي في منطقة التبانة ـــ جبل محسن، حيث يظهر أن 67% من سكان هذه المنطقة يعيشون تحت خط الفقر الأعلى، و33% تحت خط الفقر الأدنى (أي الخط الذي يحدد القدرة على تأمين الحاجات الغذائية فحسب)، لا بل إن 50.4% من الأسر في هذه المنطقة تحديداً يقلّ دخلهم الشهري عن 500 ألف ليرة، و82% دون 800 ألف ليرة.
يشدد رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان على أن محافظة الشمال عموماً ومنطقة طرابلس خصوصاً تعاني من اختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ ترتفع معدلات الفقر الى مستويات قياسية، ويعمل سكان المدينة في قطاعات غير نظامية من دون الإفادة من شبكات الأمن الاجتماعي. ويشدد حمدان على عدم وجود رعاية اجتماعية فاعلة، في حين أن نسب التسرب المدرسي قياسية (50 في المئة وفق دراسة «الفقر، النمو، واللامساواة في لبنان»)، ما يدخلهم الى دائرة الإعالة باكراً ليتجدد واقع الفقر معهم. ويلفت حمدان الى أن هذه المشكلات موجودة في غير منطقة في الشمال. ففي دراسة حديثة أجرتها المؤسسة حول الضنية، تبيّن وجود مناطق معزولة عن الأخرى بسبب غياب شبكة النقل، وحال الطرقات غير المعبدة، وعدم وجود بنى تحتية يمكن التأسيس عليها لتطوير قطاعات اقتصادية إنتاجية... وتغلب الحيازات الزراعية الصغيرة، وجزء من المنطقة يقوم على زراعات غير بعلية، وليس هناك من وجود فعلي لمؤسسات غير زراعية...
يصف وزير العمل المستقيل شربل نحاس الواقع الاقتصادي والاجتماعي في طرابلس بالأزمة المتراكمة. ويرى أن العداء الملحوظ للنظام السوري في المنطقة ليس مستجداً، ولا مستورداً، وإنما رد فعل على دفع المنطقة الى منافسة غير متكافئة مع اقتصاد سوري يتمتع بكلفة إنتاج أدنى من تلك المتوافرة في لبنان، ما انعكس منافسة مباشرة على أبواب رزق التجار والحرفيين والصناعيين الطرابلسيين الذين يمثلون القاعدة الاقتصادية في طرابلس وعلى طول الخط الساحلي الشمالي.
ويشرح نحاس أن ما تشهده هذه المنطقة من حرمان، يعود الى سياق تاريخي من الإهمال الرسمي. فمنذ 100 عام، كان الهم الأساسي للناس هو الحصول على الطعام، وبالتالي كانت طرابلس محاطة بمناطق ريفية زراعية ناشطة. إلا أن التقدم العلمي ونمو اقتصادات الحجم، أدى الى نزوح أبناء الريف الى طرابلس، حيث تتوافر الأسواق الاستهلاكية الرئيسية، وتنمو الأعمال. وقد كانت طرابلس مركزاً أساسياً لمنطقة كبيرة تحيط بها، وتصل الى العمق السوري. بعد الاستقلال، تقلصت حدود الامتداد الاقتصادي الطرابلسي، لتنفصل خلال الحرب الأهلية عن محيطها الداخلي، لتنتهي حال طرابلس بمدينة تحوي كثافة سكانية كبيرة، في مقابل عدم استمرار الوظائف التي تبرر وجود التجمعات السكانية. واستمر هذا الوضع من دون أي إجراءات من الدولة لتنمية الاقتصاد الطرابلسي وتطويره. ومع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وظهور زعامات معدودة وثرية جداً، تخلخلت البنية الاجتماعية والمعيشية في طرابلس، ليصبح جزء كبير منها أشبه بمخيم كبير على غرار مخيّم عين الحلوة.
يشرح نحاس خريطة طرابلس اليوم. إذ يوجد خط يمتد من مدخل المدينة ويصل الى «حي المعرض» أشبه بأحياء المناطق الثرية في بيروت، ومن ثم تأتي منطقة وسطى وهي خط تماس يسمى شارع البوليفار والميناء، أما في الشرق فتمتد المساحة الباقية من المدينة، وهي الأكبر والأكثر كثافة سكانياً، حيث يسيطر الفقر. هذه المناطق الثلاث تعدّ لافتة، إذ إن الشرخ الاجتماعي يبدو واضحاً.
وفي أبواب المعالجة، يرى نحاس أنه إذا قررت الحكومة عدم «النأي بنفسها» عن هذه الأزمة، فلا بد من البدء بإجراءات فعلية لتغيير واقع طرابلس. منها القيام باستثمارات أساسية لصهر المجتمع الطرابلسي، بحيث لا يكون لكل طبقة حيز جغرافي خاص، إضافة الى تعزيز علاقة المدينة بمحيطها. مثلاً تبعد طرابلس عن زغرتا حوالى 500 متر، إلا أن هناك طريقاً تلتف حول طرابلس لتصل الى زغرتا، إضافة الى إعادة ربط طرابلس بباقي مناطق الشمال. كذلك، لا بد من ربط أبناء طرابلس ببيروت من خلال تحقيق مشروع القطار السريع، يربط وسط طرابلس بوسط بيروت. أما الخطوة الأصعب، فهي توقيع اتفاق مع سوريا لإعادة فتح قنوات الارتباط معها اقتصادياً، وإعادة إحياء مرفأ طرابلس وربطه بالتجارة الإقليمية القائمة.



