25‏/7‏/2013

الهيئات "الإفسادية"


رشا أبو زكي جريدة المدن 
لا تزال الهيئات الإقتصادية تعد الأرقام وتطلق التصريحات الرافضة إقرار سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام. ما علاقة الهيئات التي تدير مؤسسات القطاع الخاص بموظفي القطاع العام؟ إنه تمويل السلسلة، الذي لا يمكن أن يتم تأمينه إلا من خلال فرض ضرائب على الأثرياء، أي أعضاء الهيئات الإقتصادية أنفسهم. المهم، أن هذه الهيئات تلاحق العمال والأساتذة والمعلمين والعسكريين بكل الوسائل لمنعهم من الوصول الى حقوقهم، منها الضغط على الحكومة اللبنانية لينة العود، لتعطيل اقرار السلسلة، واستكمال الضغط على مجلس النواب لين العود أيضاً للمماطلة في إقرار السلسلة وصولاً الى اعداد ما تعرفه بالـ "دراسات" لكي تظهر أن اقرار السلسلة سيدمر الإقتصاد، اضافة الى "دراسات" أخرى تشير الى امكان تمويل السلسلة عبر "وقف الهدر والفساد". ولكن، ماذا عن فساد الهيئات؟
اليوم، خرج مدير عام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي ليعلن نتيجة "اعمال التفتيش والمراقبة التي أجراها الضمان الاجتماعي على المؤسسات في لبنان في العام 2012". بنتيجة ضعف جهاز التفتيش، اقتصرت الرقابة على 7579 مؤسسة من بين آلاف المؤسسات العاملة في لبنان. وطال التفتيش 41 ألفاً و773 أجيراً من إجمالي عدد الأجراء في لبنان.
وتبين أن 3535 أجيراً كانوا مكتومين، أي أن مؤسساتهم لم تصرح عنهم للضمان بينهم 2891 أجيراً لبنانياً و644 أجيراً أجنبياً. هكذا، استطاع الضمان الاجتماعي تحصيل 55 مليار ليرة ممن تمثلهم الهيئات الإقتصادية، من خلال تفتيش 10% فقط من الأجراء. 
وفي  العام 2011. أجرى الضمان الإجراء ذاته على 6233 مؤسسة وعلى 46541 أجيراً، أي ما يقارب 12 في المئة من العدد الإجمالي للأجراء. وأثمرت أعمال التفتيش هذه عن نتائج مالية لمصلحة الصندوق بقيمة 41 مليار ليرة لبنانية. اضافة الى التصريح عن 3978 أجيراً كانت المؤسسات تخفي استخدامهم، منهم 3526 أجيراً لبنانياً و452 أجيراً أجنبياً. أما في العام 2010 فتمت مراقبة 5381 مؤسسة و29154 أجيراً، وتم التصريح عن 2147 أجيراً. وفي العام 2009 أدت الرقابة الى التصريح عن حوالي 1400 أجير. وبالتالي، خلال 4 سنوات، تبين أنه يوجد 11 ألفاً و60 أجيراً يعملون في مؤسسات تتهرب من تسجيلهم في الضمان. في حين استطاع صندوق الضمان خلال السنوات الأربعة تحصيل أكثر من 150 مليار ليرة من المؤسسات "الفاسدة". 
من جهة أخرى، تشير دراسات الضمان الإجتماعي إلى أن عدد المؤسسات المسجلة لديه هو 51 ألفاً و794 مؤسسة، ويخضع للضمان حوالي 560 ألف مضمون. ولكن، وفي إحصاء بسيط يتبين أن عدد المؤسسات التي تتهرب من تسجيل عمالها في الضمان ضخم جداً، ويفوّت ذلك على الضمان مليارات الليرات ويفوّت على العمال حق بديهي بالتغطية الصحية. 
إذ، إضافة إلى آلاف المؤسسات والشركات غير المسجلة في غرفة التجارة وغير مذكور عددها في الدراسات، وبالتالي لا يمكن معرفة عدد العمال لديها، يشير مسح وزارة الصناعة الأخير إلى أنه يوجد 4033 مصنعاً في لبنان تشغل حوالي 83 ألف عامل. يضاف اليهم حوالي 700 ألف عامل مستخدم لدى حوالي 18 ألف مؤسسة مسجلة في غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان. ليصبح العدد حوالي 783 ألف عامل، أي أن الفارق بين عدد العمال في القطاع الصناعي والمؤسسات المسجلة في الغرفة من جهة، وعدد المضمونين المسجلين (560 ألف مضمون) هو 223 ألف عامل مكتوم تتهرب المؤسسات التي تتمثل في ما يعرف بالهيئات الإقتصادية من سداد اشتراكاتهم لصندوق الضمان إضافة إلى  حرمانهم من حقوقهم. هذه هي الهيئات الإقتصادية، تنتهك حقوق الناس من أجل تعظيم ثرواتها، وتخالف القانون اللبناني وتتهرب من أحكامه. 
 

24‏/7‏/2013

بواخر الكهرباء تنتهك أموالنا

http://bit.ly/17DB6sq
رشا أبو زكي جريدة المدن 
4618

الشركة التركية تخالف العقد (ريشارد سمور)

