6‏/11‏/2016

فصل الدين عن المرأة

رشا أبو زكي

قضية العنف في لبنان أصبحت خارج إطار الخندقة الجندرية. مجتمع يتحول شيئاً فشيئاً إلى بؤرة تعنيف، تصبح فيه قضايا النساء من التفاصيل. وليس في التعميم انتقاص من ضرورة أن يعوم مصطلح فرض المساواة الفعلية بين الجنسين ووقف العنف الجسدي، اللفظي، الجنسي والقانوني، ليصبح في قائمة الأولويات في لبنان. فالتعميم ها هنا تخصيص لهذه القضية. 

أن يتعدى مجتمع بكامل تركيبته الطائفية والمذهبية والذكورية على حق المرأة بأن تكون إنساناً غير منتقص الحرية ولا القدرات، يعني أن هذا المجتمع قادر على انتهاك الكثير من الحقوق الإنسانية لكلا الجنسين، للشباب، للطلاب، للكهلة، للأطفال وللأحياء كما الأموات. واقع لبنان لا يختلف بتفاصيله وصورته الكلّية عن الدول العربية. 

قد تتفاوت نسبة الحرية العملية التي تتمتع بها نساء لبنان في مقارنة مع نساء الدول العربية الأخرى، إلا أن القوانين المستقاة من النصوص الدينية تبقى الجامع الأبرز من ناحية هدر الحقوق المدنية والإنسانية للنساء في أي دولة عربية صودف أن وجدوا فيها، وإن تفاوتت نسب الهدر هذا بين دولة وأخرى. والحال التفصيلية هنا، تنطبق أيضاً على أحوال عامة تخنق المجتمع العربي وتقلص المساحة الحرة للعيش فيه. 

والخنق ليس أداة سلطة فقط، إذ تسهم المجتمعات ومن بينها المرأة الداخلة في مرحلة تكيّف مع واقعها، في تأمين استمرارية قوانين القمع وأعرافه.  الخاصيّة المجتمعية المحيطة بقضايا المرأة، وجّهت الحملات النسائية العربية في مناسبة "اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة" الذي يصادف اليوم الإثنين، نحو توسيع بيكار المطالب لتصيب صلب الأعراف والقوانين، بحيث تصل إلى ما هو أبعد من التشريع، أي إلى النص والإجتهاد الديني الذي تُبنى عليه القوانين العامة، ومنها القوانين التي تطال حقوق النساء والتي تبيح الإعتداء عليهن بشتى الأساليب. 

مئة وثمانون مليون امراة في العالم العربي تحاول حملة "هل تعلمين؟" التوجه إليهن. هذه الحملة التي أطلقتها انتفاضة المرأة في العالم العربي (بالتزامن مع حملة الأمم المتحدة: اتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة) ترفع شعارات تتطرق الى حال النساء في الدول العربية مع التشريعات القانونية والسلوكيات المجتمعية. 

هنا تتقاطر الأسئلة: هل تعلمين أن المرأة في قانون قطاع غزة تعتبر خادمة لأطفالها لا أمهم؟ وفي السؤال انتقاد لتحديد سن حضانة الأم لأطفالها بما يتوافق مع السن الذي يتيح للطفل الإستغناء عن "خدمات" المرأة. هل تعلمين أن القانون المصري يسمح للرجل بضرب زوجته شرط أن لا يكون "ضرباً فاحشاً"؟  أما حملة "دماغك صلحها" التي تبدأ اليوم أيضاً من مصر، فترفع مطالب أكثر تفصيلاً: "في القانون المصري، الرجل الذي يقتل امرأته وهي تخونه يخرج براءة، ومن تقتل زوجها لأنه يخونها تأخذ إعدام". "جسم الست مش فتنة، الفتنة في دماغك". 

"امراة من كل 2 متزوجات في مصر تتعرض للعنف الجسدي منذ الـ 15 من عمرها". في حين ترفع الحملات النسائية اليوم أيضاً مطالب وقف تزويج الفتيات ما دون الـ 18 عاماً، ووقف الإتجار بالنساء، وغيرها من المطالب التي تدخل خانة حصر التشريع الديني، ليصبح أقله، منفصلاً عن القانون العام للدول. في المقابل، تبدو التحركات النسائية اللبنانية خجولة في هذا اليوم. 