جبل محسن والتبانة... الفقر واحد 

الدراسة الميدانية التي أجراها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» والتي أطلقت في منتصف العام الماضي، عن وضع الأسر المعيشي وصحة الأم والطفل في منطقة التبانة ـــ جبل محسن في طرابلس، كانت صادمة في الأرقام، إذ فيما يقطن هذه المنطقة 47 ألف نسمة، فإن حجم القوة العاملة لا يتعدى الـ 27% من مجموع السكان، أي 12 ألفاً و690 مواطناً. يعاني حوالى 20% من الذكور و91.5% من النساء البطالة. وتوضح الدراسة أن 34% من الشباب يعملون بأجر شهري، و8% يعملون لحسابهم و53% يتقاضون أجورهم على أساس الإنتاج. في المقابل، فإن التسرب المبكر من المدرسة، وخصوصاً عند الذكور، يجعل نسبة الأميين تتجاوز 20% عند الشباب (15 ــ 29 سنة)، وهي الأعلى في لبنان. كما أظهرت الدراسة أن 9.3% من السكان يشكون من أمراض ولم يحصلوا على العلاج بسبب عدم توافر المال أو عدم توافر الاختصاص المطلوب في مستوصفات المنطقة لتأمين العلاج.
 http://www.al-akhbar.com/node/64335
سياسة
العدد ١٧٠٧ الثلاثاء ١٥ أيار ٢٠١٢

