31‏/12‏/2013

ستنعاد علينا

رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية

في كل حي من الأحياء اللبنانية، يوجد على الأقل "دكنجي" (تاجر صغير) متعثر مالياً ويروح نحو الإفلاس. تتشابه ظروف التعثر وملامح الدكنجي الفاشل برغم اختلاف الأحياء والبيئة المحيطة. هو عادة مهمل، لا يحدّث محتويات متجره، يسجل مدفوعاته ونفقاته على دفتر مدرسي ممزق، وغالباً لا يسجل أي شيء. يصرف ويشتري ويتصرف بالأموال بعشوائية، ولا يعرف كيف يحصي أرباحه ولا يعرف كيف يحدد خسائره. في حين أن عدم إفلاسه لا يحتاج إلى الكثير من "الشطارة"، إذ يكفي أن ينظّم حركة الأموال الداخلة والخارجة من متجره، ويقنن من جهة ويرفع الإنفاق على سلع مطلوبة في السوق من جهة أخرى، لكي يخرج بحسابات "نظيفة" في نهاية كل عام تحدد له مسار عامه التجاري المقبل.
قد يحدث أن يكون "الدكنجي" الفاشل شديد الإهمال، قد لا يسجل أي شيء من حساباته ويحاول أن يتحايل على واقعه بخرق القانون. قد يبيع مجوهرات زوجته، ويتوقف عن إرسال أولاده إلى المدرسة، ويجعل عائلته تعوم على مستنقع فقر وعوز، قد يسيّل أراضي والده من دون علم أخوته، ويستحوذ على أموال ليست له لكي يُبقي على متجره المكسور غصباً عن الواقع. قد تكون كل هذه الفوضى مقصودة، لكي يستمر هذا الدكنجي في انفاق الأموال وفق مزاجه ومصالحه الخاصة بعيداً من التفكير بمصلحة عائلته، وبعيداً من سماع تقريع زوجته في حال اكتشفت نفقات غير منطقية لو كانت حسابات متجره واضحة...
الدكنجي هذا، هو لبنان.
بلد صغير بميزانية صغيرة يعيش منذ 9 سنوات بلا تحديد لحجم الانفاق ولا حجم الإيرادات. الحكومات المتتالية تضع سيناريوهات انفاقية فقط، وتصرف بالمقابل وفق مزاج وزرائها بمخالفات دستورية وقانونية ومحاسبية واضحة وفاضحة. من يحاسب؟ ومن أين يبدأ الحساب؟ فور طرح هذين السؤالين، هناك طرفان ستكون لهما أجوبة متشابهة: الطرف الآخر يمنعنا من إقرار الموازنة، لا يوجد حكومة لكي تقر الموازنة، لا يمكن اقرار الموازنة بلا حسم قضية الحسابات المالية منذ العام 1993...
عليه، ندخل اليوم العام 2014 بلا موازنة، وبلا نص يحدد ما ستنفقه الحكومة من أموالنا، وأين ستنفق هذه الأموال، وكيف ستنفقها. في فوضى كهذه، يصبح من العادي أن يخرج وزراء في مؤتمرات صحافية علنية يتحدثون فيها عن "سرقات" أموال عامة وعن "صفقات" وعن فساد وعن إثراء غير مشروع وعن تعديات على أملاك عامة وغيرها. يصبح عادياً أن لا يكون هذا الموضوع مدار شجب وأخذ وردّ من أطراف سياسية معادية للأطراف التي تتراشق بالتهم. فالكل له يد في المجزرة المالية المستمرة.
القانون واضح، والنصوص واضحة، ومن يرتكب المجزرة يعلم ماذا يفعل. إذ خلال السنوات التي شهدت إقرار الموازنة كانت الرقابة النيابية صورية واستنسابية، تنفجر وتخفت وفق الظروف السياسية ومصالح المعترضين. كان تغييب الأجهزة الرقابية عن القيام بدورها ووضع الملاحظات القضائية في الجوارير السحرية لوزارة المال ومجلس النواب، عرفاً أقوى من القانون. كانت الموازنات المقرة لا قانونية ولا دستورية، بحيث غابت عنها مواصفات الشمولية إضافة إلى خرقها ببنود لا يجب أن تدرج ضمن الموازنات العامة. وكانت الموازنات غير القانونية هذه، يتم إقرارها بتواطؤ كل من كان في الحكومات وفي مجالس النواب المتعاقبة. لا أحد مستثنى من ارتكاب المخالفات وتضييع أموال اللبنانيين بمشاريع موازنات لا توضح بشكل تام وجلي آلية الإنفاق وتحصيل الإيرادات. اليوم أصبحت المخالفات مجزرة، واللبنانيون متخبطون من رؤوسهم حتى أقدامهم بالإستزلام إلى زعمائهم من كل الألوان والأطياف، بدلاً من محاسبتهم على العبث بأموالهم وأموال أبنائهم وأحفادهم.
سيزيد رقم على العام 2013، لا أكثر، سندخل سنة جديدة، لكن شيئاً لن يتغيّر. نفس الزعماء ونفس الجمهور المصفق، ونفس الصفقات ونفس الثروات ستزداد إزدهاراً، ونفس الأبواق ستدافع عن الزعيم الفلاني والعلاني، ونفس الأسنان ستلمع في ضحكات الإنتصار على بعض الكرامة الذي تبقى لشعب تنتهك حياته وحقوقه وأمواله في كل ثانية وكل ساعة وكل شهر من كل عام.
سنكون بخير في العام 2014، وستنعاد علينا.

3‏/11‏/2013

سوبرمان الصحناوي

http://goo.gl/mwyX0G
رشا أبو زكي0:45 م
@ يوم الجمعة 1 تشرين ثاني 2013: صرحت مصادر في وزارة الإتصالات لجريدة "الأخبار" اللبنانية أن يوم الأحد قد لا يعود لبنان متصلاً بالكابل الدولي  IMEWE . وأن اللبنانيين سيفقدون قدرتهم على الإتصال بشبكة الإنترنت، لأن وزارة الإتصالات لم تسدد 2.3 مليون دولار مستحقة على لبنان لادارة الكابل. وقالت مصادر وزارة الاتصالات أن السبب هو انتظار مدير عام هيئة أوجيرو عبد المنعم يوسف حتى مساء الجمعة (عشية عطلة نهاية الأسبوع بحسب مصادر الوزارة) لابلاغ الوزارة انتهاء مهلة استحقاق الفاتورة، في حين أن الموعد الأخير لدفعها يوم الأحد 3 تشرين الثاني.
# الساعة 11 من صباح يوم السبت 2 تشرين الثاني: وزير الإتصالات نقولا الصحناوي يعلن عبر تويتر عن دفع مستحقات لبنان عبر سلفة أمنتها وزارة المال (سلفة من مصرف لبنان). وقال حرفياً في بيان رسمي: "سبق لوزارة الاتصالات ان أمنت سعات دولية رديفة للبنان عبر الكابل الكسندروس، وتاليا لم يكن لبنان معرضاً لانقطاع الانترنت بفضل هذا الإجراء الرديف".
بين اعلان مصادر وزارة الإتصالات انقطاع الانترنت في لبنان، واعلان وزير الاتصالات بعد ساعات أن الانترنت لم يكن لينقطع بسبب اجراءات رديفة، عقدة ليست خفية. فقد ضرب الصحناوي عصفورين بحجر واحد فعلياً. أحدث ضجة ضخمة بين اللبنانيين ليعيشوا قلق انقطاع الإنترنت، ومن ثم أعلن في اليوم التالي أنه "سوبرمان" وهو "العين الساهرة على حسن سير القطاع الذي بات رافعة رئيسية للاقتصاد، والأمينة على مصالح كل العاملين في هذا القطاع" (وفق ما جاء في بيانه). إذ أن المصادر (من المرجح أن تكون أحد مستشاري الوزير أو ربما قد تكون الوزير نفسه) "المقربة" لصحناوي والمعادية ليوسف لم تكن لتسرب معلومة كهذه إلا بمعرفة الوزير. وبالتالي كان من الممكن أن يرد خبر العرقلة التي يفتعلها عبد المنعم يوسف من دون صبغة فضائحية، بحيث يتم الإعلان في المعلومة المسربة ذاتها أن يوسف عرقل، إلا أن للوزارة إجراء رديفاً لن يوقف الانترنت عن اللبنانيين. هكذا يتبين ان تسريب خبر مجتزأ هدفه واضح وصريح: إحداث بلبلة لتضخيم الخبر ومن ثم اجتراح بطولة.
أما العقدة الثانية غير الخفية أيضاً فهي مرتبطة بالأولى. فالتيار العوني يرفع شعار قوننة إنفاق المال العام وشمولية الموازنة وعدم الصرف من خارجها. وقد خاض معارك طاحنة ضد رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة وفريقه تحت هذا الشعار تحديداً. من هنا، فإن تعميم القلق على اللبنانيين سيجعل من مخالفة القانون سلوكاً بطولياً. والإنفاق عبر سلفة من خارج الموازنة ومن خارج القاعدة الإثني عشرية ومن دون الحصول على موافقة مجلس الوزراء ولا مجلس النواب، يحتاج إلى الكثير من الصراخ لكي لا ينصت اللبنانيون إلى صوت عقلهم الذي يهمس:
إنها مخالفة... مخالفة. 

31‏/10‏/2013

أي إقتصاد لأي دولة؟

http://goo.gl/8KSrbT
رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية
النمو هذا العام سينخفض إلى ما دون الـ1 في المئة ومن المتوقع أن يسجل صفر في المئة العام 2014 وفق وزير المال محمد الصفدي. حجم العجز حوالي 4 مليارات دولار. موازنات الأعوام 2006 حتى 2013 من دون إقرار. المخالفات المالية طفحت وخنقت الدستور وقانون المحاسبة العمومية. مشاريع الكهرباء والمياه والإنترنت والتغطية الصحية ولجم التضخم عبر تصحيح الأجور وخفض معدلات البطالة والفقر... كلها احترقت على نار حكومة مكونة من أحزاب لا تريد دولة. أما النفط وصراعاته، فهو الحدث الجلل الذي لا يخفي أي طرف من الأطراف السياسية سعيه لنيل حصته منه قبل استخراج النفط لا بعده. التعداد هنا ليس تشاؤماً، وإنما وقائع يمكن أن تكون نعياً لبلد وشعب ومؤسسات. 
في المقابل، لم تعلن أي وزارة ولا وزير ولا أي جهة حكومية أو نيابية أو رئاسية حالة طوارىء اقتصادية. الهم كله مركّز في هذه الأثناء على لعب دور لا يجيد سياسيو لبنان غيره: الشحاذة. النازحون السوريون الذين يتنافسون مع فقراء لبنان على رغيف الخبز مادة دسمة لجلب الأموال، ومن ثم تحاصص العائدات بعد ان تكتمل شروط الصفقة. 
كيف يمكن وضع السياسة المالية اللبنانية على سكّة القانون؟ عبر اقرار الموازنة. كيف يمكن تقوية الإقتصاد في ظل الظروف السيئة التي يمر بها؟ عبر حماية الإنتاج المحلي لزيادة الإنتاج وزيادة فرص العمل وتقوية القدرة الشرائية، وبالتالي تحسين الناتج الوطني وزيادة معدلات النمو. كيف يمكن حصر معدّلات الفقر؟ عبر سياسات اجتماعية تلغي دور المؤسسات المذهبية والطائفية واستبدالها بالخدمة العامة وسن المشاريع الوطنية منها، مثل مشروع التغطية الصحية الشاملة. أسئلة كثيرة أصبحت الأجوبة عنها كاستظهار قصيدة الطفولة "نشيد المطر" للشاعر سليمان عيسى. فلا الحكومات المتعاقبة تريد إيجاد حلول لإقتصاد لبنان المهزوز دوماً، ولا أحزابه تريد هذه الحلول كونها المستفيد الأول من بيع الخدمة العامة في سوق التبعية السياسية. 
هكذا، تحولت القضية الإقتصادية في لبنان إلى فوضى عارمة وهادفة، وإلى سياسات مفضوحة بتبعيتها للأثرياء وجلهم من أصحاب السلطة. وزراء ونواب يبحثون عن أقصر الطرق للحصول على لقب مليونير، وإن كانوا من أصحاب المليون، فلا ضير بالمليار وبعده تكرّ الأصفار. أما المواطنون، فلكل فئة منهم مطلبها: نصرة النظام السعودي، نصرة النظام الإيراني، نصرة النظام السوري، نصرة النظام التركي والأميركي والفرنسي والموزامبيقي... مطالب تستحق الحياة، فعلاً. لا اقتراح الحلول يجدي نفعاً ولا النقد يصل إلى نقاش، ولا الإضراب يشل بلداً ولا استقالة حكومة وموت مجلس نواب وانتهاء ولاية رئيس تؤثر على البلد وصخب حياته اليومية. فلبنان مجرد "لادولة". ولا أحد من الشعوب العالمية، التي تلقب بالشعب اللبناني، يريد غير ذلك. 
 
