30‏/3‏/2013

صرف حنّا غريب!

http://bit.ly/10ntSUb
رشا أبو زكي - جريدة المدن
2476

غريب خلال أحد التحركات (علي علوش)

 هكذا، في بلد الجنون وامتهان هضم الحقوق والإعتداء على مكتسبات العمال والموظفين والأساتذة والمعلمين، قررت مدرسة مار الياس بطينا الخاصة صرف رمز الحرك النقابية ورافعتها: حنا غريب. شخص جعل من لبنان كله يفي الأساتذة والمعلمين حقهم. حرّك جثة الحركة النقابية الهامدة منذ سنوات. غصت شوارع بيروت والمناطق كلها بشعاراته. هتف 350 ألف موظف باسمه. شخص حمل هموم آلاف العمال وطالب بحقوقهم، مصوباً سبابته في وجه حيتان المال ومحتلي الأرض والأملاك وسالبي الأرواح. هذا الشخص أصبح اليوم تحت مقصلة الصرف التعسفي. 
17 عاماً قضاها حنا غريب في مدرسة مار الياس. خرّج أجيالاً ناجحة، وزرع في عقل كل تلميذ معنى الحرية. أستاذ الكيمياء المحبوب أصبح مصروفاً!
يغص غريب في حديثه مع "المدن"، لم يعتد مغادرة صفه ولا التغيّب عن حصصه ولا ترك تلامذته، لكن إدارة المدرسة قررت الإقتصاص منه وجعله عبرة لأي أستاذ يقرر الدفاع عن حقه. "في ليلة 24 آذار، وبعد فك الإضراب العام الذي كانت تقوده هيئة التنسيق النقابية أبلغتني إدارة المدرسة أنها جاءت بأستاذ كيمياء كبديل مني" يقول غريب. أما المبرر فهو تغيّب غريب عن حصصه لمدة 15 يوماً. إلا أن قرار الصرف التعسفي هذا غير مسنود لا بالمنطق لا بأي مادة قانونية تبيح هذا الصرف. فقد كان غريب يزين شاشات التلفزة خلال تلك الفترة، وبالتالي فإن إدارة المدرسة تعرف أين هو وليس بحاجة إلى إعلامها بمكانه. من جهة أخرى، كانت نقابة الأساتذة الخاصة مشاركة في الإضراب خلال الفترة الأولى، وبالتالي فإن 10 أيام من أصل 15 يوماً كانت مغطاة بالإضراب. وكذلك، لم تلتزم إدارة المدرسة بالتدرج في عملية إبلاغ الصرف من العمل. فغريب يؤكد أنه لم يتلقّ أي إنذار شفهي ولا خطي تسبق عملية الصرف. أما لماذا لم يفتح غريب هذا الموضوع قبل الآن، فهو "لأنني ظننت أن قرار الإدارة ظرفي، إذ لم أتبلغ أي قرار صرف بشكل رسمي، ولكن حين تبين أن الإدارة لم تصرف راتبي في نهاية الشهر علمت أن القضية جدية، وأنني صرفت من العمل من دون وجه حق". 
غريب لن يصمت عن هذه الفعلة. سيذهب إلى نقابة أساتذة التعليم الخاص، سيلجأ إلى القضاء "وإلى كل الوسائل التي من خلالها أدافع فيها عن حقي وعن عملي". غريب، الأستاذ الإستثنائي سيكون كعادته قدوة لكل من يصرف من عمله تعسفياً سينتزع حقه، كما انتزع حق آلاف العمال في إقرار سلسلة الرتب والرواتب وتحويلها إلى مجلس النواب. "إنها رسالة موجهة إلى هيئة التنسيق النقابية" يقول غريب، فمن هز عرش طغاة المال اصبح عدوهم. محاربته أصبحت معركة مصيرية، لكن الكيمياء علم كسّر الكثير من الأوهام وكل فكرة مغلوطة، وحنا غريب كما الكيمياء سيُسقط وهم طغاة المال بأن لا أحد يقارعهم بحق، وسيكسر فكرة مغلوطة عن الحركة النقابية بأن قيامتها معجزة.
أستاذي حنا غريب، محقق المعجزات، لك الإحترام وكل التضامن.

27‏/3‏/2013

يسار متطرّف


http://bit.ly/Xctgp4
رشا أبو زكي - جريدة المدن 
لو التزم الوزراء بكل تعهداتهم لكان اللبنانيون يتمتعون حالياً بـ: كهرباء 24/24. أسعار مخفّضة للمكالمات الهاتفية. ضمان صحي شامل لجميع اللبنانيين. طرقات معبدة وصالحة للسير. قانون عمل حديث يحفظ حقوق العمال والتنظيمات النقابية. أجور تحاكي التضخم. أسعار عقارات مقبولة. انخفاض في عدد المهاجرين. عدالة ضريبية... والأهم حكومة فاعلة يمكن أن "ترقّع" الأزمات المعيشية والإجتماعية والإقتصادية. 
لكن، تبين مع الأيام، ان وزراء الحكومة ينتمون إلى فصيل يساري متطرف غير معروف الإسم ولا الـ "لوغو" حتى اللحظة. هدفه الأول التغيير الجذري لا "الترقيع". الأرجح أنه فصيل سري ينتظر انطلاقة الثورة ليشهر عن نفسه. أحد أعضاء الفصيل لم يستطع إبقاء السر سراً. سرّب بعض المعلومات عن رفاقه. وهذا ما وصلنا، حتى اللحظة: 
- رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أو الـ"كومندنتيه الأول". مهامه: نشر الإحباط العام في البلد بكامله. حتى أن عدداً من رفاقه يتذمرون من إصراره على التطرف في تنفيذ المهام. لكنه الممول الأساس للمنظمة، وثروته وأخاه طه وصلت إلى 7 مليارات دولار، لذا لا بد من تحمّل فيض بؤسه. آليات تنفيذ المهام: إطلاق الوعود في ملفات إجتماعية ومعيشية أساسية ومن ثم التراجع عنها. إشهاره الإنحياز المطلق لطبقة الأثرياء وأصحاب العمل ضد مصالح الغالبية. الهدف: وصول المواطنين إلى الدرجة القصوى من الغضب، تمهيداً للإنفجار الكبير. 
- وزير المال محمد الصفدي ولقبه "الصندوق الغامض": مهامه: إبقاء نفقات الدولة اللبنانية مخفية عن الرأي العام. آلية التنفيذ: عدم إنجاز الحسابات المالية للدولة اللبنانية، وبالتالي عدم إقرار موازنات بين عامي 2006 و2013 وطبعاً الموازنات اللاحقة. الهدف: استمرار صرف الأموال وجباية الضرائب بلا سند قانوني أو دستوري. حتى إعلان إفلاس الدولة ما يؤسس لأرضية قوية تدفع الثورة إلى الإنطلاق. 
- وزير الطاقة والمياه جبران باسيل ولقبه "ملك العتمة". مهامه: زيادة التقنين في جميع المناطق اللبنانية، وضم بيروت الإدارية إلى الـ "زون" المعتم. آلية التنفيذ: عرقلة معظم مشاريعه ووضع اللوم على "الكومندانتيه الأكبر"، لزيادة قدرات الأخير على تنفيذ مهمته العظمى. إطلاق وعود "كهرباء 24/24" مرتين كل أسبوع لكي يتذكر المواطن اللبناني حقيقة أن لا كهرباء لديه. دفع مؤسسة الكهرباء نحو الخصخصة، وقد بدأ فعلياً من خلال شركات تقديم الخدمات، لكي تزيد الخدمات سوءاً وقيمة الفواتير ارتفاعاً. الهدف: زيادة شعور الغبن لدى المواطنين. زيادة التناسل من جراء غياب كل وسائل الترفيه في المنزل لضمان استمرارية المنظمة في المستقبل. 
- وزير الإتصالات نقولا صحناوي ولقبه "نسر التقطيش". يعمل على إبقاء أسعار التخابر الخلوي كأغلى أسعار في العالم وذلك من خلال ضمان بقاء 18 ضريبة جائرة مفروضة على كل فاتورة خلوي. إبقاء الإتصالات الخلوية في حالة "تقطيش" (انقطاع مفاجىء). تقديم خدمة انترنت سيئة وبكلفة مرتفعة. آلية التنفيذ: إصدار تنبيهات متواصلة في أذن كل مواطن كشيفرة تزيد من حالة القرف من الوضع المعاش. الهدف: ضرب منظومة العولمة المتوحشة من خلال تقليص الإعتماد على التكنولوجية الإمبريالية الملعونة. زيادة العلاقات المباشرة بين المواطنين لتنظيم أنفسهم تحضيراً للثورة من خلال ابعادهم عن الفايسبوك وتويتر والخزعبلات الوهمية. 
- وزير الزراعة حسين الحاج حسن ولقبه "أسد الصحراء". المهام: قطع الأمل كلياً من إنعاش القطاع الزراعي في لبنان ودفعه نحو التصحّر. آلية التنفيذ: زيادة فقر المزارعين وتعاستهم من خلال عدم القيام بأي مبادرات لتحسين القطاع وتسويق انتاجهم. زيادة عدد التعاونيات غير الفاعلة زراعياً ولكنها أساسية لبناء مساحة تجمع المزارعين في مكان وزمان واحد. الهدف: رص صفوف الفلاحين كعناصر أساسية في قيادة الثورة. 
- وزير الإقتصاد والتجارة نقولا نحاس ولقبه "ثقب المعدة". مهامه: الإبقاء على ارتفاع أسعار المواد الإستهلاكية وخصوصاً الغذائية. عدم المس بالإحتكارات. آلية التنفيذ: عدم تطبيق قانون تحديد هوامش الأرباح للتجار. منع إنشاء محكمة المستهلك. عدم تطبيق قانون الحد من المنافسة. الهدف: زيادة حالات الفقر إلى مستويات قياسية، ورفع الأسعار إلى نسب غير منطقية، وعدم تمكين المواطنين من اللجوء إلى أي محكمة أو جهة لتقديم الشكاوى، وذلك لحقن المواطنين إجتماعياً وصولاً للدفاع عن لقمة عيشهم بالثورة الكبرى الهدّامة.  
- وزير الصحة علي حسن خليل ولقبه "المارد الأسود". مهامه: إبقاء الإستشفاء تحت سيطرته من خلال عدم تفعيل صندوق الضمان وزيادة هيبة وزارة الصحة. آلية التنفيذ: عدم العمل على إقرار الضمان الشامل لجميع اللبنانيين. عدم إصلاح القطاع الصحي واستمرار ارتفاع الفاتورة الصحية والإستشفائية. عدم تفعيل مشروع الرعاية الصحية الأولية. الهدف: دفع الغليان الإجتماعي إلى أقصى الدرجات من خلال موت المواطنين ومنهم الأطفال على أبواب المستشفيات، تمهيداً لإسقاط النظام وتغييره جذرياً وصولاً إلى دولة الرعاية الإجتماعية. 
- وزير العمل سليم جريصاتي ولقبه "عامل العمايل". مهامه: تحطيم أي أمل بحركة نقابية فاعلة وقوية. آلية التنفيذ: الوقوف ضد مصالح العمال بشكل مطلق ومع أصحاب العمل. زيادة حالات الصرف التعسفي من دون أي تدخل فاعل ولا محاسبة من يقوم بعمليات الصرف هذه. الحرص على صمود المادة 50 من قانون العمل. الهدف: الحرص على عدم قيام أي تكتلات داخل المجتمع لا يتحكم بها مباشرة ربطاً بالمصالح العليا للمنظمة السرية في تحقيق ثورة غير مجزّأة بحسب الفئات الوظيفية. قطع الأمل من الدفاع عن الحقوق لتحقيق اللامساواة المطلقة في المجتمع، كون الثورة الكبرى هي المنطلق والأساس.  
- وزير الأشغال العامة غازي العريضي ولقبه "طريق النحل". مهامه: عدم تطبيق أي خطة للنقل. آلية التنفيذ: زيادة حالات التعصيب من زحمة السير إلى أقصى الحدود، مع الإبقاء على الحفر في الطرقات لتحويل التعصيب إلى هستيريا جماعية. الهدف: تحويل التعصيب والهستيريا إلى نبض ثوري قادر على تحطيم أصنام النظام القائم ومحاولة استيحاء نشيد للمنظمة السرية من صوت أبواق السيارات خلال زحمة السير. 
- شعار المنظمة الحالي: لا نظام قبل الفوضى. 