 أعلن التفتيش المركزي اليوم الأربعاء نتائج تحقيقاته حول توقف باخرة فاطمة غول سلطان عن انتاج الطاقة الكهربائية في نيسان الماضي، وأعاد تحميل مسؤولية توقف عمل الباخرة إلى شركة "كارادينيز" التركية وطالب بتغريمها وصولاً الى اللجوء إلى التحكيم. وقد تضمن التقرير الذي تأخر إعلانه رسمياً 25 يوماً، الكثير من البنود اللافتة، والتي تُظهر أن الشركة التركية لم تخالف العقد فقط في موضوع توقف عمل الباخرة تحت مبرر عدم صلاحية الفيول، ولا في موضوع تأخر وصول الباخرة الثانية فقط، لا بل أنها تخالف في عدد كبير من بنود العقد. العقد الذي تبين، وبعكس ما وصفه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل سابقاً، أنه لا يحفظ حقوق الدولة اللبنانية. 
فقد أظهر تقرير التفتيش أن الشركة التركية حصلت على الكفالة المالية بقيمة 20 مليون دولار (التي تشكل 22% من القيمة الإجمالية للعقد والتي تم دفعها لتشغيل باخرتين لا واحدة) بتاريخ 16/4/2013، وفي اليوم التالي أعلنت الشركة توقيف العمل بالباخرة. في حين أن الباخرة الثانية لا تزال متوارية علماً أن تاريخ بدء عملها وفق العقد هو 25 حزيران 2013. كذلك، دفعت مؤسسة الكهرباء 2 مليون و160 ألف دولار لإحدى ناقلات النفط كبدل توقف إضافي على الشواطىء اللبنانية، بعد أن تبين أن الخزان الموجود على باخرة "فاطمة غول" غير قادر على استيعاب 6000 طن متري من مادة الفيول اويل كما هو منصوص في العقد الموقع مع وزارة الطاقة. 
وقد سبق أن أعلن ديوان المحاسبة منذ 16 يوماً (في 8 تموز الجاري)، نتائج تحقيقاته حول القضية ذاتها، وخرج بالخلاصة ذاتها من ناحية التوصية بتغريم الشركة التركية. لكن تبين في مقارنة بين التقريرين وجود الكثير من الإختلاف، إن كان من ناحية نوع الوثائق المحقق بها، أو من حيث عددها وتواريخها. أيضاً، تبين أن تقرير التفتيش المركزي حدد تاريخ توقف باخرة "فاطمة غول" عن العمل بـ 27 نيسان 2013، في حين يشير تقرير ديوان المحاسبة إلى أن الباخرة توقفت في 16 نيسان تدريجياً وصولاً الى التوقف الكلي بتاريخ 24 نيسان ولغاية 3 حزيران 2013!
كذلك، تظهر المقارنة وجود اختلاف في تحديد المسؤوليات. ففي حين برّأ ديوان المحاسبة وزارة الطاقة بشكل قاطع، أشار التفتيش المركزي إلى أن وزارة الطاقة خالفت التعميم رقم 31/2005 تاريخ 12/11/2005 المتعلق بعدم إسناد أي مهام تنفيذية الى المستشارين تطبيقا للقوانين والانظمة، بعد أن قامت الوزارة بكل اجراءات صفقة استئجار البواخر عبر مستشاريها ومن دون اشراك مؤسسة الكهرباء "المعنية أساساً بالملف". إضافة الى وجود مشكلة في آلية الإلتزام مع الشركة التركية التي لم تلحظ التأكد من الاوضاع القانونية للشركة (كونها دخلت في نزاع قضائي في باكستان). هذا إضافة إلى وجود "خلل في بنود العقد" الموقع بين وزارة الطاقة والشركة، بحيث أن العقد يحقق للشركة التركية أرباحاً إضافية بملايين الدولارات من دون أي مبرر وعلى حساب مؤسسة الكهرباء إن في ما يتعلق بتوفير استهلاك الفيول أو في آلية قبص الكفالة والمدفوعات، وصولاً إلى وجود مخالفات بيئية... وأوصى التقرير "بتدارك مثل هذا الخلل مستقبلاً".
وينسحب الإختلاف بين التقريرين على التوصيات والخلاصات، ففي حين اكتفى تقرير ديوان المحاسبة بملاحظات تقييمية تبيّض صفحة وزارة الطاقة، دخل تقرير التفتيش المركزي إلى صلب الموضوع، مطالباً بسلسلة من الإجراءات الإدارية والتنظيمية والقانونية لضبط عمليات التلزيم وصياغة وتطبيق العقود... 
ولكن، وبنتيجة توصيات كل من التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، يبدو أن كلفة الغرامات التي ستدفعها الشركة التركية ستكون قياسية. إذ تشير المعلومات إلى أن الباخرة الثانية ستصل الى لبنان في 12 آب المقبل، في حين كان من المفترض أن تبدأ بانتاج الكهرباء في 27 حزيران الماضي، وإن صدقت الشركة ووصلت الباخرة الثانية في آب يكون قد تراكم عليها 3 مليون و690 ألف دولار، على اعتبار أن الغرامة عن كل يوم تأخير بقيمة 82 ألف دولار. ويضاف إلى هذا المبلغ غرامة 7 مليون و326 ألف دولار نتيجة توقف باخرة فاطمة غول عن العمل بشكل كامل لمدة بين 24 نيسان و3 حزيران (يضاف اليها غرامة التعطّل الجزئي من 16 حتى 24 نيسان). إضافة الى 2 مليون و160 ألف دولار كلفة تأخر باخرة الفيول نتيجة عدم التزام الشركة بحجم الخزانات. والمجموع الأولي يوازي 13 مليون و160 ألف دولار، وبالطبع، يضاف إلى هذه الأكلاف غرامات أخرى من المفترض أن تدفعها الشركة التركية نتيجة عدم التزامها ببنود أخرى من العقد، وآلاف الدولارات الإضافية في حال لم تصل الباخرة الثانية في آب. 
 

 

