31‏/8‏/2013

دولة الرقيق

http://bit.ly/1475RbO
رشا أبو زكي - المدن
الإتجار بالبشر يتمدد في القطاع العام اللبناني. عمال يباعون ويشترون ويتنقلون بين متعهد آخر، كسلعة لا رأي لهم في نوع عملهم وحجم حقوقهم ولا يكون لهم أي رأي حتى في اختيار صاحب عملهم. تطلق الإدارات العامة على عملية تلزيم العمال للمتعهدين صفة: "المناقصة"، إلا أن من ينظر إلى سير العملية بعين القانون والمعايير الإنسانية لا يمكن أن يصنفها سوى تجارة رق. إذ كانت مؤسسة الكهرباء تضم العام الماضي حوالي 2300 مياوم، تم إجبار حوالي 1900 مياوم على الإختيار بين البطالة أو العمل في شركات خاصة تعاقدت معها وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، فذهب مئات المياومين الى الشركات الخاصة، في حين بقي 420 مياوماً في مؤسسة الكهرباء خاضعين لعملية بيعهم من قبل المؤسسة إلى المتعهدين. وكذلك، تضم مستشفى رفيق الحريري 650 مياوماً، لا يتمتعون بالحد الأدنى من الحقوق، يضاف إليهم 500 مياوم في أوجيرو، 270 مياوماً في الريجي، أكثر من ألفي مياوم في الوزارات، و1600 مياوم في مؤسسات المياه... وحوالي 200 مياوم في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي الذي من المفترض أن يكون راعي حقوق العمال والموظفين! 
حالة عمال الكهرباء تختصر واقع الرق في لبنان. فالـ 470 مياوماً يعيشون حالة الرق بكل تجلياتها البشعة. هم مملوكون بكل ما للكلمة من معنى من قبل مؤسسة كهرباء لبنان. الأخيرة، تقوم كل عام تقريباً بمناقصة لاستدراج عروض شراء هؤلاء المياومين من قبل متعهدين. والمتعهدون عبارة عن شركات لا تقوم سوى بإدارة عمل المياومين مقابل ملايين الدولارات المدفوعة من إدارة الكهرباء. وهكذا، يتنقل مياومو الكهرباء بين متعهد وآخر في كل عام، ويخضون لمزاجية المتعهدين إن كان في تحديد إمكان حصولهم على إجازات من عدمها، ضمان إجتماعي من عدمه، منح مدرسية من عدمها... وفي كل مرة، يدخل مياومو الكهرباء هؤلاء في الحرب التي تدور بين المتعهدين الذين يحاولون الحصول على الصفقة، فيكون المياومون دوماً كبش محرقة.
فقد كان مياومو الكهرباء خاضعين لشركة متعهد اسمها "ترايكوم" خلال العام الماضي. انتهى عقد "ترايكوم" في 29 تموز 2013، وفازت شركة أخرى بما يعرف بالمناقصة. إلا أن هذه الشركة لم تتسلم إلتزامها، ففي حين وافقت إدارة مؤسسة كهرباء لبنان على ملفها، عمل مياومو الكهرباء على تبيان الحقيقة، وهي أن هذا الملف يشوبه الكثير من العيوب الفنية والتقنية والقانونية. وصلت الشكوى إلى مدير الإستثمار والصيانة في وزارة الطاقة غسان بيضون عبر الإعلام وعبر عدد من المياومين، ليصدر بعدها قرار وزير الطاقة برفض المتعهد، والتوصية بإجراء "عقد مصالحة" تقوم على أساسه شركة ترايكوم بمتابعة عملها إلى حين إجراء "مناقصة" أخرى... 
إلا أن لعقد المصالحة أيضاً مخاطر على حقوق المياومين – الرق. إذ كيف لهؤلاء أن يحصلوا على إجازة سنوية في حين أن متعهده القديم (ترايكوم) انتهى عقده قبل حصولهم على الإجازة؟ وكيف يمكنهم الإفادة من الإجازة في ظل عقد مصالحة ينتهي فور انتهاء المناقصة الجديدة؟ كيف سيحصل هؤلاء على المنح المدرسية، وخصوصاً أن هذا الشهر هو شهر "الميم" الذي يغوص فيه اللبنانيون بأقساط المدارس والمازوت والمونة؟ هل سيتم إلغاء اشتراكهم بالضمان في حال تأخر البت بالمناقصة الجديدة أكثر من 3 أشهر؟ أما السؤال الأبرز: من سيدفع لهم رواتبهم عن شهر آب، وهم حتى اللحظة يعملون بلا "رب عمل"، خصوصاً أنه خلال العام الماضي دخل مياومو "ترايكوم" في السيناريو ذاته بعد اشكالات اعترضت عملية تلزيمهم للمتعهد، فتقاضو راتب الشهر الأول من العمل مع المتعهد الجديد بعد ثلاثة أشهر من عملهم. وهنا، هل ستعطف مؤسسة الكهرباء على "رقيقها" فتدفع لهم الرواتب من صندوق المؤسسة إلى حين انتهاء صفقة تأجيرهم لمتعهد جديد؟ 
وبالتزامن مع هذه التساؤلات، وبعد منع المتعهد الذي فاز بالمناقصة الأخيرة من مزاولة إلتزامه، لا بد من مساءلة المراقبين الماليين في مؤسسة الكهرباء والتفتيش المركزي عن سبب تمرير ملف هذا المتعهد برغم كل الشوائب الموجودة في ملفه. كذلك، لا بد من سؤال عدد من المياومين عن سبب استمرار تقيّدهم بقرارات الفوضى والفساد التي يعممها عدد من المكاتب العمالية في الأحزاب اللبنانية. فالمكتب العمالي في حركة أمل مثلاً بيّن خلال كل الفترة الماضية اهماله لمطالب من أعلن يوماً أنه سيفك اعتصامه في المؤسسة نتيجة ثقته بإيصال الملف إلى مرحلة تثبيت كل المياومين. والمكتب العمالي في التيار الوطني الحر بيّن خلال عام كامل أنه غير معني بحقوق من طالبهم يوماً بالصمت وعدم المشاركة في التحركات لقاء تثبيتهم في المؤسسة. والمكاتب العمالية في حزب الله وتيار المستقبل وغيرها من الأحزاب أكدت وبأدلة قاطعة على أن مصالحها تتعارض بالمطلق مع مصالح المياومين. أما لجنة متابعة قضية عمال المتعهد وجباة الإكراء في مؤسسة الكهرباء، فقد غرقت في الشعارات الفارغة والتحركات غير المجدية والاستجابة لدعوات التفرقة بين المياومين للعب أدوار البطولة وفق مبدأ "فرق تسد". وهنا، لا حاجة للعودة إلى قصور الإتحاد العمالي العام عن القيام بدوره، فهو قد أثبت بالوقائع والبيّنات أنه ذنب السلطة لا أكثر. 
أما وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، فقد أطلق على المياومين العام الماضي صفة "زعران" كونهم يرفضون دخول شركات مقدمي الخدمات إلى مؤسسة الكهرباء. ويوم الخميس وصف شركات مقدمي الخدمات بأنها فاشلة، فهل المشكلة بالمياومين، الشركات أم أن المشكلة ترتبط مباشرة بفشل في إدارة القطاع التي يعتبر الوزير من أبرز أركانها؟ 
لا بد من العودة إلى أصل المشكلة، والمشكلة في الأصل احترام حقوق الناس، كل الناس، حينها يمكن مطالبة الحكومة ووزرائها والنقابات واتحاداتها بالقضاء على الرق في الإدارات العامة، وكف يدهم عن تجارة الرقيق قولاً وفعلاً، والإمعان في غض الطرف عن أسواق النخاسة القائمة، لكي يخرج كل هؤلاء من لائحة التاريخ الأسود للبنان.  
 