 
 
 
 

28‏/10‏/2013

اللاجئون وفقراء لبنان

http://goo.gl/nWKdck



رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية1:27 م
في كل منطقة لبنانية، في كل شارع، في كل بيت، قضية واحدة تتم مناقشتها هذه الأيام: تأثير وجود اللاجئين السوريين على حياة اللبنانيين. منطلقات النقاش مختلفة، إلا أن الثابت الوحيد المتكرر هو أن اللجوء هذا أصبح مشكلة فعلية، لتأثيراته على التفاصيل الحياتية للطبقة الفقيرة مرّة، ولتحوله إلى قضية لبنانية يومية تثير الكثير من الجدل والإشكالات حتى بين أفراد العائلة الواحدة، مرّات. 
هما قضيتان إنسانيتان تتصارعان على "الوجود". بشر هاربون من قصف وقتل متواصل إلى بلد بلا قوانين تحمي مواطنيه، من جهة. وبشر يعيشون في بلد لا يحمي حقوقهم، ويتركهم تحت ظلم الصرف من العمل وارتفاع أكلاف الحياة والسكن  من جهة أخرى. ما العمل وسط هذه المعضلة؟ فعلاً ما العمل؟
لا شك في أن كلام السياسيين عن اللاجئين السوريين منفّر حدّ القرف، لا بسبب نوع الخطاب التحريضي المنطلق من أسس مذهبية وانتخابية والمخاوف الديمغرافية المجردة من أي حس إنساني، ولا بسبب التعاطي مع هذه القضية الإنسانية بنوع من الإستعلاء العنصري فقط، وإنما لكون هؤلاء السياسيين مسؤولين بشكل مباشر عن اجتراح الحلول لقضية اللاجئين، وهم المسؤولون المباشرون عن ترك السوق اللبنانية والأرض اللبنانية سائبة لأصحاب الأموال، لبنانيين كانوا أم سوريين أم أجانب، ضد التاجر الصغير والمستأجر والباحث عن مسكن. وهم المسؤولون المباشرون عن عدم تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان، وهم المسؤولون أيضاً عن عدم وضع ضوابط قانونية تجعل المواطن اللبناني ينعم بالأمن الإجتماعي والمعيشي، كأي مواطن في أي دولة طبيعية في هذا العالم... وهم المسؤولون أيضاَ وأيضاً عن إذكاء العصبيات المذهبية والعنصرية في الشارع اللبناني. من دون رفع غطاء المسؤولية عن المواطن التابع لهؤلاء طبعاً.
لكن بعيداً عن السياسيين وحساباتهم، يتواجد في لبنان طبقة كاملة من محدودي الدخل يعانون فعلياً من مزاحمة اللاجئين السوريين. أولاً في مكان العمل، حيث تأكّد أن عدداً كبيراً من المخازن الكبرى والمؤسسات الصناعية والمؤسسات المتوسطة والصغيرة قام بصرف آلاف اللبنانيين منذ منتصف العام الماضي حتى الآن، واستبدالهم بالعمالة السورية.
على من تقع المسؤولية؟ على لاجىء صودف أنه هارب من بلد "فالت" أمنياً إلى بلد "فالت" من أي حماية للعمال اللبنانيين؟ على أصحاب المؤسسات الذين يقتنصون أي فرصة لاستغلال واستعباد العمال، بحيث يصرفون آلاف اللبنانيين لمصلحة عمال سوريين لا يتم تسجيلهم بالضمان الإجتماعي ويرضون بأجر زهيد كي لا يموتوا جوعاً؟ على وزارة عمل وحكومة كاملة لم تستطع حتى اللحظة حماية مواطنيها من المزاحمة ولم تستطع حتى اللحظة الخروج من عباءة النظام والمخابرات السورية التي منعت الحكومات السابقة من القيام بأي إجراء تنظيمي للعمالة السورية في لبنان؟
ماذا يمكن أن يفعل عامل لبناني بإزاء مصيبة كهذه طرأت على حياته وعلى عائلته؟ كيف يطعم أولاده ويدخلهم المدارس وهو بلا عمل ولا دخل وبلا دولة يمكن الإستنجاد بها وبلا قانون يمكن أن يحتمي  به؟ 
هذا بالإضافة إلى صغار التجار وأصحاب المؤسسات المتناهية الصغر، الذين يشهدون أزمة مزاحمة شديدة في أحياء الفقر من بيروت إلى كل المناطق اللبنانية الأخرى... فقد دخلت البرجوازية الصغيرة السورية الى السوق اللبنانية عبر أموالها في استثمارات صغيرة تضرب مصدر رزق أقرانها اللبنانية بقوة، خصوصاً أن السوق اللبنانية ضيقة ولا تحتمل منافسة. هل المشكلة ببرجوازي صغير وجد سوقاً مفتوحة فاستثمر بها كون لا أحد يسائله؟  أم أن المشكلة بالحكومة اللبنانية (حتى لو كانت مستقيلة) العاجزة عبر اجهزتها الرقابية عن اغلاق المحال التي لا تمتلك ترخيصاً؟ 
وصولاً إلى المستأجرين وهم بالآلاف أيضاً. هؤلاء ارتفعت إيجاراتهم خلال العام 2013 وحده أكثر من 50 في المئة، أما السبب فهو مقولة يرددها أصحاب الأملاك في وجه المستأجر ليلاً ونهاراً: "إرحل، أستطيع أن أؤجر المنزل لمجموعة من النازحين السوريين وأحصل منهم على 100 دولار عن كل شخص ليكون مجموع الإيجار أضعاف ما أتقاضاه منك". ما العمل هنا؟ هل المشكلة بلاجىء يبحث عن مسكن؟ ام بمالك لا يتوقف جشعه عند أي حدود إنسانية؟ أم لدى حكومة ترفض حتى اللحظة أي إجراء تنظيمي لوجود اللاجئين في لبنان، فتمتنع عن تشييد المخيمات خوفاً من "تزايد عدد السنة في لبنان"، في حين أن "السنة" هؤلاء متواجدون في البلد وليسوا أشباحاً؟ أو خوفاً من أعمال أمنية في حين أن دور الدولة والأجهزة العسكرية ضبط المخيمات أمنياً، كما يحصل في كل الدول التي تستقبل لاجئين؟ ماذا يفعل المستأجر اللبناني هنا؟ فعلاً ماذا يفعل؟ ولمن يلجأ؟ 
قد يكون الجواب أن الشعب اللبناني أنجب هذه الحكومة لا بل كل هذه السلطة العقيمة إلا عن السرقة، وعليه يجب على الشعب أن ينتقم من خياراته في صندوق الإقتراع. لعل النزول إلى الشارع في وجه كل الأحزاب اللبنانية وفي كل المناطق اللبنانية قد يفيد. لعل ضرب هذه الأحزاب المسيطرة على الدولة اللبنانية وقراراتها، بكل أنواع الأحذية المتوافرة في كل منزل حل مفيد قد يجبر هذه الأحزاب بحكوماتها ومجلس نوابها ورؤوسائها على إيجاد الحلول. إلا أن هذا الجواب تبسيطي فعلاً، إذ أنه من الآن إلى حين تطبيق خلاصات الصحوة هذه ماذا يفعل فقراء لبنان ومحدودو الدخل فيه في نهاية هذا الشهر والشهر المقبل ونهاية هذا العام والعام المقبل بلا دخل ولا عمل ولا مسكن ولا قدرة شرائية؟ ماذا يفعل من لم ينتخب ديناصورات العصر أصلاً؟ فعلاً ماذا يفعلون في ظل غياب مطلق للدولة وفي ظل تناحر قضيتين إنسانيتين على كعكة "الوجود"؟ 
 

26‏/10‏/2013

من يشتري اللبناني؟

http://goo.gl/vwe3Z o    






رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية









ث 07:55 ص
6384

على متن طيران الشرق الأوسط سلع أجنبية

 في مطار بيروت، قرب نقطة تفتيش الحقائب، شعار بخلفية حمراء: "صناعتك هويتك، اشتري لبناني". على طائرة الميدل إيست، تأتي المضيفة بوجبة الطعام، ومعها علبة ماء. اسم العلبة "كريستالين"، مطبوع عليها عبارة: "صنع في فرنسا". "لوتيس" هو اسم البسكويت الذي يقدم مع الوجبة. على الغلاف، مكتوب وبشكل واضح: "صنع في بلجيكا". سلعتان أجنبيتان يمكن ملاحظتهما من دون القيام بأي مجهود أو طرح أي سؤال، على متن طائرة تعود ملكيتها إلى الدولة اللبنانية. الدولة نفسها التي تنهر المواطن اللبناني قبل صعوده إلى الطائرة وخلال تجوله في السوق الحرة في مطار بيروت، مشككة بهويته اللبنانية في حال استبدل السلعة المحلية بأخرى أجنبية.
الشهر الماضي، طالب وزير الصناعة فريج صابونجيان ممثلي المنظمات الدولية العاملة في لبنان بـ"اعطاء الصناعة اللبنانية الافضلية في تنفيذ برامجهم ومشترياتهم دعماً للاقتصاد اللبناني". أما مناسبة هذا المطلب فهو "تحريك الاقتصاد اللبناني نتيجة الأعباء التي يخلفها النازحون".
وفي العام الماضي، أصدر مجلس الوزراء تعميماً رقمه 14/2012 الى كل الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات يتعلق بضرورة "إعطاء العروض المقدمة لسلع مصنوعة في لبنان أفضلية عن العروض المقدمة لسلع أجنبية".
أما في العام 2008 فقد صدرت المراسيم التنفيذية لقانون حماية الإنتاج الوطني بعد تأخير دام سنتين، وبقيت هيئة التحقيق الخاصة من دون تشكيل، علماً أن القانون اعتبره الصناعيون حبراً على ورق نتيجة التأخيرات الكبيرة في دراسة الملفات والشروط التعجيزية لفتح ملفات حماية سلعة محلية. 
وبين هذه التواريخ وقبلها، رفعت وزارات الصناعة المتعاقبة وجمعية الصناعيين اللبنانيين شعارات تدعو إلى حماية الصناعة الوطنية، منها: بتحب لبنان، حب صناعتو"، و"بكل فخر... صنع في لبنان"، وغيرها... 
إذن هي ليست الحملة الأولى التي تدفع اللبنانيين لتشجيع الصناعة المحلية، وهي ليست المرة الأولى التي يتبين خلالها أن من يقوم بحملة التسويق هذه هو أول من يخرق الشعار. والخرق هذا لا يقتصر على شراء السلع الأجنبية لتأمين حاجات الوزارات والمؤسسات والإدارات العامة، إنما تتوسع لتتخذ شكل سياسات إهمال تجاه الإنتاج المحلي صناعياً كان أم زراعياً، لمصلحة إحدى أكبر الكارتيلات السلطوية في لبنان: تجار الإستيراد والوكالات الحصرية. بذا، يشهد القطاع اقفال عدد كبير من المصانع، وهجرة عدد آخر منها. في حين تنخفض نسبة مساهمة الصناعة من 27 في المئة إلى 18 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي منذ العام 1999. وتشهد المصانع تراجعاً كبيراً في حجم العمالية مع تغليب اليد العاملة الأجنبية على تلك المحلية.
ليست قضية طيران الشرق الأوسط الأولى، ولن تكون الأخيرة. إلا أن الأكيد أن الصناعة هوية، والإهتمام بهذا القطاع يصنع اقتصاداً صلباً. والأكيد أيضاً أن زعماء البلد، الذين يرسمون السياسة الإقتصادية، باعوا السوق اللبنانية لبلدان العالم كلها... ولكن ما هو غير أكيد بالمرة هو الجواب الإيجابي على سؤال: من يشتري اللبناني؟
 

23‏/10‏/2013

مقاومة

رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية 

منذ انتهاء الحرب الأهلية وتحديداً في العام 1991، بدأت السلطة السياسية في لبنان عملية تدجين الحركة النقابية، بعدما كانت هذه الأخيرة رافعة فعلية للنضال الإجتماعي والإقتصادي والثقافي في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية وخلالها. ومنذ اتفاق الطائف حتى اللحظة، جهدت السلطة السياسية بكل أركانها وأطيافها لحصر النقابات والإتحادات العمالية في شرنقة السياسة. يمكن اختصار المشكلة بقيادة الإتحاد العمالي العام والقول أنها أكثر المتهمين في تسييس وقتل الحركة النقابية في لبنان. إلا أن الحقيقة تقول أن هذه القيادة جاءت بمعية الأحزاب السياسية، وما سلوكها البعيد عن هموم العمال ومطالبهم سوى الإنعكاس البديهي للدور الذي جاءت من أجله: خنق الشارع لكي يستطيع الزعيم والرئيس والنائب والوزير، النهب بصمت. ومن هنا، يصبح سلوك الإتحاد وقيادته مفهوماً، فهي الخادم الرديء لأحزاب وسلطة رديئة. 
لكن الملفت، أنه طوال فترة سيطرة الأحزاب السياسية على الإتحاد العمالي العام خلال أكثر من 20 عاماً، لم تنجح النقابات و الاتحادات النقابية في أي تحرك متمرد على واقعها. ولم يوجد ولو نقابي واحد يمتلك من المصداقية والعمل النقابي الفعلي اليومي ما يكفي لكي يرفع مطلب قطاع عمالي واحد ويذهب به حتى التطبيق. في حين أن المحاولات التي قادها عدد من النقابيين في الإتحاد وخارجه كانت ضعيفة كنتيجة لضعف النقابيين في الشارع من جهة وكنتيجة للقوة الممنوحة لقوى التخريب النقابي من جهة أخرى. خصوصاً أن هذه القوى كانت تحظى بسند سياسي تعدى وزراء العمل ليصل إلى رؤساء الجمهورية ومجلسي النواب والوزراء، كذا تعدى مطلب التخريب الإطار المحلي ليصل إلى سوريا. وكذلك، كانت البدائل النقابية المطروحة (خصوصاً محاولات انشاء اتحاد عمالي ثان بعد العام 2005) مسيّسة حتى النخاع، بحيث ارتبط فشل "التغيير" ههنا بعدم نضوج التسويات السياسية الكبرى التي يمكن أن تسقط السيطرة الحزبية، التي أصبحت شبه آحادية، على المفاصل النقابية في لبنان. 
فقد شهدت الحركة النقابية في فترة 2005 – 2011 بعض الحراك. شذت بعض الاتحادات النقابية عن الخط المرسوم للإتحاد العمالي العام، ورفعت شعار تأسيس إتحاد عمالي ثان، إلا أن تبعية هذه الاتحادات نفسها لأحزاب سياسية مناهضة للأحزاب المسيطرة على الإتحاد العمالي العام، نزعت عنها الثوب النقابي أيضاً. المطروح كان، اتحاد عمالي ثان تحت سيطرة 14 آذار يواجه اتحاداً عمالياً شكلته قوى 8 آذار. 
لم يسهم الشارع اللبناني بقواه الإجتماعية – العمالية بإحداث أي ضغط على النقابيين أو الأحزاب. فالإنقسام الذي يفرض نفسه بين العمال في أي قطاع يعملون فيه، جعل من الصعب تصوّر مستقبل نقابي مختلف في لبنان. إنقسام سياسي، مذهبي وطائفي، يعكس هو الآخر مدى توسع التوظيفات السياسية في الإدارات والقطاعات العامة من جهة، ومدى الفرز السياسي والطائفي الموجود في الشارع اللبناني، والذي فرز أصحاب الحقوق في القطاع الخاص. لتصبح صورة زعيم أو اسمه أو الانتماء المذهبي عامل وحدة يفوق بكثير حالة جوع أو فقر أو بطالة أو مطلب يعني مجموعة من المجموعات العمالية. 
وفي هذا التفصيل تفصيل أيضاً. إذ أن التبعية التي تكاد تكون غرائزية من قبل العمال المتضررين لزعماء يسببون لهم الضرر، تعود إلى سلسلة من العوامل التي تعيد الواقع السوداوي إلى حلقته المفرغة. فبين التوظيفات السياسية في القطاع العام وسيطرة الأحزاب المذهبية على كل ما له علاقة بالخدمة الإجتماعية العامة، أصبحت هذه التبعية نوعاً من رد الجميل، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه غريزة الولاء... 
أزمة الحركة النقابية ليست هيكلية، كما يحلو للبعض اختصارها، وإنما سلسلة مصالح مترابطة بين حزب وقطاعات اقتصادية واجتماعية ومناصرين، تسير فيها المطالب من الحزب لتصل إلى المناصر – العامل، لا العكس. فقد بيّنت الكثير من الأحداث أن خط المسار لا يمكن أن يكون معاكساً، خصوصاً إذا كان المطلب العمالي قابلاً للمساومة من جهة الحزب الراعي. والأمثلة كثيرة، آخرها مطالب المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، هؤلاء الذين ينتمون إلى كل الأحزاب السياسية المسيطرة لم يستطيعوا فرض تثبيتهم في المؤسسة، لأن أحزابهم فاوضت في ما بينها على مطلبهم، ليصبح الصراع المزعوم في الصف الأول مجرد خدعة لا تعكس حجم الوفاق الحاصل في هذا الصف، على تقسيم مغانم شركات تقديم الخدمات، صفقات الفيول، تفكيك المعامل وبيعها، البواخر... وغيرها. في المقابل، كان مطلب فك اعتصام المياومين القادم من الحزب وصولاً إلى المناصر – العامل، وبرغم عدم حصول العمال على مطالبهم، غير قابل للرد.
القليل من الأمل تبعثه هيئة التنسيق النقابية في هذه المشهدية السوداء للحركة النقابية في لبنان. إلا أن مسار المطالب لم يتغير، من فوق إلى تحت. كمّاشة هيئة التنسيق النقابية غير قادرة حتى الآن على كسر السلسلة الرديئة، إلا أن الأمل القليل يأتي من أن الهيئة لا تزال حتى الآن "الكمّاشة"، وأن منظومة المصالح لم تشدّها حتى اللحظة لتصبح حلقة من السلسلة. "الكمّاشة" هذه اسمها مقاومة. 