23‏/7‏/2013

النواب يعنّفون نساء لبنان

http://bit.ly/17AeFnY
رشا أبو زكي جريدة المدن 
عدد النساء في لبنان 2 مليون و91 ألف امرأة، من أصل 4 ملايين و100 ألف لبناني. يشكلن أكثر من نصف سكان لبنان، وبرغم ذلك يتعرضن للقمع الأسري والسياسي والديني... والتشريعي. لن نخوض في سلوكيات وتصريحات رجال دين يعتقدون أنفسهم ممثلي الله في السلطات اللبنانية، فيفرضون على كل تكوينات المجتمع حظر الزواج المدني ويجرمون ويحرمون أي مشروع يتعلق بحقوق المرأة اللبنانية. ولن نخوض في النص الديني الذي يشير في غير مكان إلى أحقية ممارسة العنف ضد المرأة، على اعتبار أن وجودها مسخّر لتلبية رغبات الرجل. فقد فرضت الجرائم التي تطال النساء في لبنان، وأخرها جريمة قتل رولا يعقوب، على نواب لبنان، أن يجتمعوا ويحرروا مشروع قانون "حماية النساء من العنف الأسري"، وذلك بعد مماطلة وتسويف استمرّا منذ العام 2010، وهو عام صدور المرسوم الرقم 4116 المتعلق بهذا المشروع من قبل الحكومة اللبنانية. إلا أن النواب، الذين هشّموا بنود المشروع من ألفه إلى يائه في نهاية العام الماضي، أقروا مشروعاً مسخاً واستعاروا من عنف الأزواج صفعاتهم إلى وجوه نساء لبنان. فالنساء المعنفات لم يحصلن على مشروع يحميهن فعلياً، وإنما على "بالون" تشريعي لا يجرّم العنف ضد المرأة والذي يمارس على أساس جنسها، ولا الإغتصاب الزوجي ولا حماية المعنّفة لأطفالها وحضانتهم، ولا حتى يسمح للمرأة بالشكوى، بعد أن طال التعديل مكان تقديم الشكوى، من النيابة العامة والمخافر التي يمكن أن تكون قريبة من منزل المعنفات، الى رفع الدعاوى لدى قاضي التحقيق.
الأكثر تحقيراً للمرأة من إقرار كل هذه التعديلات، هو إقرار اللجان تعديل اسم مشروع قانون "حماية النساء من العنف الأسري" والمادتين 2 و3 اللتين تشيران صراحة إلى العنف الممارس ضد المرأة حصراً، ليصبح مشروع قانون يحمي أفراد الأسرة من العنف المتبادل، ليضيف على كلمة "النساء" عبارة "جميع أفراد الأسرة". علماً ان كل الدراسات العلمية والميدانية تشير إلى أن أكثر من 80 في المئة من حالات التعنيف داخل الأسر تطال النساء حصراً. في حين أن تبرير توسيع دائرة الحماية لتشمل الأطفال، ينسفه مشروع قانون متعلق حصراً بالعنف الممارس ضد الأحداث في الأسر وموجود في الهيئة العامة لمجلس النواب منذ أيلول من العام 2012. هكذا، خرح النواب بضحكة يظنون أنها قد تنطلي على النساء، بحكم أنهن "ناقصات العقل". 
عدد المعنفات في لبنان ليس مدرجاً على قائمة الأولويات الإحصائية الرسمية طبعاً. إلا أن التقديرات تشير الى أن لبنان يشهد وفاة امرأة كل عام نتيجة العنف الأسري. في حين تشير دراسة ميدانية من تأليف الدكتورة فهمية شرف الدين بعنوان "آلام النساء وأحزانهن: العنف الزوجي في لبنان"، والتي استهدفت عينة من النساء موزعة على كافة المناطق والطوائف أن 87 في المئة من النساء يتعرضن لعنف كلامي، و 68.3 في المئة يتعرضن لعنف جسدي، و55 في المئة يتعرضن لعنف جنسي، في حين أن 65 في المئة من النساء يتعرضن لعنف اقتصادي (حرمان من المال أو منع من ممارسة العمل). وإذا أردنا تعميم هذه النسب على نساء لبنان، يكون عدد النساء اللواتي يتعرضن لعنف لفظي مليون و818 ألف امرأة. وجسدي مليون و427 ألف امرأة. وجنسي مليون و149 ألف امرأة، واقتصادي مليون و358 ألف امراة. في حين يشير برنامج من إعداد المؤسسة الدوليّة للنظم الانتخابيّة (IFES) ومعهد البحوث في السياسات المتعلِّقة بالمرأة (IWPR) بتمويلٍ من الوكالة الكنديّة للتنمية الدوليّة (CIDA) إلى أن 19 في المئة من النساء يعانين من حظر الخروج من المنزل أي ما يوازي 400 ألف امرأة في حال طبقنا النسبة هذه على عدد النساء الإجمالي في لبنان (بينهن 170 ألف امرأة يعانين من الحظر المطلق). ويرتفع العدد في حال تطبيق هذه النسبة بحسب الشرائح العمرية للنساء. ويُفيد البرنامج أن 83% من النساء و79% من الرجال يعتبرون أنّ العنف المنزلي بحقّ المرأة ليس مبرراً على الإطلاق. ما يعني أن 17% من النساء و21% من الرجال يجدون مبررات لهذا العنف.
كذلك، تشير دراسة لصندوق الامم المتحدة للسكان إلى ان 35 في المئة من النساء اللواتي تعالجن في مراكز للرعاية الصحية في لبنان تعرضن  لنوع واحد على الأقل من العنف (ما يوازي 731 ألف امرأة). والتعنيف ضد المرأة ليس سراً، وليس محجوباً عن صانعي القرار الذين أقروا اليوم المشروع الذليل. ففي العام 2008 أجابت الحكومة اللبنانية عن سؤال لمنظمة الصحة العالمية حول عدد النساء ضحايا العنف في لبنان، بأنه يوجد 434 امرأة ضحية العنف بشتى أنواعه،  170 منهن تعرضن للإعتداء والضرب، و119 للترهيب. 
هي ليست قضية نقص في المعلومات، فالدراسات والحالات التي تتحدث عن العنف الأسري ضد النساء لا تنتهي، وتكاد تكون يومية، هي قضية نواب خاضعون لحكم مذاهبهم، وهي قضية مجتمع يتجه أكثر فأكثر نحو اعتبار العنف ضد المرأة حالة عادية وبديهية في بلد اصبح عدد كبير من سكانه هواة موت. 

