31‏/1‏/2014

المصارف اللبنانية: خناق التركّز

الجديد - رشا أبو زكي



منذ سنوات، وتحديداً منذ اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005، يعمل "مصرف لبنان المركزي" على تشجيع إندماج المصارف الصغيرة في تلك التي تعرف بمجموعة "ألفا" (أي مجموعة المصارف الكبرى في لبنان). وعند كل حدث سياسي أو أمني يتأثر به الإقتصاد اللبناني، يعود الحديث عن أهمية الدمج المصرفي. اللافت للنظر في هذا التوجه، عدم التنبّه إلى واقع السوق المصرفي في لبنان. إذ تشهد هذه السوق حالة تركّز شديدة في حجم الموجودات والأرباح. إذ يسيطر 12 مصرفاً من أصل 72 مصرفاً عاملاً في لبنان على ما يزيد عن 95 في المئة من إجمالي موجودات القطاع المصرفي اللبناني. بينها 3 مصارف (بنك عودة وبلوم وبيبلوس) تسيطر على أكثر من 50 في المئة من إجمالي الموجودات. وينسحب هذا الواقع على أرباح المصارف الثلاثة التي تزيد عن  نصف مليار دولار سنوياً. والأخيرة تشكل أكثر من 50 في المئة من إجمالي أرباح القطاع.
التركز المصرفي، ليس محصوراً بالقطاع، إذ ترتبط المصارف بشبكة مصالح واسعة تهيمن على الإقتصاد اللبناني العام والخاص على السواء. معظم المصارف الكبرى تمتلك مثلاً شركات التأمين والعقارات التي تشكل نوعاً من الإحتكار أيضاً. والمصارف اللبنانية بمعظمها لا تخلو مجالس إداراتها ومساهميها من أسماء سياسيين أو وزراء أو نواب وحتى رؤوساء حكومات.
والأهم من كل ذلك، أن المصارف الـ 12 الكبرى، والمصارف الثلاثة التي تتربع على لائحة "ألفا" تعتبر الممول الأساس للدين العام اللبناني الذي وصل الى أكثر من 63 مليار دولار. ويشير تقرير صادر عن "مصرف لبنان" اليوم الجمعة إلى أن حصة تمويل القطاع المصرفي وصلت إلى 53.3% من إجمالي الدين (بالليرة اللبنانية). فكيف يمكن التشجيع على الدمج في ظل هكذا واقع دقيق ومهدد بالإنهيار في أي لحظة؟
لا أحد يعلم مآل السياسة النقدية المتبعة في لبنان. فلبنان لا يتأثر بالأزمات المالية العالمية بفعل ارتهان الاقتصاد اللبناني بدينه الضخم إلى مصارف محلية. كما لا تمتلك قطاعات الإقتصاد اللبناني بورصة أو أسواقاً مالية مهمة قد تهتز بإهتزاز الأسواق العالمية. لكن الأكيد أن استمرار هذه السياسة والتشجيع على زيادة التركز لن يوصل سوى إلى الهاوية. وهذا المصير ليس محجوباً عن التحاليل والتقارير العالمية، ولا بعيداً عن الواقع. إذ يشهد لبنان هذا الشهر عمليات منافسة شرسة بين المصارف اللبنانية الكبرى للإستحواذ على 3 مصارف أجنبية (ستاندرد تشارتر، البنك الأهلي، بنك لبنان والإمارات) قررت الخروج من السوق اللبنانية. سبب ترك الجنة المصرفية في لبنان يرتكز على مبرر واحد: هناك احتكار واقع على القطاع لا يمكن أن يصمد أمامه أي مصرف ناشىء ولا أي فرع لمصرف أجنبي. وحالة النفور هذه ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، في ظل وجود حوالي 12 مصرفاً أجنبياً في لبنان حصتهم تقل عن 2% من القطاع!
من جهة أخرى، عمدت وكالة "ستاندر أند بورز" إلى خفض تصنيف ثلاثة مصارف لبنانية. وليس مصادفة أن يكون اثنان من المصارف (بلوم وبيبلوس) هما من ضمن المصارف الثلاثة المسيطرة على القطاع المصرفي، إضافة إلى مصرف البحر المتوسط، وهو من ضمن أكبر المصارف اللبنانية أيضاً. أما سبب خفض التصنيف فهو: "النظرة السلبية للدين السيادي في لبنان"، بالإضافة إلى ترابط التصنيف المصرفي مع خفض التصنيف السيادي للدين الحكومي طويل الأمد. إذ أنه وبحسب الوكالة "بنك عوده وبلوم وميد، هي مصارف منكشفة بصورة كبيرة على بيئة التشغيل المحلية، بما فيها انكشافها الواسع على الدين السيادي...". 
هكذا إذن، يمكن معرفة المزاج الإقتصادي العالمي من الربط الحاصل ما بين تمويل الدين الداخلي اللبناني والقطاع المصرفي. ومنه، يمكن استنتاج الإنتقادات الموجهة من المنظمات والمؤسسات الإقتصادية الدولية لمصرف لبنان وحاكمه. فالقول أن الدمج يخفض من إمكان تبييض الأموال وتهريبها، لا يلغي أبداً الإنعكاسات السلبية لهذا الدمج على الإقتصاد اللبناني لا بل الكيان اللبناني برمته.