23‏/3‏/2013

«كلّهم حريريّـــــون» (أنسي الحاج يكتب عن مقالتي في جريدة المدن الإلكترونية)


الكاتب: أنسي الحاج

الحريريّة صفة لبنانيّة.
حسب علمي، لم يعبّر أحد عن هذا الواقع قبل رشا أبو زكي، ولا بالدقّة التي صاغتها بها في مقال لها على موقع «المدن» الالكتروني تحت عنوان: «كلهم حريريون». (الحريرية كرمزٍ للخصخصة والفساد وهدر المال العام وتغليب الأرباح الريعيّة على الأرباح الإنتاجية، وغيرها ممّا كان «يرفضه» معارضو الحريريّة).
يشرح مقال رشا أبو زكي كيف تداخلت المصالح بين فريقي 8 و14 آذار «إلى حدّ الانصهار»، وكيف أنّ سياسة التيّار العوني الإصلاحيّة والتغييريّة تكاد تنحصر في مناوأة الهيمنة السنيّة على إدارات الدولة من أجل «وصول التيّار إلى هذه الإدارات كممثل «شرعي» عن المسيحيين. (...) وأسقط التيّار من أدبيّاته فكرةً أساسيّة هي أنّ كلّ حلفائه كانوا جزءاً من حكومات الحريريّة».
وتختم مقالها بالقول: «اليوم كما أمس كما في المستقبل، العونيّون كما حركة أمل وحزب الله والمردة والاشتراكي، كذلك الأحزاب اليساريّة الصامتة عن كل ما يحدث... كلهم حريريون».
قبل نصف قرن أطلق الرئيس فؤاد شهاب على السياسيّين تسمية «أَكَلَة الجبنة». اليوم، بعدما تطوّرت بشكل فلكي أساليب النَصْب والنهب، لم تعد عبارة شهاب كافية. لم يعد هذا أكلاً ولا هذه جبنة، بل أضحتْ وليمة سوداء مشكّلة من قلوب الفقراء وجماجم أولادهم.
صفّقتُ لرشا وأنا أطالع مقالها هذا ثم جميع مقالاتها في «المدن». كيف يَظهر صحافيّون بعد بهذه الطهارة في لبنان؟ في لبنان المنخور حتّى الروح بالإفلاس والرشوة والإرهاب؟ في لبنان المَغاور؟
مقالاتٌ من هذا النوع حبّذا لو يقرأها الضحايا، أوّلاً ليعرفوا، ثانياً لتغتسل عيونهم من غبار التضليل اليومي والتعبئة الطائفيّة والمذهبيّة. هناك صحافتان اقتصاديّتان: واحدة تتوجّه بتعليمات مراكز القوى الماليّة التي تموّلها، وثانية مسلوخة من الواقع. الأولى هي الأعمّ، تتوسّل الرصانة الكاذبة لتسويق شهادات الزور، أو التنظير الأكاديمي لتغطية الهروب من المشاكل الحقيقيّة، وكلّها يقتضي علاجها حلولاً ثوريّة هي العدوّ الأساسي لمراكز القوى الماليّة وأنظمة المافيا المتحكّمة في حياة الناس كمّاً ونوعاً.
مقالات من صنف «كلّهم حريريّون» أرقام صارخة ونظرة عادلة إلى الواقع العاري، بنبض حيويّة التمرّد ورفض الانخداع بالمهدّئات والإرهابات.
مثل هذه المقالات لرشا أبو زكي، سابقاً في «الأخبار» وراهناً في «المدن»، ينابيع نقيّة. صفاءٌ غريب وسط هذا المحيط من العَكَر.
«اليوم كما أمس كما في المستقبل... كلّهم حريريّون». فضائحنا هي فضائح بالجملة، دون تمييز. هكذا كنّا منذ صارت بيروت هي لبنان. هكذا كنّا تحت الانتداب، وفي 1958، و1975، وتحت النظام السوري، وبين سنّة وشيعة. عندنا مَن يعارض ليجلس محلّ الجالس ويأكل مثله وأكثر منه. عندنا لصّ جائع يتربّص باللصّ الشبعان. «كلّهم حريريّون».
تحيّةً لرشا أبو زكي الصبيّة الشجاعة. عَجَباً لكِ كيف لم تستسلمي كالآخرين لفلسفة الرابطة الحريريّة الكونيّة العاملة ليل نهار على إقناع الفقراء بأنّهم سعداء!


هدوء لأجل شكسبير
من قراءةٍ جديدة لـ«هاملت» ومشاهدةٍ لفيلم «العاصفة» وقبلهما لمسرحيّات وأفلام مأخوذة من «ماكبث» و«الملك لير» و«ريتشارد الثالث» وغيرها من مؤلّفات شكسبير يمكن تكوين التساؤل التالي: هل النفخ المرافق لإخراج تلك المسرحيّات ضروري أم هو أحد عوامل التنفير منها؟
لكلٍّ الحقّ في مقاربته الخاصّة، ولكنْ ثمّة مَن يجب أن يكون الأكثر مسؤوليّة عن الأمانة. أنْ يكون مرجعاً. وليكون مرجعاً يجب أن يتماهى أشدّ ما يستطيع مع جذور التأليف ومصادره ومبتغياته الخالصة.
معظم الذين أخرجوا مسرح شكسبير اعتمدوا التضخيم والتفخيم، صوتاً وصورة، أداءً وديكوراً. من أورسون ويلز إلى اليوم. وبات التذرّع بلفظة «مسرح» تبريراً للفخفخة والصياح والإرهاب، حتّى في السينما. إنّها مسؤوليّة مخرجين قرأوا بذهنيّة المؤثّرات الخارجيّة لا بإحساس الشاعر.
نتطلّع إلى مخرجين أقلّ بهجرة وأكثر شفافيّة، أقلّ ضجيجاً وأشدّ حميميّة. شكسبير شاعر أوّلاً وأخيراً، رؤياه شعريّة ولغته شعريّة، ويحتاج إلى مَن يحتضنه من داخل ويوصله من داخل ويبقي حرارته في الداخل.
ينطبق هذا على المسرح الإغريقي أيضاً، باستثناء هوميروس ربّما.
يجب أن نعيد قراءة شكسبير لنكتشف كم أنّ إخراجه بأمانة وجمال هو أقلّ كلفة بكثير ممّا يفعله الفاعلون.