8‏/7‏/2013

حان وقت التضخّم


رشا أبو زكي3 م
في الشهر ذاته من كل عام يصل معدل تضخم الأسعار إلى مستويات قياسية. كأن رابطاً غيبياً يجمع ما بين هلال رمضان وسعر البندورة. وفي الشهر ذاته من كل عام يرضخ اللبنانيون لارتفاع الأسعار، ويصبح التبضع شراً لا بد منه. علاقة السوق مع الإستهلاك لا تنحصر بالعرض والطلب، وإنما تمتد إلى فضح بنية احتكارية تسيطر على الإقتصاد كله، تجعل من العادي غريباً، ومن النظرية الإقتصادية مجرد ثرثرة. ماذا يعني أن يرتفع سعر اللحوم بأنواعها بين 20 و30 في المئة في كل رمضان؟ ماذا يعني أن ترتفع كلفة صحن الفتوش مثلاً من 5 آلاف إلى 10 آلاف ليرة أقله؟ هل هامش ارتفاع السعر يبقى ضمن ميزان العرض والطلب؟ أم أن عوامل أخرى تتحكم بالسعر الإستهلاكي؟ 
لا شك في أن المعروضات المستهلكة في شهر رمضان لا تعاني من النقص، لا بل يشكو التجار من منافسة كبيرة من المنتجات المستوردة، وما لذلك من تأثير على ارتفاع حجم العرض في مقابل الطلب المتفاوت. إلا أنه في الحالة اللبنانية، يعمد التجار إلى رفع أسعار السلع كافة، محلية كانت أم مستوردة، حتى لو كان العرض يفيض عن الطلب. وتطال هذه العملية كل المنتجات الاستهلاكية، بحيث لا تقتصر الارتفاعات على الخضار والفواكه وإنما تشمل كل أنواع اللحوم الطازجة والمستوردة. وفي عملية التسويق، كذلك في الاستيراد والإنتاج، تتحكم الإحتكارات في مفاصل عملية تحديد الأسعار، وتنتظر مناسبات محددة مثل رمضان أو نهاية العام وغيرها من المحطات السنوية التي يرتفع فيها الاستهلاك، بحيث تعمد الاحتكارات إلى افتعال تضخم يفوق القدرة الشرائية للمواطنين على تحملها.  
برغم تكرار الحالة نفسها سنوياً، لم تعمد السلطة اللبنانية، بشقها الرقابي تحديداً، إلى فرض نوع من الضوابط لكي تحد من التضخم المصطنع. ومن المعلوم أن مهام مديرية حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد تقتصر على مراقبة "إعلان" الأسعار، من دون الدخول في تفاصيل تحديد السعر. تحديد إطار الرقابة هذا لا يأتي من توصيفات إقتصادية معينة، ولا يعتبر نتيجة لإعتماد لبنان للإقتصاد الحر كما يسوّق وزراء الإقتصاد المتعاقبون والتجار والمعنيون بملف الأسعار، وإنما يشير إلى تعاضد عجائبي بين أركان السلطة الحاكمة من جهة وكبار التجار والمستوردين وأرباب الكارتيلات الإقتصادية من جهة أخرى. طبعاً هذا الإستنتاج ليس تحليلاً إسقاطياً، وإنما نتيجة مراقبة سلوكيات السلطة تشريعياً وإجرائياً على مدى السنوات الماضية.
في العام 2010 مثلاً، أصدر وزير الإقتصاد والتجارة (وزير المال حالياً) محمد الصفدي القرار رقم 277/1 الذي نشر في الجريدة الرسمية، وفيه تحديد لهوامش أرباح التجار بين 5 إلى 15 في المئة. إلا أن صدور قرار في لبنان لا يعني أبداً تطبيقه! في العام نفسه اعترضت الكارتيلات التجارية كلها على القرار، فتوقف العمل به قبل صدور تعاميم آليات التنفيذ. 
قبل ذلك بأعوام، في العام 2007 تحديداً، حول مجلس الوزراء مشروع قانون المنافسة (منع الإحتكار) إلى مجلس النواب. وكان من المفترض أن يكون هذا القانون أحد أكبر انجازات الحكومة والبرلمان على السواء. إلا أن المشروع توقف في لجنة الإقتصاد النيابية ولا يزال بلا إقرار حتى اللحظة. والسبب، لا يخفى على أحد: إنه حكم الإحتكار.
قبل ذلك بأعوام أيضاً، في 14 شباط 2002 تحديداً، أقر مجلس الوزراء مشروع قانون يرمي إلى إلغاء الحماية القانونية عن الوكالات التجارية الحصرية، وأحاله إلى البرلمان. بقي المشروع في طور النقاش لمدة سنتين، بعدها أقرته الهيئة العامة لمجلس النواب في العام 2004، ليعود رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود ويرده في نيسان 2006 الى لجنة الادارة والعدل، ويدخل في إطار الممنوع من الإقرار...
الأمثلة لا تنتهي، كلها تشير إلى أن التضخم وسيطرة قلة من التجار على لقمة عيش وحياة المواطنين أجمعين ليس صدفة، وإنما هو سياسة منمّقة ومنظّمة تتم بالتعاون مع الوزارات المتعاقبة، وطبعاً وفق قرارات تحظى بإجماع سياسي لا لبس فيه. رمضان إقتصادياً ليس سوى شهر التنفّع لدى قلة من المحتكرين، بمباركة سلطوية فاقعة. 
 

5‏/7‏/2013

الحقل الاسرائيلي وقنبلة باسيل


رشا أبو زكي3 م
4256

باسيل في مؤتمره الصحافي كاشفاً عن معلومات قديمة (دالاتي نهرا)

 أعلن وزير الطاقة والمياه جبران باسيل اليوم الجمعة عن اكتشاف إسرائيل حقلاً جديداً للغاز يَبعد نحو 4 كيلومترات عن الحدود اللبنانية، وهو حقل "كاريش". رمى باسيل القنبلة في وجه الإعلاميين كما المواطنين: "بات لدى اسرائيل نظرياً إمكانية الوصول الى النفط اللبناني، وهذا أمر خطير وجديد". أما المطلب، المحق طبعاً، الذي يريد وزير الطاقة تحريك الرأي العام لتحقيقه فهو: "الدعوة إلى جلسة استثنائية للحكومة من أجل إقرار المرسومين الملحين والطارئين المتعلقين بترسيم البلوكات البحرية وباتفاق الإستكشاف والإنتاج". فعلاً، أثار هذا الموضوع بعض الغضب لدى الرأي العام. وعبر الكثيرون عن المخاوف من سطو اسرائيل على غاز لبنان. لم يدقق أحد بالمعلومة "الجديدة" التي رماها باسيل على رؤوس اللبنانيين. الحبكة التي صاغ فيها باسيل قصته توحي أنه لا حاجة للتدقيق. لكن الوقائع تشير إلى أن اكتشاف حقل "كاريش" خبر قديم، وأن لا جديد في ما كشفه باسيل سوى خبر واحد وأكيد: إن كانت المعلومة النفطية تصل إلى وزارة الطاقة اللبنانية بهذا البطء الشديد، في ظل الأطماع الاسرائيلية الأكيدة والمتسارعة التي تحدق بلبنان، عندها يمكن القول: على غازنا السلام!  
 