12‏/5‏/2012

2000 إعلامي «مطرود» منذ 2010

العاملون في القطاع يواجهون مخاطر تقليص الوظائف

عائدات الاعلانات في لبنان لا تغطي تكاليف عمل وسيلة اعلامية واحدة (مروان طحطح)
خطر الصرف من العمل يخيّم على قطاع الاعلام بكل فروعه، فقد ازدادت عمليات الصرف التعسفي والجماعي من العديد من المؤسسات الاعلامية والصحافية بشكل مطرد في الاعوام الماضية، الأسباب متعددة، الا أن النتيجة واحدة: قطاع الاعلام يعاني، وليس هناك من يحمي العاملين فيه
رشا أبو زكي
هؤلاء الذين يصنّفون انفسهم «سلطة رابعة» لا يشعرون اليوم بأي ح صانة او حماية. لقب «السلطة» لا يُصرف حتى لدى ادارات المؤسسات الاعلامية نفسها. ادارات تفشل في عملها الاداري، فتستسهل صرف الاعلاميين والصحافيين، لم لا؟ فهؤلاء بلا نقابة تدافع عنهم، لا قانون يحصّنهم ولا مجتمع مدني يأبه لأمورهم لأنهم بنظر الكثيرين جزء من منظومة «الاستبداد» المكروهة. 1600 اعلامي وصحافي صرفوا في لبنان منذ العام 2010 من 11 وسيلة اعلامية (تلفزيون وصحيفة) تعسفياً، يضاف اليهم عشرات المصروفين بشكل فردي، وآخرون من الاعلام المسموع والمجلات والمواقع الالكترونية، ليصل العدد التقديري الى 2000 صحافي واعلامي.
رقم يثير الرعب، ويعطي للعمل الاعلامي صفة تضاف الى «المصاعب» لتصبح مهنة المخاطر. مخاطر من الصرف الكيفي والتعسفي طبعاً. وإن كانت عمليات الصرف الجماعي من المؤسسات والشركات تصنّف «صرفاً اقتصادياً»، ويتم التأكد من قانونية الصرف عبر البيانات المالية لهذه المؤسسات، فإن للمؤسسات الاعلامية ظروفاً خاصة، فهي خاسرة منذ نشأتها، وعائداتها المالية لا ترتكز على الاعلانات، وعلى الرغم من خسارتها «الدفترية» الا أنها دائمة التوظيف، ومحافظة على استمراريتها. وبذلك يصعب فعلاً تأكيد تصنيف الصرف، وبالتالي تبريره، الا في الحالات التي تدخل في الاطار المهني...
الأرقام المقلقة
العاملون في بعض الصحف يعانون من وضع غير مستقر اطلاقا، او بمعنى آخر يرضخون للتهديد بفقدان مصدر الدخل. ففي جريدة «الديار» يستخدم الصرف من العمل بشكل متواصل، يرتفع عدد الموظفين وينخفض بوتيرة سريعة جدا. ففي العام 2010 تم صرف نحو 15 موظفاً، ليلحق بهم 53 آخرون في العام 2011، أما هذا العام فقد شهد صرف 65 صحافياً وموظفاً من الجريدة وموقعها الالكتروني. أسباب الصرف التي اعلنتها الادارة خلال المراحل الثلاث للصرف كانت مالية. اذ يشرح احد الصحافيين المصروفين أن ادارة الصحيفة قدمت التعويضات للمصروفين، ولم يتحدث احد عن ظلم في هذا المجال، الا أن التعويضات يتم تقسيطها شهرياً وليس دفعة واحدة. ويشرح ان اسباب الازمة المالية متعددة، منها ما يتعلق بتراجع التمويل السياسي، ومنها ما يتصل بسوء ادارة في الجريدة، اذ يرتفع عدد صفحات الديار وينخفض بشكل دائم، وتحاول الادارة تطوير آليات استقطاب القراء، وحين لا تصل الى الهدف، تصرف الصحافيين لخفض الاكلاف عليها ثم تعيد توظيف آخرين لتصرفهم لاحقا! وهكذا دواليك.
وشهدت صحيفة «النهار» عملية صرف جماعية لـ53 صحافياً وموظفاً في نهاية العام 2009، ليتبعها صرف كيفي فردي خلال الاعوام اللاحقة، وليصل المجموع الى نحو 63 موظفاً وصحافياً. وقد اشارت الصحيفة حينها الى أن هذا القرار جاء لخفض الاعباء المالية واعادة هيكلة الصحيفة والاستغناء عن الموظفين الذين وصلوا الى سن التقاعد او تجاوزوه. وقد تم صرف نحو 10 صحافيين في السابق وكانت الاسباب المعلنة «اقتصادية».