إذ رغم المطالب القانونية الكثيفة التي تطال وضع المراة في التشريع اللبناني، اقتصر الحراك على مشاركة منظمة "كفى" في حملة قوى الأمن الداخلي لمناهضة العنف الأسري. في حين اعتصمت أكثر من 1000 امرأة يوم أمس الأحد أمام مجلس النواب ضمن حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي".  المطالب الجريئة التي تحوم من بعيد حول مبدأ فصل الدين بنصه واجتهاداته عن القوانين العامة، وليدة واقع يشير بما لا يرقى إليه الشك إلى أن الدمج الحاصل بين "الدين والدنيا" فرّخ سلطات قامعة ومجتمعات ذكورية تستهدف بشكل خاص العنصر النسائي فيها. 

دراسة "تومسون رويترز" الأخيرة التي تطرقت إلى واقع النساء في العالم العربي خلال تقدم الثورات، وخصوصاً مع بروز الميل الديني الإقصائي لدى جزء كبير من هذه المجتمعات، يسهم في فهم الإنجراف القمعي تجاه النساء العربيات على وجه الخصوص. إذ تربعت مصر في أعلى قائمة أسوأ 10 دول في هضم حقوق المرأة، لتأتي بعدها وبالتواتر: العراق، السعودية، سوريا، اليمن، السودان، لبنان، فلسطين فالصومال. ففي مصر تتعرض 99.3 في المئة من السيدات والفتيات للتحرش الجنسي، بحيث يبدو التحرش كسلوك مقبول اجتماعياً وغير مدان قانوناً. في حين خضعت 91 في المئة من المصريات للختان. 

أما زواج امرأة مسلمة من غير مسلمة فهو ممنوع قانوناً، لا بل يخضع الطفل في حال الولادة إلى وصاية رجل مسلم... في العراق، بين كل 100 ألف طفل يولد، يوجد 68 طفلاً لأمهات أعمارهن بين 15 و19 سنة. وبين 64 و72 في المئة من النساء يستأذنّ أزواجهن قبل الذهاب الى مركز صحي. تحتاج المرأة العراقية لموافقة أحد أقربائها الذكور للحصول على جواز سفر وفقط 14.5 في المئة من النساء العراقيات هن عاملات.

 اما في السعودية ومنذ عام فقط، منحت المرأة السعودية حق العمل ولكن في أعمال مخصصة فقط للنساء. وتواجه النساء اللواتي يبلّغن عن تحرش أو اغتصاب تهمة الزنا، في حين يجب أن يبلغ عن الاغتصاب 4 ذكور نيابة عن المغتصبة لكي تحصل على إدانة، بينما على المراة أن تحصل على موافقة ولي أمرها للسفر والزواج والرعاية الصحية والتعليم العالي... 

وتكر سبحة انتهاك المرأة – الإنسانة، وتصل إلى لبنان حيث لا يواجه القانون اللبناني قضايا التحرش الجنسي في أماكن العمل، كذلك يمكن إعفاء المغتصب من المقاضاة في حال تزوج ضحيته، ولا يحق للأم اللبنانية منح الجنسية لزوجها الأجنبي وأطفالها... لا بل ان الدول التي تتربع على قائمة أفضل دولة عربية بالنسبة لحقوق المرأة إنما تعتمد فيها قوانين تهضم حقوق النساء، لكن بنسب أقل بكثير من قائمة دول العار النسوي.  كل هذه الممنوعات منصوص عليها في قوانين محلية أو عبر الأعراف الإجتماعية، وكلها تعاقب النساء بالإستناد إلى الشريعة الدينية. 

وإن كانت النساء في الدول العربية لا تعبّر صراحة عن هذا الترابط، إلا أن الواقع كما القوانين كما المطالب تدور كلها في فلك واحد وحول قضية يجب أن تصبح أكثر جرأة وأكثر علانية: لفصل الدين عن الدولة وقوانينها، عن المرأة وحقوقها.