14‏/10‏/2013

نشر غسيل نفطي

http://bit.ly/19Kd1ih
رشا أبو زكي - المدن 
بعد أيام من خروج وزير الطاقة والمياه جبران باسيل ببيانه الشهير معلناً فيه أن الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والدول الأوروبية عقدت تفاهماً نفطياً يلغي الصراعات في لبنان، انفجر الوضع كلياً بين التيار الوطني الحر وحركة أمل، ليصل إلى ذروته اليوم الإثنين. 
فقد تبادل كل من باسيل ووزير الصحة العامة علي حسن خليل سيلاً من الإتهامات المباشرة والخطيرة. اتهامات تكشف الكثير وتضع الثروة النفطية اللبنانية أمام واقع برزت ملامحه مسبقاً قبل استخراج الغاز والنفط من بحر لبنان وبرّه: النفط سيكون كعكة زعماء الطوائف لا أكثر. 
باسيل يقول لخليل: "لا يحق لأحد منع اللبنانيين من التنقيب عن النفط في أي منطقة كانت". "اللبنانيون ممنوعون من النفط بسبب حجج سياسية وتقنية". "يجب عدم تطييف الملف". "نفط لبنان سيكون لكل طوائف لبنان ومناطقه، ولا يستطيع أحد القول إن هذا الموضوع له، مهما كان له الفضل فيه". ليعود ويكمل هجومه اليوم بالعبارة التالية: "سنعلـن موقفاً نفطياً، حريصاً على تحقيق حلم النفط في لبنان وبعيداً عن لغة واقعنا اللبناني السيء، والتي وإن إنحدرت، فلن تزيدنا إلا عزماً وتصميماً على أن لا يكون لبنان بؤرة فساد نتركها لأولادنا".
تبين إذن، أن حركة أمل، وفق كلام باسيل وتلميحاته، تمنع المباشرة في التنقيب عن النفط، وتحاول الحصول على حصة طائفية من هذه الثروة. 
جاء رد خليل على باسيل بالعبارات التالية: "من يدعي المصلحة الوطنية، لا يؤجل فتح البلوكات الحدودية مع اسرائيل لاهداف وغايات واشارات من بعض الخارج. ولا يشطب من البلوكات المختارة في البحر على الحدود البرية أقصى الشمال وأقصى الجنوب، لغايات سيدفعنا الوزير باسيل للكلام عنها لاحقاً". "نعم نحن نريد النفط في كل لبنان ولكل لبنان وفي البترون المنطقة العزيزة، ولكن ليس بشروط البدء من حدائق المنازل". "عليه أن يستمع جيداً إلى آراء الخبراء وليس إلى أصحاب المصالح من الشركات". 
تبين، إذن، أن باسيل يعرقل قضية فتح البلوكات، في حين يعمل على حصول التنقيب في مناطق مقابلة للبترون، ووفق مصالح خاصة.
الخلاف هذا ليس الأول، فقد سبقه تأجيل في الاتفاق على أعضاء هيئة ادارة النفط بين بري وعون. وفي حين يتردد أن إيران تطمح إلى الدخول إلى حقول التنقيب عبر شركاتها، وأن الخلاف النفطي هو أحد الأسباب التي تسهم في تأجيل تشكيل الحكومة الجديدة، يظهر جلياً أن النفط اللبناني سيكون محل صراع داخلي بين المتحكمين برقاب الطوائف اللبنانية، وسيكون مادة جديدة لتكديس الثروات وتأبيد السلطة في يد زعماء اليوم.

11‏/10‏/2013

روسيا وأميركا ترقصان على غازنا!

http://bit.ly/19G6sgA
رشا أبو زكي - المدن
6151

باسيل يبشر باتفاق نفطي سينهي الصراعات (أ ف ب)

 يقول كتاب التاريخ: "لبنان نقطة وسطية للتواصل بين الشرق والغرب بل بين مختلف قارات العالم". طبيعي أن تعود هذه العبارة إلى الذاكرة فور قراءة البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لوزير الطاقة والمياه جبران باسيل اليوم الجمعة: " تفاهم نفطي غازي روسي أميركي وروسي أوروبي في لبنان يلغي الصراعات". إلا أن شيئا لا يبشّر بأي خبر في عبارة باسيل، ولا يطمئن إلى مستقبل النفط في لبنان حين الإنتهاء من قراءة عنوان البيان هذا. إذ كيف يمكن للبنان أن ينهي الصراعات فور اتفاق أوروبا وأميركا وروسيا على نفطه، إن لم يكن هذا الإتفاق قائما على مصالح هذا البلد الصغير؟
من المعلوم أن النفط والغاز مادتان جيواستراتيجيتان، تبدأ من أجلها الحروب، ومن أجلها تُعقد الأحلاف. أما ايراد عبارة "تفاهم نفطي غازي في لبنان يلغي الصراعات" على لسان وزير الطاقة اللبناني وبهذه البساطة لا يعني سوى أن روسيا وأميركا وأوروبا اتفقت كلها لتقاسم غنيمة الغاز اللبناني، أمّا المفارقة فهي أن الوزير اللبناني سعيد جداً بهذه القسمة!
لا تنتهي عملية تسطيح هكذا "تفاهم" في تأثيراته على الثروة الطبيعية الأضخم في تاريخ لبنان عند الإحتفالية التي يقيمها باسيل، لا بل تتعداها إلى نوع من الرضوخ، وثني الظهر حد الأرض حين يبرر باسيل قائلاً: "لقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين لبنان وروسيا في مجال النفط والغاز"، مفاخراً بان "لبنان هو البلد الصغير بينما روسيا الدولة النفطية العظمى". ليضيف مجدداً "المسألة قد انطلقت وتشارك أربع شركات روسية في التنقيب عن الغاز كانت قد تأهلت إلى المزايدة".
وفي حين يكرر باسيل عبارته الشهيرة ان "هناك طرفاً لبنانياً داخلياً أعلن عن نفسه في بيان رسمي أنه مع عدم بت موضوع بدء التنقيب. ومن المؤسف أن يلتقي هذا الخط بالمشروع الإسرائيلي التركي عبر قبرص لإمداد أوروبا بالغاز الإسرائيلي وهو مشروع يهمه تأخير الغاز اللبناني للتسابق على الأسواق الأوروبية". إلا أنه يضيف بتناقض صارخ في القطع ما بين المصالح الإسرائيلية وتلك الأميركية قائلاً: "التقاطع الخارجي والداخلي يزداد، ويدعم تأخير لبنان في استثمار موارده النفطية، ولكن هنا يبرز دور التفاهم السياسي الروسي الأميركي ذي ألابعاد الاقتصادية، إذ قامت تحالفات وتقوم بين شركات روسية وشركات أميركية من جهة، وشركات روسية وشركات أوروبية من جهة أخرى، وبالتالي نحن أمام إمكانية كبيرة لتفاهم نفطي غازي روسي - أميركي وروسي - أوروبي في لبنان ليمهد لما نسميه سببا للاستقرار بدلاً من أن يكون سبباً للصراع ولا بد من خلق بيئة مؤاتية للاستثمار والمستثمرين في بلادنا".
في تصريح باسيل الكثير من الإحتفال والقليل من الصراحة. ليس التفاهم العالمي على نفط لبنان مرتبطا بلبنان وحده، فهو يشمل خطوط الغاز الروسية والأميركية وأسواق أوروبا والصين والهند المتعطشة لمادة الغاز. والغاز اللبناني والسوري ليس سوى تفصيل في لعبة الأسواق الكبرى، في حين أن تأمين الطريق الآمنة لخطوط الغاز هي أساس كل "تفاهم"، وتقاسم إيرادات ما سيتم استخراجه من البحر والبر عبر شركات روسيا وأميركية هو أساس كل ما يدور في لبنان والدول الإقليمية. 
وللبحث صلة... 