«زمن الندوة»
خلال تصفّحي لكتاب «زمن الندوة ــ 1946 ــ 1975» الذي أشرفت عليه رينه أسمر هربوز أتوقّف عند هذه الكلمة لجورج نقّاش (صاحب جريدة «لوريان») قالها يوم 7 أيار 1956: «لئن كان هناك احتمالٌ لعَظَمةٍ لبنانيّة، فإنّ هذه العظمة تبدأ من لحظة وَعْينا لها.
«وأظنّ أنّ هذه الفكرة هي التي ألهمت إنشاء «الندوة اللبنانيّة».
«ما هي هذه القاعة؟ هي، تحديداً، مكان للوعي.
«ونحن مجتمعون هنا لأجل ذلك. لبنانيّون، وبصفة كونهم لبنانيّين، موجودون هنا في حالةٍ تفكيريّة ــ أي أنّهم مدعوّون لوضع مسافةٍ بينهم وبين مَن هم إيّاه، بينهم وبين ما يفعلون ــ كي يرى بعضهم بعضاً ويريد واحدهم الآخر».
هذه الفسحة التعارفيّة التكاشفيّة أوجدها ميشال أسمر، «الأب» ميشال أسمر. خلال ثلاثين سنة كانت محاضرات الندوة تُنَكرزنا نحن شبّان تلك الأيّام لأنّها تتحدّث عن التناغم والسلام والحوار والانفتاح والتعايش والبناء، وكلّها ألفاظٌ ما كنّا نكره غيرها. كنّا نريد عكس الندوة، عكس هذه الرصانة المسؤولة الغامرة الإنسانيّة. كنّا نريد مقاتلة الآباء واقتلاعهم، يلوح أمام أوهامنا لبنان أين منه باريس ونيويورك، وحياة كأنّنا لن نكون فيه إلّا أطفالاً
مدلّلين.
أتمنّى لشباب اليوم الراغبين في قتل آبائهم،
أن يجدوا لدى هؤلاء الآباء المحبّة التي وجدناها لدى آبائنا.
صفحة أخيرة - جريدة الأخبار اللبنانية
العدد ١٩٦٣ السبت ٢٣ آذار ٢٠١٣

الرابط:
 http://www.al-akhbar.com/node/179964






21‏/3‏/2013

اللحى الإقتصادية


http://bit.ly/13fBteM
رشا أبو زكي _ جريدة المدن
أكثر من 15 ألف رافض للسياسات الحكومية الإقتصادية والإجتماعية تجمعوا في مكان واحد وزمان واحد. في محيط القصر الجمهوري كانوا يعبرون عن قرفهم، يصرخون، يغنون، يرقصون كفعل عصيان على ساسة البلد وأتباعهم. شعارهم واحد: "نحن شعب يستحق الحياة". والشعار هذا حمّال أوجه، في ظل تصاعد المنطق السلفي والأصولي منحدراً نحو أصله الدموي. كذا، في الشعار آلاف المطالب الإجتماعية والإقتصادية، التي يمكن اختصارها بعبارة "الحق في حياة لائقة"، حيث الأمان الإجتماعي والمعيشي والصحي والإقتصادي... لكن، وعلى الرغم من جدية طروحاتهم وإصرارهم على قلب طاولة إرتهان الحكومة إلى الهيئات الإقتصادية، يشكّل المتظاهرون في المنطق الحسابي 0.36 في المئة فقط من اللبنانيين. أين الـ 99.64 من اللبنانيين؟ هل هم فعلاً مرتاحون إلى أوضاعهم الحياتية؟ الصورة تؤكد أنهم خارجها، والإحصاءات تؤكد أنهم متضررون من السياسات الإفقارية، لكنهم استسلموا لواقعهم. 
في المقابل، نجد مشهداً مغايراً. صورة تجمع بضع مئات من المتمولين، من كبار التجار والمستوردين وأصحاب المصارف والمعالي والسعادة، متضامنين على رفع شعار مقابل: "نحن فئة تحتكر الحياة". كلمات هؤلاء محددة: "نحن لا ننهزم، نحن على حق، مصالح ربنا الأخضر فوق حق اللبنانيين بالحياة...". إنهم أصحاب اللحى الإقتصادية. أصوليون في إبقاء المجتمع اللبناني تحت خبث الفقر والهجرة والموت. سلفيون في إعادة لبنان إلى مرحلة ما قبل تاريخ تحرر الشعوب من غلبة الأقلية على الأكثرية. ناقمون على كل من يرفع مطلباً محقاً. يسوقون نظريات خارج سياق زمن الربيع العربي، يرفعون صوتهم بعبارة "نحن نُطاع ولا نطيع". هؤلاء يشكلون حوالي 3 في المئة من اللبنانيين، ولكنهم متضامنون من رأس هرمهم إلى القاعدة. في يدهم قوة الرفض والقبول، صحيح، ولكنهم لم يستسلموا أمام معرفة واقعهم. 
في التجربة التاريخية التي نعيشها اليوم، يمتهن سيف السلفيين والأصوليين قطع ياسمين الربيع العربي وقطف ورود التغيير من جذورها. إلا أن هؤلاء يتحولون يوماً بعد يوم إلى نكتة سمجة، تُضحك سكان الأرض من عقولهم المتحجرة، ويحركون فئة إضافية من المتضررين منهم، ضدهم. وصولاً إلى تحجيمهم. لبنان، لم تصل إلى هوائه رائحة الياسمين بعد، برغم قرب الحقول، سبقتها سيوف المتحجرين، فأصبح يستورد ويصدّر وينتج سلفيته المحليّة. وكما في السياسة كذا في الإقتصاد. يضحك الكون من أصحاب اللحى الإقتصادية، ولبنان يشذب لحاهم، يشحذ سيوفهم ويفلتهم على "الغالبية". والإعتراض؟ بيد 0.36 في المئة فقط من سكان لبنان، ما يجعل من أمل تحجيمهم ضرب خيال.
ليس من السهل التعميم والقول أن ما شاهده اللبنانيون في تظاهرة "هيئة التنسيق النقابية" هو الوجه الحقيقي للبنان. ملامح هذا الوجه تكاد تصبح مبعثرة إلى حد التشوّه. من ينظر إلى هذا البلد من بعيد لا يجد فيه نقطة أمل. مقاييس النظر الخدّاعة يمكن أن تجعل الإحباط مطلقاً. يمكن أن تمحي بطرفة عين بريقاً كان يلف القصر الجمهوري يوم الخميس. قرب البريق يجتمع كل الوزراء، بكلَحهم، بفسادهم، بلامبالاتهم، بشخصنتهم المسؤولية العامة لتصبح خاصة وأحياناً عائلية. تضيع هذه النقطة البيضاء في بحر من العبث. 

20‏/3‏/2013

التمويل من الفقراء!

http://bit.ly/160QEpS

رشا أبو زكي - جريدة المدن 
2259

تحرك هيئة التنسيق أمام مصلحة تسجيل السيارات في الدكوانة (ريشارد سمور)