في التفاصيل، تؤكد الأخبار الواردة في الصحف الإسرائيلية ومواقع شركات التنقيب الإلكترونية ما يلي:
 
* في 11 تشرين الثاني 2012: أبلغت "مجموعة ديلك، بالتعاون مع شركة أفنير التنقيب عن النفط ، شركة تل أبيب للأوراق المالية أنها تستعد لحفر استكشافي آخر في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وفقا لعمليات المسح الجيولوجي. وأوضحت الشركتان، أن هناك فرصة 70٪ لوجود  نحو 2 تريليون في حقل "كاريش" الذي تم اكتشافه حديثاً قبالة ساحل نهاريا".
* في 8 آذار 2013: أعلنت شركتا ديلك وأفنير بدء عمليات الحفر في حقل "كاريش".
* في 22 آذار 2013:  أكدت الشركتان وجود الغاز الطبيعي في الحقل، وذلك على عمق إجمالي 15،783 قدم وعلى بعد 20 ميلا في الشمال الشرقي من حقل تامار.
 *في 5 تموز 2013: قال باسيل: "ما استجدّ هو أن أصبح لدى إسرائيل حقل "جديد" إسمه "كاريش" يَبعد طرفه نحو 4 كيلومترات عن الحدود اللبنانية وهو أمر جديد وخطير يستحق الوقوف عنده"! 

علماً أنه في 11 تشرين الثاني 2012 حتى صباح 22 آذار 2013 كان وزير الطاقة لا يزال في الحكومة، ومن المفترض أن يكون على علم بكل ما يحدث عند حدودنا الجنوبية، وخصوصاً أن أحداً لا يشكك في النوايا الإسرائيلية للاستحواذ على الغاز البحري في حال كانت الحقول المكتشفة ممتدة الى لبنان. بذا، كان من المفترض أن يتم الإستعجال في انهاء مرسوم ترسيم الحدود البحرية.  أيضاًّ، كان من المفترض بالأحزاب اللبنانية التي كانت تفاوض التيار الوطني الحر على حصتها في هيئة الاشراف على النفط أن تلحظ الخطر الإسرائيلي الفعلي على الغاز اللبناني. لكن، اليوم لا يمكن الوثوق بالمخاوف المعلنة والمتأخرة، لا بل وفق الوقائع الموثقة حول الاستكشافات الاسرائيلية وآخرها "كاريش" لا يمكن اعتبار "الخطر" جديدا أصلاً. 
أما عن المراسيم التي يتحدث عنها باسيل، فيشرح عنها الخبير النفطي ربيع ياغي لـ"المدن" قائلاً: "هما مرسومان لم يتم ارسالهما الى الحكومة بعد". المرسوم الأول يتعلق بـ "اتفاقية الاستكشاف والانتاج بين الدولة والشركات العارضة"، وهناك ضرورة لإقراره كي لا يحصل تأخير في مواعيد استدراج العروض. ويلفت ياغي الى أنه تم الاعلان عن انطلاق دورة التراخيص الاولى في 2 أيار الماضي، وتستمر حتى آخر تشرين أول المقبل، وبعدها يبدأ التفاوض مع الشركات للحصول على أفضل العروض لصالح الدولة اللبنانية على أن يتم توقيع العقود في مدى اقصاها شباط 2014. وبالتالي، ولكي تستكمل عملية الاستدراج يجب أن تكون مسودة الاتفاق بين وزارة الطاقة والشركات جاهزة، وعلى الشركات ان تطلع على االمسودة لكي تناقشها مع هيئة ادارة قطاع النفط بعد اغلاق باب استلام العروض. 
ويتعلق المرسوم الثاني بتقسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الى 10 بلوكات. والمرسوم ضروري أيضاً، إذ أن اسرائيل أعلنت عن اكتشافات تقدر ب 1.8 تريليون مكعب في حقل "كاريش" الملتصق بالحدود البحرية الفاصلة بين لبنان وفلسطين، وإقرار المرسوم كما المباشرة في عملية التنقيب في الحدود الجنوبية يحمي لبنان من إمكان قرصنة غازه من قبل اسرائيل. 