10‏/10‏/2013

ضحايا أم جناة؟

http://bit.ly/160M6OT
رشا أبو زكي - المدن 
مقالات، إعلانات، برامج إجتماعية، جمعيات، مؤسسات، حكومات، برلمانات، دول... كل الطرق التسويقية يجب أن توصل إلى الهدف: كيف يمكن تحويل الفقر إلى جريمة؟ كيف يمكن تبرير السياسات الإقتصادية والإجتماعية المنحازة إلى أقلية إجتماعية ثرية على أنها توازي الفقراء لؤماً إن لم يكن الأخيرون يتفوقون عليها في مستوى الأذى الذي يصيب المجتمعات. لا بل كيف يمكن  تجريد الفقر من مسبباته ليصبح مشكلة بذاتها تتطلب حلولاً مجردة هي الأخرى عن واقع السياسات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية المتبعة في البلدان؟ وضمن الماكينة التسويقية هذه، هل يمكن اعتبار من غرق في بحر أندونيسيا من أبناء قبعيت العكارية ومن نجا من رحلة الهجرة غير الشرعية ضحايا أم جناة؟ 
منذ سنوات، تشهد الدول النامية هجمة ضخمة من المنظمات الدولية تحت عنوان: "القضاء على الفقر". معادلات رياضية لا تنتهي تقيس معدل الفقر في كل بيئة اجتماعية. تحديدات كثيرة دخلت إلى مصطلح الفقر ليصبح "فقراً أعلى"، "فقراً أدنى"، "على خط الفقر"، "الفقر المطلق"، "الفقر المدقع" الفقر المزري" وغيره من القياسات التي تحوّل الفقر إلى آفة خالصة تحتاج إلى علاجات موضعية فتنتهي. شرذمة الصفة التعريفية للفقر أصبحت أيضاً كالموضة. في كل عام، يخرج تقرير بصفة تعريفية مختلفة: الفقر هو أن لا ينفق الفرد أكثر من دولار يومياً، دولارين، 3 دولارات... الفقر هو عدم تلبية الحاجات الأساسية للفرد، للأسرة، الفقر هو عدم القدرة على إشباع الحاجات الأساسية، الفقر هو نتيجة الدخل المنخفض... عدم الحصول على مكيف الهواء أصبح أيضاً من ضمن محددات الفقر، كذلك السيارة، الخلوي وغيره. تنتقد التقارير بعض السياسات التي تتبعها الحكومات، ليتبين أن جل هذه التقارير والدراسات ينفذها جهاز يضم ممثلين عن المؤسسات وممثلين عن الحكومة أيضاً. 
هكذا، أصبح الفقر سلعة، ضمن سوق إقتصادية عابرة للقارات بموازنات تقدر بمليارات الدولارات سنوياً، همّها قياس نسبة الفقر وحجمه وتمدده. أما سبب نشوء هذا الفقر، فهو تفصيل يمكن المرور عليه في سياق تحويل الفقر إلى مرض عادي، لا يستدعي القلق طالما ان مختبرات الحكومات المحلية والمؤسسات الدولية تخترع الدواء الذي سيقضي عليه. 
فلندخل إلى المختبرات، ونقرأ الأرقام التي توصلت إليها آخر الدراسات والتقارير التي تناولت قضاء عكار، لا بل تحديداً التي تناولت جرد القيطع التي تعتبر قبعيت من ضمنه:
1- تشير دراسة الإحصاء المركزي: الظروف المعيشية للأسر، أن 63 في المئة من من سكان عكار يعانون من الفقر، وفي هذا القضاء وحده يوجد 23.7% من اجمالي عدد الفقراء جداً في لبنان. تقرير مسح المعطيات الإحصائية للسكان والمساكن يشير إلى أن عكار تضم أعلى معدل أمية في لبنان: 30.5% من عدد سكان القضاء. أما معدل البطالة لدى الشباب فيحتل الصدارة أيضاً نسبة إلى المعدل العام: 34%. 
2- مختبر جرد القيطع يضم أرقاماً أنتجها مجلس الانماء والاعمار بتمويل من البنك الدولي . ﻭﻴﻘﺩﺭ ﻤﺘﻭﺴﻁ ﺤﺠﻡ ﺍﻷﺴﺭﺓ ﺒـ 7 ﺃﻓﺭﺍﺩ. ﺘﺸﻜل ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻨﺎﺯﺤﻴﻥ 26.5% ﻤﻥ ﺇﺠﻤﺎﻟﻲ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ، ﻭﻴﻌﻭﺩ ﺍﻟﻨﺯﻭﺡ ﺇﻟﻰ ﺃﺴﺒﺎﺏ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻭﻴﻤﺘﺩ ﺠﻐﺭﺍﻓﻴﺎً ﻤﻥ ﻤﻨﻁﻘﺔ ﺍﻟﻌﺒﺩﺓ ﻤﺭﻭﺭﺍً ﺒﻁﺭﺍﺒﻠﺱ ﻭﺼﻭﻻً ﺇﻟﻰ ﺒﻴﺭﻭﺕ. ﻭﺘﻁﺎﻭل ﺍﻟﻬﺠﺭﺓ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ 5% ﻤﻥ ﻤﺠﻤﻭﻉ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ. 
3- سكان الجرد لديهم قلق دائم، والسبب خدمات من المفترض أن تقدمها الدولة اللبنانية التي ترفض إخراج القضاء من فترة القرون الوسطى: إذ ﻴﺸكل ﻭﻀﻊ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻘﻠﻕ ﺍﻷﺴﺎﺱ ﻟﺩﻯ ﺃﻫﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﺭﺩ ﻭﻓﻲ ﺒﻠﺩﺍﺕ ﺤﺭﺍﺭ، ﺍﻟﻘﺭﻨﻪ، ﺒﻴﺕ ﺃﻴﻭﺏ، ﺍﻟﻘﺭﻴﺎﺕ، ﻗﺒﻌﻴﺕ، ﺤﺒﺸﻴﺕ، ﺤﻴﺙ ﻴﻌﻤﺩ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺤﺭﺍﺭ ﺇﻟﻰ ﺘﻘﺩﻴﻡ ﺩﺭﺍﺴﺎﺕ ﻋﺩﺓ ﻭﺍﻟﻠﺠﻭﺀ ﺇﻟﻰ ﻤﺅﺴﺴﺎﺕ ﺩﻭﻟﻴﺔ ﻭﻤﺤﻠﻴﺔ ﻭﺤﻜﻭﻤﻴﺔ ﻟﺘﺄﻤﻴﻥ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ (ﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﺸﻔﺔ ﺃﻭﻻً ﺜﻡ ﺍﻟﺭﻱ ﺜﺎﻨﻴﺎً). وبالتالي ﻴﺩﻓﻊ السكان لشراء ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ عبر ﺼﻬﺎﺭﻴﺞ ﺨﺎﺼﺔ ﻓﻲ ﻓﺼل ﺍﻟﺼﻴﻑ مليون ليرة كل عام. 
4- ﻴﻌﺘﺒﺭ ﻭﻀﻊ ﺍﻟﺼﺭﻑ ﺍﻟﺼﺤﻲ ﻓﻲ ﺒﻠﺩﺍﺕ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﺴﻴﺌﺎً ﻟﻠﻐﺎﻴﺔ، ﻭﻴﻌﻤﺩ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ ﺇﻟﻰ ﺇﺒﻌﺎﺩ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ عبر ﺠﺭّ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻵﺴﻨﺔ ﺩﺍﺨل ﺃﻨﺎﺒﻴﺏ ﻤﻭﺠﻬﺔ ﺃﺴﺎﺴﺎً ﺇﻟﻰ ﻨﻬﺭ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﻜﺎﻨﺕ ﺘﺴﺘﻌﻤل ﻤﻴﺎﻫﻪ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺭﻱ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ. ﺘﺸﻜل ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﺠﻭﺭ ﺍﻟﻤﻨﻔﺭﺩﺓ 36.25%، ﻭﺍﻟﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻌﺎﺌﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺸﺒﻜﺔ ﺍﻟﺼﺭﻑ ﺍﻟﺼﺤﻲ ﺍﻟﻤﺘﻔﺭﻗﺔ ﺘﻘﺩﺭ ﺒـ 32.5% ﻭﺴﻤﻴﺕ ﺒﻨﺼﻑ ﺸﺒﻜﺔ ﻷﻨﻬﺎ ﻤﻭﺯﻋﺔ ﻓﻲ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﺤﺎﺭﺍﺕ ﻭﺩﻭﻥ ﺘﻨﻅﻴﻡ، ﻭﻗﺩ ﻗﺎﻤﺕ ﺒﺠﻬﻭﺩ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ. 
5- ﻋﻠﻰ ﺼﻌﻴﺩ ﺍﻟﺸﺒﻜﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ ﻟﻠﻜﻬﺭﺒﺎﺀ، ﺘﻀﺎﻑ ﺇﻟﻰ ﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﻥ ﺍﻟﻁﻭﻴل ﻓﻲ ﻤﻨﻁﻘﺔ ﻋﻜﺎﺭ ﺇﺠﻤﺎﻻً، ﻤﺸﻜﻠﺔ ﻀﻌﻑ ﺍﻟﻜﻬﺭﺒﺎﺀ ﺒﺴﺒﺏ ﻗﺩﻡ ﺍﻟﺸﺒﻜﺔ ﻤﻥ ﺠﻬﺔ، ﻭﻋﺩﻡ ﻜﻔﺎﻴﺔ ﺍﻟﻤﺤﻭﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﻐﺫﻱ ﺘﻠﻙ ﺍﻟﺒﻠﺩﺍﺕ ﻤﻥ ﺠﻬﺔ ﺜﺎﻨﻴﺔ. 
6- ﻻ ﺘﺘﻭﺍﻓﺭ ﻓﻲ ﺒﻠﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﺍﻟﺨﺩﻤﺎﺕ ﺍﻟﺼﺤﻴﺔ ﺇﺫ ﻻ ﺘﻭﺠﺩ ﻤﺴﺘﻭﺼﻔﺎﺕ ﺃﻭ ﻤﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕ ﺃﻭ ﻤﺭﺍﻜﺯ ﺼﺤﻴﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻭ ﺤﺘﻰ ﺼﻴﺩﻟﻴﺎﺕ، ﻭﻴﺘﻠﻘﻰ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻼﺝ ﻓﻲ ﻤﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕ ﺤﻠﺒﺎ ﻭﻁﺭﺍﺒﻠﺱ. وﺘﻘﺩﺭ ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻤﻀﻤﻭﻨﻴﻥ ﺒـ 6.5% ﻭﻫﻲ ﺘﻘﺘﺼﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﻌﺎﻤﻠﻴﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻙ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻱ ﺨﺎﺼﺔ ﻗﻁﺎﻉ ﺍﻟﺠﻴﺵ.
7- ﺘﻤﺜل ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﺔ ﻤﺼﺩﺭ ﺍﻟﺩﺨل ﺍﻷﺴﺎﺱ ﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺒﻌﺽ ﺍﻷﺴﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺭﻏﻡ ﻤﻥ ﺘﺩﻫﻭﺭ ﻭﻀﻌﻬﺎ ﺍﻟﺭﺍﻫﻥ ﺤﻴﺙ ﺘﻤﺜل 20% ﻤﻥ ﺍﻟﺩﺨل ﺍﻟﻌﺎﻡ. ﻭﻴﺸﻜل ﻗﻁﺎﻉ ﺍﻟﺘﻭﻅﻴﻑ ﻤﻭﺭﺩﺍً ﻤﻬﻤﺎ ﻭﻴﺄﺘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺭﺘﺒﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻜﻨﺸﺎﻁ ﻴﻤﺎﺭﺴﻪ ﺃﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﺘﺠﻤﻊ ﺇﺫ ﻴﻐﻁﻲ 20.5% ﻤﻥ ﺍﺤﺘﻴﺎﺠﺎﺘﻪ. ﺘﺩﺭ ﺍﻟﻬﺠﺭﺓ ﺍﻟﻤﻭﺴﻤﻴﺔ ﻭﺤﺭﻜﺔ ﺍﻟﻨﺯﻭﺡ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﺭﻴﺔ ﻭﺇﻟﻴﻬﺎ ﺩﺨﻼً ﻴﻤﺜل 13.5%. ﻓﻲ ﺤﻴﻥ ﺘﺤﺘل ﺤﺼﻴﻠﺔ ﺍﻟﻬﺠﺭﺓ ﻭﺘﺄﺜﻴﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺩﻋﻡ ﺍﻷﺴﺭ ﺍﻟﻘﺎﻁﻨﺔ ﻭﺍﻨﻌﻜﺎﺱ ﺫﻟﻙ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻌﻴﺩ ﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺩﺍﺨل ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﻨﺴﺒﺔ 7.5%. ﺘﺸﻜل ﺍﻟﻘﻁﺎﻋﺎﺕ ﺍﻷﺨﺭﻯ ﻤﺜل ﺍﻟﻨﻘل، ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ، ﺍﻟﻌﻤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﻴﺎﻭﻤﺔ، ﻤﺎ ﻨﺴﺒﺘﻪ 25.5% ﻟﺩﺨل ﺍﻟﺘﺠﻤﻊ.
هي أرقام قادمة من مختبرات الفقر، فئرانها هم بشر. ولكن، فقراء قبعيت ضحايا أم جناة؟ جناة لأنهم على خط الفقر، وضمن فقراء الخطوط الأعلى والأدنى والمدقع والمزري الذين تحاول الحكومات والمنظمات تأمين الدواء السحري للقضاء على فقرهم، إلا أنهم بطمع الرذلاء حاولوا الهرب من المختبر الأبيض الحلو. 
ضحايا قبعيت، فقراء، حاولوا إختراع الأمل، فقتلهم. 
 
 

7‏/10‏/2013

إنترنت الخلوي: أشغال شاقة

http://bit.ly/19vySKb

رشا أبو زكي - المدن
تعتبر خدمة الإنترنت عبر الهاتف الخلوي من المميّزات التطويرية لسوقي الانترنت والخلوي على حد سواء. والأهم أن هذه الخدمة تسهل على المشتركين بها الكثير، بعدما أصبحت حياة الناس مرتبطة مباشرة بالإنترنت كعمل وتسلية، إضافة إلى إتاحة الانترنت استخدام المشتركين تطبيقات زهيدة الكلفة كبديل عن بعض خدمات الخلوي. أما في لبنان، فيمكن اعتبار هذه الخدمة فاشلة إلى حد معيب، تزهق الأموال وتفعل بأعصاب اللبنانيين ما تفعله زحمة السير تماماً، ولكن 24/24 ساعة. 
تبدأ المشكلة حين يقرر مستخدم الخلوي الإشتراك بإحدى خدمات الإنترنت. فالإتصال بإحدى الشركتين يستلزم الإنتظار أكثر من 4 دقائق للوصول إلى مرحلة إختيار آلية الإشتراك بخدمة الانترنت، ليتبين أن لا شروح فعلية وإنما طلب للإتصال بمندوب الشركة الذي يستلزم انتظاره دقيقة بعد ان يتحدث المجيب الآلي حوالي الدقيقة! وأخيراً، تشرح المطلوب، تحصل على الخدمة لتنتظرك مشكلة أخرى... الإنترنت البطيء. 
 ثقل دم الشركات في آلية الحصول على الخدمة يتحول إلى كابوس حين يصرف المشترك ما لديه من "ميغابيت". هنا، لا بد من العودة إلى الدوامة ذاتها، اتصال بالشركة فإنتظار، فجواب صادم: لا يمكنك تجديد خدمة الإنترنت قبل نهاية الشهر. يقع المستهلك في هذه الحالة أمام خيارين: البقاء بلا انترنت حتى نهاية الفترة التي تفرضها الشركة أو الإشتراك بخدمة أخرى تقدم أيضاً الإنترنت من قبل الشركة ذاتها وبأسعار مشابهة! ما الحكمة من عدم تجديد الخدمة؟ لا جواب مقنعاً، فقط طلبات من قبل المسؤولين في شركتي الخلوي بالانتظار حتى نهاية الشهر. 
عائدات الخلوي تصل إلى حوالي 1.5 مليار دولار سنوياً، تذهب إلى وزارة المال مباشرة من جيب المواطن اللبناني، في المقابل لا يحصل المواطن سوى على خدمات سيئة ومشكلات متواصلة إن كان عبر دورة انقطاع الاتصالات الخلوية المفاجئة أو من خلال رداءة  الخدمات المتاحة. وعلى الرغم من أن فاتورة الخلوي تحوي على أكثر من 18 ضريبة غير مباشرة من المفترض إزالتها لخفض قيمة الفاتورة، إلا أن وزراء الإتصالات المتعاقبين يكتفون بتهديد شركتي الخلوي من دون لحظ أي تقدم يذكر من ناحية الإهتمام بالمستهلك وهو مصدر الربح الأساسي للشركتين وللدولة في آن.
العديد من المؤشرات تصب في خانة التذمر هذه. مؤشر مجموعة المرشدين العرب (Arab Advisors Group) يلفت في تقريره الأخير إلى أن لبنان يحتل المرتبة الأخيرة في مستوى التنافس في أسواق الخلوي العربية للعام 2013. ويسجل لبنان معدل 40.7 في المئة في حين أن المعدّل العام في المنطقة العربية يصل إلى 58.9 في المئة.
في حين يشير تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات الصادر اليوم الإثنين إلى واقع لبنان الضعيف في تنمية تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، بحيث إحتل المرتبة 52 عالمياً العام الماضي في مقارنة مع المرتبة 61 في العام الذي سبقه. ويشير التقرير إلى أن عدد المواطنين الرقميين يصل إلى 307 آلاف مواطن، بما يوازي 7.2 في المئة من السكان و17 في المئة من عدد السكان الشباب في لبنان. ويحتل لبنان وفق هذا التصنيف المرتبة 73 من بين 167 دولة مشمولة بالإحصاء. وتشير بيانات لبنان في موقع الإتحاد إلى أنه استناداً الى احصاءات العام 2012 فإن 0.3 في المئة فقط من السكان يستخدمون الانترنت عبر الخلوي، بما يتناقض مع تصريحات وزارة الإتصالات والشركات التي تشير إلى نسب أعلى تصل الى 27 في المئة. التقارير التي تطال مجال الولوج إلى الإنترنت عبر الخلوي كثيرة، إلّا أن الواقع يبقى أصدق من كل التقارير. واقع يقول أن خدمات الإنترنت في لبنان مخجلة ومرهقة للمشتركين، في حين تتسارع عملية التطوير على حساب شبكات محدودة وقدرات إبداعية ضيقة تجعل من تطور الخدمة النظري، عبر الإنتقال بخدمة الانترنت من جيل إلى جيل، كابوساً يزداد رعباً بشكل يومي.