بعد شهر على بدء "هيئة التنسيق النقابية" إضرابها المفتوح، وبعد أكثر من عام على وعد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الهيئة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب، وزّعت اللجنة الوزارية المصغرة الأربعاء الصيغة النهائية لمشروع سلسلة الرتب والرواتب على الوزراء. وقد وصلت الكلفة الإجمالية الى 6237 مليار ليرة. على أن تدفع خلال 6 سنوات وفق الصيغة التالية: 876 مليار ليرة في العام 2013، 1000 مليار ليرة في العام 2014، 1160 مليار ليرة في العام 2015، 1300 مليار ليرة في العام 2016، 1800 مليار ليرة في العام 2017 و1840 مليار ليرة في العام 2018. وأكد عدد من الوزراء لـ "المدن" أن الحكومة ستقر مشروع السلسلة الخميس وتحيله إلى مجلس النواب.
لكن ماذا عن تمويل السلسلة؟ هنا تبدأ الفضيحة. فقد حصلت "المدن" على تفاصيل آلية التمويل، وتبين أنه بدلاً من فرض الضرائب على الأثرياء وتمويل السلسلة من الضريبة على الأرباح العقارية وأرباح المصارف، تم تقديم سلة ضريبية عجيبة لا تشي سوى بأن الحكومة قررت تمويل سلسلة الفقراء من جيبة الفقراء أنفسهم. وفي ذلك تحايل على اللبنانيين من خلال سلة من الضرائب غير المباشرة التي توازي في تأثيرها السلبي وانعدام العدالة الإجتماعية في فرضها زيادة الضريبة على القيمة المضافة نفسها! هذا أبرز ما جاء في السلة الضريبية لتمويل السلسلة:
1- زيادة 4000 ليرة على كل فاتورة هاتف تقسّم: 2500 ليرة على الفاتورة نفسها و1500 ليرة على وصل الفاتورة. وهذه الزيادة سيدفعها كل اللبنانيين من دون استثناء، برغم أن فاتورة الهاتف الخلوي في لبنان هي الأغلى في العالم في مقابل خدمة رديئة وانقطاع متواصل في المكالمات.
2- زيادة 150 ليرة على سعر الطابع المالي، وبذلك يرتفع سعره من 100 إلى 250 ليرة، وهذا الإجراء سيرفع أسعار السلع الإستهلاكية كافة، كون غالبية العمليات التجارية تتطلب وضع هذا الطابع عليها. 
3- زيادة 4000 ليرة على كل سجل عدلي يطلبه المواطنون، برغم أن البيانات الموجودة في السجل ممكن الاستحصال عليها مباشرة في حال إتاحتها أمام المواطنين جميعاً كما هو الحال في جميع دول العالم.
4- فرض ضريبة استهلاكية على السياح، وذلك من خلال اقتطاع 20% من قيمة الضريبة على القيمة المضافة التي يسترجعها السائح خلال مغادرته لبنان، وبذلك يسترجع السياح 80% فقط من قيمة الضريبة على القيمة المضافة فقط.
5- زيادة رسم المغادرة بنسب متفاوتة: إذ يدفع كل من يغادر الأراضي اللبنانية في الفئة الإقتصادية 50 ألف ليرة كرسم مغادرة إضافة إلى 5 آلاف ليرة كمساهمة في إعادة إعمار المدينة الرياضية (لا تزال وزارة المال تحصل هذا الرسم برغم الإنتهاء من إعمار المدينة الرياضية!)، وبذلك إرتفع الرسم 10 آلاف ليرة، ليصبح 60 ألف ليرة. أما على فئة رجال الأعمال فارتفع الرسم من 75 الى 110 آلاف ليرة، وإلى 160 الفاً لكل من يغادر في فئة الدرجة الأولى. 
6- زيادة الضريبة على المشروبات الروحية 5 آلاف ليرة.
7- غرامات على الاملاك البحرية من دون تسوية.
8- رفع نسبة الـTVA  5%، لتصبح 15% على السومو والقريدس والكافيار وعلى الأدوات المنزلية وقطع السيارات!
9- زيادة الضريبة على إعادة التخمين العقاري بنسبة 6% على الشركات و2% على الأفراد.
ويشير وزير المال إلى أن هذه الأجراءات ستمكن الحكومة من جباية حوالي 2100 مليار ليرة لتغطية نفقات السلسلة. 
 
وقد أعلن رئيس هيئة التنسيق النقابية حنا غريب أن التحضير إلى "يوم الزحف الكبير" نحو القصر الجمهوري لا يزال مستمراً. وقال غريب خلال مؤتمر صحافي الأربعاء: "نتوجه اليكم اليوم كشعب مهدد في أمنه وسلامه، في حاضره ومستقبله نتوجه اليكم كشعب يراد له ان يبقى اسير الخوف والقلق، ورهينة المصالح الخاصة الضيقة التي لا تقيم اي وزن او اعتبار للمصالح الوطنية العليا. نتوجه اليكم اليوم لاننا لا نمتلك رهاناً في معركة استعادة حقوقنا المسلوبة الا انتم: شعباً موحداً يدافع عن مصالحه في مواجهة حيتان المال والاحتكارات والفساد وقراصنة الأملاك العامة، والمرابين والخارجين على القانون الذين يعبثون بأبسط قواعد الاستقرار الاجتماعي. كونوا معنا الخميس عند الحادية عشرة من قبل الظهر عند مفرق القصر الجمهوري لنقول لهم كلمة واحدة: نحن شعب يستحق الحياة". 
إنها دعوة نحو "الزحف الكبير" إلى مفرق القصر الجمهوري. فالخميس يوم الحسم، اليوم الذي ستعلن فيه الحكومة بأعضائها ورئيسها إنحيازها، إما لآلاف الأساتذة الموظفين، أو لقلة قليلة من الأثرياء الذين لا يمثلون سوى 1% من الشعب اللبناني. يوم الحسم في معركة إحالة سلسلة الرتب والرواتب الى المجلس النيابي حسب الاتفاقات والتعهدات قد حان. شهر كامل من الإضراب والإعتصامات ينتظر ولادة إقرار السلسلة. إنه "حق مؤجل على مدى خمسة عشر عاما، حق اقروا بانهم سلبوه منا ولا يريدون اعادته لنا" يقول غريب. هي معركة استعادة "حصتنا من الدخل الوطني، هذه الحصة التي كانت تبلغ 55 في المئة في السبعينيات فتهاوت الى 35 في المئة في عام 1997 (بحسب دراسة الحسابات الوطنية) وثم إنهارت الى اقل من 25 في المئة الآن".
وإنسجاماً مع قرار موظفي المديرية العامة للطيران المدني ولجنة المراقبين الجويين التابعين للمديرية بتعليق حركة الملاحة الجوية يوم الخميس ما بين الساعة العاشرة قبل الظهر والثانية من بعد الظهر، وذلك تضامناً مع هيئة التنسيق النقابية، تعلق حركة الملاحة الجوية خلال هذه الفترة، ما سيؤثر على 13 رحلة عائدة لشركات طيران اقلاعاً وهبوطاً.
 

مافيا المال


http://bit.ly/15YwCfI
رشا أبو زكي - جريدة المدن
 كانت قبرص أمام خيارين الثلاثاء: إما إعلان الإفلاس والخروج من الإتحاد الأوروبي، أو القبول بشرط الإتحاد الأوروبي وهو فرض ضريبة على الودائع المصرفية وزيادة الضرائب على الشركات من 10% إلى 12,5%، في مقابل تقديم خطة إنقاذية أوروبية  بقيمة 10 مليارات يورو. الضريبة على الودائع التي جاءت تصاعدية وفق قيمة الوديعة، لاقت اعتراضاً من الشارع القبرصي كون نسختها الأولى تتضمن شمول المودعين الصغار في الإجراء. جاء الرد سريعاً لإحتواء الغضب، بحيث تم إجراء تعديل موضعي فتم إستثناء الودائع المصرفية التي تقل عن عشرين الف يورو من الضريبة، في مقابل إبقائها 6,75 في المئة على الودائع التي تراوح بين 20 الفاً و100 الف يورو، ونسبة 9,9 في المئة على الودائع التي تفوق مئة الف يورو. ليعود الإتحاد الأوروبي ويعلن، تحت ضغط الشارع القبرصي، موافقته إعفاء كافة الودائع التي تقل عن 100 ألف يورو من الضريبة. 
لكن الإعتراض الشرس جاء من أصحاب المليارات طبعاً. رئيس جمعية المصارف اللبنانية وهو أيضاً رئيس اتحاد المصرفيين العرب جوزف طربيه رَأَس معركة المتمولين العرب. أما روسيا (التي يتماهى بعض اليساريين مع مواقفها في مسلسل الحنين للإتحاد السوفياتي) فقد أشعلت كل النيران. ثار رئيسا الجمهورية والحكومة والكرملين ووزير الخارجية في وجه القرار القبرصي، معلنين الرفض المطلق للمشروع، ملوحين بسحب الودائع الروسية الضخمة التي تتعدى الـ 35 مليار دولار. كان لسان حال الأثرياء يقول: لتعلن قبرص إفلاسها، فليخرب الإقتصاد، فليمت الناس، فلترتفع ضرائب الإستهلاك على القبرصيين، فليفنَ الكون... ولكن ممنوع الإقتراب من ودائعنا، ولا من المصارف، ولا طبعاً من مافيات المال التي تتخذ السرية المصرفية في قبرص كما في لبنان ملاذاً خارج المساءلة والحساب. 
هذا الموقف من الضريبة القبرصية يردنا إلى لبنان، إلى اقتراح زيادة الضريبة على الفوائد المصرفية بنسبة 2 في المئة. الإقتراح الذي أسقطته جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان ورئيس الحكومة من موازنة العام 2012، ومن اقتراحات تمويل سلسلة الرتب والرواتب مؤخراً.
الفارق بين الضريبة القبرصية وتلك اللبنانية كبير، إذ أن الثانية ستطال أرباح المودعين والمساهمين في المصارف التي يحصلونها من الفوائد على الودائع، ما يعني أن نوع الضريبة هنا يختلف عن تلك القبرصية في الإستهداف والقيمة. وقد عمدت جمعية المصارف بالاتفاق مع مصرف لبنان إلى إقناع وزير المال محمد الصفدي بتشطير الضريبة على الفوائد المصرفية بما يضمن تحييد أصحاب الودائع الضخمة. كيف؟ جرى الإتفاق على أنه في حال تم السير في هذه الضريبة، يجب أن يتم التشطير وفق المدة الزمنية للوديعة لا قيمتها. بذلك، ترتفع الضريبة على الوديعة التي ينتهي أجلها في عام، وتنخفض تدريجياً وصولاً إلى الصفر على الودائع الذي ينتهي تاريخها في فترة تزيد عن السنتين. بما يعني إعفاء ودائع الأثرياء من الضريبة في مقابل رفعها على متوسطي الدخل وما دون. علماً أن المصارف الخاصة لها ودائع في مصرف لبنان، وبالتالي هي مودع دسم، يخاف طبعاً من اقتطاع نسبة من أرباحه كإجراء يحصل في جميع دول العالم ضمن سياسات العدالة الضريبية.
وكما في قبرص، كذلك في لبنان، تعمد جمعية المصارف وكبار الأثرياء ممن يعرفون بالهيئات الإقتصادية، إلى رفض إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي تعتبر حق لا يمكن التفاوض عليه من قبل موظفي وأساتذة ومعلمي القطاع العام. وكما في قبرص، لسان حال أصحاب المليارات واحد: فليتعطل البلد، فليتوقف التلامذة عن الدراسة، فليبقَ أساتذة لبنان في الشارع مبحوحة أصواتهم، فلتقم القيامة، ولكن ممنوع المس بالأرباح. 