28‏/8‏/2013

سقوط مشاريع باسيل

http://bit.ly/1fnpFaJ
رشا أبو زكي - المدن 
5311

باسيل يعلن فشل شركات مقدمي الخدمات (علي علوش)

ظهر يوم الخميس، كان من المقرر أن يفتتح وزير الطاقة جبران باسيل صالة الزبائن في مؤسسة الكهرباء، بعدما وعدته شركات مقدمي الخدمات الثلاث بالانتهاء من الأعمال في الصالة بموعد لا يتعدى  18 حزيران الماضي. وصل باسيل إلى مبنى المؤسسة، فكانت في انتظاره الكابلات الموزعة على الأرض والكثير من الفوضى وبقايا الخشب، وصالة تحتاج إلى الكثير من العمل لكي تصبح صالحة للإستخدام. غضب باسيل، لم تدم جولته في أقسام المؤسسة 10 دقائق، ليدعو بعدها لجنة إدارة شركات مقدمي الخدمات إلى إجتماع فوري. في الإجتماع، غص أعضاء اللجنة بكلماتهم، وباسيل لم يتوقف عن توجيه أقسى العبارات إليهم، تبدأ بالتقصير ولا تنتهي عند حدود فشل المشروع. 
ولكن، هل فعلاً باسيل لا يعرف أن مشروع شركات تقديم الخدمات فشل قبل أن يبدأ؟ هل مستشارو باسيل ورئيس مجلس ادارة مؤسسة الكهرباء وأعضاء المجلس أغفلوا إعلامه بحال الصالة قبل وصوله؟ وهل الجولة الإستعراضية التي قام بها تخبىء قضية أخرى؟ طبعاً، اليوم هو 29 آب 2013، اليوم هو التاريخ الموعود لإنطلاق عمل باخرة الكهرباء الثانية "أورهان بيه" التي تأخرت عن الوصول إلى لبنان أكثر حوالي شهرين عن المدة المحددة في العقد الموقع بين شركة كارادينيز ووزارة الطاقة. وفي هذا اليوم، الذي كان من المفترض أن يعلنه باسيل محطة لتوبيخ الشركة التركية على التأخير الإضافي، وإعلان فشل مشروع البواخر وتحديد حجم الغرامات التي تطال الشركة التركية، خرج باسيل بسيناريو آخر، وهو إعلان فشل مشروع مقدمي الخدمات، ومطالبة مؤسسة الكهرباء بتغريمها!
فقد أكدت مصادر "المدن" أن الباخرة الثانية لن تعمل قبل منتصف أيلول المقبل، بعكس بعض التقارير الإعلامية التي صدرت في صحف يوم الخميس، فالعمود الذي يصل الباخرة بشبكة الكهرباء أصبح جاهزاً، إلا أن الكابلات لم يتم المباشرة بعملية تمديدها بعد. علماً، أن "أورهان بيه" وصلت إلى لبنان في 13 آب، وأكدت شركة الكهرباء حينها أنها ستبدأ العمل بمهلة أقصاها نهاية الشهر الجاري. إلا أن المصادر المسؤولة ذاتها في شركة الكهرباء، أبلغت لـ "المدن" أن الباخرة لا تزال في مرحلة التجارب الأولية ومن الممكن أن تبدأ الإنتاج التجاري خلال أسبوع وحتى منتصف أيلول المقبل".
أما من جهة شركات مقدمي الخدمات، فقد أدى فشل عملها المتواصل إلى وضع باسيل في خانة الإحراج، ما دفعه اليوم إلى الإعلان أن "المشروع له أهداف أولها أن يُحسّن الخدمة للمواطنين وبالتالي أن يزيد المداخيل إلى مؤسسة كهرباء لبنان إن عبر الجباية أو عبر نزع التعديات؛ كما وبتركيب الشبكة الذكية التي تؤمن مرونة في الخدمة، وفي مجالات كثيرة في طريقة إستخدام الكهرباء وحسن الإدارة لشبكة التوزيع، وعقد إستثمارات كبيرة بحيث يُصبح لدينا شبكة حديثة".
 وتابع:" إن هذا الأمر بالطبع لن يتم منذ السنة الأولى، إنما بالإمكان قياس كيفية سير المشروع حيث أننا لن نسكت ونتفرج على هذا الوضع كيفما كانت المسؤوليات وكيفما توزعّت حيث أن المقصّر سيتحمل المسؤولية؛ ومن أجل ذلك عقدنا هذا الإجتماع اليوم ونطالب أولاً أنفسنا ومؤسسة كهرباء لبنان والإستشاري بأن يبلغوننا بشكل رسمي من الغرامات التي تُفرَض على الشركات عندما تُقصّر في مهماتها وفي تطبيق العقد، لأننا لن نقبل بعدم فرض غرامات تباعاً على التأخير بتركيب عدّاد أو ساعة أو ورشة أو ترانس أو عمود او غيره، أي باختصار على مؤشرات أداء لا يتم إحترامها". ولفت إلى إعطاء الفرصة لإجراء التصحيح اللازم حتى منتصف أيلول "وقد إتفقنا منذ آذار المنصرم أن يكون 8 آب موعداً جديداً لحسم الأمور ونحن اليوم في أواخر شهر آب والأمور ليست على السكة الصحيحة".
وفي حين أن الشركات لم تنفذ حتى اليوم غالبية بنود العقد، ولم تحسن في الجباية ولا في ايرادات مؤسسة الكهرباء، وفي ظل معاناة المواطنين من تأخير المباشرة في إصلاح الأعطال خلافاً للفترة التي كانت معتمدة قبل دخول الشركات الخاصة الى مؤسسة الكهرباء، حاول باسيل التخفيف من وطأة فشل مشروعه، معتبراً أن للمشروع إيجابيات:" يمكننا القول أن مكتب الكهرباء قد تحسن بجزئيات معينة وأصبح لدينا سيارات أفضل، وهناك مسح لأماكن معينة وعمل وأرشفة وتحضير للشبكة الذكية وتحضر لقراءة عدادات". وقد أكدت مصادر "المدن" أن كل ما تحدث عن باسيل في ما يتعلق بالإيجابيات ليس واقعياً، إذ أن "أسطول السيارات لم يتحسن، ويوجد سيارات في المؤسسة لم تخضع للصيانة منذ أشهر، في حين أن إحدى شركات مقدمي الخدمات يقوم كل أسطولها على سيارات مستأجرة". وتابعت المصادر "أما مكتب الكهرباء فهو لم يشهد أي تحسن، وتحضيرات الشبكة وقراءة العدادات لا تزال على حالها".
هكذا، يشهد اللبنانيون في العام 2013، مرحلة انتكاسة مشاريع الكهرباء، وإعلان فشل "خطة الكهرباء 24/24" التي أطلقها باسيل، بعد معارك ضارية مع الوزراء ورئيسهم وبعدما وضع باسيل اللوم في عرقلة الخطة على كل شيء حتى المواطنين الذين "يسرقون" الكهرباء، لا وأيضاً بعد رصد مليار و200 دولار لتنفيذ الخطة. لتكون النتيجة أن عرقلة الكهرباء مجدداً: "منها وفيها".