اللاجئون هم كلّنا

http://bit.ly/17AdGGg
رشا أبو زكي - المدن 
  أن يعيش المرء في بلد لا تتعدى مساحته حجم مدينة، وبرغم ذلك يشهد كوابيس معيشية وسياسية وأمنية واقتصادية يومية، فهو، بلا شك، يحظى بأسوأ أنواع السلطات السياسية والأمنية والإقتصادية. وأن يكون المرء نفسه مرغماً على سماع الكلام العنصري، ضد كل من يلجأ إلى أرض الفساد قسراً، من قبل مسؤولين حولوا غالبية المواطنين اللبنانين إلى لاجئين في أرضهم، فهو، بلا شك، يعيش في بقعة أرضية لم تصل بعد إلى حقبة اختفاء الديناصورات. في لبنان، لا يوجد لاجىء سوري وآخر فلسطيني، فالضربات الحياتية تطال كل من يطأ أرض الأرز ولم يصادفه الحظ أنه ولد في كنف عائلة ثرية، ولم ينعم برعاية إحدى المليشيات الطائفية. 
إذ يتم تعريف اللاجىء (وفق قانون تنظيم اللجوء) على أنه "كل شخص يترك القطر الذي ينتمي إليه بجنسيته خوفاً من الاضطهاد أو الخطر (...) أو خوفاً من العمليات الحربية (...) أو الإضطرابات الداخلية، ولا يستطيع أو لا يرغب أحد بسبب ذلك الخوف من الرجوع إلى قطره". وفق هذا التعريف، يجتمع في لبنان 436 ألف لاجىء فلسطيني (احصاءات الأونروا نهاية 2012) لجؤوا قسراً إلى لبنان بفعل الإحتلال الإسرائيلي لأرضهم. بالإضافة إلى أكثر من 750 ألف لاجىء سوري (الأمم المتحدة) لجؤوا قسراً إلى لبنان بفعل القصف النظامي وسيطرة عدد من الميليشات الدينية على القرى السورية. وفي حين أن اللاجئين السوريين كما الفلسطينيين بمعظمهم من الفقراء، فهم يتقاسمون رغيف الحرمان مع أكثر من مليون فقير لبناني مقيم، وأكثر من 65 ألف لاجىء لبناني سنوياً (وزارة الشؤون الإجتماعية) يلجأ قسراً إلى دول أخرى بحثاً عن وظيفة أو حياة آمنة أو كليهما هرباً من الإضرابات الداخلية، سياسية أكانت أم أمنية وإجتماعية.  
عدد الفقراء هذا لم يشكل خبراً لدى اللبنانيين، وخصوصاً العنصريين منهم. فقد أشار البنك الدولي (وفق تصريح لوزير الشؤون الإجتماعية وائل ابو فاعور يوم الخميس) إلى انحدار حوالي 170 ألف مواطن لبناني إضافي إلى ما دون خط الفقر. وقد جاء هذا الرقم من ضمن تقرير يحصي ثقل النزوح السوري على الإقتصاد اللبناني. ارتفعت الأصوات، بدأت حملات الإستنكار التي تضمنت توليفات عجيبة للأدبيات العنصرية اللبنانية. وفات كل هؤلاء أنه يوجد في لبنان مليون فقير وفق تقديرات البنك الدولي نفسه، وأن هذا العدد لم يصنعه النزوح وإنما الخيارات الإنتخابية لمواطنين لبنانيين تتفوق عصبياتهم المذهبية والحزبية على أي حس بالكرامة والحياة اللائقة، إن لم يكن لهم، فعلى الأقل لأولادهم وأحفادهم. مليون و170 الف فقير، ربما عدد كبير منهم يشارك في جلد نفسه عبر شراء السوط لزعماء تتكرر أسماؤهم وأسماء أحزابهم منذ سنوات في المراكز الحكومية والنيابية، ولكن هؤلاء برغم ذلك لاجئون في أرضهم، يتشاركون مع اللاجىء الفلسطيني كما السوري الموت اليومي نفسه.
هكذا، فإن حوالي مليوني فقير في لبنان سيواجهون أعنف شتاء يمر على هذا البلد منذ 100 عام. فقد ضجت مواقع التواصل الإجتماعي  بخبر دخول لبنان في قائمة الدول التي ستشهد أعنف شتاء منذ 100 عام. البرد سيكون مرعبا، حتى الصيف سيتأخر. أبناء بيروت وضواحيها من كل الجنسيات، ذهلوا بالخبر. البرك المائية ستنغّص يومياتهم على الطرقات، وبعض البيوت ستشهد طوفانات غير مسبوقة، بعدما كانت المياه تدخل إلى الغرف السكنية في كل شتوة خلال السنوات الماضية. أما أبناء البقاع والشوف والجنوب والقرى الشمالية فيعيشون في هاجس أسعار المازوت التي لن تدعمها حكومة مستقيلة، ومن برد قارس ستعيشه عائلاتهم من دون أي إجراءات رسمية قد تحميهم وتحمي أطفالهم من تبعات هذا البرد على أجسادهم وصحتهم. سكان المخيمات الفلسطينية، واللاجئون السوريون المتروكون لألسنة العنصريين من السياسيين والمدنيين، هؤلاء ليسوا خائفين من الطوفان، وإنما من صقيع قد يزيد من تعاستهم تعاسة. وهنا معلومٌ من المسؤول: حكومة مستقيلة بوزراء مستقيلين عن القيام بواجباتهم قبل استقالة الحكومة بكثير، مجلس نواب يختنق أعضاؤه بملايين دولاراتهم، وأجهزة رقابية صورية، تصدر تقريراً تلو التقرير من دون اتخاذ أية إجراءات رادعة.
خبران يطالان الفقراء في لبنان، مرّا بأنابيب العنصرية تارة والسخرية تارة أخرى، اللاجئون هم كلّنا، ولأن اللبنانيين يقفون بمعظم مكوناتهم ضد مصالحهم، ويتعاطون بعنصرية حزبية ودينية ومذهبية وعشائرية مع قضايا تمس حياتهم بشكل مباشر، لا يُستغرب أن يزاول عدد منهم مهنة العنصرية ضد كل فقير شاء القدر السيء أن يضعه في لبنان. أما سياسيو السموم العنصرية، فهم من يغرّب اللبناني عن همومه الفعلية ليعظموا ثرواتهم، وهم الذين يلاحقون كل لاجىء إلى ربوع مزرعتهم، لحسابات جلّها تتعلق بكرسي وزاري أو نيابي أو رئاسي.

3‏/10‏/2013

لبنان يسكر بشاي أميركا

http://bit.ly/1dXmo3a
رشا أبو زكي - المدن 
5973

المواجهة بين "الشاي" وأوباما تؤثر على لبنان؟ (أ ف ب)

يوم الثلاثاء نزل خبر اعلان تعطيل الدولة الفيدرالية كالصاعقة على المجتمع الأميركي. ارتفعت أسهم التحليلات، من الصين إلى أوروبا وصولاً الى الدول العربية ودارت عناوين الصحف العالمية حول سؤال مشترك: ماذا بعد هذه الخطوة التي أدت إلى وقف أكثر من 800 ألف موظف عن العمل وتعطيل شبه تام للوكالات الحكومية؟ وماذا عن موعد 17 تشرين الأول حيث ستكون الولايات المتحدة على موعد مع معركة جديدة حول رفع سقف الديون الأميركية؟ ماذا لو استمر الخلاف بين الجمهوريين وخاصة حزب الشاي والديمقراطيين ولم يتم الإتفاق على رفع سقف الدين قبل هذا الموعد؟هل سيصل إقتصاد الدولة الأولى في العالم إلى نقطة صفر تزلزل الإقتصاد العالمي برمته؟ 
وبين تحذيرات وزير الخزينة الامريكي جايكوب لو من إفلاس بلده في حال عدم الإتفاق على رفع السقف المالي للديون فوق 16.7 تريليون دولار، وتشبث الجمهوريون بمواقفهم المتطرفة إن كان من ناحية رفض اقرار مشروع الديون بشكل دائم وفق اقتراح أوباما ورفض إقرار موازنة العام 2014 التي تتضمن تمويل تطبيق قانون اصلاح نظام الضمان الصحي ليشمل ملايين الأميركيين الذين يعيشون من دون أي تغطية صحية، يقف العالم ملاحقاً بأنظاره كرة النار الإقتصادية المقبلة. 
فقد وصلت المعركة بين الرئيس الأميركي باراك اوباما ومجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون من جهة، ومجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون من جهة أخرى إلى الذروة المدمرة. ويعود أساس الأزمة الراهنة إلى  مشروع التغطية الصحية الذي طرحه أوباما منذ 3 سنوات وادخله ضمن موازنة العام 2014، وهو مشروع يرفضه الجمهوريون بالمطلق وخصوصاً حزب الشاي المتطرف، الذي يعتبر أن مشروع أوباما يعظم سيطرة الدولة على الإقتصاد في مقابل ضرب القطاع الخاص وخصوصاَ شركات التأمين الأميركية. هكذا، لم تقر الموازنة، وأصبحت الحكومة الأميركية بلا إمكانية إنفاقية، ليصدر في ما بعد اعلان الـ "شات داون" أي الاقفال للخدمات الفدرالية، ما أدى إلى وقف العمل في غالبية الوكالات الحكومية الأميركية. 
هكذا ستؤدي أزمة 17 تشرين إن حصلت إلى خفض التصنيف الإئتماني للولايات المتحدة وستصنف أكبر دولة في العالم على أنها دولة غير قادرة على سداد ديونها ولا قادرة على الإستدانة لتمويل نفقاتها. كذا، ستنخفض النفقات على الفور ويستتبع ذلك سياسة تقشف شديد تزيد على الأزمة الإقتصادية الأميركية أزمات مالية وإجتماعية وكذلك نقدية، بحيث قد يتعرض الدولار الأميركي إلى إهتزاز غير مشهود، ما سيؤدي إلى ارتدادات عنيفة على الإقتصادات والأسواق المالية العالمية. 
بين أميركا ولبنان فرق شاسع. هنا، تقوم الحكومة المستقيلة على إنفاق المال العام من دون أي موازنة مقرة منذ 8 سنوات، متخطية كل القوانين المالية والقواعد المحاسبية الملزمة. حتى أن الوزراء المعنيين بالملف المالي والاقتصادي والإجتماعي لا يحاولون حتى بحث إمكانية تأثير التسونامي الأميركي على الإقتصاد اللبناني، للطمأنة أو للتحذير من الانعكاسات السلبية. 
نائبة رئيس تجمع شركات النفط والخبيرة النفطية  دانيا عون تقول في حديث إلى "المدن" أن أي خضة إقتصادية في أميركا ستؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الإقتصاد اللبناني. إلا أن التأثيرات على أسعار النفط ستكون انخفاضاً، بحيث سيتراجع سعر النفط عالمياً ما سيؤدي إلى انحدار سعر البنزين والمازوت في السوق المحلية اللبنانية. وتتوقع عون أن يتراجع سعر المحروقات 400 ليرة أسبوعياً خلال أسبوعين من الآن، على أن تشهد الأسعار تراجعاً دراماتيكياً في حال عدم الإتفاق على رفع سقف الدين الأميركي في 17 الجاري وتراجع سعر صرف الدولار. أما بالنسبة للشركات النفطية، فلن تتأثر بكل ما سيحدث على الساحة الأميركية، كون استيراد لبنان للمحروقات يتركز على الأسواق الأوروبية والروسية. 
أما رئيس جمعية المؤسسات المالية في لبنان جان حنا فيشرح لـ "المدن" أنه لا يوجد اي تأثيرات على لبنان من الأزمة السياسية الحاصلة في الولايات المتحدة. يقول حنا "حتى لو حصلت الهزة الإقتصادية في أميركا فالمؤسسات المالية اللبنانية لن تتأثر. لا بل يستبعد وصول الأزمة إلى مرحلة تراجع سعر صرف الدولار بشكل كبير "وإن حصل ذلك فالعملات الأخرى موجودة، والتأثير لن يكون مشهوداً على لبنان". في حين يرى رئيس تجمع رجال الأعمال  فؤاد زمكحل، أن عدم إقرار الموازنة الأميركية صراع سياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين وله آثاره على الإقتصاد الأميركي ولكن "لا أظن ان الأزمة ستستمر، إذ لن يضع أي حزب أميركي نفسه في موقع المتهم بتدمير اقتصاد بلاده". ولكن، في حال وقعت الأزمة واستمر الخلاف إلى 17 الجاري حول رفع سقف الديون، فستكون الأزمة الأميركية بمثابة "تسونامي" إقتصادي سيضرب كل الإقتصادات العالمية، وخصوصاً تلك التي تلحق بالسياسات الإقتصادية الأميركية. إلا أن زمكحل يشدد على أن وصول موجة التسونامي المالية إلى لبنان سيستغرق سنوات، تماماً كما حصل بعد الأزمة المالية العالمية، وستطال هذه الموجة إقتصاد لبنان وكذلك ليرته المرتبطة مباشرة بالدولار الأميركي. 
وبين متفائل ومتوقع للأسوأ، يسكر لبنان بـ "شاي" أميركا ولو بعد حين، في حين تبقى الحكومات اللبنانية المتعاقبة كجمهور مسرحي يتفرج، يبكي، يضحك وينفعل، بلا أن يكون لها أي دور في تحصين الإقتصاد اللبناني من هزات إقتصادية متلاحقة تضرب العالم ودول الجوار بشكل متواتر. 