انتقالاً الى جريدة البلد، التي شهدت حالات صرف جماعية متتالية طوال فترة عملها القصيرة نسبياً. وبين عامي 2010 و2012 تم صرف 60 موظفاً وصحافياً على دفعات، ومن ثم تم صرف 48 صحافياً موظفاً في اربع مؤسسات تابعة للمجموعة التي تمتلك هذه الصحيفة. ويتوقع العاملون أن يتواصل الصرف ليرتفع العدد الى 150 صحافياً وموظفاً. ويلفتون الى أن اسباب الصرف غير معلنة بوضوح، الا ان الحجّة كما في باقي المؤسسات «مالية».
وشهدت جريدة «الأخبار» أيضاً موجات صرف من العمل. اذ صرف 9 صحافيين بين عامي 2010 و2012 بحجّة خفض النفقات، علما ان عمليات صرف اخرى جرت بحجّة اعادة الهيكلة وتقييم الاداء شهدتها الصحيفة قبل عام 2010، وقد حصل المصروفون على التعويضات، وفي حين انتقل البعض الى صحف اخرى او مجالات اعلامية مختلفة، ترك البعض «المهنة» كلياً.
ولم يسلم موظفو وصحافيو جريدة «اللواء» من حالات الصرف، فقد صرف نحو 30 موظفاً وصحافياً، معظمهم من مندوبي المناطق. وقد كان لافتاً قيام العاملين في الجريدة بتحرّك تضامني ساهم بوقف عمليات الصرف، اذ بادر الزملاء في الاقسام الى الطلب من الادارة الحسم من رواتبهم في مقابل ضمان استمرارية عمل زملائهم في القسم. مثلاً، تنازل المصورون عن 20 في المئة من رواتبهم لكي يمنعوا صرف زميل لهم، وهكذا حصل في عدد من الاقسام الاخرى. ويلفت أحد المصروفين الى أن تبرير الصرف كان أزمة مالية عصفت بالجريدة، بحيث قامت الادارة بحسم 10 في المئة من رواتب جميع موظفيها ولم تدفع لهم حتى اليوم زيادة غلاء المعيشة.
وشهدت جريدة «المستقبل» عمليات صرف طالت 120 موظفاً وصحافياً، وذلك على دفعات متتالية منذ آذار الماضي، ويتوقع احد المصروفين المتابعين أن يستمر الصرف خلال الأشهر المقبلة بسبب وجود اتجاه لدى ادارة الجريدة بوقف معظم مقالات الرأي، بهدف خفض التكاليف. ويشرح ان عملية الصرف كانت مالية، والسبب هو الأزمة المالية التي شهدتها شركة «أوجيه» الممولة الأساسية للجريدة والتلفزيون.
أما الأزمة الحقيقية، فكان مسرحها جريدة «البيرق» التابعة لدار ألف ليلة وليلة، اذ أغلقت مكاتبها نهائياً، وتم صرف نحو 205 صحافيين وفنيين وموظفين في الوسائل الاعلامية التابعة للدار، والأسباب هي عدم رغبة ورثة النقيب السابق ملحم كرم باستمرارية العمل في الدار.
من المعروف أنه تم صرف 397 موظفاً واعلامياً من شركة «باك»، يعملون لدى المؤسسة اللبنانية للارسال، وذلك بسبب الخلافات الناشبة بين الوليد بن طلال وبيار الضاهر.. لتنتقل العدوى الى الـMTV التي صرفت 70 متعاقداً من «استيديو فيزيون»، وهي شركة انتاج برامج الـMTV التابعة لمالك التلفزيون، ثم صرف 3 اعلاميين من قسم الاخبار، وتم نشر لائحة تتضمن 27 اسماً سيتم صرفهم خلال الأسابيع المقبلة. ويؤكد المصروفون أن اسباب الصرف سياسية.
ويعيش تلفزيون المستقبل مرحلة الدمج بين الفضائية والارضية بسبب الازمة المالية، وبالتالي تم تبليغ 300 اعلامي وموظف بالصرف. وكذلك، بعد اعلان ادارة الـ NBN لائحة تحمل 25 اسماً تريد الاستغناء عن خدماتهم، قام هؤلاء بالبحث عن وظائف بديلة، ويشرح احد الذين وردت اسماؤهم أن محطتي الميادين والعالم كانتا مقصد الاعلاميين، وجاءت عملية الصرف غير المكتملة بعد وفاة رجل الأعمال الكويتي ناصر الخرافي، وتنازل أبناؤه عن حصتهم في المحطة.