حرب بين مافيات الحرب

http://bit.ly/15kkEde
رشا أبو زكي - المدن 
 منذ انتهت الحرب الأهلية، تموضعت المليشيات في خنادق الإقتصاد. فقد شهدت فترة التسعينات إعادة توزيع لمرافق الدولة، باعتبار أنها مغانم حرب. ومع استمرار الوصاية السورية على لبنان، بقي جزء من هذه المغانم مرصوداً لأركان الوصاية، ليصبح احتلال الادارات والوزارات والسيطرة على آلية الإنفاق وعوائد المشاريع الكبرى التي أعقبت حرباً أهلية مدمرة، واقعاً مدموغاً بأعراف تحولت بدورها إلى ما يشبه القوانين الملزمة. وفي ظل السيطرة المطلقة على القطاع العام، ونتيجة تهالكه بفعل تحويله إلى صندوق صفقات مالية ومركز توظيف للأحزاب، ونتيجة ضعف الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، خلقت المليشيات سوقاً موازية تقوم على الأعمال غير القانونية، والتي تؤمن الربح السريع وتراكم الثروات، بموازاة احتواء الجماعات اللبنانية الموزعة مذاهب، عبر مجموعة من الخدمات المباشرة التي تخص أكثر الحاجات المعيشية طلباً من المواطنين.
ومنذ انتهاء الحرب، سعت المليشيات إلى تحويل نفسها إلى مافيا متوائمة إقتصادياً ذات رؤية احتوائية واحدة، برغم الخلافات السياسية. هكذا، أصبحت هيكلية المجتمع اللبناني مربوطة من أسفلها إلى أعلاها بحزام مصلحي واحد، تعقده مجموعة من المسيطرين على السلطة السياسية والإقتصادية، ولا تفكه أي قوة خارجة عن هذا الوثاق. كون القوة المفترضة هذه، ضعيفة حكماً أو مرتهنة أو تابعة كهوامش سياسية لأصحاب القرار الفصل. تحت هذا الواقع، أصبح المواطنون اللبنانيون بسوادهم الأعظم مرتبطين بشكل مباشر بحكم المافيات، وموافقين على كل تدابيره العدائية تجاه مصالحهم، وأحياناً مصفقين لهذه التدابير. من المواطنين ما يدين للزعيم بوظيفة، وآخرين بمخصصات انتخابية، وآخرين بخدمات اجتماعية تبدأ بالإنفاق النقدي المباشر وتصل إلى الإستشفاء والدواء والتسويات العقارية والضريبية وغيرها. 
لم تعد حالة التمذهب الديني مجردة عن العائدات النقدية والعينية والمعنوية التي يتلقاها المواطن، إذ تحولت إلى أسلوب حياة يومي، يفيق فيها الطفل من نومه، يأكل من مال الوظيفة التي أمنها الزعيم لوالده. يذهب إلى المدرسة التي أنشأها الحزب أو الكنيسة أو المرجع الديني. يستخدم القرطاسية التي وزعتها الجمعية المذهبية. يتلقى الدروس الدينية و"المدنية" التي تشكّل وعيه الفئوي. يدخل وأهله إلى المستشفى التابع للجهة الدينية أو الحزبية، أو عبر وساطة الزعيم. يحصل على الكهرباء والمياه والقنوات الفضائية من الشخص الحزبي الذي يمتلك المولد الكهربائي في منطقته. يحصل على المحروقات والخبز والمواد الغذائية والسيارات من المستورد الذي يكون الزعيم شخصياً أو شخصاً يستفيد هو الآخر من رأفة الزعيم. يقترض من مصرف يساهم فيه الزعيم، ليشتري بيتاً تسوق له الشركة العقارية التابعة للزعيم. وإذا أراد الترفيه عن نفسه، يدفع تذكرة الدخول إلى البحر الذي سرقه الزعيم. أما اذا تعرقلت معاملاته، فيتصل بالزعيم لإجراء التسوية أو تمرير الصفقة... وحين ينجب طفلاً يطلق عليه اسم الزعيم. 
وفي حين تدخل الزعامة في حياة اللبناني بشكل محكم، تقرر ميليشيات الحرب التي تسيطر على السلطة آلية عمل الإقتصاد اللبناني. إذ من الغريب أن لا يعمل أي زعيم سياسي – مذهبي – طائفي – عسكري، برغم الثروات الطائلة، على إنشاء معمل أو مشروع يمكن أن يشغل الشباب في مناطق الأطراف مثلاً. وليس في الغرابة عجب، كون تحقيق الإستقلالية المادية للمواطنين يكسر بعضاً من السيطرة الزعاماتية على الأفراد، إن كان من ناحية خفض التذلل والتبعية للحصول على وظيفة عامة ذات مدخول منخفض يزيد من نسبة الفساد الإداري وتدمير القطاع العام، أو من ناحية خفض سطوة المقابل المالي للتفرغ في الأحزاب والمشاركة في قطع الطرقات والأعمال الحربية، أو من ناحية خطورة خلق حلقة إنتاجية من الممكن أن تتطور إلى حالة اعتراضية مطلبية أو نقابية في وجه الزعيم. وتستتبع الحلقة الإقتصادية الزعاماتية بإقصاء وتجريد الحالة الإعتراضية من قوتها، عبر السيطرة شبه المطلقة على القرار النقابي كما هو حاصل في ما يتعلق بالإتحاد العمالي العام، وفي تقويض الحركات العمالية والمطلبية، كما حصل مع عمال "سبينس" والمياومين وهيئة التنسيق النقابية. 
وبعد، لماذا تعتبر الهيئات الإقتصادية إذن، أن حالة الحرب التي نعيشها والتي تتطور يومياً معادية لمصالحها، فتدعو إلى الإضراب والتحرك مطالبة بتشكيل حكومة قبل الإنهيار التام للدولة؟ الأسباب كثيرة، وهي لا تتعلق حصراً بانخفاض العائدات الربحية لأصحاب المليارات في المصارف والشركات العقارية. فمنذ العام 2005، تغيّر عدد من ركائز الوثاق الذي يربط هيكل الإقتصاد اللبناني. وفي ظل محاولات التيار الوطني الحر الاستحواذ على القرار الإقتصادي الذي سيطر عليه تيار المستقبل بقرار من الوصاية السورية، أعادت الحكومة الأخيرة توزيع المغانم بشكل ممنهج على التيارات السياسية المشاركة فيها، ومددت شرايينها أكثر في صلب الأسواق كافة على حساب طبقة رجال الأعمال الجدد والكارتيلات المافيوية التي تشكلت في مرحلة ما بعد الحرب. وهم بطبيعة الحال يدورون في فلك تيار المستقبل وحلفائه. واستمرار واقع اللاحكومة، أو بالأحرى تثبيت حكومة تصريف الأعمال بقواها السياسية والحزبية كواقع مفروض في حال وقوع الإنهيار التام للدولة، سيجعل من الحرب المقبلة ساحة توزيع جديدة لمغانم الحرب، وسيكون فيها المقصيون سياسياً، مقصيّين إقتصادياً عن الإفادة من انتعاش سوق الحرب. وكيف إذا كان النفط والغاز جزءاً من المغانم المقبلة؟
 