17‏/3‏/2013

الجراد لن يتكاثر

http://bit.ly/ZKjXHH
رشا أبو زكي - جريدة المدن
2157

حشرة الجراد في بيروت (عزيز طاهر)

وماذا يريد الجراد من لبنان؟ سيهاجر هو الآخر مع آخر سرب من الشباب اللبناني ومعدته تضطرب جوعاً، فالسياسيون والهيئات الإقتصادية أكلوا الأخضر واليابس. هكذا تلقف اللبنانيون خبر انتشار أسراب من الجراد في عدد من المناطق. ولكن، بين المزح والجد، وصل الجراد الصحراوي إلى لبنان. حالة من الترقب والخوف تسيطر على المزارعين في المناطق، خاصة الجنوبية والشمالية، وعودة بالذاكرة الى كتب التاريخ التي تحفظ كارثة المجاعة في العام 1914. 
 تطمئن وزارة الزراعة إلى أن ظاهرة الجراد محصورة، والأعداد قليلة، ولدى أجهزة الوزارة الجهوزية الكاملة للقضاء على الجراد، كما أن المطر الذي سيتساقط على لبنان خلال اليومين المقبلين كفيل بمنع تكاثر الجراد وتحويل مساره خارج لبنان. إلا أن للمزراعين رأيا آخر "إذا ارتفعت الحرارة بعد إنخفاضها سيتزايد عدد الجراد بسرعة أكبر".

وقد لاحظ المواطنون وجود الجراد، كما تنبّه المزارعون إلى أضرار لحقت بمزروعاتهم في عكار والمنية وبعض مناطق الجنوب. وأكد رئيس جمعية المزارعين انطوان حويك لـ "المدن" أن وزارة الزراعة قضت الجمعة على حوالي 500 حشرة من الجراد في الملعب البلدي في صيدا. ويؤكد عدد من المزارعين وجود أعداد من الجراد في شرق صيدا وصور وعدد من المناطق الشمالية، إضافة إلى أعداد قليلة في بيروت. ويشير إلى أن المزارعين في حالة من الترقب حالياً، وتوجد مخاوف من تكاثر الجراد في لبنان في حال ارتفعت درجات الحرارة بعد الإنخفاض الذي ستشهده خلال اليومين المقبلين. وشدد على أن عدد حشرات الجراد لا يزال قليلاً إذ لا وجود لأسراب كبيرة حتى الآن. 
 
ويشرح مستشار وزارة الزراعة صلاح الحاج حسن لـ "المدن" أن المراكز الزراعية في الوزارة تتابع موضوع الجراد منذ مطلع آذار، خاصة في المناطق الجنوبية والشمالية، إثر تقرير من منظمة الزراعة العالمية يشير إلى تحرك أسراب الجراد باتجاه دول الشرق الأوسط. وقد تبلغت مصلحة الزراعة في الشمال عن تواجد اعداد من الجراد على ساحل المنية، ولكن الحشرة من النوع الذي لا يسبب ضرراً زراعياً. ولفت الحاج حسن إلى التنسيق مع البلديات في الرش، وفي حال تكاثر الأعداد فإن الجيش اللبناني مستعد للرش الجوي بشكل فوري. 

ويوضح أن انخفاض درجات الحرارة في اليومين المقبلين سيؤدي الى موت الجراد ومنع تكاثره، وتحويل مسار الجراد عن لبنان. 
ويُعتبر لبنان من المناطق التي لا يرغب الجراد في التكاثر فيها، خصوصاً ان نوع الجراد المسيطر على المنطقة من النوع الصحراوي المتواجد في السودان، ومصر والسعودية وهي تشكل مراكز للتزاوج الصيفي بعد شهري تموز وآب اي في المرحلة التي فيها امطار صيفية في السودان. وبالتالي يتحرك الجراد ويصل الى مصر ويصل الى السعودية ليستكمل حركة التزاوج الربيعي ويمكن ان يصل الى ايران وباكستان، وقد وصل الى فلسطين في مطلع شهر آذار. ويشير الحاج حسن إلى أن الجراد وصل إلى لبنان خلال فترة ارتفاع درجات الحرارة بين 8 و15 آذار. وذلك بعد ان وصلت من أفريقيا خلال هطول الأمطار الصيفية هناك، وعبرت مصر وصولاً إلى فلسطين. 
 
وأشارت منظمة الأغذية والزراعة العالمية "فاو" أن الجراد الصحراوي من أهم واخطر أنواع الجراد حيث تقدر سرعته بـ20 كلم في الساعة ويستطيع الطيران لمدة تتراوح بين 6 الى 18 ساعة في اليوم يقطع خلالها أكثر من 150 كلم. ولفتت إلى انه يؤثر على غذاء 10 في المئة من سكان العالم. وتوقعت "الفاو" أن تستمر حركة الجراد في شهر آذار. 
ويلتهم الجراد في الكيلومتر الواحد من السرب حوالي 100 طن من النباتات الخضراء في اليوم، وهو ما يكفي لغذاء نصف مليون شخص لمدة سنة. ومن مميزاته السفر لمسافات طويلة، والتناسل بكثرة.
 

14‏/3‏/2013

تمويل المذهبية

http://bit.ly/ZCR6oX
رشا أبو زكي - جريدة المدن
 في بلد، تعتبر حالة السلم فيه عقدة بين حربين طائفيتين تنفق وزارة الشرون الإجتماعية فيه أكثر من مليار ليرة سنوياً على مؤسسات مهمتها تعزيز النفور المذهبي والطائفي بين السكان، والأهم أن وجودها وعملها يشكل بديلاً فئوياً من الدولة التي يتساوى فيها جميع المواطنين بالحقوق كما الواجبات. 
كثيراً ما يسمع اللبنانيون بجمعيات تسمى بـ"الخيرية"، معظم هذه المؤسسات ليست خيرية بالمرة. وإنما، تعتاش على أموال اللبنانيين التي يدفعونها كضرائب لتمويل الموازنات العامة، الحكومات هنا وسيط، تأخذ الضريبة بيد، لتدفعها إلى الجمعيات "الخيرية" باليد الأخرى. هكذا، يمول اللبنانيون من جيوبهم الخاصة دويلاتهم، وهكذا تعمد الحكومات المتعاقبة إلى تكريس التفرقة بديلاً من دولة المواطن.
في جلسته الأخيرة، أقر مجلس الوزراء مجموعة من القرارات المتعلقة بتمويل مؤسسات الرعاية الإجتماعية في لبنان. الكلفة الإجمالية للقرارات تصل إلى حوالي 128 ملياراً و674 مليون ليرة. قارىء الخبر لا بد أن يفرح، فالحكومة تنفق على الرعاية الإجتماعية، تساهم في خفض معدلات الفقر، تعمل على تحسين البيئة الإجتماعية للمواطنين. خطأ، بين 426 جمعية (وفروعها) استفادت من هذه الأموال، يوجد حوالي 241 جمعية مذهبية. أما ما تبقى من جمعيات، فبعضها القليل ملتزم بما يعلنه من أهداف، والغالبية إما موزعة سياسياً أو غائبة عن أهدافها كلياً. حتى أن أسماء بعض الجمعيات مدهش في خفّته. لا بل أن عددا لا يستهان به من الجمعيات لم يقم بنشاطات ظاهرة في الوسائل الإعلامية كافة. 
فقد وافقت الحكومة على تجديد اتفاقات المساهمة لرعاية تأهيل المعوقين للعام 2013. كلفة المساهمة 62 ملياراً و291 مليون ليرة، عدد الجمعيات المستفيدة 83 جمعية، بينها 42 جمعية مذهبية تستفيد بأكثر من 31 مليار ليرة من إجمالي الإعتماد، أي ما يوازي نصف الموازنة المخصصة للجمعيات المتخصصة بذوي الإحتياجات الخاصة. 
كما أقرت الحكومة طلب وزارة الشؤون تجديد اتفاقات "المساهمة للرعاية الإجتماعية للعام 2013". قيمة الإعتماد المخصص لهذا البند 58 ملياراً و780 مليار ليرة ويستفيد منه 154 مؤسسة وفروعها. تبين أنه يوجد في جبل لبنان 86 مؤسسة، ويرتفع العدد إلى 109 مؤسسات بعد احتساب الفروع، بينها 70 مؤسسة مذهبية.  أما في الشمال، فعدد المؤسسات 29، بينها 21 مؤسسة مذهبية. في محافظة عكار توجد 5 مؤسسات، كلها مذهبية. في البقاع 17 مؤسسة، بينها 15 مؤسسة مذهبية. في بعلبك الهرمل 7 مؤسسات، بينها 5 مؤسسات مذهبية. في النبطية 10 مؤسسات، بينها 6 مؤسسات مذهبية. بالمحصلة، تدعم الوزارة والحكومة اللبنانية  122 مؤسسة مذهبية من أصل 177 مؤسسة! 
وفي الجلسة ذاتها أيضاً وأيضاً، وافقت الحكومة على طلب وزارة الشؤون تغطية نفقات عقود مع الجمعيات الأهلية والدينية (وكأن ما سبق ليس مؤسسات دينية!) للعام 2013. قيمة العقود 5 مليارات و192 مليون ليرة مقدمة لـ 91 جمعية بينها 39 جمعية مذهبية.
كذلك، صرفت الحكومة ملياراً و599 مليون ليرة كمخصصات لـ"مشاريع مشتركة للخدمات الإجتماعي مع جمعيات وهيئات أهلية"، استفادت منها 21 مؤسسة مذهبية من أصل 36 مؤسسة. وكذلك، صرفت الوزارة 522 مليون ليرة تحت العنوان ذاته لـ11 مؤسسة بينها 3 مؤسسات مذهبية. إضافة إلى 79 مليون ليرة، تصرفها في مطلع العام لـ8 مؤسسات بينها 4 مؤسسات مذهبية. وكذلك، 211 مليون ليرة لـ20 مؤسسة بينها 10 مؤسسات مذهبية. 
هكذا أكلاف باهظة تدفع للجمعيات المذهبية سنوياً يمكن أن تؤسس لمراكز إجتماعية متخصصة تابعة للدولة، تسحب الغشاء عن عيون المواطنين بأن "الزعيم" يساهم في تعليم أولادهم أو في رعاية ذوي الإحتياجات الخاصة أو في بناء حائط هنا أو مدرسة هناك، في حين أن من يدفع هذه التكاليف هم المواطنون أنفسهم، من خزينة الدولة. وبرغم كل هذا العيب، يخرج المسؤولون ليتحدثوا عن دولة المواطنة، عن القضاء على الطائفية والمذهبية، لا بل تسود عبارة مضحكة حين الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية مفادها: "يجب القضاء على الطائفية والمذهبية من النفوس قبل النصوص". حكومات وسلطات مهمتها تكريس المذهبية في النفوس، لا يعوّل عليها في تغيير النصوص. 