«وحدن» بلا حماية
من يحمي الجسم الاعلامي من عمليات الصرف هذه؟ تتجه الأنظار حين طرح هذا السؤال الى «نقابة المحررين» التي من المفترض أن تحمي الصحافيين، فيتبين أن بين آلاف العاملين في الصحف والمجلات، لا يوجد في النقابة سوى 660 منتسباً. اسباب عدم الانتساب عديدة، ومنها عدم الثقة بقدرة النقابة على حمايتهم. يشرح نائب رئيس النقابة سعيد آل ناصر الدين ان النقابة تقوم بواجباتها تجاه الصحافيين الذين يتقدمون اليها في حال صرفهم. ويلفت الى أن النقابة مستعدة لوضع محاميها بتصرف المصروفين. ويضع ناصر الدين اللوم على الصحافيين: «انهم لا يتوجهون الينا، ولا يطلبون من النقابة حمايتهم». معتبراً ان النقابة لا تتحرك الا وفق الشكاوى. ويقول إن النقابة ترفض اي نوع من الصرف التعسفي في الصحف والمجلات، ولا تهادن في قضايا كهذه.. معتبراً أن الهجوم على النقابة هو من باب «التجني». أما عن عدد الصحافيين والاعلاميين المصروفين، فيشير ناصر الدين إلى انه لا يملك الارقام الدقيقة.
يشرح أحد اعضاء النقابة أن الصحافيين خاضعون لقانون العمل، وبالتالي لا يمكن للنقابة سوى التضامن مع المصروفين ووضع محام في تصرفهم. الا أن النقابة لا تستطيع فرض مساعدتها على الصحافيين، هذا الامر لا يمكن للنقابة ان تفرضه على الصحافيين. ويلفت الى أن عدد المصروفين من العام 2010 حوالي 100 صحافي في الاعلام المكتوب (!). فيما يقول نقابي آخر، انه لا بد أن تفرض نقابة المحررين عقد عمل جماعي في قطاع الصحافة، ويلفت الى أنه في العام 1979 ارسلت نقابة المحررين الى نقابة الصحافة ووزارة الاعلام طلباً للتفاوض حول عقد العمل الجماعي، الا أن رد نقابة الصحافة جاء سلبياً.
غير أن المحامي طوني مخايل، وهو في الدائرة القانونية لجمعية «مهارات»، يشدد على أن الخلل الفعلي الحاصل هو عدم وجود جسم نقابي فاعل يحمي اعلاميي لبنان وصحافييه. ويلفت الى ان انتقائية الموافقة على طلبات الانتساب الى نقابة المحررين يخرج هذه النقابة من دائرة الثقة. كما أن هذه النقابة لا تؤمن حصانة عملية للمنتسبين اليها، باستثناء عدد قليل من البيانات الاستنكارية. ويشرح أن احد الاسباب الاساسية للصرف الجماعي والفردي الحاصل، هو التمويل السياسي لوسائل الاعلام اللبنانية، الذي خفت بعد الثورات العربية. في حين أن عائدات الاعلانات في لبنان لا تغطي تكاليف عمل وسيلة اعلامية واحدة. مشدداً على ضرورة اطلاق حرية تأسيس النقابات في المؤسسات الاعلامية وجمعها في اتحاد عام للنقابات الاعلامية، بدلا من الديكتاتورية النقابية الموجودة والتي تساوم على حساب الصحافيين.
والى حين الوصول الى حلم عقد العمل الجماعي، والى حلم الحرية النقابية، لا يزال آلاف الاعلاميين والصحافيون، يعملون وأيديهم على قلوبهم، ولا تزال كليات الاعلام تخرج صحافيين، سيدخلون حين تخرجهم الى عاصفة القلق الدائم...