26‏/8‏/2013

يخرّبون ثم يستنكرون

http://bit.ly/14y6uJP
رشا أبو زكي - المدن 
  بعد إجتماع مطوّل و"طارىء"، خرجت الهيئات الإقتصادية ببيان مساء الإثنين. بيان صادر عن تجمّع يضم فئة أصحاب العمل في كبريات المؤسسات اللبنانية، ولكنه لا يحمل أية مطالب إقتصادية، ولا يحمل ولو رؤية واحدة يمكن أن تنتشل البلد من التدهور المعيشي والإجتماعي والإقتصادي الذي يعيشه. من السطر الأول حتى الأخير، ترمي الهيئات الإقتصادية كل "البلاوي" على الوضع السياسي والأمني. لولا التفجيرات، لولا الخلافات السياسية، لولا السيارات المفخخة، لكان وضعنا الإقتصادي "تمام". أما دعوة الهيئات لـ"الإضراب العام" في 4 أيلول المقبل، فهي متوقفة على تشكيل الحكومة قبل هذا التاريخ. 
هي كلمات متوقعة في بيان متوقع، فالمجتمعون لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من الأزمة، لأن البلاد، وفق البيان، "احوج ما تكون الى حكومة، تعمل في الدرجة الأولى على ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعالج الملفات الاقتصادية والاجتماعية العالقة". أما تهديد "بنية الوضع الإقتصادي"، فناتج فقط عن "الركود الذي تعيشه الأسواق من جهة، وغياب المستثمرين والسياح العرب والأجانب من جهة أخرى". هكذا، بكل بساطة، تخرج نخبة رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات بتحليلها السطحي الذي عقب اجتماعاً طارئاً بخلاصة مقتضبة: وجود الحكومة ومجيء السياح، سينزع عن "البنية الإقتصادية" خطر الإنهيار. 
قبل عام، وصل عدد السياح الى مليون ونصف المليون سائح، وقبل عام، لم يكن هنالك تفجيرات، حينها، كانت البنية الإقتصادية، وفق تصريحات الهيئات الإقتصادية، مهددة أيضاً. السبب ليس سياسياً وإنما معيشي ومطلبي. فقد كانت هيئة التنسيق النقابية التي تطالب بإقرار حقها الطبيعي بسلسلة الرتب والرواتب "تهدد" بنية اقتصاد الأثرياء. والتهديد هنا يعود الى مطالب تمويل السلسلة من فتات الفتات الذي تحصله المؤسسات الكبرى من أرباحها المهولة. ومنذ فترة، أعلنت الهيئات الإقتصادية أن إضراب واعتصامات أساتذة لبنان وجميع موظفي الإدارات العامة والوزارات والتي طالت أشهراً عديدة "لا يهدد إقتصادنا بقدر التهديد الذي سينتج عن إقرار سلسلة الرتب والرواتب". الهيئات الإقتصادية هي من أضعف قوة الإضراب، أي إضراب، وهي من اعتبرته شأناً فئوياً لا وزن له في إقرار السياسات أو فرضها. وهي من اعتبرته في إحد بياناتها مهزلة ولا يؤثر على السياسات العامة في البلاد. فما الذي دفع الهيئات للتلويح بالإضراب وليوم واحد، باعتبار أنه تحرك ضاغط؟ يمكن الإعتبار أن لجوء الهيئات للإضراب، يأتي في سياق مقولتها الشهيرة رداً على الحكومة التي أبدت نيّة في إقرار السلسلة: "نحن نُطاع ولا نطيع". وكأن سياسيّي لبنان وخلافاتهم، والمفجّرين وعبواتهم، وتدخلات العالم بهز الرأس صعوداً أو نزولاً للموافقة على تشكيل الحكومة اللبنانية من عدمها، كلها ستذعن وترتبك وتعلن الوئام فوراً لأن الهيئات الإقتصادية تهدد بالتوقف عن العمل يوماً واحداً.
أمّا عن الأزمة الإقتصادية، فتشريحها ليس من مهام الهيئات التي ترفض حتى الحديث عن أزمة بنيوية تعصف باقتصاد لبنان منذ سنوات طويلة والتي تهجر الشباب وتدمر القطاعات المنتجة وتجعل من لبنان جزيرة معزولة عند كل أزمة. ولا من مهام الحكومة الرافضة لأي تغيير في النظرة الى الاقتصاد والمجتمع، كونها خاضعة للهيئات، فيما جزء من وزرائها أعضاء مستترون وعلنيون في تجمع الهيئات. ولا من مهام المصارف التي تمتص ايرادات الدولة كلها لتغذية أرباحها، عبر تمويل الدين العام بفوائد ذات نسب قياسية. ولا من مهام التجار الذين يعتبرون أن اقتصاد لبنان يدور حولهم ومن أجلهم. ولا من مهام الصناعيين الذين يتهافتون على الإحتكار لتصغير السوق وضمان الهيمنة عليه. ولا من مهام المستوردين الذين يغرقون الأسواق اللبنانية بوكالات حصرية وشبه حصرية، مفتعلين نسب تضخم قياسية تخفض من القدرة الشرائية والانتاجية والاستثمارية في آن... تشريح الأزمة الإقتصادية مهمة محصورة بالمواطن اللبناني، الخاضع لكل هذه المنظومة، يحللها، يفككها، ويعود عنصراً غير فاعل إلا بالإستهلاك. 
انتهى البيان. المسؤولون عن الأزمة الإقتصادية في لبنان يستنكرون وجود الأزمة. تماماً كرؤساء الحكومة والجمهورية ومجلس النواب وزعماء الأحزاب أجمعين، الذين يخلقون الأزمة السياسية ومن ثم يشجبون تعاظمها. تماماً كما وزراء الداخلية والدفاع والمسؤولين الأمنيين الذين يأسفون لوجود أزمة أمنية. تماماً كما رجال الدين الذين يضخون سموم التفرقة في عقول اللبنانيين ومن ثم يدعون إلى "وأد الفتنة". هي الفوضى، وهو بلد يسيطر عليه مسؤولون "شغلتهم" تخريب كل شيء، وبعدها يلبسون ربطات العنق ويقولون: لم يتبق أي شيء.