4‏/7‏/2013

فلول لبنان


رشا أبو زكي- جريدة المدن07:48 م
أصل كلمة فلول هي "فل" أي الثلم في السيف، بمعنى آخر أن السيف أصبح بلا جدوى أو يحتاج إلى الصقل. أما المعنى المتداول للفلول فهو المنهزمون. إبان ثورتهم، أطلق المصريون هذه العبارة على أتباع الرئيس حسني مبارك، وعرّفوا الفلول بـ "أنصار النظام البائد". و"البائد" وفق المعاجم يعني الزائل أو المنقرض. وفق التعريف المصري المستحدث أصبح لا بد من إعادة تقويم مجتمعاتنا. فكل مجتمع في العالم يتوزع إلى فرق سياسية أو ثقافية أو اجتماعية. وعدد ليس بهيّن من أفراد المجتمعات يتماهون مع السلطة الحاكمة إن كانت على شكل حزب أو عقيدة أو عسكر، خصوصاً في الأنظمة التي تقوم على الإنتخابات الديمقراطية. ولكن هل يمكن اطلاق صفة الفلول على مناصري السلطات الحاكمة حين تخرج أحزاب أو ممثلو عقائد مدنية أو عسكرية من الحكم؟ طبعاً، الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بأشكال تغيير السلطات في الدول. إذ غالباً ما ينهزم حزب ما ومن ثم يعود عبر انتخابات لاحقة إلى الحكم، ما يسقط عنه صفة البائد، ويسقط عن أنصاره صفة الفلول. أما في حال اجتثاث الحزب أو أصحاب العقيدة من السلطة اجتثاثاً لا عودة عنه، حينها يمكن أن تصبح الصفتان متوافقتان مع الحدث. 
من الواضح أن الثورة المصرية أساسها إجتماعي- إقتصادي، أما شرارتها فسياسية وثقافية. فقد جاء الرئيس المخلوع محمد مرسي إلى الحكم في 30 حزيران 2012، وفي يده ما يعرف بخطة المئة يوم. خطة مؤلفة من 5 وعود تتضمن تنفيذ 54 إجراءاً هي بمثابة حلول لمشاكل: "المرور، النظافة، الوقود، الخبز والأمن". هكذا حاول مرسي اقناع المصريين بنفسه، من خلال خطة تتضمن 4 وعود اجتماعية – اقتصادية ووعد أمني مرتبط كثيراً بالوعود الأربعة الأولى. لم ينفذ مرسي سوى مسائل هامشية في البنود الخمسة لخطته. "مرسي- ميتر" يكشف أن المئة يوم مرت، ولم يشعر المواطن المصري بالتغييرات الموعودة (مؤشر "رضى الناس" اعتمد على استطلاع رأي 3 آلاف مواطن فقط). هكذا، عاد المصريون إلى الشارع، وأصبح في رصيدهم اسقاط ديكتاتوريين كان هاجسهما تعظيم ثروتهما على حساب جموع المصريين، الأول من خلال الجزمة العسكرية، والثاني من خلال العقيدة الدينية .
شتّان بين مصر ولبنان. "المرور، النظافة، الوقود، الخبز والأمن". شعارات صالحة جداً لكي ترفع في وجه السلطة اللبنانية بكل أركانها. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، يتوالى على الحكم في لبنان فريقان سياسيان يضمان سوياً حوالي 8 أحزاب سياسية مذهبية طاغية. ومنذ الحرب الأهلية حتى اللحظة، تزيد المؤشرات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والأمنية سوءاً. ليس اسقاطاً للقضايا، وإنما بحث في مدى هشاشة السلطة اللبنانية أمام أبرز المطالب الأجتماعية، إذ يتبين أنه منذ العام 1986، لا يزال مشروع تنظيم النقل العام بلا أي أمل بالإقرار، برغم أن هذا المشروع ورد في جميع البيانات الوزارية منذ الطائف حتى الحكومة الأخيرة. هذا وقد مر على وزارة الأشغال العامة والنقل منذ ذلك الحين كل من الأحزاب: الإشتراكي، تيار المستقبل، حركة أمل. 
أما موضوع النظافة والنفايات فهي كارثة ما بعدها كارثة، بحيث يعاني عدد من المناطق وخاصة صيدا وبرج حمود مثلاً من جبال النفايات، كما يعتبر هذا الملف كهف الصفقات التي تتجلى بعقود سوكلين. ومنذ الحرب الأهلية حتى اللحظة لم يتم إيجاد أي حل لهذه القضية. علماً انه توالى على وزارة الداخلية والبلديات ووزارة البيئة الأحزاب التالية: الإشتراكي، المستقبل، القوات، الكتائب، الحزب العربي الديمقراطي، تيار المردة.
أزمة الوقود في لبنان يمكن اعتبارها أزمة تاريخية. إذ لا يخفى على أحد أن عدم انشاء مصاف لتكرير النفط في لبنان، والتي من شأنها خفض الفاتورة النفطية الى مستويات قياسية تم تعطيلها لمصلحة كارتيل استيراد النفط الذي يضم غالبية الأحزاب اللبنانية. في حين أن ارتفاع اسعار المحروقات وزيادة ضرائب ورسوم على الصفائح التي يستخدمها المواطن اللبناني تشكل هاجساً شهرياً. ناهيك عن الغش والفساد في هذا القطاع. أما قضية وضع حد لأزمة الوقود فقد تقاذفها وزراء الطاقة والمياه على مر السنوات منذ مطلع التسعينات، وهؤلاء ينتمون إلى الأحزاب التالية: وعد، حركة أمل، التيار الوطني الحر وحزب الله.
الى قضية الخبز. شهد سعر الرغيف ارتفاعاً متتالياً منذ العام 2005، فزاد سعر ربطة الخبز حوالي 130% بحيث ارتفع سعرها من 1000 ليرة إلى 2000 ليرة. وانخفض وزنها من 1500 الى 1000 غرام. وقد شهدت عملية دعم الرغيف صفقات متتالية، وقد اعترف جميع وزراء الإقتصاد المتعاقبين بوجود فساد في القطاع روّاده كارتيل المطاحن وأصحاب الأفران. وبرغم ذلك لم يقم أيّ منهم بوضع حد لهذا الفساد، لا بل أن بعضهم أشار إلى أن الكارتيلات الطحينية أقوى من الوزارة. رُفِع سعر رغيف الفقراء، كما ترك الرغيف في ملعب فساد كان أبطاله وزراء الإقتصاد الذين ينتمون إلى الأحزاب التالية: الإشتراكي، تيار المستقبل، وحركة أمل.
أما الفلتان الأمني الكبير، فلا يسلم من تحريكه أيّ من الأحزاب الآنفة الذكر. 
5 قضايا فقط كان كفيلة باسقاط الأحزاب اللبنانية كافة المسيطرة على مفاصل السياسات الإقتصادية والإجتماعية، والتي تعمم الفساد والقهر على جموع اللبنانيين. إلا أن المواطنين، وبدلاً من أن يتمردوا على سياسييهم وزعمائهم الفاسدين، أصبحوا أذيالهم، لا بل يرفعون في كل محطة زمنية شعار "بالروح بالدم نفديك يا فلان". وفي الحالة اللبنانية، وكون المواطنين لم يصلوا بعد إلى مرحلة المواطنة، يصبح التمرد على السلطات واجتثاث الأحزاب التي أثبتت فسادها، كما حصل في مصر، ضرب خيال. هنا، يتحوّل الصراع من عمودي إلى أفقي، ليصبح احتراباً بين المذاهب والطوائف. الشعب والنظام في لبنان عنصران يتكاملان نهباً وصمتاً. يدعمان أنظمة، يصفقان لسقوط أنظمة، وفي يدهما قفازات بيضاء يخفيان بها قبضات يمكن أن تغيّر الواقع البشع، ويمكن أن يوضع بها أصفاد السجون. وإلى حينه، يبقى نظامنا ليس ببائد، وشعبنا اللبناني ليس فلولاً، نظامنا غولٌ وشعبنا يستمتع بحكم الغيلان.
 