10‏/9‏/2013

لا نمو ولا حل

http://bit.ly/15UYcYJ
رشا أبو زكي - المدن 
5545

أسواق بيروت بلا حركة (علي علوش)

يعتبر النمو الإقتصادي من المرتكزات الأساسية لقياس قدرة السلطات الإقتصادية المالية والنقدية على مواجهة المشكلات، وعلى تطوير المجتمعات ورفاهها من خلال سياسات مدروسة وهادفة. لذا، يمكن اعتبار لبنان باقتصاده الرسمي في مرحلة الإحتضار. فقد برز في الفترة الماضية عدد كبير من التقارير التي تشير إلى انخفاض حاد في نسب النمو الإقتصادي في لبنان. حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أكد في ورقة طرحها أمام مجلس الوزراء أن النمو سيكون سلبياً في 2013. تقرير HSBC أكد أن النمو سيكون صفر في المئة. مدير إدارة التنمية الاقتصادية والعولمة في الإسكوا عبد الله الدردري كذلك أكد الخبر. في حين أعلنت "موديز" أن النموّ الاقتصادي المرتفع والمسجّل بين عامي 2007 و2010، تباطأ إلى ما بين 1 و-2% سنوياً.
ورغم المخاطر الفعلية التي تسيطر على مستقبل لبنان اقتصادياً في ظل الجمود القطاعي الحاد، لا تزال المخاوف محصورة بقطاعات لا تعني المستهلك اللبناني، بل بالأحرى تعتبر من أحد أسباب انهيار قدرته الشرائية. إذ تشكو التقارير كما تصريحات المسؤولين عن ادارة الملف الإقتصادي في لبنان من وزراء إلى هيئات إقتصادية، من تراجع كبير في القطاع العقاري، رغم أن هذا القطاع شهد خلال السنوات الماضية انفجاراً في الأسعار بفعل المضاربات، في مقابل عدم استفادة الخزينة اللبنانية من عائدات الضرائب التي تعتبر منخفضة جداً على مختلف تعاملات القطاع الإنشائية والتجارية. 
كذلك، تصر التصريحات على إرفاق عبارة "انخفاض النمو الإقتصادي" بتراجع حجم الاستثمارات الأجنبية في لبنان، برغم عدم وجود استراتيجية اقتصادية متكاملة تدير هذه الإستثمارات وتوجهها نحو قطاعات تشغيلية تخفض من نسب البطالة وترفع من حجم الانتاج الوطني وتعطي بعض الإعتبار للقطاعات الإقتصادية الحديثة المشغّلة للعناصر الشابة.
وفي ظل البكائيات المتواصلة والمفجوعة على أرباح الأثرياء، لا يتطرق أي مسؤول إلى حجم المشكلات الإجتماعية التي يتخبط بها المواطن اللبناني. فقد تراجعت القدرة الشرائية بشكل ملحوظ خلال السنتين الماضيتين، برغم التصحيح الموضعي للأجور في 2011 الذي لم يترافق مع تحصين التصحيح بإجراءات كابحة لتضخم الإنفاق على الخدمات الحياتية اليومية، من إيجارات ومدارس وأسعار سلع وغيرها. وكذلك، لم يقم وزير العمل حتى اللحظة بالدعوة لعقد اجتماع لجنة المؤشر لإجراء تصحيح جديد للأجور وفق مبدأ سنوية التصحيح الذي تعهدت الحكومة باتباعه منذ عامين. هكذا تراكم التضخم من جديد على أجر اللبنانيين لمدة عامين، وسط رفض مطلق من قبل الهيئات الإقتصادية لتصحيح الأجور، ووسط صمت مطبق من قبل الاتحاد العمالي العام خنوعاً أمام الهيئات الإقتصادية. كذلك، يقبع موظفو القطاع العام وأساتذة لبنان تحت سلطة الرفض التي أعلنتها الحكومة والهيئات الإقتصدية كذلك، ضد إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ما يجعل أكثر من 350 ألف عامل في القطاع العام يرقب انهيار قدرته الشرائية والمعيشية.  كل هذا التضخم المفتعل الذي ينهش الأجر الشهري، وليد عقلية إقتصادية عجيبة لا تربط بين القدرة الشرائية وتفعيل الاستهلاك والانتاج المحلي. وهي العقلية ذاتها التي ترفض تمكين الاقتصاد اللبناني أمام الاهتزازات الأمنية والسياسية الضخمة التي تلفه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
ومع انفلات التضخم وتراجع القدرات التشغيلية للقطاعات، ارتفعت نسب البطالة الى حدود الـ 30 في المئة فيما تطورت أعداد المهاجرين المؤقتين والدائمين بنسب مضاعفة خلال سنتين. وأيضاً، لم تتحرك الحكومة اللبنانية لإعلان حالة طوارىء إقتصادية وإجتماعية تقوم على خطة فاعلة تنتشل لبنان من جحيمه. النمو الإقتصادي يتراجع، هذا ما تقوله التقارير. اللبنانيون في انهيار اجتماعي هذا ما يقوله الواقع. لا أمل يظهر لتغيير الواقع ولا إجراءات تتخذ لرفع مؤشرات تقارير تتحدث عن بلد أصبحت معظم مؤسساته وسلطاته منتهية الصلاحية. 

4‏/9‏/2013

ليست قضية نفط

http://bit.ly/17a5L1c
رشا أبو زكي - المدن
5433

مصير النفط كمصير بواخر الكهرباء؟ (أ ف ب)

يوم الأربعاء كان يوم وزير الطاقة جبران باسيل بامتياز. فقد أعلنت لجنة ادارة مشروع مقدمي الخدمات في مؤسسة كهرباء لبنان بكل أعضائها (إلا رئيسها) استقالتها من مهامها. ربطت الاستقالة بفشل المشروع الذي وصفه باسيل يوماً بأنه الحل المنقذ للبنانيين من العتمة، والذي من أجله شن حرباً واسعة على المياومين (عمال المتعهد وجباة الإكراء) في مؤسسة الكهرباء. 
يوم الثلاثاء، أعلنت شركة البواخر التركية "كارادينيز" أنها ربطت الباخرة الثانية "أورهان بيه" بالشبكة الكهربائية اللبنانية. ليتبين اليوم، وفق مصادر "المدن"، أن الباخرة لا تنتج الكهرباء حتى اللحظة. في المقابل، لا يزال باسيل ومؤسسة الكهرباء يتحفظان على إعلان حجم الغرامات التي من المفترض أن تدفعها "كارادينيز" نتيجة توقيف عمل الباخرة الأولى "فاطمة غول" لأشهر ومن دون مبرر، إضافة إلى مخالفة "أورهان بيه" بنود العقد في ما يتعلق بتأخرها عن الوصول إلى لبنان. 
ومن أجل البواخر، شن باسيل حرباً واسعة أيضاً، وحاك حوله مؤامرة كبرى، ليظهر أن الشركة التي أدخلها إلى جيوب اللبنانيين محكومة قضائياً في باكستان منذ ما قبل توقيع العقد بينها وبين وزارة الطاقة. وفي قضية البواخر أيضاً، حلم اللبنانيون كثيراً بكهرباء قد تصل الى 24/24 ساعة يومياً، فتبين أن حلمهم سيبقى بعيدا المنال.
الاربعاء، خرج باسيل في مؤتمر صحافي ليعلن أن المؤامرة التي تحاك ضده اسرائيلية، وأن مراسيم النفط التي لم توقعها الحكومة المستقيلة يقف خلفها "عملاء نفط اسرائيليون في لبنان". قد تكون العرقلة التي يتحدث عنها باسيل حقيقية، فلبنان معروف بمليشياته المسيطرة على كل مفاصل الحكم. معروف بمحاصصة القطاع العام والممتلكات العامة والأموال العامة بين الزعماء. ولا شك أن كلا يريد حصته من كعكة الشركات والبواخر والنفط. ولكن، ألم يرض باسيل بتقاسم هذه الكعكة حين تحالف مع تيار المستقبل في صفقة البواخر؟ ألم يرض بها حين وافق أن تكون شركات مقدمي الخدمات حصان طروادة لشركات تابعة بمعظمها إلى أحزاب السلطة ومن بينها تياره؟ ألم يرض بالفساد؟ 
في تفاصيل اليوم الباسيلي بامتياز، أعلن وزير الطاقة عن تمديد مهلة تقديم العروض للمزايدة باستخراج الغاز من المياه البحرية من 4 تشرين الثاني 2013 إلى 10 كانون الأول 2013. مشيراً إلى أنه في حال عدم صدور المراسيم قبل الثاني من تشرين الأول 2013 "سنعمد إلى تمديد إضافي لمهلة تقديم العروض". وأضاف باسيل "هناك مصالح خاصة نفعية قد تعيق أو تؤخر تحقيق هذا الموضوع كما أن هناك مطالبات قد تبدو في ظاهرها عفيفة أما في باطنها غير ذلك". وحمل باسيل مسؤولية عدم اقرار المراسيم "للحكومة بكل افرقائها ومكوناتها، فاذا كان هناك من مشكلة في المرسوم فنحن حاضرون لتعديله او لتوضيحه". شارحاً بأنه "هناك جهات لبنانية خدمت بعض الدول في الماضي من خلال طمس موضوع النفط في لبنان وبعضهم خدموا تركيا في الماضي القريب بعدم تسيير أمورنا مع قبرص فحصلت الإشكالية حول الحدود البحرية، واليوم هناك من يخدم اسرائيل بشكل واضح مباشرة أو بطريقة غير مباشرة من خلال التأخير في المزايدة العالمية لأن المتضرر الأول من نجاحنا هي إسرائيل، فحذارِ أيها اللبنانيون من العملاء النفطيين الإسرائيليين في لبنان".
 المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي رفض التعليق على تصريح باسيل حول قضية العملاء، في حين قالت مصادر ميقاتي لـ "المدن" أن باسيل يعلم أن المراسيم التي يطلب من الحكومة اقرارها عليها الكثير من الملاحظات، وخصوصاً من رئيس الجمهورية والنائب وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إضافة إلى ملاحظات من ميقاتي نفسه. وأوضحت المصادر أن ميقاتي أبلغ باسيل يوم الثلاثاء أن المراسيم النفطية موضوع سيادي إلا أنه لا يمكن إقرارها كون معظم مكونات الحكومة ترفض ذلك نتيجة الملاحظات الموضوعة على بعض بنود المراسيم. واعتبرت المصادر أن ما قاله باسيل هو كلام سياسي لن يعلق عليه ميقاتي. ولفتت إلى أن تأجيل طرح الموضوع، أفضل من طرحه وعدم التوافق عليه في مجلس الوزراء.
أما القضية الثانية التي طرحت الاربعاء، فهي عدم قيام باخرة "أورهان بيه" بانتاج الكهرباء حتى اللحظة، في حين أن معمل الجية يعمل بمجموعة واحدة من أصل 5 مجموعات انتاج. أما السبب فيعود إلى أعطال في آلات تقطير المياه، إضافة إلى إضراب ينفذه مياومو المعمل منذ يوم الثلاثاء. ويشرح أحد المياومين لـ "المدن" أن زميلاً له تعرض يوم السبت إلى حروق بالغة في يده خلال تأدية عمله في المعمل، وفي حين رفضت ادارة المعمل معالجته على نفقتها، دفع العامل نفقة الاستشفاء ولم يلتحق بعمله حتى يوم الثلاثاء حين أصبح قادراً على استخدام يده، فكانت المفاجأة أن ادارة المعمل خصمت أجر يوم الإثنين على العامل المصاب، ورفضت المشاركة في دفع أي جزء من التكاليف الاستشفائية. "لذلك، أعلنا الإضراب إلى حين توقيع ادارة المعمل على تعهد يلزمها بدفع تكاليف الطبابة في حال تعرضنا لحادث خلال تأدية العمل وعدم خصم أيام العطل خلال الحصول على العلاج، إلا أن الادارة رفضت التوقيع وهددتنا بالصرف، وسنستمر بإضرابنا إلى حين التزامها بتوقيع التعهد". 
 
 أما القضية الثالثة، فهي تتعلق بلجنة إدارة مشروع شركات مقدمي الخدمات في مؤسسة كهرباء لبنان، التي غضب أعضاءها من توبيخ وزير الطاقة للجنة خلال الأسبوع الماضي، لذا قدمت استقالتها بشكل جماعي معلنة أن الجباية لا تشهد أي تحسن على عهد الشركات، والمشروع ليس جيداً ولم يتم تنفيذ أي خطوة اصلاحية فعلية حتى الآن في مؤسسة الكهرباء. وفي ظل هذا الخراب، يبقى التفتيش المركزي بلا حراك، في حين أن المراقبين الماليين يتنازلون عن دورهم الرقابي لا بل أن بعضهم يوافق على مناقصات غير مستوفية الشروط لأسباب لا يعرفها سواهم... وبعض العارفين. 
أما مفاجأة اليوم الباسيلي، فهي ليست الهاشتاغ الذي أعلنه باسيل على تويتر "أمضي_تنمضي"، وإنما نسبة جباية فواتير الكهرباء في المناطق، مع الأخذ بالإعتبار سرعة الجباية والإلتزام بالمواعيد القانونية، إذ تبين أنها سجلت معدلاً تاريخياً لم تبلغه المؤسسة منذ انتهاء الحرب الأهلية: 45%!
 