13‏/3‏/2013

خصخصة الفساد

http://bit.ly/WbeRbb
رشا أبو زكي - جريدة المدن08:57 م
حوالي 25 مليار دولار يدفعها اللبنانيون من جيبهم الخاص منذ منتصف التسعينات حتى اللحظة على مؤسسة الكهرباء. الفاتورة الإنفاقية هذه تشكل أقل بقليل من نصف قيمة الدين العام. كل هذا، والكهرباء دائماً "مقطوعة". يتحدث وزير الطاقة والمياه جبران باسيل كثيراً عن الهدر في الكهرباء، وعن الفساد والفاسدين والمعرقلين. يوجه أصابعه ضد المواطنين الذين "يسرقون" ساعة تغذية إضافية لإنارة منازلهم. يهوّل كل عام بـ"الصيف الحار"، يعلن في كل مرة أنه سيجترح "المعجزة" ويجعل لبنان "منوّر" 24 على 24 ساعة. نتيجة لذلك، تدور الصفقات، من البواخر إلى المعامل إلى شركات تقديم الخدمات في المؤسسة...
تفيد معلومات أكيدة من داخل المؤسسة أن شركات مقدمي الخدمات التي أصبحت تقوم بجباية فواتير الكهرباء من المواطنين عوضاً عن المؤسسة، تضع الأموال المجباة وهي بمليارات الليرات في المصارف الخاصة، تتقاضى الفوائد على المبلغ ومن ثم ترسل الأموال إلى مؤسسة الكهرباء. وتأكيداً، تم إجراء قطع حساب منذ أيام في مؤسسة الكهرباء، وتبين أن شركات مقدمي الخدمات لا تلتزم بمواعيد الدفعات الدورية للمؤسسة، ولا حتى بالنسب المحددة التي يجب أن تدفعها الشركات من قيمة الفواتير المحصّلة لمصلحة مؤسسة الكهرباء. تشير آلية الدفع إلى أنه على الشركات: "دباس"، "خطيب وعلمي" و"بيوتك" أن تدفع قيمة الفواتير التي تجبيها إلى مؤسسة كهرباء لبنان على 4 مراحل خلال 40 يوماً (في حال كانت الفواتير تجبى عن شهرين كما هو الحال فعلياً). إذ تدفع كل شركة كل عشرة أيام نسبا محددة من قيمة الفواتير تبدأ بـ20% في الأيام العشرة الأولى، ومن ثم 25% في المرحلة الثانية، 30% في المرحلة الثالثة، على أن تتم تصفية الفواتير كافة في الأيام العشرة الأخيرة. لكن، أياً من هذه الشركات الثالث: لم تلتزم بهذه الآلية، لا بل تبين بعد قطع الحساب أن شركة واحدة دفعت قيمة الفواتير، في حين أن شركتين لم تسددا حتى اللحظة 15 مليار ليرة من الفواتير لمصلحة مؤسسة الكهرباء! 
لا ينسى أحد الأزمة التي اختلقها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل وتياره "الوطني الحر" خلال إضراب المياومين وعمال المتعهد في مؤسسة الكهرباء. حينها، كان للتحرك أسبابه: باسيل يريد إحلال شركات تقديم الخدمات محل المياومين وعمال المتعهد، بمعنى آخر يريد خصخصة قطاع التوزيع في الكهرباء. حينها، سمع اللبنانيون الكثير من الروايات من باسيل نفسه، أبرزها أن المياومين "زعران" ويحملون السكاكين بوجه موظفي المؤسسة، لا بل وصل الأمر حد إتهامهم بحمل الرشاشات، فانقض أحد مسؤولي التيار الوطني الحر زياد عبس على اعتصام المياومين بالحجارة... انتهى الإضراب، ودخلت شركات مقدمي الخدمات المؤسسة. الشركات، التي وعد باسيل أن عملها سيغيّر وجه المؤسسة وينظم آلية العمل فيها، جعلت المياومين "الزعران" مسؤولين وأصحاب مراكز إدارية ولوجستية فيها. أما عن التدريبات التأهيلية التي وعدوا بها، فكانت "كلام بكلام"، ليصبح "الزعران" بعيون باسيل "تحفة". وأصبحت الشركات تقوم بالعمل نفسه الذي كانت تقوم به مؤسسة الكهرباء ومياوميها، لكن بكلفة مضاعفة. 
هكذا، كان يسوق باسيل وأنصار الخصخصة أن هذه الأخيرة هي الحل لمشكلة تهالك القطاع العام، ليتبين وبالشواهد الملحوظة أن إشراك القطاع الخاص يزيد من الهدر والفساد، وليتبين أيضاً أن المشكلة ليست بالقطاع العام وإنما بالقيمين عليه وبالأيادي السياسية التي تنهب الأخضر واليابس أكان عاماً أم خاصاً، وبالوزراء الذين يعتبرون أن وصايتهم على المؤسسات والمرافق العامة تعني أنها ملكية خاصة لهم، وبالمجلس النيابي الذي لا يحاسب ولا يسائل إلا من باب "الحرتقة" السياسية الظرفية، وطبعاً المشكلة الأساس هي غياب أو تغييب الرقابة المشددة على الإجراءات والمعاملات والصفقات. 
إذ يلحظ اللبنانيون وكذلك بعض أعضاء مجلس الإدارة في مؤسسة الكهرباء أن الأعطال التي كان يتم تصليحها خلال يومين، أصبحت تستلزم في عهد الشركات أسبوعين وأحياناً شهراً كاملاً. فقد كان من المفترض أن تؤهل الشركات قطاع التوزيع، فإذا بها تزيد من أكلاف الكهرباء من "كيس" المواطنين. كذلك، يتم تضخيم فواتير المعدات وأكلاف الإصلاحات التي تقوم بها الشركات لمصلحة مؤسسة الكهرباء. 
المخالفات لا تنتهي، والفساد لا ينحصر بعدم إلتزام شركات تقديم الخدمات بدفاتر الشروط المبهمة أصلاً، وبالعقود التي يظهر في بنودها وبوضوح تضخيم كلفة الأعمال التي تقوم بها الشركات. ربما، على باسيل أن يعقد مؤتمراً صحافياً يعلن فيه أنه يفرّط بحقوق اللبنانيين ومصالحهم، أن يقول أنه هدر الأموال على مشروعه الكهربائي بلا جدوى، أن يعترف مثلاً أنه قام بخصخصة توزيع الكهرباء في حين أنه لا توجد كهرباء. أن ينظر إلى عيون اللبنانيين جميعاً ويقول: "أعتذر عمّا اقترفت، ليأخذ القانون مجراه".