16‏/8‏/2013

إنفجار بألف حكاية

http://bit.ly/16QbzLS
رشا أبو زكي- المدن
الإنفجار ليس حرباً بين فريقين يتواجهان بالسلاح. الشوارع ليست ساحة حرب. الشهداء والجرحى والمفقودون ليسوا أطرافاً في معركة دائرة. في الضاحية الجنوبية لبيروت يعيش مئات الآلاف من البشر. في هذه البقعة الفقيرة من بقاع الفقر المتناثرة على مساحة لبنان لا يمكن اسقاط مفردات وتوصيفات ومرجعيات سياسية عامة على كل السكان. هنا، الكثير من السكان لهم رأي في المقاومة وفي حزب الله كمرجع سياسي يؤمنون ويثقون به. لكن هنا، لا سلاح إلا بيد الحزبيين. 
هي ليست معركة دائرة، ولا يمكن لأي فريق رفع شارة نصر، لا فرحاً بقتل "أعداء" ولا للتعبير عن تضامن يرمز إلى الصمود. هي جثث مدنيين لا يحملون بأيديهم سوى أصابع تكد لتحصّل قوتها اليومي. هم شبان وشابات وآباء وأمهات وأطفال ماتوا من دون أن يكون لهم أي رأي أو توقعّ لمكان وزمان موتهم. وكونها ليست معركة، لا يمكن لمنفذ الإنفجار إلا أن يكون مجرماً بلا قضية، يحمل كل الصفات التي لا تنطبق على التوصيف الإنساني بشيء، أو أن يكون مجرماً مؤمن بفكر لا يقل إجراماً عما اقترفته يداه. 
موقع الإنفجار يحكي ألف حكاية، عن أبنية متلاصقة تغتنم كل متر أرض ليسكن أهلها تحت سقف بيت. عن طفلة كانت تلهو بشعرها في الشارع. عن أب كان يبتاع الخبز لأطفاله. عن أم كانت تغني بأذن طفلها في البيت، لينام. عن شاب كان يبتسم لحبيبته ويعدها بلقاء قريب. عن عائلة كانت تشاهد أحد المسلسلات التلفزيونية بهدوء وفي المنزل المجاور شابة تلعن انقطاع الكهرباء. أما مستشفيات الضاحية، فتجتمع فيها مئات القلوب. قلوب تنبض وأخرى سرق مجرم نبضاتها. قلوب تبكي ويهوي أصحابها من شدة الحزن، وأخرى تطمئن إلى حبيب أو قريب أو صديق. هنا الضاحية، حيث الإنسان يفقد جزءاً من كينونته، لأنه وجد في بقعة من بقاع الفقر، لأنه تربّى على الثقة بزعيم وحزب، وكبر مع حقيقة يعتبرها مطلقة. هي الضاحية، حيث الموت رمادي لا أسود، حيث الركام يكاد يصبح جزءاً من جسد سكانها.

13‏/8‏/2013

الباخرة الثانية: عُقد خفيّة

http://bit.ly/146RTkE
رشا أبو زكي - المدن
4973

باخرة الكهرباء الثانية في دوامة تأخير جديدة؟ (عزيز طاهر)

وصلت باخرة الكهرباء الثانية "أورهان باي" الى مرفأ الجية صباح الثلاثاء بعد تأخير دام حوالي الشهرين، إذ كان من المتوقع أن تصل في 25 حزيران الماضي. إلا أن بواخر الكهرباء التي ارتبطت منذ اليوم الأول من تشغيلها بفضائح قانونية في باكستان، وفي ما بعد بمخالفات إجرائية وتنفيذية في لبنان استدعت تدخل الأجهزة الرقابية اللبنانية (...) يبدو أنها لن تخرج من دوامة "العقد الخفية". 
تشير معلومات "المدن" إلى أن الباخرة لن يتم وصلها بالشبكة الكهربائية مباشرة، وإنما ستبقى متوقفة عن العمل قسراً لفترة قد تمتد إلى منتصف أيلول المقبل. اما السبب فهو العمود الذي يصل الباخرة عبر كابلات التوتر إلى الشبكة اللبنانية وقد تم إنشاؤه في مكان خطأ، أو بالأحرى في المكان الذي سيتم إنشاء مجموعات الكهرباء التابعة للمعمل الجديد في الجية. وقد تم وضع العمود في هذا المكان منذ حوالي الشهر ونصف الشهر وفق خرائط تسلمتها الشركة المنفذة وتضمنت معلومات خاطئة. وبرغم تأخر الباخرة، وبرغم معرفة كل من وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء بأن عمود الكهرباء هذا سيسبب مشكلات تشغيلية تطال عمل باخرة "أورهان باي"، إلا أن عملية نقل العمود إلى مكان آخر بدأت منذ يومين فقط.  وهنا تكثر الفرضيات.