30‏/1‏/2014

لبنان ينقّب عن حكومته النفطية


رشا أبو زكي - العربي الجديد
 
لبنان ينقّب عن حكومته النفطية
 
بين طائفة وطائفة، وبين مصلحة زعيم سياسي وآخر، وبين أزمة حكومية وأخرى، أصبح ملف التنقيب عن النفط والغاز في لبنان قضية القضايا. الآمال بأن تصبح الثروة النفطية رافعة الاقتصاد اللبناني، تكاد تتبدد على ساحة الخلافات بين الأطراف السياسية، إذ من الواضح أن الثروة التي من المفترض أن تكون "وطنية" ويفيد منها الشعب اللبناني بكامله، دخلت ساحة المحاصصات الطائفية، وذلك قبل إقرار المراسيم التنفيذية لقانون التنقيب عن النفط.
أما الأطراف المتخاصمة على النفط فلا تتخندق سياسياً كما هو الحال في القضايا العامة، أي بين قوى " 14 آذار" و"8 آذار"، وإنما الخندقة في هذا الملف متشابكة وفق مصالح حزبية ضيقة.
هكذا، يمكن توصيف الانقسام الحاصل بين الفريق السياسي الواحد، أي "8 آذار"، من جهة، وبين الفريقين السياسيين الأساسيين 8 و14 آذار من جهة أخرى.
من هنا أصبح السبب المعلن لعدم تشكيل الحكومة اللبنانية حتى الآن هو أن كل طرف من الأطراف السياسية يطمح إلى أن يستلم وزارة الطاقة والمياه ليصبح الوصي المباشر على أضخم خزنة مالية سيفتحها لبنان، من بحره وبرّه.
وحسب وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، جبران باسيل، فإن التقديرات تشير إلى أن لدى لبنان 95.9 تريليون قدم مكعب من الغاز و865 مليون برميل من النفط في 45% من مياهه الاقتصادية.
وينتظر لبنان عمليات استخراج النفط للقضاء على الكثير من المشكلات الحادة في اقتصاده والتي تؤثر بشكل مباشر على حياة مواطنيه، وخصوصاً ارتفاع كلفة الدين العام اللبناني إلى أكثر من 60 مليار دولار، وتزايد الانفاق على الكهرباء إلى ملياري دولار سنوياً، إضافة إلى ارتفاع كلفة المحروقات التي تأكل الكثير من موازنة الدولة اللبنانية ومداخيل المواطنين.
في المقابل، فإن السبب المعلن لعدم إقرار مرسومي النفط المكملين لدفتر شروط المناقصة العالمية لبدء أعمال التنقيب، هو عدم تشكيل الحكومة اللبنانية بحسب مراقبين. فقد استقالت الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي في نهاية آذار/مارس من العام 2013، وبعد أقل من شهر، تم تكليف الرئيس تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة. ومنذ نيسان/أبريل 2013 وحتى اللحظة، لم يتم الاتفاق على الوزراء الجدد وخصوصاً وزير الطاقة والمياه.
وفي ظل هذه المماطلة، تم تمديد مهلة تقديم عروض المزايدة من الشركات المؤهلة للاشتراك في دورة التراخيص الأولى للتنقيب عن النفط والغاز في مياه لبنان الاقليمية ثلاث مرات، كان آخرها في كانون الثاني/يناير الجاري، حيث أعلن باسيل أنه سيتم وللمرة الأخيرة تأجيل عملية تقديم العروض (التي يشارك فيها وفق التصريحات الرسمية 46 شركة عالمية) حتى العاشر من نيسان/أبريل المقبل.
ويضاف إلى هذا الملف، ملف التنقيب عن النفط براً، الذي صاغ باسيل قانونه، في انتظار الإقرار في مجلس النواب.
المشكلات المعلنة بين الأطراف السياسية تشي بضخامة المصالح التي تجذّر الخلاف بحسب مصادر تتابع هذا الملف، فقد طرح عدد من السياسيين فكرة إقرار مراسيم النفط قبل تشكيل حكومة جديدة أي عبر جلسة لمجلس الوزراء المكلّف تصريف الأعمال.