11
صحيفة كبرى تعمل حالياً في لبنان باللغة العربية، و3 جرائد باللغة الفرنسية وجريدة باللغة الانكليزية واخرى بالارمنية، اضافة الى تلفزيون رسمي واحد و7 محطات تلفزيونية خاصة. فضلاً عن 27 محطة اذاعية خاصة وواحدة رسمية.

نقابة جديدة لـ «المرئي»
منذ أكثر من سنتين، بدأت الاجتماعات التنسيقية بين عدد من العاملين في وسائل اعلامية مرئية، لبحث آليات تأسيس نقابة خاصة بهم. وتشرح الاعلامية فاديا بزي، أنه بعد أن اكتملت الهيئة التأسيسية وتم تسطير مسودة النظام الداخلي وتحضير الاوراق المطلوبة وانجاز الاجراءات القانونية، قُدّم طلب تأسيس نقابة الى وزير العمل بطرس حرب، الا أنه لم يوقعه، الى أن جاء وزير العمل شربل نحاس ووقع على المرسوم. وتشرح بزي أنه سيتم الدعوة الى جمعية عمومية في 26 الشهر الجاري في قصر الاونيسكو لاستكمال الاجراءات نحو اعلان النقابة رسمياً.
اقتصاد
العدد ١٧٠٥ السبت ١٢ أيار ٢٠١٢