يقول وكيل شركة كارادينيز رالف فيصل لـ"المدن" أن هذا العمود لن يؤثر حالياً على عمل الباخرة، وأن تأخير بدء الباخرة في امداد لبنان بالطاقة يعود الى اجراءات روتينية لتركيب الكابلات على الأعمدة والقيام بتجارب عادية وفق العقد الموقع. ويضيف: "العمود الموضوع بالمكان الخطأ في الجية سيتم وصله بالباخرة، وسيبقى إلى أن تبدأ الشركة الدانمركية في انشاء المعمل الجديد". وتؤكد مصادر مؤسسة الكهرباء على كلام فيصل، مشيرة إلى أن الباخرة الثانية ستبدأ انتاجها في مطلع أيلول المقبل. وتلفت إلى أنه من المفترض أن يتم انجاز نقل العمود إلى مكان آخر قبل أيلول، وبالتالي لن تؤثر هذه العملية على استمرارية انتاج الباخرة للكهرباء. 
إلا أن مصادر مطلعة تشير لـ"المدن" أن عملية نقل العمود ووصله بالباخرة لن تنتهي قبل أيلول، وأن الشركة التركية "كارادينيز" ستضع اللوم على الدولة اللبنانية في تأخير مباشرة الباخرة الثانية عملها. ووفق العقد، ستطالب الشركة بتعويض تأخّرها، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى القيام بتسوية مالية بين الدولة اللبنانية والشركة التركية، بحيث يتم خصم الأموال التي ستطالب بها الشركة التركية من الغرامات المفروضة عليها بفعل تأخرها عن الوصول إلى لبنان. علماً أنه كان من المفترض أن تصل باخرة "أورهان باي" إلى لبنان في 25 حزيران الماضي وفق العقد الموقع بين الشركة التركية ووزارة الطاقة اللبنانية، إلا أنها تأخرت عن الوصول في مخالفة واضحة لبنود العقد. في حين أعلنت الأجهزة الرقابية والقضائية في لبنان أن الشركة التركية خالفت بنود العقد حين توقفت باخرة "فاطمة غول" عن العمل في الفترة السابقة، وطالبت وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء بالحصول على تعويضات من الشركة التركية لمصلحة الدولة اللبنانية. 
وقد أعلنت شركة كارادينيز في بيان لها اليوم الثلاثاء وصول باخرة الطاقة الثانية إلى لبنان "أورهان باي" التابعة لأسطول "كاربورشيب"، وستكون جاهزة للعمل خلال الأسابيع المقبلة، بعد إتمام أعمال وصلها بمعمل الجية بمجهود مشترك من "كاربورشيب" وشركة "كهرباء لبنان". وجاء في البيان: "إنفاذا للإتفاق الموقع بين وزارة الطاقة والمياه اللبنانية وشركة "كاربورشيب"، وفي إطار مشروع "طاقة الصداقة" وبعد قدوم الباخرة الأولى "فاطمة غول سلطان" خلال شهر آذار الماضي والتي توفر حالياً طاقة من 188 ميغاواط، وصلت "أورهان باي" لتكملة المشروع الذي يوفر 270 ميغاواط. وذلك حسب الاتفاق المبرم مع الحكومة اللبنانية". وستعمل الباخرة الثانية قبالة معمل الجية، في حين تنشط باخرة "فاطمة غول سلطان" مقابل معمل الزوق منذ 5 أشهر. وبوضع اللمسات الأخيرة في الجية، يتوقع القيمون أن تباشر "أورهان باي" توليد التيار الكهربائي في غضون أسابيع. ويشير العقد الموقع بين وزارة الطاقة والمياه اللبنانية ممثلة بوزير الطاقة جبران باسيل، أن "كاربورشيب" تضمن فعالية وجهوزية بواخرها، في حين تقع مسؤولية تأمين الفيول على عاتق شركة كهرباء لبنان.