1‏/7‏/2013

المياومون:انتفاضة ثانية

رشا أبو زكي - جريدة المدن
4166

حسين علام خرج من المستشفى بعد إحراق نفسه وعاد إلى الإعتصام (المدن)

 















كان من المقرّر أن تنعقد جلسة مجلس النواب يوم الإثنين. كان من المفترض أن يتم تهريب مشروع قانون معجل مكرّر بتوقيع النواب: ابراهيم كنعان، علي عمار وعلي بزي، وبموافقة الأطراف السياسية الأخرى، يهضم كل حقوق مياومي مؤسسة كهرباء لبنان وجباتها. حوالي 100 يوم من الإضراب المفتوح، الذي هز لبنان في العام 2012 وشكل صفعة على وجه الحركة النقابية الهامدة، كان سيذهب هدراً. هكذا كانت الخطة التي تأجلت الى 16 تموز الجاري، أي الموعد الجديد لانعقاد جلسة مجلس النواب بعد أن قاطع عدد من القوى السياسية جلسة اليوم فسقط النصاب. المياومون احتشدوا في باحة مؤسسة الكهرباء منذ الصباح. كان من المفترض أن يكون تحركهم عادياً بعد أن تقرر تأجيل جلسة النواب. أغلقوا الطريق أمام المؤسسة، أشعلوا بعض "الكراتين"، والتقوا بعد فترة من الإنقطاع... إلا أن حسين علاّم قرر أن يشعل النار بنفسه. علّام ليس البوعزيزي، ولن يصبح كذلك في بلد يبيع به السياسيون الحجر كما البشر، ويلتزم المواطنون بيوتهم في حضرة أكثر من 2000 عائلة مهددة بالتشرد. فقد سبق أن أحرق المياوم علي عاصي نفسه في 30 أيار من العام الماضي بعد أن وصلت قضية التثبيت إلى حائط مسدود. حينها، لم يصدر عن الحكومة سوى اتهامات للمياومين بأنهم "زعران"، وحينها وجه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل والنائب ميشال عون أسوأ أنواع التهم إلى المضربين عن العمل. 
ولمن لا يعرف علّام، هو أب لـ 4 أولاد، واحد منهم إسمه سيمون وهو شاب عشريني ترك الجامعة هذا العام ليساعد والده في تأمين مصروف العائلة، وبدأ العمل منذ شهرين في إحدى شركات مقدمي الخدمات. وعلّام كان قد أضرب عن الطعام خلال إضراب الـ 100 يوم، وتم نقله إلى المستشفى بعد أن تداعت حالته الصحية كونه يعاني من مرض السكري. وعلام يحمل بكالوريا فنية في الكهرباء، وكان يعمل في قطاع التفتيش في مؤسسة الكهرباء في دائرة الشياح منذ 15 عاماً، إلى أن وعدته، كما زملائه، القوى السياسية كلها أنه سيتم تثبيت المياومين والجباة في مؤسسة الكهرباء حين انجاز قانون التثبيت، على أن يعملوا في شركات مقدمي الخدمات إلى حينه. احترقت أجزاء من جسد علّام، ولكن "القادم أعظم"، يقول أحد المياومين "إن لم تنفذ مطالبنا سنحرق أنفسنا كلّنا، لقد وصلنا إلى مرحلة الإنهيار الفعلي". 
وفي عودة إلى أسباب التحرك، أعلن أكثر من ألفي مياوم وجابٍ أنهم قد بدأوا في 2 أيار 2012 التحرك من أجل تثبيتهم في مؤسسة الكهرباء، وذلك بعد اعلان وزير الطاقة والمياه تلزيم 3 شركات خاصة مديريتي التوزيع والانتاج وفق عقود موقعة مع مؤسسة الكهرباء تتيح للشركات صرف العمال خلال 3 أشهر من التجربة. وبعد بدء الإضراب المفتوح، تم تأليف لجنة مصغرة منبثقة عن اللجان النيابية المشتركة وتضم نوار الساحلي، ميشال الحلو، غازي زعيتر، ومحمد قباني، للإتفاق على صيغة للتثبيت. إلا أن جلسات اللجنة تأجلت أكثر من مرة بعد أن عمد النائب ابراهيم كنعان، ومن ثم النائب نوار الساحلي عرقلة اجتماعاتها. 
في 10 حزيران، وبعد أكثر من شهر من الإضراب المتواصل، انعقدت جلسة اللجنة الفرعية للمرة الثالثة بعد محاولتي انعقاد انتهت قبل أن تبدأ. إلا أن المفاجأة كانت في خروج اللجنة المصغرة بصيغة لتثبيت المياومين والجباة وفق المطالب التي حملها هؤلاء: مباراة محصورة لجميع المياومين في المديريات كافة والذين تتوافر لديهم شروط التثبيت، وتعويض من تخطّوا سن التقاعد ومن ستتخلى عنهم المؤسسة في حال لم ينجحوا في المباراة. وفي 14 حزيران، أقرت اللجان النيابية المشتركة صيغة التثبيت هذه، وقد تبقى امام عملية التثبيت قرار الهيئة العامة لمجلس النواب التي كان من المفترض ان تعقد بعد أسبوع من إقرار الصيغة... 
إلا أن القضية عادت إلى نقطة الصفر، وذلك بعد أن حوّل التيار الوطني الحر عملية التثبيت إلى قضية طائفية، فخرج باسيل ليعلن أنه يجب تحقيق التوازن الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في عملية تثبيت المياومين، وتكتل مع التيار كل من حزب الكتائب والقوات اللبنانية. في 9 تموز أعلن مياومو بكفيا، عشقوت، بعبدات، زغرتا، البترون وجونية، أن تحرك المياومين عابر للطوائف، إذ قطعوا الطرقات وأقفلوا أبواب المؤسسة. في 17 تموز، أعلن المياومون حملة "الأمعاء الخاوية" مضربين عن الطعام. وبعد أيام نفذ التيار الوطني الحر مظاهرة في الأشرفية نحو مؤسسة الكهرباء، وتم الاعتداء على المياومين بالعصي والحجارة. 