موظفو «سبينس» لم يتقاضوا «الزودة» حتى اليوم

رشا أبو زكي
في شباط من العام الجاري صدر في الجريدة الرسمية مرسوم تصحيح الأجور بالاستناد إلى ما سمّي «الاتفاق الرضائي» بين ممثلي أصحاب العمل وقيادة الاتحاد العمالي العام، وقضى هذا المرسوم بتعيين الحدّ الأدنى الرسمي لأجور المستخدمين والعمال الخاضعين لقانون العمل بمبلغ 675 ألف ليرة، وإعطاء نسبة غلاء المعيشة 100% على الشطر الأول بعد تنزيل قيمة الزيادة المقطوعة الممنوحة في عام 2008 بقيمة 200 ألف ليرة. وعلى الرغم من رضوخ قيادة الاتحاد العمالي لمصالح أصحاب العمل في الاتفاق الشهير، وتعهد أصحاب العمل تطبيق هذه الزيادة من دون نقصان، إلا أنه حتى اليوم لا يزال عدد كبير من المؤسسات الخاصة يمنع عن موظفيه وعماله الزيادة الرسمية التي أُقرَّت. الحالات كثيرة، ومعظمها مؤسسات كبرى، ولا سيما في القطاع التجاري، إلا أن تهديدات إدارات هذه المؤسسات بصرف الموظفين من العمل في حال الشكوى من عدم الحصول على تصحيح الأجور، تمنع هؤلاء من التصريح العلني بمعاناتهم...
مثلاً، لا يزال موظفو شركة «سبينس» وعمالها بلا الزودة، هؤلاء حاولوا طرح السؤال على إدارة شركتهم: «متى سنتقاضى الزودة؟»، فكان الجواب واضحاً ومباشراً: «لن تتقاضوها»! لا أحد يفصح عن السبب.
أكثر من 5 محاولات للاتصال بأحد المديرين، كلها باءت بالفشل. علا صوت الموظفين وحيداً: «يحاولون التضييق علينا لكي نقدم استقالتنا طوعاً، وأحياناً تكون هذه الدعوات صريحة جداً»، بحيث تترافق عبارة «تأخرت 45 دقائق» أو «ذقنك تحتاج إلى المزيد من الحلاقة» مع أخرى مفادها: «انتبه هذا تحذير، وبعده لا يمكنك لومنا». يشرح أحد العاملين أن إدارة الشركة رفعت عدد ساعات العمل لدى موظفي الأمن ساعتين، من دون تقديم أي أجر لقاء هذا العمل الإضافي، في محاولة لدفع هؤلاء إلى الاستقالة. فيما يقابل كل مطلب بزيادة الأجر وفق ما يفرض القانون بحجج وذرائع، منها أن الشركة «مكسورة».
معاناة الموظفين والعمال في «سبينس» مضاعفة؛ إذ لا يجرؤ أي موظف الإفصاح عن اسمه خوفاً من الطرد، وطبعاً يستتبع ذلك الخوف من اللجوء إلى وزارة العمل لتقديم شكوى.
يلفت أحد الموظفين إلى وجود تواطؤ لإبقائهم صامتين، ويشرح أن أحد الموظفين في وزارة العمل نصحه بعدم تقديم شكوى؛ لأن مصيره سيكون الصرف الأكيد، وخصوصاً أن مجالس العمل التحكيمية متوقفة عن العمل منذ أكثر من 9 أشهر، وبالتالي لا يمكنه اللجوء إلى أي جهة في حال تعرضه للصرف التعسفي.
كل هذا، والشركة ذاتها «تتوسع». ربما كان التوسع يحصل من خلال استغلال عمالها وموظفيها، وحرمانهم زيادة اسمها «غلاء معيشة»؛ فقد أعلنت الشركة في نهاية العام الماضي خطة استراتيجية للتوسع في لبنان والعالم العربي، وخصوصاً في مصر وقطر والأردن.
لا بل أكدت الشركة أنها ستفتتح فروعاً في الأشرفية وجبيل والمطيلب خلال الأشهر الأربعة عشر المقبلة، ما يطرح السؤال: هل هذه الشركة مكسورة فعلاً؟ ليستتبع: من يحمي عمال لبنان من كل ما يحدث؟ إلى من يلجأون؟ ربما أمكن التوجّه إلى الاتحاد العمالي العام برئاسته وقيادته بهذه الأسئلة، ويمكن الاستفهام عن سبب تحويل عمال لبنان إلى مكسر عصا، إلى مجموعة من الخائفين على استمرارية وظائفهم الزهيدة الأجر، ليصبحوا كما كل فئات اللبنانيين، تابعين للزعيم الفلاني، لا تقوم حياتهم إلا على الانحناء والاستتباع والارتهان...
اقتصاد
العدد ١٧٠١ الثلاثاء ٨ أيار ٢٠١٢

4‏/5‏/2012

إضراب «بلا طعمة»




شعار كتب في ليلة الـ«غرافيتي» على باب مقر الاتحاد العمالي العام (أرشيف)

كما كان متوقعاً، لم يلبّ عمال لبنان دعوة الاتحاد العمالي العام الى الاضراب، باستثناء قلة قليلة من القطاعات التي التزمت جزئياً، لتنتقد عبر الـ«الأخبار» عدم جدية الدعوة، وفقدان الثقة بالاتحاد. فقدان الثقة جاء ليسجل انتصاراً للسلطة السياسية الحاكمة، بعدما نجحت في تحطيم صورة الاتحاد من خلال دفعه الى الزواريب السياسية وتغريبه عن دوره في صون حقوق العمال