31‏/8‏/2013

دولة الرقيق

http://bit.ly/1475RbO
رشا أبو زكي - المدن
الإتجار بالبشر يتمدد في القطاع العام اللبناني. عمال يباعون ويشترون ويتنقلون بين متعهد آخر، كسلعة لا رأي لهم في نوع عملهم وحجم حقوقهم ولا يكون لهم أي رأي حتى في اختيار صاحب عملهم. تطلق الإدارات العامة على عملية تلزيم العمال للمتعهدين صفة: "المناقصة"، إلا أن من ينظر إلى سير العملية بعين القانون والمعايير الإنسانية لا يمكن أن يصنفها سوى تجارة رق. إذ كانت مؤسسة الكهرباء تضم العام الماضي حوالي 2300 مياوم، تم إجبار حوالي 1900 مياوم على الإختيار بين البطالة أو العمل في شركات خاصة تعاقدت معها وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، فذهب مئات المياومين الى الشركات الخاصة، في حين بقي 420 مياوماً في مؤسسة الكهرباء خاضعين لعملية بيعهم من قبل المؤسسة إلى المتعهدين. وكذلك، تضم مستشفى رفيق الحريري 650 مياوماً، لا يتمتعون بالحد الأدنى من الحقوق، يضاف إليهم 500 مياوم في أوجيرو، 270 مياوماً في الريجي، أكثر من ألفي مياوم في الوزارات، و1600 مياوم في مؤسسات المياه... وحوالي 200 مياوم في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي الذي من المفترض أن يكون راعي حقوق العمال والموظفين! 
حالة عمال الكهرباء تختصر واقع الرق في لبنان. فالـ 470 مياوماً يعيشون حالة الرق بكل تجلياتها البشعة. هم مملوكون بكل ما للكلمة من معنى من قبل مؤسسة كهرباء لبنان. الأخيرة، تقوم كل عام تقريباً بمناقصة لاستدراج عروض شراء هؤلاء المياومين من قبل متعهدين. والمتعهدون عبارة عن شركات لا تقوم سوى بإدارة عمل المياومين مقابل ملايين الدولارات المدفوعة من إدارة الكهرباء. وهكذا، يتنقل مياومو الكهرباء بين متعهد وآخر في كل عام، ويخضون لمزاجية المتعهدين إن كان في تحديد إمكان حصولهم على إجازات من عدمها، ضمان إجتماعي من عدمه، منح مدرسية من عدمها... وفي كل مرة، يدخل مياومو الكهرباء هؤلاء في الحرب التي تدور بين المتعهدين الذين يحاولون الحصول على الصفقة، فيكون المياومون دوماً كبش محرقة.
فقد كان مياومو الكهرباء خاضعين لشركة متعهد اسمها "ترايكوم" خلال العام الماضي. انتهى عقد "ترايكوم" في 29 تموز 2013، وفازت شركة أخرى بما يعرف بالمناقصة. إلا أن هذه الشركة لم تتسلم إلتزامها، ففي حين وافقت إدارة مؤسسة كهرباء لبنان على ملفها، عمل مياومو الكهرباء على تبيان الحقيقة، وهي أن هذا الملف يشوبه الكثير من العيوب الفنية والتقنية والقانونية. وصلت الشكوى إلى مدير الإستثمار والصيانة في وزارة الطاقة غسان بيضون عبر الإعلام وعبر عدد من المياومين، ليصدر بعدها قرار وزير الطاقة برفض المتعهد، والتوصية بإجراء "عقد مصالحة" تقوم على أساسه شركة ترايكوم بمتابعة عملها إلى حين إجراء "مناقصة" أخرى... 
إلا أن لعقد المصالحة أيضاً مخاطر على حقوق المياومين – الرق. إذ كيف لهؤلاء أن يحصلوا على إجازة سنوية في حين أن متعهده القديم (ترايكوم) انتهى عقده قبل حصولهم على الإجازة؟ وكيف يمكنهم الإفادة من الإجازة في ظل عقد مصالحة ينتهي فور انتهاء المناقصة الجديدة؟ كيف سيحصل هؤلاء على المنح المدرسية، وخصوصاً أن هذا الشهر هو شهر "الميم" الذي يغوص فيه اللبنانيون بأقساط المدارس والمازوت والمونة؟ هل سيتم إلغاء اشتراكهم بالضمان في حال تأخر البت بالمناقصة الجديدة أكثر من 3 أشهر؟ أما السؤال الأبرز: من سيدفع لهم رواتبهم عن شهر آب، وهم حتى اللحظة يعملون بلا "رب عمل"، خصوصاً أنه خلال العام الماضي دخل مياومو "ترايكوم" في السيناريو ذاته بعد اشكالات اعترضت عملية تلزيمهم للمتعهد، فتقاضو راتب الشهر الأول من العمل مع المتعهد الجديد بعد ثلاثة أشهر من عملهم. وهنا، هل ستعطف مؤسسة الكهرباء على "رقيقها" فتدفع لهم الرواتب من صندوق المؤسسة إلى حين انتهاء صفقة تأجيرهم لمتعهد جديد؟ 
وبالتزامن مع هذه التساؤلات، وبعد منع المتعهد الذي فاز بالمناقصة الأخيرة من مزاولة إلتزامه، لا بد من مساءلة المراقبين الماليين في مؤسسة الكهرباء والتفتيش المركزي عن سبب تمرير ملف هذا المتعهد برغم كل الشوائب الموجودة في ملفه. كذلك، لا بد من سؤال عدد من المياومين عن سبب استمرار تقيّدهم بقرارات الفوضى والفساد التي يعممها عدد من المكاتب العمالية في الأحزاب اللبنانية. فالمكتب العمالي في حركة أمل مثلاً بيّن خلال كل الفترة الماضية اهماله لمطالب من أعلن يوماً أنه سيفك اعتصامه في المؤسسة نتيجة ثقته بإيصال الملف إلى مرحلة تثبيت كل المياومين. والمكتب العمالي في التيار الوطني الحر بيّن خلال عام كامل أنه غير معني بحقوق من طالبهم يوماً بالصمت وعدم المشاركة في التحركات لقاء تثبيتهم في المؤسسة. والمكاتب العمالية في حزب الله وتيار المستقبل وغيرها من الأحزاب أكدت وبأدلة قاطعة على أن مصالحها تتعارض بالمطلق مع مصالح المياومين. أما لجنة متابعة قضية عمال المتعهد وجباة الإكراء في مؤسسة الكهرباء، فقد غرقت في الشعارات الفارغة والتحركات غير المجدية والاستجابة لدعوات التفرقة بين المياومين للعب أدوار البطولة وفق مبدأ "فرق تسد". وهنا، لا حاجة للعودة إلى قصور الإتحاد العمالي العام عن القيام بدوره، فهو قد أثبت بالوقائع والبيّنات أنه ذنب السلطة لا أكثر. 
أما وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، فقد أطلق على المياومين العام الماضي صفة "زعران" كونهم يرفضون دخول شركات مقدمي الخدمات إلى مؤسسة الكهرباء. ويوم الخميس وصف شركات مقدمي الخدمات بأنها فاشلة، فهل المشكلة بالمياومين، الشركات أم أن المشكلة ترتبط مباشرة بفشل في إدارة القطاع التي يعتبر الوزير من أبرز أركانها؟ 
لا بد من العودة إلى أصل المشكلة، والمشكلة في الأصل احترام حقوق الناس، كل الناس، حينها يمكن مطالبة الحكومة ووزرائها والنقابات واتحاداتها بالقضاء على الرق في الإدارات العامة، وكف يدهم عن تجارة الرقيق قولاً وفعلاً، والإمعان في غض الطرف عن أسواق النخاسة القائمة، لكي يخرج كل هؤلاء من لائحة التاريخ الأسود للبنان.  
 

28‏/8‏/2013

سقوط مشاريع باسيل

http://bit.ly/1fnpFaJ
رشا أبو زكي - المدن 
5311

باسيل يعلن فشل شركات مقدمي الخدمات (علي علوش)

ظهر يوم الخميس، كان من المقرر أن يفتتح وزير الطاقة جبران باسيل صالة الزبائن في مؤسسة الكهرباء، بعدما وعدته شركات مقدمي الخدمات الثلاث بالانتهاء من الأعمال في الصالة بموعد لا يتعدى  18 حزيران الماضي. وصل باسيل إلى مبنى المؤسسة، فكانت في انتظاره الكابلات الموزعة على الأرض والكثير من الفوضى وبقايا الخشب، وصالة تحتاج إلى الكثير من العمل لكي تصبح صالحة للإستخدام. غضب باسيل، لم تدم جولته في أقسام المؤسسة 10 دقائق، ليدعو بعدها لجنة إدارة شركات مقدمي الخدمات إلى إجتماع فوري. في الإجتماع، غص أعضاء اللجنة بكلماتهم، وباسيل لم يتوقف عن توجيه أقسى العبارات إليهم، تبدأ بالتقصير ولا تنتهي عند حدود فشل المشروع. 
ولكن، هل فعلاً باسيل لا يعرف أن مشروع شركات تقديم الخدمات فشل قبل أن يبدأ؟ هل مستشارو باسيل ورئيس مجلس ادارة مؤسسة الكهرباء وأعضاء المجلس أغفلوا إعلامه بحال الصالة قبل وصوله؟ وهل الجولة الإستعراضية التي قام بها تخبىء قضية أخرى؟ طبعاً، اليوم هو 29 آب 2013، اليوم هو التاريخ الموعود لإنطلاق عمل باخرة الكهرباء الثانية "أورهان بيه" التي تأخرت عن الوصول إلى لبنان أكثر حوالي شهرين عن المدة المحددة في العقد الموقع بين شركة كارادينيز ووزارة الطاقة. وفي هذا اليوم، الذي كان من المفترض أن يعلنه باسيل محطة لتوبيخ الشركة التركية على التأخير الإضافي، وإعلان فشل مشروع البواخر وتحديد حجم الغرامات التي تطال الشركة التركية، خرج باسيل بسيناريو آخر، وهو إعلان فشل مشروع مقدمي الخدمات، ومطالبة مؤسسة الكهرباء بتغريمها!
فقد أكدت مصادر "المدن" أن الباخرة الثانية لن تعمل قبل منتصف أيلول المقبل، بعكس بعض التقارير الإعلامية التي صدرت في صحف يوم الخميس، فالعمود الذي يصل الباخرة بشبكة الكهرباء أصبح جاهزاً، إلا أن الكابلات لم يتم المباشرة بعملية تمديدها بعد. علماً، أن "أورهان بيه" وصلت إلى لبنان في 13 آب، وأكدت شركة الكهرباء حينها أنها ستبدأ العمل بمهلة أقصاها نهاية الشهر الجاري. إلا أن المصادر المسؤولة ذاتها في شركة الكهرباء، أبلغت لـ "المدن" أن الباخرة لا تزال في مرحلة التجارب الأولية ومن الممكن أن تبدأ الإنتاج التجاري خلال أسبوع وحتى منتصف أيلول المقبل".
أما من جهة شركات مقدمي الخدمات، فقد أدى فشل عملها المتواصل إلى وضع باسيل في خانة الإحراج، ما دفعه اليوم إلى الإعلان أن "المشروع له أهداف أولها أن يُحسّن الخدمة للمواطنين وبالتالي أن يزيد المداخيل إلى مؤسسة كهرباء لبنان إن عبر الجباية أو عبر نزع التعديات؛ كما وبتركيب الشبكة الذكية التي تؤمن مرونة في الخدمة، وفي مجالات كثيرة في طريقة إستخدام الكهرباء وحسن الإدارة لشبكة التوزيع، وعقد إستثمارات كبيرة بحيث يُصبح لدينا شبكة حديثة".
 وتابع:" إن هذا الأمر بالطبع لن يتم منذ السنة الأولى، إنما بالإمكان قياس كيفية سير المشروع حيث أننا لن نسكت ونتفرج على هذا الوضع كيفما كانت المسؤوليات وكيفما توزعّت حيث أن المقصّر سيتحمل المسؤولية؛ ومن أجل ذلك عقدنا هذا الإجتماع اليوم ونطالب أولاً أنفسنا ومؤسسة كهرباء لبنان والإستشاري بأن يبلغوننا بشكل رسمي من الغرامات التي تُفرَض على الشركات عندما تُقصّر في مهماتها وفي تطبيق العقد، لأننا لن نقبل بعدم فرض غرامات تباعاً على التأخير بتركيب عدّاد أو ساعة أو ورشة أو ترانس أو عمود او غيره، أي باختصار على مؤشرات أداء لا يتم إحترامها". ولفت إلى إعطاء الفرصة لإجراء التصحيح اللازم حتى منتصف أيلول "وقد إتفقنا منذ آذار المنصرم أن يكون 8 آب موعداً جديداً لحسم الأمور ونحن اليوم في أواخر شهر آب والأمور ليست على السكة الصحيحة".
وفي حين أن الشركات لم تنفذ حتى اليوم غالبية بنود العقد، ولم تحسن في الجباية ولا في ايرادات مؤسسة الكهرباء، وفي ظل معاناة المواطنين من تأخير المباشرة في إصلاح الأعطال خلافاً للفترة التي كانت معتمدة قبل دخول الشركات الخاصة الى مؤسسة الكهرباء، حاول باسيل التخفيف من وطأة فشل مشروعه، معتبراً أن للمشروع إيجابيات:" يمكننا القول أن مكتب الكهرباء قد تحسن بجزئيات معينة وأصبح لدينا سيارات أفضل، وهناك مسح لأماكن معينة وعمل وأرشفة وتحضير للشبكة الذكية وتحضر لقراءة عدادات". وقد أكدت مصادر "المدن" أن كل ما تحدث عن باسيل في ما يتعلق بالإيجابيات ليس واقعياً، إذ أن "أسطول السيارات لم يتحسن، ويوجد سيارات في المؤسسة لم تخضع للصيانة منذ أشهر، في حين أن إحدى شركات مقدمي الخدمات يقوم كل أسطولها على سيارات مستأجرة". وتابعت المصادر "أما مكتب الكهرباء فهو لم يشهد أي تحسن، وتحضيرات الشبكة وقراءة العدادات لا تزال على حالها".
هكذا، يشهد اللبنانيون في العام 2013، مرحلة انتكاسة مشاريع الكهرباء، وإعلان فشل "خطة الكهرباء 24/24" التي أطلقها باسيل، بعد معارك ضارية مع الوزراء ورئيسهم وبعدما وضع باسيل اللوم في عرقلة الخطة على كل شيء حتى المواطنين الذين "يسرقون" الكهرباء، لا وأيضاً بعد رصد مليار و200 دولار لتنفيذ الخطة. لتكون النتيجة أن عرقلة الكهرباء مجدداً: "منها وفيها".