6‏/8‏/2013

من يراقب مناقصات الكهرباء؟

http://bit.ly/158iMUz
رشا أبو زكي - المدن 
4876

صراع على الإلتزامات يهدر حقوق المياومين (ريشارد سمور)

 يصبح عمال المتعهد في مؤسسة كهرباء لبنان على أزمة ويمسون على أزمة أخرى. والأزمة هنا تطال حقوقهم المكتسبة والمقرة في قانون العمل. إذ تعمل الشركات المتعهدة على حرمانهم من العطل والرواتب المنتظمة، بالإضافة الى مشكلات دائمة تتعلق بدوام العمل. إلا أن مشكلة جديدة بدأت في مؤسسة الكهرباء، حيث برزت خلال الشهر الماضي مشكلة تتعلق بالمتعهد الجديد الفائز باستدراج العروض لتقديم يد عاملة لمؤسسة الكهرباء وهو ابراهيم الموسوي صاحب شركة المتحدة للتجارة. وفي حين تشير المعلومات إلى أن "مؤسسة الكهرباء أجازت لشركة غير مؤهلة الفوز بالتزام تقديم العمالة، وأن المتعهد الجديد تلاعب بإفادات عمله السابق"، يقول الموسوي أن هذه المعلومات غير صحيحة... 
الأكيد أن هذا الخلاف وصل إلى إدارة مؤسسة الكهرباء، إلا أن أحداً من أعضائها لم يوضح لغز الصراع. ماذا عن التفاصيل؟ 
أجرت مؤسسة الكهرباء استدراج عروض في 1 حزيران الماضي لتقديم يد عاملة داعمة للمؤسسة، وحددت تاريخ انتهاء مهلة تقديم العروض في 19 حزيران. وعليه، فازت شركة "المتحدة للصناعة والتجارة والمقاولات" بالاستدراج، على أن يتم صرف 7 مليارات و394 مليون ليرة لبنانية من موازنة المؤسسة. وطلبت المؤسسة من وزير الطاقة والمياه المصادقة على الصفقة. 
تقول مصادر مطلعة في شركة البنيان التي صرف منها الموسوي منذ 6 أشهر، أن مؤسسة الكهرباء استندت إلى افادات عمل تقدم بها الموسوي بوكالته عن شركة البنيان. وتوضح هذه الإفادات أن العارض ليس منفذ مشاريع في المؤسسة، وإنما موظف عادي لديه وكالة عمل من صاحب شركة البنيان، يقوم على أساسها بمتابعة المعاملات مع الشركة. واللافت أيضاً أن إفادات تنفيذ الأشغال الصادرة عن مؤسسة الكهرباء تضع صفة "مهندس" للموظف، برغم أنه ليس مهندساً. أما الأكثر اثارة للإستغراب، وفق المصادر، هي إفادة من شركة البنيان تعدد فيها المهام التي تدرج فيها الموسوي، على أنه كان منذ العام 2004 مديراً للمشاريع، في حين تؤكد مصادر مسؤولة في الشركة ذاتها أنه أي مسؤول في الشركة لم يصدر إفادة عمل بهذا الخصوص بعدما تم صرف الموسوي من عمله. في حين أن الإفادة الموجودة في ملف الموسوي والمقدمة الى مؤسسة الكهرباء ليست صحيحة. 
إلا أن الموسوي يعتبر أن ما يقال هو اتهامات لا أكثر. ويشرح لـ "المدن" أنه كان يوقع على الفواتير باسمه كمدير للمشاريع، وأن إيراد عبارة "مهندس" تتحمل مسؤوليتها مؤسسة الكهرباء لا هو. ويشير الموسوي إلى أنه لم يقم بأي تزوير وأن "شركة الكهرباء كلها تعرفني وتعرف أنني كنت مدير مشاريع في شركة البنيان قبل صرفي منها". ويلفت إلى أن الوكالة التي يعمل بموجبها ليست سوى اجراء إداري ضروري يفوض أي مدير للمشاريع توقيع المعاملات والفواتير باسم الشركات وبالتالي هي لا تنفي الوظيفة الادارية التي كان يقوم بها. 
في المقابل تشير مصادر "البنيان" إلى أن توقيعه على المستندات جاء نتيجة الوكالة الممنوحة له من صاحب الشركة وأنه لم يكن مديراً. بينما يستوجب دخول المناقصات واستدراج العروض أن يتم تقديم إفادة باسم شركة العارض توضح خبرات شركته الخاصة التي يتبين أنها محصورة بشركة واحدة، لا أن تكون الإفادة باسم شركة كان يعمل بها سابقاً. وتسأل مصادر مطلعة على الملف: "لماذا لم يتحرك التفتيش المركزي للتحقق من صحة هذه الإفادات؟ ولماذا وافقت ادارة المناقصات في مؤسسة الكهرباء على ملفات ناقصة؟". وتطالب المصادر بتحرك أجهزة الرقابة بهذا الشأن لتبيان الحقائق في هذا الملف. 
وفي كل هذا الملف، يبقى المياومون العاملون لدى المتعهد في مؤسسة الكهرباء، والذين تتناقلهم شركات المتعهد كآلات منتجة للأموال، تحت خطر زهق حقوقهم في كل مرة يتم فيها تغيير الشركة.
 