رشا أبو زكي

عادي، يوم أمس كان طبيعياً. زحمة السير الخانقة لفت بيروت وضواحيها، وأبواق سيارات التاكسي والفانات تلحن بنشازها المعهود. الطلاب استفاقوا الى مدارسهم من دون تردد. الأساتذة توجهوا الى صفوفهم. العاملون في المصارف والادارات العامة والوزارات لم يقاطعوا وظائفهم. حتى أن التقنين الكهربائي بقي على حاله، المياه بقيت مقطوعة، ولولا توقف حركة الطيران لساعتين صباحاً، وتوقف مراكز الضمان الاجتماعي عن استقبال المواطنين، لكان يمكن القول إنه لا أحد شعر بإضراب دعا اليه الاتحاد العمالي العام. هذا الاتحاد الذي كان يهز شوارع لبنان فور اعلانه تحركاً، أصبح واهناً. هذا الاتحاد الذي كان يعلن الرعب في قلوب أصحاب رؤوس الاموال والسلطة، أصبح ذيلاً لها.

يوم أمس، انتصرت السلطة السياسية في لبنان بكل أركانها المعارضة والموالية، في معركة تفريغ الحركة النقابية من آخر نقطة دم، تاركة الاتحاد العمالي جثة هامدة. ويوم أمس، التحقت كافة الاتحادات النقابية والعمالية وخصوصاً «اليسارية» منها بركب مدمري الحركة النقابية، عبر تعمدها خلال السنوات الماضية تعميق أزمة الاتحاد من خلال اهمال هذا الصرح، والانكفاء عن الشارع الى البيانات والخطب. اليوم الطبيعي أمس، كشف الوجه الحقيقي للاتحاد العمالي العام، كمعلم تراثي لم يعد يمثل عمال لبنان ولا أجراءه، ولا ينال ثقتهم. فقد ظهر الاتحاد عارياً بلا ورقة توت ولا تين، عريه لا يطال قيادة الاتحاد العمالي أو غصن وحده، وانما البنية النقابية المضروبة بكاملها. وليس في الأمر غرابة، اذ إن عدد الاتحادات النقابية في الاتحاد التي تمثل أكثر من 1000 موظف قليل جداً، حتى أنه يقل عن أصابع اليد الواحدة. ما يطرح سؤال جدي: في حال قرر غصن التنازل عن موقعه، فهل تنتج الاتحادات النقابية المنضوية في الاتحاد العمالي من هو أفضل منه؟ وهل تنتخب النقابات «المفقسة» الوهمية المسيسة الممذهبة، شخصية نقابية تعيد للعمال حقوقهم المهدورة؟ أم أن الانطلاقة في استرجاع العمال لاتحادهم هي هيكلة نقابية شاملة ومتكاملة تبدأ من القاعدة وصولاً الى الرأس؟
الاتحادات النقابية التي التزمت الاضراب قليلة جداً، يمكن حصرها بثلاثة: الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، العاملون والطيارون في مطار بيروت الدولي وبعض النقابات المنضوية في اتحادات المصالح المستقلة (الاتحاد يضم نقابات الكهرباء، المياه، الضمان أوجيرو الريجي...). الا أن الالتزام هذا لم يكن سوى رفع عتب. يقول رئيس نقابة عمال مصالح المياه في لبنان الشمالي كمال مولود، إن عمال المياه التزموا بالاضراب يوماً كاملاً. الا أنه لم يتم توقيف انتاج المياه وتوزيعها، واقتصر الاضراب على عمال التصليحات. ويوم أمس، لم تحدث أي أعطال مفاجئة، وبالتالي لم يكن هناك اي انعكاسات للاضراب على أحد. يرى مولود أن تحرك الاتحاد العمالي متأخر جداً، ولا يتسم بالجدية المطلوبة، ولم يؤدّ الى أي ضغط على الحكومة لتحقيق المطالب المرفوعة. يشرح أنه عادة وفي حال كان هناك نية احداث اضراب نوعي، يتم عقد اجتماعات تنسيقية مسبقة مع النقابات والاتحادات النقابية لتحديد المطالب التي تطال القطاعات المشاركة، الا أن ذلك لم يحدث. يلفت مولود الى أن الاضراب أمس لم يكن على مستوى الضغوط المعيشية، والسبب: «الاتحاد العمالي العام يفقد الثقة تدريجياً، ويزيد فقدان الثقة يوماً بعد يوم».
في نقابات الجنوب العتب واحد، يشرح رئيس نقابات عمال مصلحة الليطاني أحمد حرقوص أن العمال التزموا جزئياً بالاضراب. يلفت الى ان وقف العمل اقتصر فعلياً على الادارة لمدة 3 ساعات فقط، في حين استمر العمال بوظائفهم الاعتيادية. «لم يتم التحضير لهذا التحرك بشكل جيد» يقول حرقوص، ويلفت الى أن عدم التزام اتحادات النقل، والانقسام فيما بين هذه الاتحادات أثرا سلباًَ على الاضراب، في حين أن عدم التنسيق مع الاتحادات النقابية الكبيرة مثل الاساتذة وموظفي المصارف ساهم في اضعاف الاضراب.
وفيما التزم عمال الكهرباء بالاضراب، لم يسمع العمال والموظفون في أوجيرو بأي اضراب، يؤكد الموظفون أن العمل كان طبيعياً، ولم يتم توقيف العمل أبداً، ولم يتم الالتزام باضراب الاتحاد العمالي العام. أما رئيس نقابة موظفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي شوقي فقيه، فأكد الالتزام الكامل بالاضراب في كافة مراكز الضمان، ويشرح ان الالتزام هو بدعوة الاتحاد العمالي وبدعوة اتحاد المصالح المستقلة التي تضم نقابة موظفي الضمان. الا أن فقيه يشدد على أنه ليس راضياً عن حجم الاضراب، كونه كان يحتاج الى المزيد من التواصل مع الاتحادات النقابية كافة، «الا أن واقع التجاذبات السياسية يؤثر على كل شيء في هذا البلد». ويضيف «يمكن اعتبار هذا الاضراب رسالة تحذيرية».
وكذلك توقفت حركة الملاحة الجوية في مطار بيروت الدولي لساعتين من الحادية عشرة قبل الظهر وحتى الأولى بعد الظهر، تجاوباً مع الدعوة إلى الاضراب. يشرح نقيب الطيارين فادي خليل، أن الطيارين شاركوا في الاضراب بعيداً عن اي طروحات سياسية، والهدف داخلي، وهو للتأكيد على أن قرارات وتوجهات نقابات الميدل ايست واحدة، رداً على محاولات التفريق بينها، ويشرح أنه يوجد ثلاث نقابات: الطيارون، المضيفون والأرضيون، وهذه النقابات اتفقت على الالتزام بالاضراب.
وفي الخريطة المناطقية، يمكن القول أن الالتزام كان ضعيفاً جداً، اذ لم تقفل المؤسسات أبوابها، وكان يوماً دراسياً عادياً في عدد كبير من مدارس العاصمة. كذلك سجلت حركة سير عادية في مختلف المناطق، وأيضاً منطقة كسروان - الفتوح، لم تلتزم بالاضراب، وسجلت حركة سير طبيعية على الاوتوستراد الساحلي، وفتحت المحال التجارية ابوابها، اضافة الى المصارف والمؤسسات الرسمية والخاصة. ولم تلتزم المدارس والجامعات والمصارف والمستشفيات والدوائر الرسمية في طرابلس، بقرار الاضراب حيث كانت الحركة طبيعية. وفي حين لبّت منطقة الهرمل وقرى البقاع الشمالي دعوة الاتحاد العمالي إلى الاضراب بخجل، اقتصرت المشاركة الفعلية على عمال ومستخدمي مصلحة المياه والكهرباء.


7 رحلات

تأخرت إقلاعاً ووصولاً من وإلى مطار بيروت الدولي بسبب الالتزام بالإضراب الذي دعا إليه الاتحاد العمالي العام لساعتين. وهذا التأخر في حركة الطائرات جعل عدداً من الركاب والمسافرين ينتظرون في المطار الى حين الموعد الجديد للإقلاع والهبوط.


المعلمون ضد الغدر

أكد رئيس رابطة الأساتذة في التعليم الثانوي حنا غريب أن روابط الأساتذة في التعليم الرسمي لم تدع الى الإضراب ولم تلتزم به. ويلفت الى أن هذا الموقف يعود الى عدم الثقة بقيادة الاتحاد العمالي العام التي تلقّت دعم المعلمين والأساتذة لتبيعهم عند أول مفترق. وقال: «فلتطلب قيادة الاتحاد من حلفائها المساندة. أين الهيئات الاقتصادية من مطالبها؟»، ورأى أن الحل هو في كشف هذه القيادة وفضحها، وبناء حركة نقابية مستقلة من جديد وإعطاء حق التنظيم النقابي في القطاع العام، وإطلاق حرية العمل النقابي.

اقتصاد
العدد ١٦٩٩ الجمعة ٤ أيار ٢٠١٢