12‏/3‏/2013

كاتالوغ فساد الكهرباء


http://bit.ly/10BE6lz
رشا أبو زكي
2046

الرقابة الفاعلة لإنهاء الفساد (علي علوش)

 مؤسّسة الكهرباء فاسدة. في المؤسّسة الكثير من الصفقات والكثير من "الأيادي السود" التي تجعل منها مؤسّسة فاشلة. لا حلّ لأزمة الكهرباء إلا بخصخصة المؤسّسة، فالقطاع العام "مضروب"... نماذج من عبارات كثيرة يسمعها اللبنانيون من السياسيين، إلا أن أحداً من المسؤولين لا يستعرض مكامن الفساد. لا يقول احد للبنانيين: هنا المشكلة وهاكم الحل. تُرى، كيف تعمل "ماكينة" الفساد في مؤسّسة الكهرباء؟ من هم المسؤولون عنه، وهل الخصخصة هي الحل الوحيد للتخلص من عبء العجز السنوي المتواصل في هذا القطاع؟ في المبنى الضخم لمؤسّسة الكهرباء في الأشرفية، وفي الفروع التابعة للمؤسسة في المناطق الحكاية كلّها. 
غالباً ما يوضع عمال وموظفو مؤسسة كهرباء لبنان في الواجهة حين الحديث عن الفساد. كلام كثير عن التوظيف السياسي داخل المؤسّسة وغياب الكفاءات وارتفاع نسبة الرشوة. تعميم الأحكام يسقط بعد أن يتبين أن عدداً من الموظفين في المؤسسة يُشهد لهم بالكفاءة ونظافة الكفّ. الأمر ينسحب طبعاً على المياومين وعمال المتعهّد. لكنّ المؤكد أن الفاسد الحقيقي هو من يوظّف كل من لا يتمتّع بالكفاءة وفق محسوبيات سياسية وطائفية حصراً. هذا الموضوع يفتح الباب على ما يعرف بـ"التشكيلات" داخل المؤسسة، أو ترفيع الموظفين ونقلهم من إدارة إلى أخرى. تشكيلات تصدرها إدارة مؤسّسة كهرباء لبنان، إلا أن منبعها الحقيقي وزارة الوصاية، لا بل وزير الطاقة والمياه بشخصه. يقول عالمون إنّ نتائج التشكيلات دائماً ما تصدر وفق أمزجة وزراء الطاقة، ووفق حساباتهم ومعاييرهم. خلال الولايات السابقة، كان الوزراء يقومون بالتشكيلات مع القليل من المراعاة للتوازن المذهبي والسياسي والكفاءة، هكذا تصبح عملية التوظيف في المؤسّسة مذهبيّة في طابعها العام مع المحافظة على الحدّ الأدنى من المعايير الإداريّة التي تبقي بعض الكفوئين في المؤسسة، لكن "أصبح هذا الأمر معدوماً في عهد الوزير جبران باسيل"، يقول المصدر. فقد أعلن باسيل "تشكيلات" جديدة قبل اضراب المياومين، بحيث رفّع عدداً من الموظفين وغيّر وظائف آخرين، كلّ بحسب ولائه السياسي لتيّار باسيل. الأسبوع الماضي، أعلن باسيل "تشكيلات" جديدة واعتمد الأسلوب نفسه مضيفاً بعض "الرومانسية الحزبية"، إذ أنّ من يتعارض مع مزاج ممثل "التيّار" في الوزارة تمّت معاقبته شرّ عقاب. بذا، يمكن أن نجد موظفة تحمل شهادة تمريض تم نقلها من القسم الطبي إلى المديرية الماليّة، أو نقل أحد الموظفين القاطنين في بيروت من المبنى المركزي الى معمل صور. لا بل أن أحد الموظفين تكبّدت الدولة تكاليف تدريبه في فرنسا ليصبح كادراً في اختصاصه الإلكتروني الذي تحتاجه المؤسّسة، فإذ بتشكيلات باسيل تقذفه للعمل في قطاع إنارة الشوارع. أكثر من ذلك، تؤثّر بعض التشكيلات مباشرة على سير عمل المؤسّسة. مثلاً، تمّت المزاوجة بين وظيفتي تصفية النفقات ولجان الإستلام لموظفين، بما يتعارض مع التنظيم الإداري للمؤسسة، وكونه لا يمكن لهذين الموظفين تذييل جداول الرواتب بإمضائين لكليهما، تم تأخير دفع الرواتب إلى حين إصدار "فتوى" ما لتسيير هذا الموضوع. كذا، فإن عدداً لا بأس به من "الترفيعات" نالها المحظيون من دون المرور بالتدرّج الوظيفي، لكي يتولوا مراكز إدارية ستشغر بعد خروج شاغليها إلى التقاعد.
وبما أننا وصلنا الى المتقاعدين، في المبنى المركزي في مؤسسة كهرباء لبنان، في الطابق 13 تحديداً، يوجد مكاتب لمدراء خرجوا إلى التقاعد ولا يزالون في المؤسّسة. هؤلاء لا تزال الملفات كلّها في يدهم، ولديهم مكاتب وهواتف والمستلزمات كافة التي تدفع تكاليفها المؤسسة، لا بل المواطنون اللبنانيون جميعاً. هؤلاء يتدخّلون في كل القرارات التي يتخذها مجلس إدارة المؤسسة، بينهم شخص يمثل الوزير في المؤسّسة، وآخر يمثل المدير العام وآخر يعرف "الشاردة والواردة" في ماليّة المؤسّسة... وفي الطابق نفسه موظفان مفتّشان من "التفتيش المركزي"، يعرفان ألا مكان للمتقاعدين في المؤسّسة، لكنّهما يغضّان الطرف.
أما عن الرشاوى والصفقات، فهي ليس سريّة. لكل ملف سعره، ولكل قضية ثمنها. المدراء عالمون وأحياناً مشتركون، ولا من يسأل. كذا، يتساءل البعض عن سبب تأخير البواخر المحمّلة بالفيول في عرض البحر، إذ يترتّب على هذا التأخير غرامات تدفعها الدولة اللبنانية، لم تكرار التأخير؟ ولصالح من تكبيد الدولة نفقات لا لزوم لها؟ وهل يوجد عمولات أو صفقات تتمّ تحت الطاولة؟ بالإضافة إلى ذلك، تتمتّع مئات المؤسّسات جوراً بالتعرفة الصناعية، واستمر هذا الواقع عبر امتيازات، وقد تحدث التفتيش المركزي في أحد ملفاته عن هذا الموضوع، لكن الفوضى لا تزال موجودة. أيضاً، يتساءل البعض عن السبب الذي يجعل المؤسسة خاسرة في غالبية الدعاوى القضائيّة التي تُرفع ضدها، والتي ترتّب عليها مبالغ ماليّة ضخمة، حتى أن بعض القضايا يمكن اعتبارها "سخيفة" وبرغم ذلك تخسر المؤسسة. من المستفيد من كل هذا العبث؟ موظفون صغار فعلاً؟
هذه بعض النماذج، التي ستستكمل بوقائع أخرى، ولكن، لا بد من التعريج قليلاً على بعض تصريحات باسيل. يشكو الأخير من سرقات تطال الكابلات الكهربائية. يبيّن أحد المحاضر الأمنية أن عدداً من سارقي الكابلات يعملون لدى متعهدين يركبون هذه الكابلات لمصلحة إحدى شركات تقديم الخدمات. لماذا لم يعلن باسيل هذا النبأ للبنانيين؟ ماذا عن "اللمبات الموفرة" التي يقول باسيل إنّه تمّ توزيعها في المناطق اللبنانية؟ هل لدى أحد من القراء لمبة "شعشعت" في منزله؟ أم أنه تمّ توزيعها على بعض الأحزاب "الحليفة" وأصبحت تباع في سوق صبرا بـ 1500 ليرة؟ ماذا عن السخانات الشمسية التي وزع باسيل عدداً منها في بعض المناطق التي تدخل في حيزه الإنتخابي؟ لماذا لا تزال كمية كبيرة من السخانات معرضة للتلف في مخزن الغاز قرب الكرنتينا؟
الكل يشعر باقتراب شبح الخصخصة الشاملة من مؤسسة الكهرباء. شركات تقديم الخدمات هي البداية. والكل، أي المعنيون والعارفون بخفايا الأمور في المؤسّسة، يعلمون أن قطاع الكهرباء يمكن أن يكون ناجحاً، يمكن أن يخرج من عجزه الدائم، يمكن أن يتوقف فيه الهدر الضخم الحاصل بمجرد أن يرفع "أولياء" السياسة يدهم عن المؤسّسة، وبمجرد أن تأخذ الأجهزة الرقابيّة دورها الفعلي لضبط المخالفات ووضع حدٍّ للفساد والمفسدين...