1‏/8‏/2013

بلد الظل

http://bit.ly/16b9ud6
رشا أبو زكي جريدة المدن
يُطلق على السوق السوداء العديد من المصطلحات. تسمى اقتصاد الظل، الاقتصاد المغمور، الاقتصاد السري، الاقتصادي الموازي، الاقتصاد غير الرسمي... يمكن تعريف هذا النوع من النشاط الاقتصادي على أنه يقوم على علاقات اقتصادية لا تخضع لسلطة وقوانين الدولة، ولا تخضع لأي نوع من الرقابة ولا تستفيد الدولة بأي شكل من عائداتها المالية. وفق هذا التعريف يمكن اعتبار لبنان كله بلد ظل. فالسوق السوداء تطال كل القطاعات الإقتصادية، بدءاً من أقراص الموسيقى وصولاً الى كافة الخدمات التي من المفترض أن تكون عامة: انترنت، ستالايت، مياه، كهرباء، دواء، طعام... وهذه السوق أكبر من السوق الرسمية، وأكثر انتشاراً في المجتمع الأفقي والعمودي على سواء. 
لا شك أن الفساد يكاد يصبح من البديهيات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان. ومؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية العالمية لهذا العام يؤكد المؤكد. لكنه يضيف على المؤكد ما هو أكثر سوءاً من الفساد نفسه، وهو انعدام أمل اللبنانيين بأي تغيير يمكن تحقيقه على صعيد الفساد. صحيح أن 68% من اللبنانيين المستطلعين في دراسة المنظمة قالوا أن الأحزاب والمؤسسات الرسمية والخاصة والقطاعات العامة والعاملين فيها كلهم فاسدون، إلا أن 10 في المئة فقط من هؤلاء اعتبروا بثقة أنه يمكن احداث تغيير في الواقع الفاسد. رأي اللبنانيين ببلدهم لا يختلف عن رأي العالم بلبنان. فالمؤشرات المعلنة ليست سرية، و"جرصة" لبنان موجودة في كل تقرير يتطرق للفساد بكل أنواعه. فلنتحدث بالأرقام:
-تقدر نسبة السوق السوداء في لبنان بين 33.1% و34.1% من إجمالي السوق الاقتصادية في لبنان، ويبلغ حجم هذه السوق 12 مليار و960 مليون دولار سنوياً وفق احصاءات العام 2011. أما حجم الضرائب الفائتة على الخزينة اللبنانية من السوق السوداء (التهرب الضريبي) بلغ حوالي 2 مليار و151 مليون دولار. 
- قيمة البضائع المزورة التي تباع في لبنان بين 75 و100 مليون دولار سنوياً. ويبلغ عدد تجار التجزئة الذين يبيعون البضائع المقلدة التي تشمل المواد الغذائية بين 17 و34 ألف تاجر.  
- نسبة سرقة القنوات التلفزيونية في لبنان 99.9 في المئة، أما حجم هذا النوع من القرصنة فـ  123 مليون دولار سنوياً. 
-نسبة قرصنة برامج الكومبيوتر في لبنان وصلت الى  71% في العام 2011 وهي من اعلى المعدلات عالمياً وحجم هذه السوق 52 مليون دولار سنوياً. 
-حجم أعمال مزوري الأقراص المدمجة السمعية والبصرية في لبنان 35 مليونا و500 ألف دولار سنوياً.
-يسيطر على سوق الإتجار بالمخدرات في لبنان 150 تاجرا ومتوسط قيمة الأعمال التجارية لكل منهم بين 4 الى 5 مليون دولار سنوياً. كما حل لبنان فيالمرتبة الرابعة بعد المغرب وافغانستان وباسكتان في انتاج الحشيشة في العام 2013. 
-قيمة الأموال المشبوهة التي تهرب من لبنان سنوياً وصلت الى 21 مليار دولار بين عامي 2001 و2010.
-عدد ضحايا الاسترقاق المنزلي في لبنان ارتفع من 41 حالة في العام 2007 الى 87 حالة في العام 2010.
-5934 امرأة من جنسيات مختلفة  دخلن لبنان في عام 2012 في إطار تأشيرات "العمل الفني"، إلا أن عددا كبيرا منهن يخضعن لتجارة والبغاء القسري واحتجاز جوازات السفر والأجور، القيود المفروضة على الحركة، والاعتداء الجسدي والجنسي. كما يصل عدد ضحايا الإتجار بالبشر الى 60 حالة سنويةوبين هؤلاء 38 طفلاً جلهم من الفتيات، وذلك وفق التبليغات التي تصل الى الجهات الرسمية والجمعيات اللبنانية،  في حين يرتفع العدد في حل احتساب الحالات غير المبلغ عنها. 
-حصة العمالة غير النظامية (عمالة الظل)  من إجمالي العمالة في لبنان تصل الى 51.8%. 
إنها الدولة داخل الدولة، التي يسيطر عليها من يسيطر على الدولة. في كل رقم حزب سياسي، وفي كل حزب أثرياء تتكاثر ثرواتهم من انصياع أتباعهم، ولا من استثناء.