حرب بين مافيات الحرب

http://bit.ly/15kkEde
رشا أبو زكي - المدن 
 منذ انتهت الحرب الأهلية، تموضعت المليشيات في خنادق الإقتصاد. فقد شهدت فترة التسعينات إعادة توزيع لمرافق الدولة، باعتبار أنها مغانم حرب. ومع استمرار الوصاية السورية على لبنان، بقي جزء من هذه المغانم مرصوداً لأركان الوصاية، ليصبح احتلال الادارات والوزارات والسيطرة على آلية الإنفاق وعوائد المشاريع الكبرى التي أعقبت حرباً أهلية مدمرة، واقعاً مدموغاً بأعراف تحولت بدورها إلى ما يشبه القوانين الملزمة. وفي ظل السيطرة المطلقة على القطاع العام، ونتيجة تهالكه بفعل تحويله إلى صندوق صفقات مالية ومركز توظيف للأحزاب، ونتيجة ضعف الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، خلقت المليشيات سوقاً موازية تقوم على الأعمال غير القانونية، والتي تؤمن الربح السريع وتراكم الثروات، بموازاة احتواء الجماعات اللبنانية الموزعة مذاهب، عبر مجموعة من الخدمات المباشرة التي تخص أكثر الحاجات المعيشية طلباً من المواطنين.
ومنذ انتهاء الحرب، سعت المليشيات إلى تحويل نفسها إلى مافيا متوائمة إقتصادياً ذات رؤية احتوائية واحدة، برغم الخلافات السياسية. هكذا، أصبحت هيكلية المجتمع اللبناني مربوطة من أسفلها إلى أعلاها بحزام مصلحي واحد، تعقده مجموعة من المسيطرين على السلطة السياسية والإقتصادية، ولا تفكه أي قوة خارجة عن هذا الوثاق. كون القوة المفترضة هذه، ضعيفة حكماً أو مرتهنة أو تابعة كهوامش سياسية لأصحاب القرار الفصل. تحت هذا الواقع، أصبح المواطنون اللبنانيون بسوادهم الأعظم مرتبطين بشكل مباشر بحكم المافيات، وموافقين على كل تدابيره العدائية تجاه مصالحهم، وأحياناً مصفقين لهذه التدابير. من المواطنين ما يدين للزعيم بوظيفة، وآخرين بمخصصات انتخابية، وآخرين بخدمات اجتماعية تبدأ بالإنفاق النقدي المباشر وتصل إلى الإستشفاء والدواء والتسويات العقارية والضريبية وغيرها. 
لم تعد حالة التمذهب الديني مجردة عن العائدات النقدية والعينية والمعنوية التي يتلقاها المواطن، إذ تحولت إلى أسلوب حياة يومي، يفيق فيها الطفل من نومه، يأكل من مال الوظيفة التي أمنها الزعيم لوالده. يذهب إلى المدرسة التي أنشأها الحزب أو الكنيسة أو المرجع الديني. يستخدم القرطاسية التي وزعتها الجمعية المذهبية. يتلقى الدروس الدينية و"المدنية" التي تشكّل وعيه الفئوي. يدخل وأهله إلى المستشفى التابع للجهة الدينية أو الحزبية، أو عبر وساطة الزعيم. يحصل على الكهرباء والمياه والقنوات الفضائية من الشخص الحزبي الذي يمتلك المولد الكهربائي في منطقته. يحصل على المحروقات والخبز والمواد الغذائية والسيارات من المستورد الذي يكون الزعيم شخصياً أو شخصاً يستفيد هو الآخر من رأفة الزعيم. يقترض من مصرف يساهم فيه الزعيم، ليشتري بيتاً تسوق له الشركة العقارية التابعة للزعيم. وإذا أراد الترفيه عن نفسه، يدفع تذكرة الدخول إلى البحر الذي سرقه الزعيم. أما اذا تعرقلت معاملاته، فيتصل بالزعيم لإجراء التسوية أو تمرير الصفقة... وحين ينجب طفلاً يطلق عليه اسم الزعيم. 
وفي حين تدخل الزعامة في حياة اللبناني بشكل محكم، تقرر ميليشيات الحرب التي تسيطر على السلطة آلية عمل الإقتصاد اللبناني. إذ من الغريب أن لا يعمل أي زعيم سياسي – مذهبي – طائفي – عسكري، برغم الثروات الطائلة، على إنشاء معمل أو مشروع يمكن أن يشغل الشباب في مناطق الأطراف مثلاً. وليس في الغرابة عجب، كون تحقيق الإستقلالية المادية للمواطنين يكسر بعضاً من السيطرة الزعاماتية على الأفراد، إن كان من ناحية خفض التذلل والتبعية للحصول على وظيفة عامة ذات مدخول منخفض يزيد من نسبة الفساد الإداري وتدمير القطاع العام، أو من ناحية خفض سطوة المقابل المالي للتفرغ في الأحزاب والمشاركة في قطع الطرقات والأعمال الحربية، أو من ناحية خطورة خلق حلقة إنتاجية من الممكن أن تتطور إلى حالة اعتراضية مطلبية أو نقابية في وجه الزعيم. وتستتبع الحلقة الإقتصادية الزعاماتية بإقصاء وتجريد الحالة الإعتراضية من قوتها، عبر السيطرة شبه المطلقة على القرار النقابي كما هو حاصل في ما يتعلق بالإتحاد العمالي العام، وفي تقويض الحركات العمالية والمطلبية، كما حصل مع عمال "سبينس" والمياومين وهيئة التنسيق النقابية. 
وبعد، لماذا تعتبر الهيئات الإقتصادية إذن، أن حالة الحرب التي نعيشها والتي تتطور يومياً معادية لمصالحها، فتدعو إلى الإضراب والتحرك مطالبة بتشكيل حكومة قبل الإنهيار التام للدولة؟ الأسباب كثيرة، وهي لا تتعلق حصراً بانخفاض العائدات الربحية لأصحاب المليارات في المصارف والشركات العقارية. فمنذ العام 2005، تغيّر عدد من ركائز الوثاق الذي يربط هيكل الإقتصاد اللبناني. وفي ظل محاولات التيار الوطني الحر الاستحواذ على القرار الإقتصادي الذي سيطر عليه تيار المستقبل بقرار من الوصاية السورية، أعادت الحكومة الأخيرة توزيع المغانم بشكل ممنهج على التيارات السياسية المشاركة فيها، ومددت شرايينها أكثر في صلب الأسواق كافة على حساب طبقة رجال الأعمال الجدد والكارتيلات المافيوية التي تشكلت في مرحلة ما بعد الحرب. وهم بطبيعة الحال يدورون في فلك تيار المستقبل وحلفائه. واستمرار واقع اللاحكومة، أو بالأحرى تثبيت حكومة تصريف الأعمال بقواها السياسية والحزبية كواقع مفروض في حال وقوع الإنهيار التام للدولة، سيجعل من الحرب المقبلة ساحة توزيع جديدة لمغانم الحرب، وسيكون فيها المقصيون سياسياً، مقصيّين إقتصادياً عن الإفادة من انتعاش سوق الحرب. وكيف إذا كان النفط والغاز جزءاً من المغانم المقبلة؟
 

26‏/8‏/2013

يخرّبون ثم يستنكرون

http://bit.ly/14y6uJP
رشا أبو زكي - المدن 
  بعد إجتماع مطوّل و"طارىء"، خرجت الهيئات الإقتصادية ببيان مساء الإثنين. بيان صادر عن تجمّع يضم فئة أصحاب العمل في كبريات المؤسسات اللبنانية، ولكنه لا يحمل أية مطالب إقتصادية، ولا يحمل ولو رؤية واحدة يمكن أن تنتشل البلد من التدهور المعيشي والإجتماعي والإقتصادي الذي يعيشه. من السطر الأول حتى الأخير، ترمي الهيئات الإقتصادية كل "البلاوي" على الوضع السياسي والأمني. لولا التفجيرات، لولا الخلافات السياسية، لولا السيارات المفخخة، لكان وضعنا الإقتصادي "تمام". أما دعوة الهيئات لـ"الإضراب العام" في 4 أيلول المقبل، فهي متوقفة على تشكيل الحكومة قبل هذا التاريخ. 
هي كلمات متوقعة في بيان متوقع، فالمجتمعون لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من الأزمة، لأن البلاد، وفق البيان، "احوج ما تكون الى حكومة، تعمل في الدرجة الأولى على ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعالج الملفات الاقتصادية والاجتماعية العالقة". أما تهديد "بنية الوضع الإقتصادي"، فناتج فقط عن "الركود الذي تعيشه الأسواق من جهة، وغياب المستثمرين والسياح العرب والأجانب من جهة أخرى". هكذا، بكل بساطة، تخرج نخبة رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات بتحليلها السطحي الذي عقب اجتماعاً طارئاً بخلاصة مقتضبة: وجود الحكومة ومجيء السياح، سينزع عن "البنية الإقتصادية" خطر الإنهيار. 
قبل عام، وصل عدد السياح الى مليون ونصف المليون سائح، وقبل عام، لم يكن هنالك تفجيرات، حينها، كانت البنية الإقتصادية، وفق تصريحات الهيئات الإقتصادية، مهددة أيضاً. السبب ليس سياسياً وإنما معيشي ومطلبي. فقد كانت هيئة التنسيق النقابية التي تطالب بإقرار حقها الطبيعي بسلسلة الرتب والرواتب "تهدد" بنية اقتصاد الأثرياء. والتهديد هنا يعود الى مطالب تمويل السلسلة من فتات الفتات الذي تحصله المؤسسات الكبرى من أرباحها المهولة. ومنذ فترة، أعلنت الهيئات الإقتصادية أن إضراب واعتصامات أساتذة لبنان وجميع موظفي الإدارات العامة والوزارات والتي طالت أشهراً عديدة "لا يهدد إقتصادنا بقدر التهديد الذي سينتج عن إقرار سلسلة الرتب والرواتب". الهيئات الإقتصادية هي من أضعف قوة الإضراب، أي إضراب، وهي من اعتبرته شأناً فئوياً لا وزن له في إقرار السياسات أو فرضها. وهي من اعتبرته في إحد بياناتها مهزلة ولا يؤثر على السياسات العامة في البلاد. فما الذي دفع الهيئات للتلويح بالإضراب وليوم واحد، باعتبار أنه تحرك ضاغط؟ يمكن الإعتبار أن لجوء الهيئات للإضراب، يأتي في سياق مقولتها الشهيرة رداً على الحكومة التي أبدت نيّة في إقرار السلسلة: "نحن نُطاع ولا نطيع". وكأن سياسيّي لبنان وخلافاتهم، والمفجّرين وعبواتهم، وتدخلات العالم بهز الرأس صعوداً أو نزولاً للموافقة على تشكيل الحكومة اللبنانية من عدمها، كلها ستذعن وترتبك وتعلن الوئام فوراً لأن الهيئات الإقتصادية تهدد بالتوقف عن العمل يوماً واحداً.
أمّا عن الأزمة الإقتصادية، فتشريحها ليس من مهام الهيئات التي ترفض حتى الحديث عن أزمة بنيوية تعصف باقتصاد لبنان منذ سنوات طويلة والتي تهجر الشباب وتدمر القطاعات المنتجة وتجعل من لبنان جزيرة معزولة عند كل أزمة. ولا من مهام الحكومة الرافضة لأي تغيير في النظرة الى الاقتصاد والمجتمع، كونها خاضعة للهيئات، فيما جزء من وزرائها أعضاء مستترون وعلنيون في تجمع الهيئات. ولا من مهام المصارف التي تمتص ايرادات الدولة كلها لتغذية أرباحها، عبر تمويل الدين العام بفوائد ذات نسب قياسية. ولا من مهام التجار الذين يعتبرون أن اقتصاد لبنان يدور حولهم ومن أجلهم. ولا من مهام الصناعيين الذين يتهافتون على الإحتكار لتصغير السوق وضمان الهيمنة عليه. ولا من مهام المستوردين الذين يغرقون الأسواق اللبنانية بوكالات حصرية وشبه حصرية، مفتعلين نسب تضخم قياسية تخفض من القدرة الشرائية والانتاجية والاستثمارية في آن... تشريح الأزمة الإقتصادية مهمة محصورة بالمواطن اللبناني، الخاضع لكل هذه المنظومة، يحللها، يفككها، ويعود عنصراً غير فاعل إلا بالإستهلاك. 
انتهى البيان. المسؤولون عن الأزمة الإقتصادية في لبنان يستنكرون وجود الأزمة. تماماً كرؤساء الحكومة والجمهورية ومجلس النواب وزعماء الأحزاب أجمعين، الذين يخلقون الأزمة السياسية ومن ثم يشجبون تعاظمها. تماماً كما وزراء الداخلية والدفاع والمسؤولين الأمنيين الذين يأسفون لوجود أزمة أمنية. تماماً كما رجال الدين الذين يضخون سموم التفرقة في عقول اللبنانيين ومن ثم يدعون إلى "وأد الفتنة". هي الفوضى، وهو بلد يسيطر عليه مسؤولون "شغلتهم" تخريب كل شيء، وبعدها يلبسون ربطات العنق ويقولون: لم يتبق أي شيء.

16‏/8‏/2013

إنفجار بألف حكاية

http://bit.ly/16QbzLS
رشا أبو زكي- المدن
الإنفجار ليس حرباً بين فريقين يتواجهان بالسلاح. الشوارع ليست ساحة حرب. الشهداء والجرحى والمفقودون ليسوا أطرافاً في معركة دائرة. في الضاحية الجنوبية لبيروت يعيش مئات الآلاف من البشر. في هذه البقعة الفقيرة من بقاع الفقر المتناثرة على مساحة لبنان لا يمكن اسقاط مفردات وتوصيفات ومرجعيات سياسية عامة على كل السكان. هنا، الكثير من السكان لهم رأي في المقاومة وفي حزب الله كمرجع سياسي يؤمنون ويثقون به. لكن هنا، لا سلاح إلا بيد الحزبيين. 
هي ليست معركة دائرة، ولا يمكن لأي فريق رفع شارة نصر، لا فرحاً بقتل "أعداء" ولا للتعبير عن تضامن يرمز إلى الصمود. هي جثث مدنيين لا يحملون بأيديهم سوى أصابع تكد لتحصّل قوتها اليومي. هم شبان وشابات وآباء وأمهات وأطفال ماتوا من دون أن يكون لهم أي رأي أو توقعّ لمكان وزمان موتهم. وكونها ليست معركة، لا يمكن لمنفذ الإنفجار إلا أن يكون مجرماً بلا قضية، يحمل كل الصفات التي لا تنطبق على التوصيف الإنساني بشيء، أو أن يكون مجرماً مؤمن بفكر لا يقل إجراماً عما اقترفته يداه. 
موقع الإنفجار يحكي ألف حكاية، عن أبنية متلاصقة تغتنم كل متر أرض ليسكن أهلها تحت سقف بيت. عن طفلة كانت تلهو بشعرها في الشارع. عن أب كان يبتاع الخبز لأطفاله. عن أم كانت تغني بأذن طفلها في البيت، لينام. عن شاب كان يبتسم لحبيبته ويعدها بلقاء قريب. عن عائلة كانت تشاهد أحد المسلسلات التلفزيونية بهدوء وفي المنزل المجاور شابة تلعن انقطاع الكهرباء. أما مستشفيات الضاحية، فتجتمع فيها مئات القلوب. قلوب تنبض وأخرى سرق مجرم نبضاتها. قلوب تبكي ويهوي أصحابها من شدة الحزن، وأخرى تطمئن إلى حبيب أو قريب أو صديق. هنا الضاحية، حيث الإنسان يفقد جزءاً من كينونته، لأنه وجد في بقعة من بقاع الفقر، لأنه تربّى على الثقة بزعيم وحزب، وكبر مع حقيقة يعتبرها مطلقة. هي الضاحية، حيث الموت رمادي لا أسود، حيث الركام يكاد يصبح جزءاً من جسد سكانها.