5‏/3‏/2013

لبنان : أول مليون دولار في 400 سنة

رشا أبو زكي - جريدة المدن 

1859

المليون الأول. سرّ من أسرار طبقة الأثرياء. المواقع الإلكترونية والصحف تضم آلاف المقالات التي تقدم نصائح وطرقا لكي يحصل الإنسان، أي إنسان على مليونه الأول. ارموا هذه المقالات في أقرب سلة للمهملات، اصنعوا منها صواريخ ورقية، استخدموها لتغطية الموائد، فلبنان وأجوره ومستوى التضخم الذي يقفز تصاعدياً لن يسمح لأي موظف لبناني، يتقاضى 1000 دولار شهرياً، أن يحصل على مليونه الأخضر الأول، إلا بعد 406 سنوات! أما "الزعماء" فخلال سنوات قليلة أصبحوا من أثرى أثرياء الكرة الأرضية. مؤشر "فوربس" يشهد، وآلاف اللبنانيين الذين نقلوا بأنفسهم مليارات الدولارات من جيوبهم إلى أرصدة الزعماء، يشهدون أيضاً. 
المواطن "أ" ليس متأهلاً وهو يصّر على عدم الزواج كون هدفه الحصول على مليونه الأول. محظوظ بعمله الى جانب منزله لذا لا يستخدم السيارة ولا وسائل النقل. لا علّة صحية لديه ولا فواتير مستشفيات وأدوية. يفضل عدم الإستجمام إلا إذا أراد أن يمارس رياضة الهرولة أو السير على الأقدام.  يشتري الحد الأدنى من الحاجات الأساسية لكي يعيش. منذ أن قرر أن يحصل على أول مليون دولار توقف عن شراء كل ما يخرج عن إطار الحاجات الأساسية جداً. 
فاتورة المواطن "أ" مجزأة كالتالي: طعام وشراب: 20 ألف ليرة يومياً. إيجار بيت صغير: 300 دولار شهرياً. إنترنت، كهرباء (بلا استخدام أو الاشتراك بمولد للكهرباء) وفاتورة هاتف خلوي: 130 ألف ليرة شهرياً. ولكي لا يعيش الموظف "أ" عارياً، ينفق 150 ألف ليرة سنوياً لشراء الثياب. ووفق هذا المعدل، يصل إنفاق الموظف "أ" الى مليون و192 ألف ليرة شهرياً (795 دولاراً). 
- في حال  كان أجر المواطن "أ" 900 دولار: سيتمكن من ادخار 105 دولارات شهرياً وسيحقق مليونه الأول بعد: 793 عاماً و6 أشهر. 
- في حال كان الراتب 1000 دولار: سيتمكن من ادخار 205 دولارات شهرياً وسيحقق أول مليون دولار بعد: 406 أعوام و5 أشهر.
- في حال كان الراتب 2500 دولار: سيكون قادراً على ادخار 1705 دولارات شهرياً وسيحقق أول مليون دولار بعد: 48 عاماً و9 أشهر.
- في حال كان الراتب 5000 دولار: سيكون قادراً على ادخار 4205 دولارات شهرياً وسيحقق أول مليون دولار بعد: 19 عاماً و8 أشهر.
المواطن "أ" نادر جداً. يصعب على أي لبناني أن يصدّق ان زعماء مليارات الدولارات المكدسة في المصارف، عاشوا تجربة المواطن "أ" وحياته المتقشفة هذه. لم يخلق أي زعيم لبناني موجود حالياً في السلطة، ثرياً. كلهم كانوا قادة ميليشيات أو محامين أو موظفي قطاع عام. ملياراتهم تزيد سنوياً، ويورثونها الى أولادهم ليصبحوا بدورهم من أثرى الأثرياء. من أين لهم ذلك؟ من "جيبة" المواطن "أ". من خدماته الإجتماعية الضائعة. من المشاريع الوهمية ومضخّمة الفواتير. من هدر الكهرباء. من مزاريب المال العام التي لا تصل إلا إلى جيوبهم. من ضرائب جائرة ورسوم مندسّة في كل فاتورة من الكهرباء والمياه والهاتف والمستشفى والدواء (...) من الإتجار بالمخدرات والسلاح. من صفقات المواد الغذائية الفاسدة والأدوية الفاسدة. من مولدات الكهرباء وشركات المياه المعبأة والإنترنت غير الشرعي والجامعات – الدكاكين الخاصة، التي يمتلكها الزعماء أنفسهم أو لهم حصة من أرباح هذه المرافق. من مضارباتهم بالعقارات لترتفع أسعارها إلى مستويات لن يستطيع المواطن "أ" مجاراتها. من أسهمهم المباشرة وغير المباشرة الموظفة في المصارف التي تقرض "الدولة اللبنانية". والدولة هي "هم"، و "هم" يرفعون الفوائد على سندات الخزينة لتدخل الأرباح الخيالية الى جيوبهم. المواطن "أ" واثق من "نظافة" زعمائه، يهتف بين موت وموت: "أموت ليحيا الزعيم". يموت، وتتراكم ثروة الزعيم. 

4‏/3‏/2013

الجيش يريد السلسلة

رشا أبو زكي - جريدة المدن

http://bit.ly/Z2ZFfD
درج في سنوات القحط الوظيفي توجه الشباب اللبناني نحو القطاع العام، تحديداً للعمل في السلك العسكري الذي لا يتطلب شهادة جامعية ولا حتى مهنية. تغص القرى النائية والفقيرة والبعيدة عن عيون التنمية المتمركزة في العاصمة، بالجنود. هم شبان لا يختلفون بشيء عن المجتمع اللبناني بكل إختلافاته ومشكلاته، وهم يشكلون فئة كبيرة من القوى العاملة اللبنانية. هم جزء من المجتمع ومن الهيكلية الوظيفية القائمة. الجنود، لا القيادات العسكرية، يتلقون "الأوامر"، ينفذونها، وأحياناً يموتون، أما راتبهم ووضعهم المعيشي فمعدله مخجل فعلاً، خصوصاً حين مقارنته مع ساعات العمل الأسبوعية. إذ يوجد في لبنان حوالي 60 ألف عسكري يعملون في الجيش اللبناني، في حين أن إجمالي القوى العاملة يصل إلى حوالي 900 ألف لبناني. 
تتألف هيكلية الجيش من 11 لواء مؤللاً، بالاضافة إلى لواء الحرس الجمهوري وأفواج المغاوير والمجوقل ومغاوير البحر والمدفعية وخمسة أفواج تدخل، فضلاً عن وحدات الدعم التي تتشكل من لواء الدعم والشرطة العسكرية واللواء اللوجستي وفوج الاشغال المستقل. 
 
أكثرية العسكريين هم من مناطق الأطراف. تأتي في الطليعة منطقة الشمال وتحديداً عكار، ثم البقاع، فالجنوب، بالاضافة الى أعداد لا بأس بها من الشوف، وتحديداً من إقليم الخروب. أما العسكريّون من بيروت وجبل لبنان فنسبتهم محدودة. تختلف ساعات العمل بين العسكري الاداري والميداني. الأول يعمل 6 أيام في الاسبوع بمعدل 8 ساعات يومياً مع قضاء يوم كامل في مكان عمله (24 ساعة). وبالتالي يعمل هؤلاء حوالي 60 ساعة أسبوعياً. أما الميدانيون فيخدمون 4 أيام كاملة أسبوعياً، وهو معدل مرتفع جداً من الدوام نسبة الى أي وظيفة أخرى. 
 
وكذلك، لا يتمتع المنخرطون في الجيش اللبناني وخصوصاً الميدانيون منهم بالعطل، لا السنوية ولا عطل الأعياد، بعكس القطاعات الأخرى كافة. ويتدرب العناصر المنخرطون والحاصلون على الشهادة الثانوية في المعاهد الحربية لمدة 3 سنوات من الساعة الخامسة حتى العاشرة ليلاً، أي 3 أضعاف الحصص التعليمية العادية. الجزء الاكبر من العسكريين ينخرطون لأسباب توظيفية تتعلق بانعدام فرص العمل، والجزء الآخر بسبب تأثرهم بآبائهم أو أجدادهم الذين كانوا منخرطين في المؤسسة. أمّا بالنسبة لتحسين وتطوير التقديمات الاجتماعية، فهي فعلياً ليست بيد العناصر، اذ يوجد نظام وانضباط، وقيادة الجيش هي التي تحمل هذه المطالب إن وجدت.

أبرز التقديمات للمنخرطين في الجيش هي الطبابة والاستشفاء المجاني في المستشفى العسكري، اضافة الى حسم 50 في المئة تقريباً على أقساط المدرسة. تقديمات، تجعل من الخدمة العسكرية "باسبوراً" كي يحصل الشباب اللبناني على حقوق بديهية منها الضمان الصحي الشامل ومجانية التعليم لأطفالهم. 
 
وفي حين ترفع هيئة التنسيق النقابية مطلب إحالة السلسلة إلى مجلس النواب كعنوان لإضرابها المفتوح، يشكل الجيش نسبة كبيرة من الفئة التي تستفيد من السلسلة. وعلى الرغم من أن عناصر الجيش يقفون في مواجهة المعتصمين من هيئة التنسيق، لكن التعاطف بين هؤلاء والمعتصمين واضح، خصوصاً حين سؤال هؤلاء عن سبب عدم انضمامهم إلى الإعتصام، فيكون جواب غالبيتهم أنهم يؤيدون التحركات ولكن في المؤسسة العسكرية لا مكان للتظاهر من أجل حقوق مطلبية. هكذا، تصبح البزة العسكرية العائق الوحيد أمام أن يكون عناصر الجيش جزءاً من الإعتصامات التي تجوب الوزارات وتعم المناطق اللبنانية كافة. بتعبير آخر: عناصر الجيش جزء من الإعتصامات ولكن بصورة عكسية. 
 
رواتب عناصر الجيش لا تزيد عن الألف دولار شهرياً لمن أمضى أكثر من 20 عاماً في الخدمة، الحكومة تدرس زيادة الحسومات على تعويضات المتقاعدين، ومن بينهم عناصر الجيش. أما على الشاشات، "فيغصّ" المسؤولون تأثراً حين يتحدثون عن ثلاثية: الشعب، الجيش والمقاومة كونه الشعار الذي حملته الحكومة الحالية منذ مطلع ولايتها. الشعب في الشارع يطالب بحقوقه، الجيش دخل زواريب الإتهامات وحقوق عناصره مسلوبة. أما المقاومة فعلى الحدود... الشرقية. ويل لحكومة لم تحمِ حتى شعارها!