بعد أيام، تم عقد "الإتفاق السياسي" بين وزير الصحة علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية والوزيرين جبران باسيل ومحمد فنيش، بالتعاون مع الاتحاد العمالي العام وبسام طليس وعلي ياسين والمسؤول العمالي في حركة أمل علي عبد الله، ونظيره في حزب الله هاشم سلهب. وتقرر فك اعتصام المياومين والجباة في مؤسسة الكهرباء يوم 3 آب، على أن يتم حفظ تعويضات الجميع عن سنوات خدمتهم في القانون، وحفظ حق جميع المياومين في الشركة في مباراة التثبيت، وإجراء مباراة محصورة في مجلس الخدمة المدنية وفق القانون الذي سيصدر وبحسب ملاك المؤسسة وحاجتها وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. وقد شدد أعضاء اللجنة العمالية أنه سيتم اجراء الامتحانات خلال 7 أشهر من فك الاعتصام. 
إلا أنه منذ 4 أيام اكتشف المياومون أن كنعان وعمار وبزي أعدوا مشروع قانون معجل مكرر يحمل تاريخ 26 حزيران 2013، لا علاقة له بالصيغة التي تم اقرارها في اللجان النيابية المشتركة. يشرح رئيس لجنة متابعة قضية عمال المتعهد وجباة الإكراء لبنان مخول لـ "المدن" أن المشروع الجديد يمنع عن المياومين الحصول على التعويضات. ويسأل: "إن كانت عملية التثبيت تخل بالتوازن الطائفي في التوظيف فهل تعويضنا عن سنوات عملنا التي تتجاوز العشر سنوات وبعضها يصل الى 20 عاماً يخل أيضاً بهذا التوازن؟". ويلفت مخول الى أن المشروع الجديد يتضمن كذلك حرمان معظم المياومين من خوض المباراة كونها محصورة بالفنيين والاداريين، كما ينص على أن المباراة ستتم وفق حاجة المؤسسة لا وفق حجم الشغور الحاصل في المديريات كافة والتي تتخطى الـ 3 آلاف مركز شاغر في حين أن من يحق لهم خوض المباراة فعلياً هم 1600 مياوم. يشدد مخول على أن المياومين عادوا الى التكتل بعد أن ابتعدوا عن بعضهم خلال الاشهر الماضية، ويضيف: "هذا المشروع لن يمر، لم يبق لدينا ما نخسره، سنحتل المؤسسة سنوقف الشركات عن العمل سنفعل أي شيء لنحصل على حقوقنا". ويشير إلى أن من نزل اليوم الى التحرك هم من كل الاتجاهات السياسية، إلا أن السياسة ليست ضمن الأجندة المطلبية، لذا سيعود المياومون إلى التكاتف من جديد وهذه المرة لن يتوقفوا عن اضرابهم الى أن يتم تثبيتهم وإقرار التعويضات العادلة لمن لم يستطع أن يدخل الملاك. ويشدد مخول على أن المياومين لن يستمعوا الى الاتحاد العمالي العام بعد اليوم "مصلحتنا تقتضي أن لا نستمع للاتحاد، فقد جربناه". 
بدوره، يشرح المياوم أحمد شعيب الذي أصيب خلال محاولته إطفاء جسد علّام أن المياومين استطاعوا الحصول على نسخة من المشروع المعجل المكرر منذ 4 أيام، ومن حينها عادوا ولمّوا شملهم لمعاودة التحركات. يشير إلى أن الإتفاق السياسي الذي وافق عليه المياومون على مضض يشمل كل المياومين في المباراة المحصورة كما يقر التعويضات لكل من يرسب في الامتحانات على سنوات عمله في المؤسسة، إلا أن المشروع الجديد لا يشمل مديرية التوزيع التي تضم أكثر من 1100 مياوم من أصل 1600 يحق لهم المشاركة في المباراة، كذلك يحرم المشروع أكثر من 99% من المياومين من أي نوع من التعويضات برغم أن عدداً كبيراً منهم قضى أكثر من 10 سنوات في خدمة المؤسسة، وعدداً من المياومين قد تعرض للتشويه والإعاقة نتيجة الصعق بالكهرباء، في حين توفي أكثر من 17 مياوماً خلال مزاولة العمل. يؤكد شعيب أن المياومين يرفضون استغلال تحركهم سياسياً، ويشدد "لن نستمع إلى أحد نحن حزب المياومين وفي 16 الجاري سيشهد لبنان يوماً أحمر إلى أن ننال حقوقنا"، لافتاً الى أن الاتحاد العمالي العام لم يتصل بالمياومين اليوم ولم يسأل عن سبب تحركنا "إذ يبدو انه في غيبوبة". 
رئيس الإتحاد العمالي العام غسان غصن يرد على سؤال لـ"المدن" حول مسؤولية الإتحاد في قضية المياومين ومواكبته لتجدد التحركات حرفياً "اقتراح القانون المعجل المكرر يحوي بنوداً ملتبسة وغير واضحة، لقد حددنا ملاحظاتنا ورفعناها وفيها إصرار على ما جاء في الإتفاق السياسي". ولكن، حين السؤال عن "نون" الجماعة في عبارة "ملاحظاتنا" يعدّل غصن كلامه "أقصد لجنة متابعة قضية المياومين، هي من وضع الملاحظات ونحن كإتحاد عمالي نتبناها". إلا أن عدداً كبيراً من المياومين يؤكدون أن غصن لم يتصل بهم ولم يسألهم عن تجدد تحركهم ولا عن المستجدات التي طرأت على قضيتهم، لا بل يشددون على أن غصن لم يواكب أصلاً إضرابهم الشهير في السابق إلا في الأيام الأخيرة حين تم فك اعتصامهم، هنا يقول غصن للعمال الذي من المفترض أنه يمثلهم "هذا كذب، أعطني أسماء من قالوا هذا الكلام، انهم كاذبون لقد واكبتهم منذ اليوم الأول من الإضراب"(!).