والهدف من هذا الطرح إخراج الملف النفطي من عنق الزجاجة السياسية، وقد دعم هذا الطرح وبشكل أساسي رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون ليتبين أن القيام بهذه الخطوة دونها اعتراضات.
إذ إن عون يريد أن تتم عملية تقديم العروض والمناقصة عبر وزيره جبران باسيل، في حين ترفض قوى "14 آذار" هذا الموضوع كونها تعتبر أن باسيل لم ينجح في مهامه الوزارية، كما تقول مصادرها. في حين يطالب رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بالإضافة إلى خبراء نفطيين، بإقرار مرسوم البلوكات البحرية من دون إعادة دراسته، والسبب أن "عقود التلزيم التي سيتم توقيعها مدتها 30 عاماً (وبعض الشركات يطالب بعقود مدتها 40 عاماً، وبالتالي سيرتبط لبنان وأجياله المقبلة بالشركات التي ستفوز بعقود التلزيم لسنوات طويلة، إذ إن استخراج النفط سيتحقق خلال عشر سنوات، فيما ستشمل عقود التلزيم عمليات الإنتاج لعشرين عاماً لاحقاً".
كذلك يرفض عدد من الأحزاب في قوى " 8 آذار "هذا الإجراء، وخصوصاً رئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري، والسبب المعلن مطالبته بعرض البلوكات (المربعات) النفطية العشرة التي يملكها لبنان دفعة واحدة للتلزيم (لا على دفعات كما يريد باسيل)، على أن تختار الشركات البلوكات التي تريد التزامها من دون تحديدها من قبل وزارة الطاقة مسبقاً.
ويعود هذا الطرح ، بحسب مصادر بري،  إلى أن باسيل استبعد، في المرحلة الأولى للتلزيمات، البلوكات النفطية التي تقع في المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة في الجنوب، والتي تحاول اسرائيل الاستحواذ عليها.
هذه الطروحات، وخصوصاً الطرح الأخير لرئيس مجلس النواب، كان محور انتقاد ميشال عون، الذي أعلن في تشرين الأول/ أكتوبر 2013 رفضه "تحويل ملف التنقيب عن النفط إلى محاصصات".
وقال حينها: "لا ينقص سوى تطييف البترول، وهذا عيب، والنفط أينما ظهر هو لكل اللبنانيين"، وإذا بعون نفسه، وعبر وزير الطاقة جبران باسيل يعلن منذ يومين أن "حقيبة النفط ضمانة جديدة للمسيحيين، وفيها الانماء المتوازن الغائب عنهم منذ 25 عاماً، ومن حق هذه الطائفة ان تؤتمن مرحلياً على النفط".
أما مصير الشركات العالمية التي أبدت رغبتها بالمشاركة في تقديم العروض والاستثمار في المياه الإقليمية للبنان فهو مجهول فعلاً.
إذ يشرح الخبير النفطي ربيع ياغي لـ" الجديد" أنه "لا يوجد شركة في العالم مستعدة للتقدم بشكل رسمي للمشاركة في عمليات تنقيب من دون إقرار مراسيم شرعية تتعلق بمسودات التعاقد وتحديد آليات تلزيم البلوكات، وبالتالي فإن تأخير إقرار المراسيم ضد لبنان ويزيد في تردد الشركات للدخول في سوق التنقيب عن النفط اللبناني. إذ يوجد الكثير من الدول التي يمكن أن تستثمر فيها أموالها من دون مخاطر".
أما عن المخاوف من الفساد الذي يمكن أن يتحكم بعمليات التلزيم فيقول ياغي: "السمسرات والصفقات المشبوهة تحصل عادة بعد اكتشاف كميات تجارية من النفط، حينها يمكن توقع أي شيء، خصوصاً في بلد مثل لبنان".
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/economy/e325abe0-76fd-4988-81db-a21d49a8f1ff#sthash.isdEdIxQ.dpuf
http://www.alaraby.co.uk/economy/e325abe0-76fd-4988-81db-a21d49a8f1ff